| * خمسة أرغفة من الخبز البلدي كانت سبباً في خروج «سعيد» من منزله في ساعة مبكرة من صباح يوم ما، لكنه لم يعد ولم تأت الأرغفة الخمسة لتسد جوع أطفاله.. ببساطة مات في الطابور!! * عشرون جنيهاً كانت هدفا لعبدالباسط، أحضر مطرقته وفأسه وجلس علي الرصيف ينتظرها يوماً واثنين وثلاثة، حتي جاءته عبر مقاول أنفار دفعه لأعلي «سقالة» في عمارة لا يحلم بالسكن فيها، لكن ساقه المنهكة انزلفت فسقط من أعلي، وببساطة أيضا.. مات!! * آلام مبرحة في البطن أعاقت «أم الخير» عن استرزاقها من بيع الخضروات علي قارعة حارتها، ولأن غياب يوم يعني الجوع هرعت إلي المستشفي الحكومي لتعرف أنها الزائدة الدودة، تستسلم لمشرط الطبيب بعد أن تدفع ثمن كل شيء «الحقنة والخيط، والمُسكن» تخرج وتستمر الآلام.. وتموت.. ببساطة نسي الطبيب مشرطه في بطنها!! * حلم الكرة كان وراء خروج «نعيم» ذي السبعة عشر ربيعاً ساعة العصاري من كل يوم ليمارس هوايته في آخر قطعة فضاء تصلح للعب في منطقته الشعبية، لكن كشك الكهرباء المجاور للملعب يستغل اقترابه لإحضار كرة طائشة، ولا يسمح له بالعودة، وببساطة أشد.. مات!! * «أنا» كنت هناك علي الطريق الزراعي قبل ٦ أشهر في طريقي إلي عملي، أخطط لمستقبلي، وأنا أتطلع للحقول المتراصة علي الجانبين من طنطا إلي القاهرة، حين اهتزت السيارة بغتة بفعل اصطدام من الخلف ـ، واستقرت بجوار شريط السكة الحديد، لكنني ببساطة مماثلة .. لم أمت!! وإنما شاهدت الموت رأي العين، وارتضيته في ثوان معدودات واستسلمت له تماما، حتي كانت رحمة من ربك بالتأجيل إلي أجل مسمي. * في بعض كتب الفقه والسيرة رواية لا أستطيع أن أجزم بمدي صحتها، وإن كنت علي الأقل لا أجد مبررًا لتكذيبها تقول: «إن نبي الله موسي عليه السلام كلم ربه داعيا وراجيا أن يمد في أعمار أمته مثل قوم نوح الذين كانوا يعيشون ما بين الـ ٩٠٠ والألف سنة، بينما تقول تلك الكتب أن الأعمار في عهد موسي كانت من الممكن أن تصل إلي ٢٠٠ سنة، وموسي نفسه مات عن ١٢٣ عامًا، فقال الله عز وجل لكليمه موسي إن أمة تأتي من بعدك أعمارها بين الـ ٦٠ عامًا والـ ٧٠، فقال موسي: «والله لو تعلم هذه الأمة ـ يقصدنا ـ أعمارهم.. لبنوا قبورهم علي أعتاب دورهم». * ليس المقصود بالطبع أن تبني قبرك علي عتبة بيتك، لكن أن تدرك أن الموت قريب منك، قد يأتي في أي لحظة وبأتفه سبب، وربما في وقت لم تشعر بأمان مثله من قبل، وأن تتعظ دون أن تشغل نفسك بانتظاره، والفارق كبير بين الانتظار والاستعداد، تبينه المعادلة الحسابية الخالدة: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا.. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا». * ربما تسأل: «لماذا أسقط أولياء أمورنا في كل مواقع المسؤولية الجزء الثاني من هذا القول الشريف واكتفوا بالأول الذي يخص الدنيا؟ هل أمنوا مكر الموت؟! أم أشعرتهم (بروجهم المشيدة) أن هذا الموت ما هو إلا مرض لا يداهم إلا الفقراء، أو علي الأقل لن تخترقهم (فيروساته) إلا بعد عمر طويل جداًًًً يفوق متوسط أعمار العامة والغوغاء، ويكونون في ذلك الوقت قد شبعوا من الدنيا.. ولن يشبعوا». * الأرجح أنهم أمنوا ألا يموتوا في طوابير العيش، أو يسقطوا من فوق سقالة، كما أمنوا بالطبع ألا ينسي طبيب مشرطًا في بطونهم، لأنهم لا يأكلون الخبز الذي ينتجون، ولا يعالجون في المستشفيات التي يديرونها ويشرفون عليها، كما أن الكهرباء لن تصعقهم، ولن يتعرض أحدهم لحادث تصادم لأن الطرق في الأغلب يتم إخلاؤها تماما لعبورهم بينما «الأوباش» في سجن «الإشارات» ينتظرون، والمؤكد كذلك أن القطارات الطائشة لا تعرف الطريق إلي قصور الحكم ومؤسسات القيادة ومجالس السلاطين، ومقاعد الموافقين والمصفقين، ومنازل السادة الأكابرالمستجيرين من الشعب بكتائب الأمن المركزي. * لهذا علي ما يبدو هم مطمئنون، وفي مسيرة الفساد مستمرون، وفي طريق النهب سائرون، لا يردعهم رادع، ولا يعكر صفوهم هاجس إلا غضب «السيد»، وتعكُر مزاج السيد، وأحلام السيد، وأوامر السيد، والحقيقة أنهم ليسوا إلا أمواتًا تحكم وتتحكم، وسيدهم ما هو إلا ميت ابن ميت سليل أموات لو كانوا يعقلون.. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الأحد، 30 ديسمبر 2007
الموت علي عتبة الدار
الاثنين، 10 ديسمبر 2007
وثيقة لـ«ترشيد الفساد»
| ربما يحيرك الجدل الدائر حالياً حول ما يسمي «مراجعات تنظيم الجهاد» أو تلك الأفكار -الجديدة القديمة- التي أعلن الشيخ سيد إمام، منظر هذا التنظيم التكفيري، إعادة طرحها وتبنيها، نافياً بها كل الأفكار المتشددة التي استند إليها الشخص نفسه في تقديم الفتاوي الشرعية لأتباعه لممارسة القتل والنهب والتكفير. انقسم الناس حول «وثيقة ترشيد الجهاد» التي بادر بها إمام ما بين مؤيد، يري فيها نهاية نظرية وفكرية لمنهج العنف المسلح ــ بعد نهايته عملياً ــ وعلي النقيض من ذلك اعتبرها آخرون هدنة مؤقتة تعلنها هذه الجماعة في ثوب مراجعة بفعل الضغوط الأمنية، باعتبار جميع مروجيها من نزلاء السجون، وبفعل تغير الظروف السياسية والدولية والشعبية، بما لم يعد يسمح لمثل هذه الأفكار بالنمو والانتشار والتحول إلي قدرات تنظيمية وحركية قادرة علي المواجهة المسلحة من جديد. وما بين هدنة مستترة ومبادرة أمل، سقطت أنت في حيرتك لا تعرف هل هي مجرد «بروباجندا» أمنية التوجيه والتنفيذ، أم هي وثيقة «تاريخية» بالفعل تضع نهاية فكرية للتطرف والتكفير بواسطة أهله. المؤكد أنك لن تستطيع سبر النوايا إذا ما كنت من مؤيدي شكوك الهدنة المؤقتة، ومن القائلين بأن هذه المبادرة مجرد فعل من أفعال «التقية» تظهر خلاله عكس ما تبطن، تأثرا بلحظة ضعف، وانحناء لريح ضغوط أمنية وسياسية عصية علي المقاومة. والأرجح أنك تخشي أن تفرط في التفاؤل وتنضم إلي قوافل المؤيدين لهذه المبادرة وكأنها «فتح الفتوح» وعقد الأمان الجديد للمجتمع، الذي تخلص أخيراً من تهديدات التكفير والعنف المسلح، رغم أن هذه التهديدات منتهية عملياً منذ سنوات وجميع أمراء الحرب المؤثرين، ما بين سجون مصر وكهوف وسط آسيا، وشاشات الفضائيات، وجنة اللجوء السياسي في أوروبا. ولكن لماذا لا تترك النوايا لأصحابها، وتنظر لتلك الأوراق بتجرد وتتعامل معها كنص أدبي أو حلقة درامية من سيناريو طويل، بطله منظر متشدد أقام الدنيا ولم يقعدها، إلا بعد إراقة أنهار من الدماء، ثم عاد بعد سنوات طويلة من تشريع القتل، وتقديم الوعود الفقهية للقتلة بالثواب والأجر وجنات عدن، ليقول علي الملأ: «كنت مخطئاً» ثم يشرع في تقديم نقد فقهي وفكري لكل الأفكار التي تبناها في السابق، وكل الفتاوي التي أفتاها، وكل الممارسات التي استندت علي تلك الأفكار والفتاوي، وخلفت وراءها دماراً وقتلاً وتكفيراً. وقتها ستستهويك فكرة «المراجعة» في حد ذاتها، وربما تشعر ــ كفرد ــ برغبة في تأمل ما مضي من حياتك، لتراجع بعضاً من تاريخك، وتمارس نقداً ذاتياً لقراراتك واختياراتك وأهدافك في الحياة، وربما تخرج من تلك المراجعات باعتراف صريح بالخطأ، أو بقرار حاسم باستبدال مسار حياتك، أو تعديل وتغيير بعض قناعاتك، أو تحملك تلك المراجعات قدراً من المسؤولية عن أضرار أصابت من حولك. تخيل الآن أن تلك المراجعات صارت منهجاً عاماً، يمارسه الأفراد والمؤسسات، وأن نقد الذات صار عنواناً لمرحلة جديدة من تاريخنا وتوقع ما قد يعود عليك ــ كشخص أو مجتمع ــ من وراء هذه المراجعات التي يمكن أن تحدث في كل اتجاه ونشاط وتيار. لو افترضنا أن جهازاً وطنياً مثل الشرطة قرر أن يجري مراجعات حقيقية لأدائه وسلوكه ــ وهم أدري بطبختها ــ كيف يمكن أن تساعده هذه المراجعات علي تحسين علاقته بالمواطنين ودعم مصداقيته في الشارع؟ وبالتوازي ماذا يمكن أن يتكشف للناس لو قامت المجموعة الاقتصادية في الحكومة بمراجعة سياساتها خاصة في مجال «الخصخصة من أجل الخصخصة» وماذا سيحدث لو قامت الحكومة بنقد موضوعي لمشروع مثل «توشكي» واعترفت بأنها باعت الوهم للمواطنين وبشرتهم بالسمن والعسل، وفاضت علي تلك المنطقة بنهر من الأموال قبل أن تفيض المياه دون عائد حقيقي حتي الآن. وبما أنك تتخيل، أرجوك اطلق لخيالك العنان وافترض جدلاً أن أحد «أمراء» الحزب الوطني الحاكم ومنظريه، قرر أن يجري مراجعة شاملة لأداء ومنهج وسلوك الحزب منذ تأسيسه حتي الآن، هل تعتقد أن مراجعة موضوعية يمكن أن تحدث دون أن تتضمن اعترافاً واضحاً وصريحاً بما ارتكبه هذا الحزب من إفساد للحياة السياسية، وانتهاك لحقوق المواطنين واحتكار للسلطة والثروة والقرار، وإفساد للصحافة والبرلمان والقضاء، وإهدار وتبديد لثروات الوطن وتزوير لإرادة الجماهير، ورعاية للفساد ورموزه وإنتاج مناخ عام تسوده المحسوبية والرشوة والاحتكار والتمييز والاستبداد؟! ربما يخرج علينا ذلك «الأمير المفترض» ليردد المقولة الرسمية التي تعتبر أن «الفساد أمر واقع وداء تعاني منه كل دول العالم، ومن الصعب القضاء عليه نهائياً»، وعندها يمكن أن نرد علي «سموه» بأننا لا نأمل أن تنتهي مراجعاته بمبادرة للقضاء علي فساد صار جزءاً من المرحلة وسمة أساسية لها، وإنما يكفي مؤقتاً «وثيقة لترشيد الفساد» تتبناها مراجعات تنظيم الحزب الوطني الحاكم، وليكن شعارها: «ليه تنهب أكتر.. لما ممكن تعيش ملك.. وتنهب أقل»! |
الاثنين، 3 ديسمبر 2007
الاستقواء بالشعر
| في كل مرة كان الشعر حاضراً خلف قراره، تعود أن يفر إليه كلما واجه أزمة في حياته المليئة بالعثرات، يكتبه بنفسه مترجماً واقعه، أو يستحضره لشعراء آخرين، يسقطه علي نفسه، وأحياناً يلوي عنق الكلمات ويغير اتجاهها لتبدو منسحبة علي حزنه أو فرحه أو عشقه أو غضبه. خلف كل قرار مصيري في حياته تجد قصيدة شعر تأتيه بعد حيرة وكأنها الوحي الذي يفصل في قضيته بحكم واجب النفاذ، لافرق هنا إن كانت القصيدة بنت أفكاره أو كانت من مخزون قراءاته لكنها تأتيه دوماً في اللحظات الفارقة لتدير بوصلته إلي اتجاه يبدو قدرياً ووحيداً. تعلمت منه الاستقواء بالشعر، وأدركت بسببه هذا الإحساس الخالد بالقوة والجبروت، رغم الوهن الظاهر والضعف الواضح، لكن الشحن الشعري الذي علمني استرجاعه عند الشدة كان من السحر ليهزم هذا الضعف ويعيد صياغة واقعه الهابط ويفتح في جدرانه ثغرات ينفذ منها ضوء كاشف يبدد كل الظلمات. حين اتخذ قرار الهجرة كانت قصيدة «نشيد الخبب» - لحسن طلب - حاضرة خلف قراره، كان يردد منها: «إن البلد الآن يخرب/ ما عاد من الوادي غير فيافيه/ وحقول الدلتا تجدب/ لكن مازال الأجلاف علي الأكتاف/ يسوسون الشعب الجائع / (إن يسوس تساوي يسلب.. يحكم تعني ينتهب). ورغم أن قصيدة «طلب» الرائعة خارج سياق كل مشاكله وأزماته إلا أنه كان يملك قدراً من الحكمة ليقول: «الشعر بوقعه عليك وليس بما يقصده الشاعر»، لكن قرار رحيله بقي قراراً مأزوماً لا يجد الحسم حتي عاد الشاعر يغزوه بالقول: «ما دمت عزمت/ فكل بعيد الشوط سيقرب/ إن أقدمت». وتجده يعزز قراره ويحصنه من سياق النشيد ذاته: «أنا ما شاهدت هنا إلا السجن الواسع/ لا ينقصه غير النطغ مع السياف/ لا رادع يدفع عني الضيم اليوم.. ولا شافع». المؤكد أن قراره بالرحيل لم يكن يستحق كل هذا الشحن الشعري، لأن مبررات الواقع أقوي في الأغلب، لكن ما يؤلمه في الوطن يؤلم غيره مئات غيره.. آلافاً.. ملايين، ماذا لو فكر كل منهم في هذا الواقع بتلك القسوة دون استقواء بالصبر؟ لا شيء سيبقي من هذا الوطن بالطبع سوي بعض المرتزقين من إحباط الناس والكيد لهم وحفر الأفخاخ.. وبعض الفسدة حول السلطان.. والسلطان.. ومتاريس كانت تستخدم في قطع الطرق علي قوافل تحمل أملاً ما.. ويعود إليه الوحي: «ما أسعد هذا الشعرور الخانع/ لاذ بخيمته في التيه/ وأيقن أني ــ لابد ــ سأخسر/ وهو سيكسب» تدفعه هذي الكلمات لتفكير مختلف: هل أرحل وأترك للفسدة وطني؟ هل نرحل ونترك هذا الوطن العاق بأبنائه يسقط كمسيح سلمه «يهوذا» للصلب؟! يعود ليجد بين سطور الشاعر ما يدعم تراجعه: «ما أتعس من يبدأ أمراً لا يستوفيه/ بل يقنع بالأرباع وبالأنصاف/ ويرجع لا هاجم في الحرب.. ولا دافع»، ومن بين تلك السطور أيضاً شاهد حجم إنجازه الذي كان سيخلفه وراءه لو رحل مضحياً بنضال من صدق القول ووضوح الموقف فيقول مع الشاعر: «أولم ترني كيف طفقت.. أجد وأنصب/ كي أصنع هذا النص الناصع؟!» فوجئ بالقصيدة تلخص حياته في كلمات يراها ــ بعد لي عنقها طبعاً ــ معبرة عن تاريخه القصير في وطن لا يعطي إلا الغرباء أو الأنصاف، فيقول وكأنه يلخص هذا التاريخ: «لم أتفلسف/ لم أضف القول إلي القول ولم أحذف/ فتحريت الصدق ولكن لم أتحر النحو الشائع/ لم أعبأ بأوامره ونواهيه». عندما يقرأ: «يا نكرات الشعر ويا معروفيه : كم أوغلتم في الإسفاف»، يعترف أنه مازال أمامه الكثير لقوله وفعله وإنجازه واستكماله، لم يسقط خيار الهجرة، قل إن شئت استبدل مسارها. ووجد بعض ملامحها بطريقته في «نشيد الخبب»: «لا لوم اليوم علي/ إن كنت هجرت معاقلكم/ وتركت فضاء السوق لكم/ بمقاهيه وجواريه». والهجرة داخل الوطن لم تكن نهاية مطافه وقرارها كسابقه لم يصمد أمام وساوس نفسه، التي حدثته بأن شعارات تدعو لصمود يجلب أملاً هي أوهام وسرابات، أو هي للدقة حل العاجز يخدع نفسه بالآمال المنفتحة في أفق واسع، يستند إلي كلمات الشاعر في رفض حلول الوسط المائع: «ما أجرأ هذا الخبب الخادع!/ ما أطمعه/ أيظن سيخدع إياي/ يغريني بالإيقاع لأنسي الواقع/ هيهات أنا لست الإمعة الخاشع/ حاشاي فاخدع غيري يا خبب وأغر سواي». ينتهي به الحال إلي السقوط بين إغراءين، كلاهما يستهويه الأول: أن يبقي في ميدانه يستكمل معركته حتي نهايتها و الثاني يعتبر خروجه نهاية لا تحمل اسماً آخر، ويطمئن نفسه: «إن النصر جنين خروج والأمل هناك علي شاطئ آخر»، لكنه يحتاج الشعر، يستقوي بأبياته ويفر إليه فيسقط في دوامة إغوائه وتظل غواية هذي الكلمات تحركه، ينتظر الوحي القاطع لا يأتي فيؤجل موقفه الحاسم.. منتظراً دعم الشعراء !! |
الاثنين، 19 نوفمبر 2007
هاجروا تنالوا إحدي الحسنيين
| لم يكن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- خائناً لوطنه أو جاحداً له حين شرع في الهجرة من مكة إلي يثرب، ورغم كل ما لاقاه من جحود ونكران وتكذيب بين أهله، وقف قبل رحيله مخاطباً مكة: (والذي نفس محمد بيده لأنت خير بلاد الله وأقربها إلي قلبي.. ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت). بالطبع كان الرسول الكريم -صلي الله عليه وسلم- يدرك تماماً أنه مدعوم إلهياً وأن الله تعالي لم يضيع رسالة التوحيد وسينتصر لها عاجلاً أو آجلاً، وكان يمكن أن يفضل البقاء بين أهله وعشيرته، مفضلاً تحمل الإيذاء والتضييق اليومي مستنداً إلي ثقة لا حدود لها في الدعم الإلهي. ولكن إرادة الله شاءت أن يهاجر وأن يلبي نداء من آمنوا به ونصروه وقدروه حق قدره، وأن يخطط للبقاء بينهم وتأسيس دولته من هناك، غير مكترث بأولئك الذين كفروا به وجحدوه وأرادوا وأد دعوته وكتم صوته وتآمروا عليه للتخلص منه، رغم كل ما كان يربطهم به من أرحام وأنساب. وضعت الهجرة النبوية قاعدة أساسية عبر عنها القول الحكيم: (ألم تكن أرضي واسعة) للرد علي كل من يشكو ضيق الحال وصعوبة العيش، وحتي الإحساس بعدم الاكتفاء المادي أو التحقق المهني، وحرض الإسلام المؤمنين به علي السعي في مناكب الأرض سواء لتحقيق كسب مادي، أو تحصيل علم، أو البحث عن فرصة مهنية أفضل وحياة أكرم وأوفر. أنت إذن لست جاحداً أو خائناً لوطنك إذا ما قررت الرحيل عنه، ولست (طماعاً) كان يمكن أن تأكل خبزاً وجبناً في بيت أمك فغادرت أملاً في السمن والعسل، فالأصل أن تسعي وتطلب الفردوس، والاستثناء أن تغلب قلة الحيلة وترضي بمرارة العيش وبحياة ضيقة مع السلامة والأمن علي حياة أفضل مرهونة بمغامرة محفوفة بالمخاطر أو بغربة أشد مرارة وألماً. ولكن كما حرضك الإسلام علي الهجرة دعاك في الوقت نفسه إلي الأخذ بالأسباب، ولعلك تدرك ذلك حين نستعرض قصة الرسول الكريم وتري كيف تم الإعداد لها وتنفيذها بخطوات محسوبة سلفاً حتي تمت بنجاح. هذا هو القول الذي أفهمه وأتبناه وأروج له وأحرضك عليه: لا تأس علي وطن يرفضك ويضيق عليك ويكتم أنفاسك ويحاصر أحلامك ويطارد طموحك ويسجن إبداعك ويستغلك ويمص دمك دون ثمن.. لا تصدق من يقولون: (بلدك بيك أولي) فأحلامك المشروعة هي الأولي من أي شيء وكل شيء، والسعي الجاد لتحقيقها في أي بقعة من أرض الله أوجب من التعلق بأساطير حول وطنية مجانية دون عطاء متبادل، وأبرك من الجلوس علي مقهي لسماع الراديو الرسمي يبث في الناس روحاً لم يعد لها معني ولا ترجمة تقول: (ماتقولش إيه اديتنا مصر وقول هندي إيه لمصر)! عليك أن تفهم أن الأصل في الأشياء أن تعطيك مصر أولاً حتي تصبح مؤهلاً لرد عطائها بما هو أكبر، الأصل أن تمنح ثم تحصل علي الثمن، لا أن تحصل علي ثمن بضاعة لم توفرها أو وفرتها فاسدة ورديئة، الأصل أن تمنحك تعليماً جيداً وتكافؤ فرص حقيقياً في شغل الوظائف، وإنصافاً في توزيعها دون محسوبيات علي من يستحق، إلي جانب مناخ حر يسمح بالإبداع والابتكار والتطوير. عندها فقط يمكن لمصر أن تنتظر منك شيئاً، أما أن يتقلص عطاؤها إلي الحد الأدني ثم تفتح ذراعيها لتستقبل منك الثمن -الذي لن يخرج وقتها عن مزيد من الصمت والإذعان لوكلائها والمتحدثين باسمها في قصور الحكم- فذلك هو الضياع بعينه. الأفضل لك أن تغامر بالخروج علي أن تظل أسيراً لوهم اسمه (الأمان)، ففي جميع الأحوال أنت في غير مأمن، سواء كنت في بحر تسير مصارعاً الأمواج المفترسة في اتجاه حلم شديد الصعوبة، أو كنت في حضن أمك تربت بذراعيها عليك في حسرة وتبكي أنت علي صدرها مرارة الدوران حول نقطة الصفر. إذا كنت من المتشائمين فلابد أن تدرك أنها (خسرانة.. خسرانة) جلوسك في مكانك بخسارة، وخروجك لتطارد أحلامك بخسارة أيضاً، ولكنك لو نظرت إليها بواقعية لتأكدت أنه لا جدوي من الجلوس بينما يمكن أن يكون هناك بصيص أمل في الخروج يستحق المطاردة والسعي. اخرج إذن في سبيل أحلامك المشروعة واركب البحر ولا تنظر خلفك، فالعدو الحقيقي من ورائك، ولا تستمع إليهم حين يقولون إن خروجك انتحار، هم لا يدركون أن الموت بفعل الحسرة أشد قسوة وألماً من الانتحار، فأصحاب الفتاوي الجاهزة -التي تذهب إلي السلطان دليفري وجاهزة بنار الفرن فور طلبها- لم يجربوا ما أنت فيه، ولم يذق أبناؤهم ما ذقته من حرمان وضياع وموت بطيء. هاجر تنل إحدي الحسنيين.. إما بلوغ أحلامك، أو الموت علي أبوابها، فإذا بلغتها فبها نعمت.. وإذا فشلت فيكفيك شرف المحاولة والسعي، وقتها سيختلفون في أمرك: هل هو خير أم إثم؟! خطأ أم صواب؟! شهادة أم كفر وانتحار؟! وساعتها لن يضيرك اختلافهم.. وسيكفيك أنك شهيد أمام نفسك وأمام قلب أمك الثكلي التي تعرف حقيقة ألمك، وتدرك دوافعك، وتعرف أنك ما خرجت إلا (مهاجراً) لتسعي وراء رزق حلال وحياة آدمية وحلم مشروع، وتلك هي الشهادة بعينها.. والله تعالي أعلي وأعلم. |
الاثنين، 22 أكتوبر 2007
وزارة «المد» لصاحبها يسري الجمل
| بالقطع كان من المنطقي أن يتبادر إلي ذهني أسماء كثير من أصدقاء وزملاء الدراسة الذين تخرجوا معي في الجامعة قبل ٨ سنوات بمجرد سماعي هذا الخبر. والخبر هو قرار د. يسري الجمل وزير التربية والتعليم مد خدمة جميع من بلغ السن القانونية للمعاش في الأول من أكتوبر الجاري لمدة عام كامل. آلاف من المعلمين والإداريين والعمال في المدارس والمديريات وديوان عام الوزارة ممن بلغوا سن الستين في هذا التاريخ رأت وزارة التعليم أنهم يستحقون البقاء في وظائفهم والاستمرار في «مص» ميزانية الوزارة في صورة رواتب وحوافز ومكافآت «وكادر» طبعاً، بينما يستحق زملائي وآلاف غيرهم من خريجي كليات الآداب والتربية والعلوم وغيرها البقاء سنوات إضافية في سجن البطالة، أو في جحيم العمل في وظائف مهينة وقاسية ولا تتناسب مع مؤهلاتهم التي حصلوا عليها ليعملوا في التدريس، في الوقت الذي امتنعت فيه الوزارة عن توضيح أسباب هذا القرار وما هي أهمية «دفعة ١/١٠/٢٠٠٧ معاشات» بالتحديد لصالح العملية التعليمية. يكفي أن تعرف أن كثيراً من زملائي الذين تخرجوا معي في الجامعة من كليات وأقسام تؤهلهم للتدريس ومسك الطباشير بدلاً من الوقوف أمام التلاميذ يقفون في أماكن أخري ما بين عامل في محطة بنزين ومندوب مبيعات يعمل بالسخرة، وفرد أمن يقف لحراسة مدرسة خاصة كان من المفترض أن يكون مدرساً فيها أو في غيرها، أو «فواعلي» في مجال المقاولات يحمل الطوب والزلط علي كتفيه لتلبية نداءات الحاجة والعوز. كل هؤلاء حاصلون علي ليسانسات وبكالوريوسات من أقسام مختلفة في كليات الآداب والتربية والعلوم، رضوا بهذه المهن كبديل مؤقت هم وآلاف غيرهم عاطلون تماماً، وجميعهم ينتظر الفرج دون أن يعرفوا أن هناك في حكومة نظيف ووزارة يسري الجمل من لا يرحم ولا يترك لرحمة الله فرصة، ويصدر قراراً بالمد لمن وصلوا سن التقاعد في دولة تعاني من البطالة ومن نقص الموارد اللازمة لتمويل الوظائف. ألم يكن زميلي «فيصل» الذي تخرج معي في كلية الآداب قسم اللغة العربية قبل ٨ سنوات أحق بالدرجة التي كان من المفترض أن يخليها أحد هؤلاء «المعاشات» بدلاً من عمله في محطة بنزين، أو «بديع» الذي تخرج في كلية الآداب قسم جغرافيا ويطوف علي المحال والبيوت لبيع المنظفات، أو«سالم» الذي تخرج في كلية التربية الرياضية ويعمل فرد أمن، أو «فريد» الذي تخرج في كلية العلوم قسم كيمياء ويعمل «تباع» علي إحدي سيارات توزيع المياه الغازية. كل هؤلاء نماذج حقيقية من لحم ودم كانوا أحق من أصحاب المعاشات ومعهم الآلاف من العاطلين، وكان من الممكن أن تفتح هذه الدرجات الوظيفية التي كان من المفترض خلوها باباً جديداً للأمل أمامهم. قبل ١٢ عاماً تقريباً كنت أنا وصديقي محمد في انتظار بطاقات الترشيح في مكتب التنسيق بعد نجاحنا في الثانوية العامة، يومها جاءته البطاقة علي كلية الطب البيطري، وكان مجموعه أيضاً يؤهله لدخول كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكلية العلوم، لكنه رفض الثلاث واتجه إلي كلية التربية حيث كانت عيناه علي كلية تساعده علي العمل بعد تخرجه مباشرة، في وقت كان معروفاً فيه أن كلية التربية «تكلف» خريجيها وتستوعبهم وزارة التعليم في مدارسها وبعد ٤ سنوات وتحديداً في عام ١٩٩٩ تخرجنا سوياً، أنا في كلية الآداب وهو في كلية التربية قسم رياضيات، لكن كان العام نفسه الذي قررت فيه الحكومة إلغاء تكليف كليات التربية لتطيح بأحلام محمد ومن معه في لحظة ودون سابق إنذار. كان خريج كلية التربية يجد وظيفة جاهزة فور تخرجه، هكذا كان العرف الذي يفترض بالدولة إذا ما أرادت تغييره أن تعلن ذلك وتبدأ تطبيقه علي طلاب في مرحلة الاختيار، حصلوا تواً علي الثانوية العامة، حتي لا تطيح بآمال طالب اختار كلية خصيصاً من أجل الوظيفة، وضحي من أجلها بكليات كان من الممكن أن تمنحه لقب «دكتور»، واطمأن لذلك عاماً واثنين وثلاثة وأربعة، وضاع كل شيء فور تخرجه. ٨ سنوات مرت علي تخرجه جرب خلالها كل شيء، مدارس خاصة تمنحه ١٢٠ جنيهاً شهرياً وحين يعترض يقول له صاحبها «إدي دروس خصوصية»، والمدارس الخاصة غير متوافرة حيث يقيم بإحدي القري في الغربية وتحتاج إلي سفر وغربة دون عائد. واليوم وبعد مرور ٨ سنوات علي تخرجه، يعمل الرجل مدرساً بالحصة يتقاضي ٣ جنيهات عن كل حصة، حسب الأوراق الرسمية تنتهي عند صرفها إلي ١٧٥ قرشاً وينتظر مستحقاته مرة كل ٣ أشهر، بينما تمد الحكومة للآلاف من أصحاب المعاشات في وظائفهم، في تناقض صارخ مع السياسات المعلنة، وكأنها أدمنت ثقافة المد «باليد» للمعونات والجباية، و«بالقرارات الإدارية».. للمحاسيب و«باللسان» للكذب علي الناس. رحم الله جدتي كانت تقول: «اللي أكل أكل من زمان.. واللي فرح فرح من زمان.. واللي نفد نفد من زمان، ربنا يعوض عليكم ويكون في عونكم ياولاد اليومين دول»! |
الاثنين، 15 أكتوبر 2007
مجدي مهنا نقيباً للصحفيين
| اعتاد والدي العزيز أن يبدأ قراءته اليومية لجريدة «المصري اليوم» بالصفحة الأخيرة، حيث يدخل أولاً «في الممنوع» مع مجدي مهنا، قبل أن يتنقل بين صفحات الجريدة بنهم قاريء محترف، مكّنه هذا الاحتراف من أن يفهم في أحوال المهنة والسوق أيضاً، ويقول: إن هناك كتاباً يمثلون إضافة كبيرة جداً ومزدوجة لصحفهم علي مستوي المهنة والسوق معاً، فتساهم كتاباتهم بشكل ما في رفع نسبة توزيع الجريدة، وتكون أحد عوامل الترجيح الرئيسية حين يقف القاريء حائراً بين عدة إصدارات. ويري والدي ــ ومعه كل الحق ــ أن مجدي مهنا من ذلك النوع، ويجزم ــ ويعتقد بشدة في صحة ما يقول ــ أن لمهنا «زبائن» يخصونه وحده من بين عشرات الآلاف الذين يلتهمون «المصري اليوم» كل صباح، يتحركون كل يوم في اتجاه باعة الصحف من أجله أولاً، ويضيفون إلي هدفهم الأساسي متعة إضافية بباقي صفحات الجريدة. يفقد الوالد نسبة كبيرة من متعته في القراءة، حين يفاجأ باعتذار منه عن عدم الكتابة غير محدد الأسباب، ووقتها يحاصرني بالأسئلة: «لماذا لا يكتب؟».. «هل خضعت الجريدة لضغوط لمنعه من الكتابة؟».. والغريب أن تساؤلات أبي كانت نفسها تساؤلات تستقبلها الجريدة بغزارة، خاصة في فترات غيابه الطويلة بسبب ظروفه الصحية. مثلما يعرف والدي مجدي مهنا، يعرف كذلك بحكم قراءاته معظم رموز المهنة، وفوجئت به مؤخراً يعرف الخلفية السياسية التي جاء منها كل عضو في مجلس نقابة الصحفيين، ويحمل هذا المجلس قدراً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة الحالية، معتبراً أن معظم أعضائه مشاريع حقيقية لزعماء سياسيين، اعتبروا النقابة البديل الممكن في ظل تردي الحياة الحزبية في مصر وحصارها من قبل النظام، وهو ما أدي إلي تغليب السياسي علي المهني في أداء النقابة، وفي تحديد أولوياتها ومعاركها، ويري أنه في ظل حياة حزبية وديمقراطية سليمة كان من المفترض أن يكون معظم أعضاء المجلس الحالي رموزاً وقيادات بارزة في أحزاب سياسية، وكان احتواء هؤلاء، والاستفادة منهم في حياة سياسية نشطة وفعالة، كفيل بحماية النقابات عموماً من مخاطر التسييس، وتوفير جهدها في النضال لتحقيق ظروف مهنية واقتصادية أفضل لمنتسبيها. وعطفاً علي ذلك، لم يجد فيما أبديته من تفاؤل بنقيب ومجلس جديد أي مبرر في ظل ترسيخ ثقافة الاختيار نفسها، ومنهج التحالفات القائم علي توزيع المقاعد بـ«كوتة» تضمن تمثيل كل التيارات «السياسية» وكأنها برلمان وليس نقابة مهنية. قلت له: ألا تعتقد أن مجلساً يقوده شيخ من شيوخ المهنة مثل مكرم محمد أحمد قادر علي حماية الصحفيين وتخفيف الاحتقان وتحقيق مكاسب مهنية للصحفيين دون التنازل عن مطالب حرية الصحافة؟! لكنه اعتبر أن مكرم كان في فترات كثيرة جزءاً من هذا المنهج، وهذه الثقافة القائمة علي التوافق السياسي فقط، باعتباره أحد فرسين تناوبا الكرسي لسنوات وفق معادلة «نقيب الحكومة ومجلس المعارضة»، وقال إنه آن الأوان أن يبادر جيل جديد بتحمل مسؤولياته نحو مهنته وزملائه، وهو جيل يسمي، علمياً، جيل الوسط، لكنه بحكم السن جيل القيادة والتأثير في العالم كله. واعتبر الوالد العزيز أن الزميل مجدي مهنا هو الأنسب لقيادة هذا الجيل والمؤهل لتوحيد الجماعة الصحفية علي أسس مهنية بحتة، وفي الوقت نفسه علي مواقف سياسية رئيسية تقبل الاختلاف لكنها لا تقبل التفريط، ويري فيه مزايا عدة تؤهله للجلوس علي مقعد النقيب، منها أنه نقابي بارز وله تجارب سابقة، وشارك في مجلس المواجهة الذي وحد الصحفيين خلفه، ونجح في إسقاط القانون ٩٣ سيئ السمعة، وأيضاً لكونه مستقلاً سياسياً، قولاً وفعلاً، وغير محسوب علي أي تيار سياسي، مما يؤهله للابتعاد بالنقابة عن دائرة الاستقطاب أو الخضوع لتأثير وابتزاز أي طرف، حتي لو كان الدولة، وكذلك ما يستشعره الوالد من وجود إجماع عليه أو علي الأقل «شبه إجماع» بعدما لمسه من إجماع عليه ككاتب وإنسان سواء علي مستوي الشارع أو المستوي الصحفي. قلت لوالدي: أنت تحب مجدي مهنا، وتريد أن يتوج تاريخه النقابي والمهني بكرسي النقيب، وهو يستحق ذلك بالفعل، لكن من قال إن لديه النية أو الرغبة أو حتي التفكير في ذلك؟!، قال: المطلوب منك أن تقول له: «أبويا بيسلم عليك وبيقولك: لو كان لقراء الصحف أصوات لانتخبك مع الآلاف من قرائك نقيباً للصحفيين». |
الاثنين، 8 أكتوبر 2007
فتشوا عن «المــُـلا»
| مثل أفلام رشدي أباظة التي يفاجئك فيها قرب النهاية بأنه ليس زعيم العصابة وإنما الرجل الثاني، وأن الزعيم الحقيقي هو أوضح شخصية إليك، وربما أكثر من شاهدته في الفيلم يتحدث عن الأخلاق والشرف، لن يخرج فيلم اصطياد الصحفيين عن هذه «التيمة» السينمائية التي ألفتها السينما المصرية وحفظتها وأتقنتها، وأعادت إنتاجها أكثر من مرة. في البدء يحاول البعض إيهامك بأن الأحكام والدعاوي القضائية التي تطارد الصحفيين تأتي في إطار مصادفة قدرية وعبقرية من حيث التوقيت والأهداف، وأن خيوطها متباعدة ولا يربط بين قضية وأخري سوي أن بطلها محام يسعي إلي الشهرة. وتأتي حالة «الطناش» التي تسيطر علي قيادات الحزب الوطني فيما يتعلق بهذه الأزمة، كمحاولة لدعم هذا السيناريو وترويجه. لكن هل تصدق بالفعل أن أيدي الكبار في الحزب الوطني بريئة من دم حرية الصحافة، وأن «ميلشيا» المحامين التي تطارد الصحفيين تتحرك بمفردها، وبعشوائية أقرب للفوضي الخلاقة لتحقيق نتائج ــ هي للمصادفة أيضاً ــ تصب في مصلحة الحزب وقياداته علي كل المستويات؟! ولأنك حفظت سيناريوهات السينما المصرية، فلابد أن تدرك الآن أن هؤلاء المحامين ما هم إلا زعامات وهمية، وأن هذا التنظيم التكفيري الجديد له قائد حقيقي، وأمير كامل الصلاحيات علي درجة «مُلا» ينسق ويخطط ويأمر بالتنفيذ من وراء ستار في مكتبه بمقر الأمانة العامة للحزب الوطني، وربما تظهر شخصية هذا «المُلا» في نهاية الفيلم، أو تبقي نهايته مفتوحة. وتوقع الآن ــ حتي لا تذهب بك الصدمة ــ أن يكون هذا «المُلا» هو أكثر قيادات الحزب الحاكم حديثاً عن حرية الصحافة، وزعماً بالدفاع عنها. ربما تسأل: وما الذي يجعل الحزب الوطني ــ وهو حزب حاكم يملك كل شيء ــ يضطر إلي التخفي وراء بضعة محامين مغمورين لتحقيق أهدافه الحقيقية في قصف أقلام، وإسكات أصوات تجاهر بمعارضته. ولن تتطلب الإجابة سوي أن أذكرك بعام ٢٠٠٥ حيث استعرت مطالب الإصلاح ومظاهراته، في الوقت الذي كانت فيه ضغوط الخارج موازية لحراك الداخل، وأدت مواجهة قوات الأمن للمتظاهرين إلي انتهاكات بشعة سببت إحراجا دولياً للنظام، أدي إلي تغيير استراتيجيته في مواجهة المظاهرات عبر تشكيل «كتائب من البلطجية» تتولي عمليات قمع المتظاهرين بالإنابة عن قوات الأمن المركزي، وتبدو الشرطة خلال المعركة وقد التزمت الحياد. ولما كانت الصحافة المستقلة والحزبية هي آخر ما تبقي من نتائج عام ٢٠٠٥ بعد خفوت حدة التظاهر، وتراجع حركة كفاية وانسحابها من الشارع، وإجهاد الإخوان بالضربات الأمنية، ورفع عصا «التأديب» في وجه القضاة، وفرض التعديلات الدستورية، كان لابد أن تتجه النية لإسكات الصحافة المزعجة، وبدأ بالفعل هذا المخطط بتمويل صحف حكومية وبرامج تليفزيونية شنت حملات تشهير وتلويث في حق رموز سياسية وصحفية مرموقة، وفي حق تجارب صحفية واعدة وتتمتع بشعبية ومصداقية كبيرة لدي الرأي العام، ولما فشل هذا المخطط بشكل ذريع كان لابد من حل بديل. وجاء تشكيل «ميلشيا» المحامين كرد فعل مباشر لهذا الفشل وبالتشابه مع فكرة «كتائب البلطجية» التي شاركت الأمن في قمع المظاهرات، فتحركت كوادر هذه «الميلشيا» في أكثر من اتجاه عبر دعاوي «حسبة»، وطال تكفيرها كل الطيف الصحفي المعارض من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار، في تأكيد علي إدمان الحزب الحاكم ثقافة الميلشيات، وإصراراً منه علي الاحتفاظ بتحالف الفساد والبلطجة، اللذين كان لهما أكبر الأثر في إنقاذه في الاختبارات النزيهة القليلة التي مر بها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة. واليوم.. فعل الصحفيون كل شيء احتجبت ٢٢ صحيفة أمس، وتعددت أشكال الاحتجاج، وبدأت لجنة الحوار جهودها للتفاوض مع الدولة، بينما أحكام الحبس تتوالي وتضم أسماء جديدة، وفي نهاية الشهر تتواصل محاكمة الزميل إبراهيم عيسي، الأمر الذي يدفعك للسؤال: ما قيمة كل هذا الجهد، وما الجدوي من الحوار والتفاوض إذا كانت «الميلشيات» تواصل ممارسة عملياتها التكفيرية وضرباتها المركزة والمحددة بدقة واحتراف، بعيداً عن أي عشوائية أو مصادفة؟ والحل..؟ لا حل بغير التفاوض المباشر مع «المُلا» زعيم هذه «الميلشيات» ومحركها ورأسها المدبر، وصاحب قرارها الأول والأخير، ومكانه ليس مجهولاً، ومقر الحزب الوطني معروف للجميع، لأنه هو فقط من يملك أن يقول لهذه الميلشيات أن تنسحب وتعلق عملياتها التكفيرية لأنه هو من أصدر لهم أمر الاشتباك. وإذا كان التعرف عليه صعباً، فلا أنصحك بانتظار نهاية الفيلم ــ لا تأمن غدر المخرجين ــ فقط فتش في كل الشخصيات التي تظهر أمامك في الأمانة العامة للحزب، وضع إصبعك علي أكثرهم حديثاً عن المبادئ والأمانة والشرف، وأكثرهم دفاعاً عن حرية الصحافة وأزهي عصور الديمقراطية، واعرف جيداً أن هذا هو «المُلا» صاحب العقد والحل الحقيقي، والباقين كلهم ليسوا سوي «سنيدة وكومبارس»!! |
الثلاثاء، 11 سبتمبر 2007
لا تغادروا قصر الرئاسة
| قبل أي شيء ارجعوا معي إلي القرن الثاني عشر عقب نجاح الثورة الفرنسية وإعلانها مبادئها الثلاثة الشهيرة «الإخاء والمساواة والحرية»، وتذكروا معي أن هذه الثورة التي تعد البداية المتفق عليها لتقويم الحريات، وضعت حرية الصحافة جنباً إلي جنب مع مبادئها الرئيسة، وهو ما جاء علي لسان خطيبها «ميرابو» في خطبة شهيرة له أمام ممثلي الشعب الفرنسي قال فيها: «فليعلن الآن أول قانون من قوانينكم: حرية الصحافة إلي الأبد، وهي حرية لا يجب أن تمس، ولا يصح وضع حدود لها، لأنها الحرية التي لا يمكن التمتع بالحريات الأخري بدونها». في البدء كانت حرية الصحافة كما ترون ومنذ قرون، وهي الحرية التي وصفها فولتير، فيلسوف فرنسا الأشهر، بأنها «آلة يستحيل كسرها»، ويكفي أن تعرف أن نابليون بونابرت بكل جبروته وسلطانه كان يعترف بأنه «يرتعد خوفاً من ثلاث صحف أكثر مما يتوجس خيفة من ١٠٠ ألف جندي»! تذكروا أيضاً أن الحاكم في بلادنا وفي أغلب المنطقة العربية إله علي وجه التقريب، كونه لا يمكن محاسبته أو مساءلته، ولا يوجد دستور أو قانون يسمح بذلك، وإن كان هناك نص ما في دستور هنا أو هناك فقد ثبت استحالة تطبيقه عملياً، هذا واقعنا وهذا حالنا، حيث يدخل الحاكم بمجرد بلوغه عرشه قلعة حصينة محصنة لا يأتيها السوء من قريب أو بعيد، هكذا تفعل النخب والبطانات به فترفعه عن منزلة البشر، ويسبح البرلمان بحمده صباحاً ومساء، كذلك الأحزاب التي من المفترض أن تكون نداً له ولحزبه الحاكم. تذكر كذلك أنه لولا أن الصحف المستقلة في مصر، وبعض الحزبية منها، وفرت «قدراً» من المساءلة والنقد لسياسات الرئيس والمتابعة لأخباره المسكوت عنها في صحف الدولة، لبقي منزهاً عن السؤال ومعصوماً من النقد وأقرب للألوهية منه إلي البشر، ولبقي سقف حرية الصحافة عند أعناق ممارسيها. بالطبع سنكون مجحفين إذا أنكرنا أن هذا السقف ما كان من الممكن أن يرتفع دون رضا الرئيس مبارك نفسه وقبوله وبدعم مباشر أو غير مباشر منه، لكن في الوقت نفسه كان هناك رجال تلقفوا هذه الإشارات وساروا خلفها في سياقها الطبيعي المرجو منها، لصناعة صحافة تلبي طموحات شعبها، وتحفر في الصخر لتكريس حريتها وتجاوز خطاً أحمر وراء خط حتي تكاد تنسف كل الخطوط الحمراء. جاء ذلك بينما تعبث خفافيش في السر والعلن ومازالت ـ كثير منهم من المحسوبين علي المهنة ـ لتعطيل قطار حرية الصحافة وقطع الطريق عليه، تارة بقوانين سيئة السمعة، وتارة أخري بأزمات مفتعلة ومزايدات هدفها تحريض النظام علي حرية الصحافة. يبدو لي أن منتصف تسعينيات القرن الماضي علامة فارقة بالفعل في تاريخ الصحافة المصرية في شكلها ومضمونها وخطابها وفي مسيرة حريتها وفي مستوي سقفها الذي بدأ بالفعل يتزحزح تدريجياً لأعلي منذ ذلك التاريخ الذي تواكب مع بدء ظهور الصحف المستقلة والتي وصلت إلي قمة توهجها في السنوات الثلاث الأخيرة، وتوالت عبرها أجيال صحفية شابة ومتحررة من التأثير الحكومي، وغير مكترثة بعدم نظامه ولا بجدارته، عملت بجد علي تحرير مناطق جديدة كانت خاضعة للتعتيم والصمت وإعادة صياغة الدور الحقيقي للإعلام في ظل انفتاح وحراك سيطر علي السياسة والإعلام معاً.وعملت علي رفع سقف حرية الصحافة إلي أعلي عليين حتي إنها نجحت في دخول قصر الرئاسة الذي كان محظوراً الاقتراب منه واليوم لابد أن ندرك أن «جرجرة» الصحفيين إلي النيابة لا تهدف إلي مجرد اسكات اشخاص بعينهم وإنما هدفها الحقيقي فرملة قطار حرية الصحافة وإبعاده عن أسوار قصر الرئاسة بعد أن كاد يستقر داخله، والعودة بمنطقة الرئاسة إلي زمن «ممنوع الاقتراب واحذر خطر الموت» وإبقاء كل ما يدور خلف هذه الأسوار بعيداً عن عيون الصحافة وبالتالي بعيداً عن الرأي العام. وعلينا أن نفهم أن القبول بالتراجع والانسحاب ضد المناطق التي حررتها الصحافة في منطقة الرئاسة وإعادة تحصينها ضد النقد، وضد التطفل الصحفي لن يضر جريدة بعينها، لكنه يعني بعدها مزيداً من الانسحاب وتحصين الحكومة والبرلمان كذلك ومن ثم المجتمع كله، فتعود الصحافة إلي المربع رقم صفر، لا تسمن ولا تغني ولا تقوي علي رفع سن قلم في وجه كبير أو صغير. يفخر الفرنسيون بمقولة لـ«شاتوبريان» تقول: ليس الدستور هو الذي أعطانا الحرية، إنما هي حرية الرأي التي أعطتنا الدستور» واليوم يجدر بنا أن نقول: ليس الدستور ولا المجلس الأعلي للصحافة، ولا البرلمان من منحونا حرية الصحافة، وإنما هو نضال أجيال متعاقبة ورجال حقيقيين مازلت أنا وأنتم والمجتمع كله يجني ثمار جهدهم بشكل أو بآخر. تذكروا نضال الصحفيين اليوم وأنتم ترون كل مسكوت عنه صار مباحاً ومسموحاً، وكل سور حصين عالٍ صار زجاجاً شفافاً، وتذكروا أيضاً أن التاريخ مازال يذكر أحمد حلمي والعقاد وتوفيق دياب وإحسان عبدالقدوس وكثيرين غيرهم.. لكنه لا يذكر أسماء من زجوا بهم في السجن. |
الاثنين، 3 سبتمبر 2007
الواد منصور حبيب الرئيس
| «متي سيحلون مجلس الشعب»؟، ظل ذلك السؤال يتردد علي لسان منصور الهليب طوال العامين الماضيين منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لكنه هذه المرة كان أكثر إلحاحًا، لا يأتي لمشاركتنا قعدة العصاري علي مصطبة القرية إلا ويسأل: «مفيش أخبار عن حل المجلس»؟، ولما يسمع منا إجابات وتحليلات تجعل أمله في حل المجلس يتضاءل، ينزوي جانبًا وهو يتمتم داعيا: «ربنا يفرجها». لم يكن لرجائه في حل البرلمان أي بعد سياسي، فقد كان الرجل يريد عودة «هيصة» الانتخابات باعتبارها موسم استرزاقه حيث يحترف ترشيح نفسه في أي انتخابات، ورغم تضاؤل فرصه فإن النجاح لا يكون هدفه بقدر ما يهدف إلي التنغيص علي المتنافسين خاصة مرشح الحزب الحاكم، وتفتيت الأصوات حتي يضطر هذا المرشح إلي أن يدفع له ثمن انسحابه وتنازله.. «بالبلدي يعرقه»، ورغم انتماء منصور الأصيل للحزب الوطني فإن مرشحي الحزب في الدائرة كانوا دائمًا من ضحاياه. أنفق الرجل كل ما تقاضاه في الانتخابات وجلس يحلم بانتخابات قريبة تخرجه من حالة «الأشفرة» التي يعيشها حاليا. سوء حظه جعل دائرته لا تجري فيها انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشوري، وسوء حظه أيضًا جعل النظام يعمل علي تأجيل انتخابات المحليات إلي أجل غير مسمي. ويومها جاء وبشارات الفرج تلوح علي وجهه وفي يديه عدد من الصحف التي تحوي أخبارًا عن الانتخابات الداخلية في الحزب الوطني، سألناه إذا كان ينوي الترشح في أمانة المركز أو المحافظة، فأجاب بالنفي وقرأ علينا تصريحات لصفوت الشريف يطالب فيها شباب الحزب بإزاحة الكبار، ويعلن فتح باب الترشيح لرئاسة الحزب. سألته مندهشًا: هل تفكر في... ؟ أجاب بالإيجاب، وقال: سأرشح نفسي لرئاسة الحزب. بعد أن استقبلنا حديثه بالسخرية التي يستحقها سألته هل تعرف من الذي يرأس الحزب حاليا؟، أومأ بالإيجاب ، عدت وسألته: وتعرف لو رشحت نفسك من سيكون منافسك؟، قال: في الأغلب الرئيس مبارك، قلت له وهل تعتقد أن الرئيس قد يكترث بك؟، قال: بالطبع الرئيس لن يفعل لكن الحزب مكتظ برجال أعمال جميعهم «يتمني يخدم»، فكلهم يريدون الرضا ومستعدون لدفع أي مبلغ كقربان لهذا الرضا، وقد يبادر أحدهم ويفعلها. تحمس أحد الجالسين للفكرة، وأقسم أن كلها فوائد وقال لم نخسر شيئًا.. أما «نتعرق» وناخذ قرشين محترمين - تخيل واحد عايز رضا الرئيس حيدفع كام؟ - أو نحصل علي شهرة طاغية، ووقف يهتف: «قولوا لصفوت قولوا لسرور.. بكرة يجيلكوا الواد منصور». لسوء الحظ وربما لحسنه كان شيخ الخفر بين الحاضرين، سمع ما سمع، ولم ينس حسه الأمني وهو يعلق موجهًا حديثه لمنصور وهو يتوعده: قبل أن تطير بك الأحلام الأفضل أن تتذكر أنك باني بيتك علي أرض زراعية ومازالت القضية منظورة، ومازلت متهمًا في قضية سرقة كهرباء بعد أن وصلت «سلك ولمبة» من البيت إلي الزريبة.. «ودي قضية سرقة» يعني مخلة بالشرف، قالها وكأنه يحذره، وأضاف شيخ الخفر ناصحًا: «خليك علي قدك العب مع بتوع المحليات وكل عيش». وكأن شيخ الخفر ضرب «كرسي في الكلوب»، حيث بدأ المجتمعون يتفرقون من حوله، حتي الشاب الذي تطوع بالهتاف له، هب مغادرًا، وعاد منصور إلي منزله والحلم مازال يراوده ويوسوس له: «كفاية الشهرة والصحافة والتليفزيون».. فتحت أمه الباب وقبل أن يدخل أخبرته بأن مخبرًا من المركز جاء يسأل عنه وترك له استدعاء للمثول أمام رئيس المباحث في الصباح.. أخرج منصور مطواة قرن غزال من جيبه وجرح باطن كفه حتي تدفق من منه الدم، وعلي واجهة المنزل كتب بدمائه: «منصور الهليب يبايع الرئيس الحبيب حتي آخر العمر»!! |
الاثنين، 27 أغسطس 2007
«سعيدة سرور»
| الأرجح أن السيدة في بداية الخمسين من العمر، رغم أن السواد الذي تتشح به يحيلها إلي الستين وما فوقها. لا أعرف بالضبط إذا كان هذا السواد قد طرأ عليها بسبب حدادها علي طفلها الذي فقدته مؤخرًا، أم أنه رداء العمر الذي توحي به ملامح الشقاء والحزن الغائرة في وجهها، والتي تبدو موغلة في الزمن ومتجاوزة مصرع الطفل. مثل كل امرأة مصرية فقيرة ومطحونة وغارقة في دوامات الحاجة والإهمال، تعيش الحياة في تجديف دائم، وصراع مرير مع أمواج لا تهدأ دون أمل في بلوغ شط قريب. بالطبع لا توجد صلة قرابة تربطها بالدكتور فتحي سرور، فهي مجرد أم مكلومة فقدت طفلها في «سلخانة» مركز شرطة المنصورة، والذي لفظ أنفاسه بعد تعذيب وحرق وسلخ، ورقد في مثواه الأخير في ليلة ظلماء بعيدًا عن عينيها ومحرومًا من شفاعة دموعها لحظة الوداع. بينما هو رئيس مجلس الشعب الذي من المفترض أن يصوغ التشريعات والقوانين، وينوب عن الفقراء في محاسبة ورقابة الحكومة ومن يمثلها ويتصدي لانتزاع حقوقهم، والذي كان من المفترض أيضًا أن يغضب ويثور لمصرع طفلها، باعتبار موقعه السياسي والوظيفي، وبوصفه أستاذ قانون بارزا. لكن ما أدركته سعيدة سرور أن طفلها محمد ممدوح عبد الرحمن المشهور صحفيا بـ«قتيل شها» لا يهم أحدًا غيرها، ولا يكترث بموته إلا قلبها الذي ينخر فيه الحزن ويكاد يدميه. وقلب سعيدة قلب مؤمن يعرف الله ويسلم بمشيئته، لكن ألمها يأتيها بعنف كلما ذكرتها الدنيا أنها وحيدة بلا ظهر ولا سند، وأن قوانين الدنيا وشرائع كل الأديان لا تستطيع حمايتها أو القصاص لدم طفلها، «لا كرامة للفقراء في زمن لم يعد العدل فيه هو أساس الملك» - هكذا علمتها الأيام. سمعت سعيدة سرور كثيرًا عن البرلمان والفكر الجديد والمجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة و«خط نجدة الطفل» لكنها أدركت أن كل ذلك جبال أوهام وأكاذيب، وأنها ليست المرأة التي يقصدونها، ومطلوب منها أن تخلع «الجلابية» وتظهر بـ«نيولوك» لتعترف بها «ماما سوزان» كامرأة وأم مكلومة وتعطي أوامرها لخط نجدة الطفل ليقبل شكواها ولا يقطع الحرارة في وجهها. ألف بيان لوزارة الداخلية عن موت طفلها بشكل طبيعي، وألف تليفزيون حكومي وألف تامر أمين لن ينجحوا في تزوير الحقيقة وإقناع سعيدة سرور بأن طفلها مات «موتة ربنا»، فإضافة إلي إحساسها كأم يرفض عقلها الذي لم ينل قسطًا من التعليم تصديق هذه الروايات المضللة، فالداخلية لا تتطوع بدفن كل متهم يموت «موتة ربنا» في الظلام بعيدًا عن أهله، ولا تجري لكل متهم يصاب بمرض أثناء احتجازه جراحة داخل قسم الشرطة وكأنهم لا يعرفون أن هناك اختراعا اسمه المستشفي. كانت سعيدة سرور تحاول ما استطاعت تجهيز طفلها محمد وشقيقه الأكبر إبراهيم ليكونا لها ظهراً وسندًا في هذا «الزمن القاسي» الذي لا يعترف للفقراء بأي حق أو آدمية، لكن جزاري سلخانة قسم شرطة المنصورة اغتالوا نجليها، أنهوا حياة محمد بالحرق والصعق بالكهرباء واغتالوا نفسية إبراهيم وشرفه عندما أجبروه علي شهادة الزور ليبرئ الزبانية ويهدر دم شقيقه ويدعي أنه مات «موتة طبيعية» رغم أنه مات أمام عينيه من التعذيب. أصبح الطفل محمد جثة متحللة، ولاتزال أمه سعيدة سرور تحلم بنظرة أخيرة علي عظامه بعد أن حرمها الجلادون من حقها الطبيعي في إسبال عينيه ومنحه الحضن الأخير والسير خلف جنازته، انتزعوه من حضنها حيا وميتًا ودفنوه سرًا وليلاً للتخلص من جثته مثلما يتخلصون من كلابهم النافقة. إنها ليست مجرد جريمة تعذيب.. إنها إهدار لكل شيء.. كل شيء!! * قبل أسبوعين استفتيت فضيلة د. علي جمعة في شأن التعذيب ومن يمارسه ومن يصمت عليه ومن يقبل به ولم يرد حتي الآن.. واليوم أستفتيكم أنتم في شأن «الساكت عن الفتوي». |
الاثنين، 13 أغسطس 2007
اسألوا فضيلة المفتي
| وأنت تطالع هذه الأيام أخبار عمليات التعذيب في السجون وأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، وتقرأ عن انتهاكات ضباط وأفراد من الشرطة في حق المواطنين في كل مكان داخل الأماكن الرسمية وفي الشارع وفي منازل الضحايا، ربما تسأل نفسك السؤال الشعبي الدارج عن التعليق علي ظلم واضح: «همه الناس دول مايعرفوش ربنا؟!» أنت مثل كل الناس، وسؤالك طبيعي ومنطقي، وربما هو التعليق الأول الذي يجري علي لسان أي منا، حين يعرف ما يمارسه ضباط وأفراد شرطة من تعذيب للمتهمين بالحرق والضرب والصعق بالكهرباء وهتك العرض والقذف من النوافذ والشرفات، واحتجاز النساء رهائن حتي يستسلم أزواجهن وأبناؤهن… إلخ… إلخ… إلخ. سؤالك ليس له إجابة مباشرة، فليس من حقي ولا من حقك أن تفتش في ضمائر الناس، أو تضع بجوار قلب كل ضابط «ترمومتر» يقيس لنا درجة إيمانه، وخاصة إذا عرفت أن كثيرًا من ضباط الشرطة الذين يمارسون التعذيب بمنهجية واعتياد يعتقدون أنهم يؤدون واجبهم، ويؤمنون «أن العمل عبادة»، ومن ثم يظنون أنهم يتقربون إلي الله مع كل صفعة تهوي علي وجه متهم، وبعضهم ينهي وصلة التعذيب ويهرع للحاق بصلاة ما، قبل أن يفوته موعدها!! حيرتك في تفسير هذه السلوكيات التي تراها متناقضة، في الوقت الذي تبدو فيه شديد القلق من تنامي حوادث التعذيب ووصولها إلي درجة غير مسبوقة من البشاعة والوحشية، فيما يأبي ضميرك أن يصدر حكمًا انطباعيا مباشرًا قد يبدو تفتيشًا في الضمائر، وتجاوزًا لسر روحاني، رغم اتفاقه مع العقل والمنطق والقانون، وقواعد القياس الفقهية المعروفة، فلا يترك كل ذلك أمامك سوي حل واحد: أن تضع كل ما لديك من شواهد ووقائع أمام فقيه بوزن الدكتور علي جمعة مفتي الديار باعتباره المرجعية الدينية «الرسمية»، والمكلف الوحيد بحكم منصبه بمهمة الإفتاء. ربما تحدثك نفسك بأن فضيلة المفتي إذا كان يريد الدخول في هذه القضية لكان قد فعل منذ زمن، فليس من المعقول أنه لم يسمع عن كل هذه الوقائع التي تمس كرامة المواطنين وإنسانيتهم، لكن المطلوب منك في البدء أن تقدم حُسن النية وتفترض أن الرجل لا يعرف، ولنبدأ في تعريفه ما يجري. مولانا فضيلة المفتي.. إليك آخر أخبار التعذيب: «قتل ضابط شرطة بمعاونة مخبريه المواطن نصر عبد الله الصعيدي، الذي لفظ أنفاسه وهم ينهالون عليه ضربًا بالقرب من منزله في المنصورة، كما ألقي ٣ أمناء شرطة المواطن ناصر صديق جاد الله من شرفة منزله بالطابق الرابع بعد اتهامه أحدهم بسرقته، فيما أشعل ضباط شرطة في قسم سيوة النار في المواطن يحيي عبد الله عتوم. وقد رصدت جهات حقوقية وقائع التعذيب في شهر يوليو الماضي فقط بـ ٢٦ حالة تعذيب بينها ٣ حالات وفاة علي الأقل». يا صاحب الفضيلة: إذا كنت لم تعرف كل ما تقدم فها قد عرفته، وإذا كنت عرفته وفضلت التزام الصمت، لأن أحدًا لم يدعك للحديث فها نحن ندعوك ونسألك مباشرة ودون مواربة: «ما حكم الإسلام يا مولانا في ضابط شرطة ينتهج التعذيب ويمارسه باعتياد سواء لعقاب متهمين أو لانتزاع اعترافات؟» قل لنا - لا أسكت الله لك حسًا - ما قول الشرع الحنيف في ضابط حرق مواطنًا وأشعل النار في جسده؟، وما القول في آخر هتك عرض متهم؟، وثالث احتجز أمًا وزوجة رهينتين دون سند من قانون لإجبار الزوج علي تسليم نفسه؟.. هل يقبل الإسلام أن يعاقب المرء بجريمة أخيه، وتؤخذ الزوجة بفعل زوجها، «هل تزر وازرة وزر أخري» يا صاحب الفضيلة؟ أخبرنا باللّه عليك هل يمكن اعتبار «نصر» الذي سحلوه وقتلوه ضربًا في المنصورة، و«ناصر» الذي ألقوا به من شرفة منزله في الجيزة شهيدين تنطبق عليهما شروط الشهادة الشرعية بعد أن لقيا حتفهما جراء ظلم فادح وواضح؟.. وهل يقبل الله صلاة ضابط شرطة يؤديها بعد أن يفرغ من تعذيب متهم؟، هل يقبل الله من يده الملوثة بالاعتداء علي آدمية أخيه المسلم أي صدقة؟، هل يمكن أن يكون صومه مقبولاً وقد سب هذا، وضرب هذا، وصعق هذا بالكهرباء، وحرق هذا بالنار، وهتك عرض هذا؟ أفتنا يا صاحب الفتوي في مسؤول يري مرؤوسيه يمارسون التعذيب بمنهجية ولايردعهم، ومسؤول يسمع صرخات الضحايا ولا ينقذهم، ومسؤول يعرف كل ذلك ولا يكترث، ومسؤول لا يري ولا يسمع ولا يعرف ولا يرعي أمانته. نعرف حكم القانون في كل ذلك.. وأزعم أننا نعرف حكم الإسلام أيضًا، لكننا نسألك «لتطمئن قلوبنا»، ونطلب منك اليوم فتوي رسمية ممهورة بخاتم دار الإفتاء بشأن التعذيب، ومن يمارسه، ومن يشجعه، ومن يقبل به ومن يصمت عليه، «سمعنا صوتك» وقل لنا كلمتك بوصفك مفتي الديار ليس إلا. يا صاحب الفضيلة: قد يكون «بول الرسول» مباركًا وقد لا يكون، بماذا سينفع المسلمين اليوم وقد انقطع البول وتوفي صاحبه؟! وقد يكون قتل المرتد عن الإسلام واجبًا، وقد لا يكون، بأي شيء سيعود علي المسلمين قتله أو إبقاؤه حيا؟! لكن التعذيب موجود، قد يكون منهجيا أو حالات فردية، لكن المواطنين يكتوون بناره اليوم، وضباط الشرطة الشرفاء يلاحقهم عاره اليوم، ووقفه وردع ممارسيه أولي بفتاواك من قضايا «البول وشركاها». نعرف أنك ربما لا تريد خوض معركة كهذه، من حقك أن تكون لك حساباتك، لكننا لا نريد رأيك الشخصي.. فقط نريد حكم الإسلام.. الإسلام يا صاحب الفضيلة. |
الاثنين، 30 يوليو 2007
استراتيجية المعلم «بيئة»
| لم تكن لدي النية أو الرغبة في تحويل غرفتي إلي ناد سياسي يتبادل فيه الزوار الأحاديث والآراء ويحتد بعضهم علي بعض، وتصل حدة المناقشات بينهم إلي الشجار بما لا يتناسب أبداً مع غرفة مريض يقضي أيامه في الفراش، منتظراً إعلاناً طبياً رسمياً بالتئام كسور العظام. لكن حضور المعلم «بيئة» لزيارتي أشعل الموقف تماماً، فالرجل منذ انضمامه للحزب الوطني يتعامل مع أهل القرية ـ المطحونين ـ وكأنه النائب الأول لأمين السياسات، واعتاد أن يقابل كل شكوي لأحدهم بدفاع مستميت عن الحكومة والحزب، شاهراً في وجوه الناس صوراً فوتوغرافية تجمعه بقيادات الحزب البارزين في مناسبات متعددة. و«بيئة» ليس اسمه وإنما الكنية التي عرفه بها أهل القرية بسبب طبيعة عمله ذات الصلة بمجال البيئة، حيث يحترف الرجل تنظيفها من جهة وتلويثها من جهة أخري، فهو مازال المتعهد الوحيد لجمع القمامة من منازل القرية وكذلك محتكر «نشل البكابورتات»، ومازالت وزارة البيئة تتهمه بتلويث الترعة الكبيرة وتحويلها إلي مصرف ومقلب قمامة دون أن تنجح في النيل منه. بدأ حياته بعربة كارو محملة بالبراميل والقفف ومازال أهل القرية يتذكرونه غاطساً في «البكابورت» يحمل «الجردل» علي كتفه ويفرغه في البرميل قبل أن يعود للغطس من جديد، لكن بضع سنوات قليلة من هذا الشقاء امتلك بعدها أسطولاً من الجرارات والفناطيس المزودة بالمواتير، والتي مكنته من توزيع نشاطه في القري المجاورة، واعتزال العمل بيديه وتوظيف عدد من شباب القرية بينما يجلس هو علي القهوة يجمع الإيراد ويدفع يوميات موظفيه. كان يتفاخر بأنه يعمل في النشاط الوحيد الذي لن يصيبه الكساد أبداً طالما الحياة مستمرة، وطوال سنوات ظل المحتكر الوحيد لهذا النشاط وكان طبيعياً أن تتنامي ثروته ويصبح من كبار ملاك الأراضي الزراعية وينخرط في الحزب الوطني ويتولي موقعاً إقليمياً فيه ويطوف المنطقة يحكي عن صداقاته بكبار الحزب وقادته. لما اندلعت «ثورة العطش» ووصلت أزمة المياه إلي المنطقة بدأ المعلم «بيئة» يستغل إمكاناته وجراراته وفناطيسه في نقل المياه من المدينة وتوزيعها علي الناس كدعاية للحزب الوطني علي أمل أن يفوز بدعم الحزب في الانتخابات التنظيمية التي سيجريها علي قواعده أثناء وبعد المؤتمر العام المقبل للحزب، كان كل «جركن» يحمل رمز الحزب وعبارات الفكر الجديد والعبور إلي المستقبل. تلك «الجراكن» الدعائية هي التي فجرت الأزمة في غرفتي. هاجمه شاب متحمس بعنف: حتي جراكنكم تتحدث عن الفكر الجديد والعبور إلي المستقبل، ٣٠ عاماً ننتظر المستقبل علي أيديكم وفي النهاية عدنا إلي عهد «البلاص والأبريق»، كيف يبشر أسيادك في القاهرة بالمستقبل وهم عاجزون عن توصيل المياه إلينا؟! كعادته تقمص المعلم «بيئة» شخصية القيادي البارز في الحزب الوطني وفتح «اللاب توب» ـ الذي يحمله في حقيبته دون أن يعرف كيفية تشغيله ـ وبدأ يتحدث عن الاستراتيجيات والخطط وأرقام التنمية وتكلفة خطوط المياه المرتفعة في ظل عجز الموارد. وفجر الرجل مفاجأة بقوله إنه أعد خطة لمواجهة أزمة المياه، وجهز ورقة عمل لطرحها علي المؤتمر العام للحزب المقرر عقده في سبتمبر المقبل. وأكد أن ورقته مدرجة علي أعمال المؤتمر وأخرج من حقيبته بالفعل ملفاً لما يسميه «استراتيجية العبور إلي الزير». عادة ما تكون العناوين والشعارات هي أبرز أدبيات الحزب الوطني وهو ما جعله مزهواً بفخامة كلمة استراتيجية، أما العبور فهي الكلمة الأثيرة لدي قيادات الحزب، بينما كان الزير هو محور هذه الاستراتيجية حسبما قرأت في الملف. يبني المعلم «بيئة» استراتيجيته علي عدة محاور، منها الاكتفاء بحنفية مياه عمومية واحدة في كل حي توفيراً للنفقات، وإنشاء ١٠ مصانع لإنتاج الأزيار والقلل القناوي، وعشرة مصانع أخري لإنتاج «الإرب»، ومصنعين لإنتاج الفناطيس، إلي جانب شركة قابضة لتوزيع الأزيار والقلل علي المواطنين بأسعار مدعمة ـ يمكن خصخصتها فيما بعد ـ وإنشاء معهد تعليمي راق لتدريب شباب الخريجين علي العمل «سقايين» في الأحياء. وتقارن الاستراتيجية بين تكلفة هذه الخطة والعائد منها وبين تكلفة مد خطوط المياه إلي جميع المواطنين، وتؤكد أنها توفر علي الدولة أكثر من ١٥ مليار جنيه علي الأقل. ويقدم المعلم «بيئة» في استراتيجيته ميزة صحية، مؤكداً أنه بهذه الطريقة يمكن التحكم في جودة المياه التي تدخل بيوت المواطنين وضمان مطابقتها للشروط الصحية، عبر تقطيرها قبل تعبئتها في «إرب السقايين» مباشرة ومنها إلي أزيار المواطنين، وذلك بدلاً من توصيلها عبر المواسير مما يعرضها للاختلاط بالصدأ والشوائب والحشرات. ويختتم المعلم «بيئة» استراتيجيته بقوله: «بذلك توفر هذه الاستراتيجية علي الدولة عشرات المليارات من الجنيهات، إضافة إلي خفض مصاريف صيانة شبكات المياه، ويمكن توجيه كل هذه الأموال إلي بناء مفاعلات نووية، وتمويل برامج غزو الفضاء للحاق بركب الدول المتقدمة في ظل الحكم الرشيد للحزب الوطني الديمقراطي أدام الله حكمه وأكثر من إنجازاته القومية العظمي». |
الاثنين، 21 مايو 2007
محافظون «علي ما تفرج»
| لا أتفق مع الزميلة مني ياسين فيما كتبته عن الدكتور فتحي سعد محافظ الجيزة في جريدة «المصري اليوم» الخميس الماضي، وأري أنها تحاملت عليه بشدة حين رصدت قيامه بإجازته السنوية في الوقت الذي كانت فيه محافظته تعيش تحت تهديد نار الفتنة الطائفية التي اشتعلت بين المسلمين والمسيحيين في قرية بمها التابعة لمركز العياط. تلبست «مني» شخصية ضابط المباحث، وتخيلت أنها ضبطت المحافظ متلبساً بالغياب عن جلسة الصلح التي عقدت برعاية أمنية في العياط، وأسهبت في تأكيد «جريمة» الرجل بتقرير تفصيلي عن مشاكل المحافظة المزمنة، والتي تتعدي الأزمات السياسية والطائفية إلي الكوارث الخدمية في مياه الشرب والصرف الصحي والقمامة، وكأنها تستكثر علي الرجل أن يحصل علي إجازة «من نفسه» لثلاثة أيام فقط. من حق فتحي سعد أن يحصل علي إجازته السنوية مثله مثل أي «موظف» ــ لأنه كذلك بالفعل ـ، ومن حقه أن يقوم بنزهة برية في الواحات ــ رغم أنف مني ياسين والحاقدين من أعداء النجاح من أمثالها ــ ولا يكترث بالنار التي تركها مشتعلة في العياط، بينما مصر كلها تحاول إخمادها. فالذي لا تعرفه «مني» أن إخماد النيران ليس من اختصاصه، فهو محافظ وليس «رجل مطافئ»، ولأنه يعرف تماماً طبيعة «وظيفته» فقد قرر أن «يحافظ» علي نفسه حتي لا تطوله نار الفتنة، ويتهمه كل طرف بالانحياز إلي الطرف الآخر. أعرف أن كلامي لن يعجب مني ياسين، لكنني ببساطة أطلب منها ــ وهي الصحفية المدققة ــ أن تعود إلي ملف أزمة بدو سيناء ــ وما واكبها من اعتصامات، وحرائق قرب الحدود، وتهديدات باجتيازها إلي إسرائيل، وانتهاكات أمنية، ومفاوضات هنا وهناك برعاية أمنية، وبجهود أجهزة سيادية ـ وتسأل : هل حدث طوال عمر هذه الأزمة أن ظهر محافظ شمال سيناء بين السطور، أو أطل علينا في أي مشهد من مشاهد الأزمة، أو قال كلمة واحدة «توحد ربنا» أو حضر أي جلسة تفاوض؟! ربما ينص قانون المحليات علي أن المحافظ هو ممثل رئيس الجمهورية في الإقليم، وهو المسؤول الأول عن تحقيق وإقرار الأمن في محافظته، لكن محافظ الجيزة، وزميله في شمال سيناء، يؤمنان مع كثير من زملائهم أن هذه النصوص القانونية والدستورية مجرد ديباجة لفظية لا تمت لواقع بصلة، والأكثر من ذلك أنهم مقتنعون تماماً أنهم موظفون في «دولة بوليسية» الكلمة الأولي فيها لأجهزة الأمن، والأخيرة أيضاً.. لذلك غاب الاثنان عن أزمتي محافظتيهما عن إيمان راسخ بأن الأجهزة الأمنية مثل «الماء» حضورها يبطل «التيمم»، ويبطل أيضاً جدوي وجود المحافظ. غاب محافظ شمال سيناء عن مفاوضات أزمة البدو، وغاب فتحي سعد عن جلسة الصلح التي أنهت الفتنة الطائفية في العياط، وعن جهود إقرار هذا الصلح، لأن كلاً منهما يعرف أن أزمة محافظته في «أيد أمينة»، وغالباً ستنهي الأزمة كما ينبغي وكما تريد.. وأن وجود أي منهما لن يقدم أو يؤخر في حلها، فلا هما يملكان صلاحيات الأمن وعصاه وقدراته في الترهيب والترغيب، ولا حتي يملكان هيبته ومصداقيته في بعض الأحيان. أما فيما يخص تدني الخدمات في الجيزة.. فأنا أعرف فتحي سعد منذ كان محافظاً للغربية ــ مسقط رأسي ــ وأعرف أن أعظم إنجازاته هناك كانت إعادة بناء «النوافير» في مدينة طنطا، وإعادة «تبليط» الأرصفة في شارع «البحر».. وأراه بعد انتقاله محافظاً للجيزة، مازال متمسكاً بمستوي أدائه المعروف عنه ولم يقصر.. فهو لم يفعل شيئاً مع قمامة طنطا ولا طفح مجاريها، ورغم ذلك نقلوه إلي الجيزة فيما يشبه «الترقية».. فلماذا تطالبونه بالتصدي لقمامة الجيزة وطفح مجاريها ؟! الرجل مازال يتطلع للمستقبل، ويسعي لـ «ترقية أخري».. و«ربنا يفرجها عليه.. وعلينا»!! |
الاثنين، 14 مايو 2007
المستشار «مقبول»
| أجهز تمرير نواب الأغلبية في مجلس الشعب لتعديل قانون السلطة القضائية، الذي اشتهر إعلامياً بقانون «مد سن تقاعد القضاة»، علي آمال الكثير من أعضاء هيئة النيابة الإدارية في تعيين أبنائهم من خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون دفعات ٢٠٠٤ و٢٠٠٥ بتقدير «مقبول»، رغم ما بذله أعضاء النيابة الإدارية من محاولات لـ «تمرير» تعيين أبنائهم قبل إقرار القانون في مجلس الشعب الذي اشترط في تعديله الجديد ألا يقل تقدير المتقدم لشغل أي من وظائف الهيئات القضائية عن جيد. دافع رجال في النيابة الإدارية عن مستقبل أبنائهم الذين «رستأوا» أمورهم، علي اعتبار أن الوظيفة مضمونة دون شرط التقدير، والبركة في «بابا وماما» الذين سيستغلون مواقعهم في الهيئة لضمان حصولهم علي الوظيفة حتي لو كانت نتيجة الليسانس فيها «كحكة» أو دورا ثانيًا، لكن القانون باغتهم دون أن يستعدوا بالتقدير اللازم، مما اضطر آباءهم في النيابة الإدارية إلي المطالبة باستثناء آخر دفعتين من شرط التقدير، وعدم تطبيق هذا الشرط علي الحاصلين علي ليسانس الحقوق لهذا العام ومنح مهلة لتطبيق هذا الشرط لا تقل عن ٤ سنوات حتي يستطيع الطالب تحسين تقديره. ببساطة أراد أعضاء في النيابة الإدارية استثناء أبنائهم من هذا الشرط، وتفصيل القانون حتي يلتحق الأنجال بالوظائف التي خططوا لها ولم يبذلوا الجهد الدراسي الكافي لبلوغها علي اعتبار أنها كانت مضمونة في مجتمع سقطت فيه كل معايير الكفاءة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتحول إلي إمارات وطوائف، ظفرت كل مجموعة وذريتها بما تحت أيديها وسعت لتوارثه جيلاً بعد جيل، دون أن تتوقع أن يأتي في يوم من الأيام جيل «خيبان» عجز عن الحصول علي مؤهله الجامعي بتقدير مناسب، ووضع «الباشوات» من أولي أمره في «حيص بيص». رفع أعضاء في النيابة الإدارية شعار «المساواة في الظلم عدل» وهم يطالبون بمساواة أبنائهم بأبناء زملائهم علي منصات القضاء، الذين صدر قرار جمهوري بتعيينهم كمعاوني نيابة يوم الثلاثاء ٨ مايو الجاري والبالغ عددهم- حسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية- ٤٦٢ معاوناً للنيابة العامة من دفعة ٢٠٠٥، من بينهم ٣١٧ من الحاصلين علي تقدير «جيد»، و١٤٥ من الحاصلين علي تقدير «مقبول». نجح معاونو النيابة الجدد في دخول السلك القضائي- وبالأصح نجح آباؤهم وأقاربهم- قبل ساعات فقط من تمرير تعديل قانون السلطة القضائية وما تضمنه من اشتراط التقدير، لتصبح هذه الدفعة التي تضم ١٤٥ معاون نيابة هي آخر عهد القضاء بالـ «مقبول» وأصحابها الـ١٤٥ شابًا الحاصلين علي ليسانس الحقوق من بين آلاف الشباب الذين يحصلون علي هذا الليسانس كل عام وبتقديرات مختلفة، لكن الآلاف من الحاصلين علي جيد، وجيد جداً، وربما امتياز عجزوا عن تحقيق حلمهم في دخول القضاء، رغم تعيين ١٤٥ «مقبول» يقف وراءهم ١٤٥ قاضيًا ومستشارًا، اعتبروا أن توريث مهنتهم لأبنائهم حق مشروع ولا جدال فيه، وكأن مستقبل أبنائهم القضية الوحيدة التي لا يصلح معها شعار «العدل أساس الملك» ولا تستقيم في حضرتها كل نصوص المساواة وتكافؤ الفرص التي تزخر بها القوانين والمواد الدستورية. قلت ومازلت أقول إن من حق القاضي أن يتطلع إلي أن يجلس ابنه علي منصة القضاء، لكن ليس من حقه أن يفرض علي هذه المنصة القدسية شاباً فاشلاً- بالمقاييس الدراسية- ليكون مسؤولاً عن تحقيق العدل في الوقت الذي انتهك فيه بنفسه كل معايير العدل والمساواة والإنصاف، ليجلس علي منصة لا يستحقها، بلغها بالعبور علي آمال وأحلام آلاف الشباب الناجحين والمجتهدين. لم يكن هناك مبرر في نظري لإصرار القائمين علي شؤون القضاء علي تعيين هذه الدفعة من " المقابيل " ومواصلة سياسة التعيينات التي سبق أن وصفها المستشار ممدوع مرعي وزير العدل بأنها «مهزلة بكل المقاييس»، لكن يبدو أن الـ ١٤٥ «مقبول» يستحقون- في نظر من يقفون وراءهم- المزيد من المغامرة بمصداقية القضاء، خاصة أن من بين هؤلاء «المقابيل» يمكن أن يأتي النائب العام أو رئيس محكمة النقض، وربما يأتي رئيس المحكمة الدستورية العليا وتكون مهمته صيانة الدستور ومبادئه في الوقت الذي انتهك فيه هذا المستشار «مقبول» كل نصوص الدستور حين خطا أول خطوة له في سلم القضاء!! |
الاثنين، 30 أبريل 2007
الحياة خلف واجهة زجاجية
| يأسرني صوت هاني شاكر عندما يغني : «جدران ورا جدران، وعيون ورا الشبابيك.. فينك بعيد يا أمان، وإزاي تعود لياليك» في مقدمة مسلسل «لدواعي أمنية»، الذي كتبه محسن الجلاد، وأخرجه المبدع محمد فاضل. ويتملكني إحساس جارف أن هاني شاكر وهو يتغني بهذه الكلمات ـ التي كتبها منصور الشادي ـ نصب نفسه متحدثاً رسمياً باسمي، خاصة حين يقول: «بيني وبين النور مسافة شيء.. بيني وبين حريتي خوفي.. أصعب ما في الأيام تموت بشويش.. أصرخ وأكتم صرختي في جوفي». في هذا المسلسل أبدع الفنان القدير كمال الشناوي في تجسيد شخصية رجل الأعمال القوي الذي يدير إمبراطورية اقتصادية كبيرة الحجم والنفوذ بالحديد والنار، سواء في التعامل داخل مؤسساته وشركاته، أو في تعامله مع الآخرين من شركائه ومنافسيه في السوق. وعبر هذه الشخصية شديدة القسوة يطرح المسلسل تساؤلاً مهماً: من الذي يصنع الخوف ويسقي شجرة الكراهية حتي تنمو وتكبر وتتعدد فروعها فتصير مصدر تهديد؟ ويجيب عن هذا التساؤل الفنان ماجد المصري بطل المسلسل الذي يعمل كحارس أمن محترف ، ويتعاقد معه كمال الشناوي علي حمايته وحراسته بعد عدة محاولات فاشلة لاغتياله، وسيل من التهديدات لا ينتهي. يتعرف ماجد المصري في البداية علي عالم هذا الرجل، ويجد أنه يعيش في قلعة منعزلة عن الناس، ويرتدي القمصان الواقية من الرصاص، ويسير في حراسة مشددة، ويركب السيارات المصفحة، ويتعامل مع الناس من خلف واجهة زجاجية محصنة، يتعرض زواره للتفتيش، ورسائله للفحص الأمني، وزهور التهنئة التي تصله من الآخرين لإجراءات الاشتباه، يسبقه حارس إلي «دورة المياه» لفحصها قبل قضاء حاجته، ويشرب آخر القهوة بدلاً منه، ويتذوق ثالث طعامه من قبله، وتتسع دائرة الاشتباه من حوله، وتقل في الوقت نفسه أعداد من يتمتعون بثقته. وكانت الإجابة الأولي التي تلقاها ماجد المصري علي تساؤلاته عن هذه الحالة من الهوس والفزع الأمني، هي الإجابة التقليدية عن أعداء النجاح والحاقدين، وعن شركات كمال الشناوي الناجحة «المستهدفة». لكن ماجد بحس رجل أمن محترف، الأمن ـ بمفهومه العام ـ غايته، ووسيلته في الوصول إليه ليس مجرد نشر كتائب الحراسة المسلحة بالرصاص والعصي والدروع، أو البطش بالمشتبه فيهم علي طريقة الضربات الاستباقية، وإنما بتأمين المناخ العام حول الرجل ليسمح باستحضار هذه الحالة الأمنية المرجوة، ولذلك سأل نفسه علي ما يبدو: «ما الذي يجبر أحداً علي مخاطبة الناس من خلف واجهة زجاجية محصنة؟ وما الذي يضطره إلي الاشتباه فيمن حوله، وتوهم أن فوهات البنادق تتجه نحوه من شرفات الجيران، أو حتي بين عماله وموظفيه الذين يجهرون بحبه ويهتفون له: «بالروح والدم». لم يشك ماجد أن في الأمر «بطحة» علي رأس زبونه الذي يتولي حراسته، بحث وتقصي وأعاد قراءة الملفات ليصل في النهاية إلي النتيجة الحقيقية لحالة الخوف التي تسيطر علي الزبون، ويدرك أن الرجل يجني ثمار زرعه، ويقف خلف كل فوهة موجهة نحوه رغبة عارمة في الثأر والانتقام، سببها ظلم بين وقع علي صاحبها. يتعرف الرجل الأمني المحترف علي تاريخ زبونه، ويقرأ في صفحات هذا التاريخ حجم «القمع» الذي مارسه ضد منافسيه، و«الاحتكار» الذي سيطر به علي السوق، و«العقوبات» التي ألهب بها ظهور موظفيه، و«القضايا» التي لفقها لخصومه، حتي أصبحت جميع عداواته نتاج ممارساته وسياساته عبر سنوات سيطرته علي السوق. ويصل ماجد إلي إجابات حاسمة لكل أسئلته، ويدرك أن جلب الأمن لزبونه مرهون بخطوة يخطوها الرجل نفسه، لإعادة الحقوق المغتصبة لأصحابها، وتحرير من زج بهم في السجون ظلماً وتلفيقاً، والتصالح مع موظفيه وعماله، والتنازل عن نزعته «الاحتكارية» للسوق، ويقبل بمنافسة «عادلة ونزيهة وشريفة». ويعده ماجد أنه وقتها سيخرج من خلف الواجهة الزجاجية ولن يضطر لإغلاق الشبابيك أو ركوب السيارات المصفحة ولبس القمصان الواقية من الرصاص. ببساطة حاول الرجل تطبيق شعار «العدل أساس الملك»، وهو التطبيق الذي جعل رسول كسري يقول لعمر بن الخطاب حين رآه ممدداً علي الأرض أسفل شجرة في المدينة مستسلماً لنوم عميق «عدلت.. فأمنت.. فنمت يا عمر»!! |
الاثنين، 23 أبريل 2007
قطنة.. ومتر تراب
| كنت صغيراً عندما مارست ابتزازاً طفولياً علي جدي رحمه الله ليأخذني معه لحضور جنازة عمدة قرية مجاورة، وأداء واجب العزاء فيه، كان جدي يتعجب من إلحاحي غير المسبوق، خاصة أنني كنت عادة ما أهرب من مثل هذه المناسبات حين تحدث في قريتنا، وربما داخل العائلة. لكن إلحاحي كان مبعثه شخصية المتوفي ذاتها، فقد كان أشهر عمدة في المركز كله، وكثيراً ما سمعت عنه الأساطير، التي كانت تروي في قريتنا عن سطوته ونفوذه، وثرائه وجبروته. كان جدي رحمه الله شيخاً أزهرياً، وكانت المشاركة في جنازة العمدة الأثقل علي قلبه طوال عمره، الذي كان قد تجاوز وقتها الخامسة والسبعين، فالرجل كان عنواناً للظلم والافتراء، وكان جدي مقتنعاً بذلك، وكان يفكر في أن يكتفي بالمشاركة في العزاء، وسماع «ربعين» قرآن في السرادق المهيب، الذي أعدته العائلة لفقيدها الكبير، لولا أنه فوجيء بوصية من العمدة بضرورة حضوره مراسم غُسل الجثمان لضمان خروج جنازته في إطار شرعي، ولم يستطع جدي سوي أن يستجيب للوصية. كان رحيل العمدة حدثاً مهماً داخل قريته، وكانت علامات الارتياح تسود وجوه الجميع، الذين تنفسوا الصعداء برحيله بعد ٢٥ عاماً قضاها جاثماً علي كرسي العمودية، وكان هذا الإحساس ظاهراً تماماً، خاصة في العائلات الأخري التي لا تمت لعائلة العمدة بعلاقة قرابة أو نسب، أو حتي شراكة تجارية، وكان هذا الإحساس المعادي للفقيد والذي يبدي ارتياحاً ــ دون شماتة ــ من رحيله مبرراً في ظل ما كنا نسمعه عن سيطرة الرجل، ونجله ـ الحالم بكرسي العمودية من بعده، علي كل القرية، وانتزاعه للصالح من أراضيها الزراعية لصالحه، وإطلاقه يد «الغفر» في كل شيء يروعون الناس، ويعاقبون المخالفين والمعارضين، ويساعدونه علي إجبار الفلاحين علي التوقيع علي عقود التنازل عن أراضيهم ومواشيهم مثل «عمدة» صلاح أبوسيف في «الزوجة الثانية». كان يسير وسط الحقول علي فرسه ليلهب بكرباجه ظهور البسطاء، معتمداً في ذلك علي دعم غير محدود من مأموري المركز المتعاقبين، ومن رؤسائهم في مديريات الأمن. كان جدي يعرف كل ذلك، وفي طريقنا من قريتنا إلي قرية العمدة كان يقول: إن الرجل الذي ألهب القرية بجبروته في حاجة الآن إلي الدعاء، ولا تجوز عليه إلا الرحمة. علمني جدي في هذا المشوار كيف أصلي الجنازة، قال لي: إن الناس اعتادت علي أن توجه دعمها المعنوي إلي أهل المتوفي، يقبلون علي العزاء، ويتجاهلون صلاة الجنازة، بينما يكون المتوفي نفسه هو أحوج ما يكون إلي هذا الدعم، وهو الدعم الذي يتحقق بالدعاء له والمشاركة في جنازته، مشيراً إلي أن السير في الجنازات يحقق مصلحة مشتركة للطرفين الحي والميت، يحصل الميت علي الدعاء ربما يعينه في الرحلة الأبدية ويخفف عنه، ويفوز الحي بحسنات ثابتة شرعاً. في دوار العمدة المهيب انتهت عملية الغسل، وخرج جدي من الغرفة دامعاً، وهو يحوقل ويبسمل ويتمتم: «سبحان الله لم ينل من كل هيلمانه سوي قطنة في الشرج» حمل الناس النعش إلي المسجد للصلاة عليه، مال علي رجل سني «الاسم الذي كنا نطلقه علي الملتحين وقتها» قال لي: هل المتوفي رجل أم امرأة؟! استوقفني السؤال، وبعد انتهاء الدفن والعودة إلي المنزل سألت جدي عن مغزي هذا السؤال، قال: عندما يموت المرء لا يهم لمن يصلي عليه الجنازة أن يعرف اسمه أو حتي وظيفته، وهل كان عظيماً أم وضيعاً، كل ما يهم أن يعرف هل هو رجل أم امرأة لتكتمل النية في صلاة الجنازة بالقول: نويت الصلاة علي من حضر من رجال المسلمين، أو نساء المسلمين، لكن الأمر ـ أضاف جدي ـ يمكن تجاوزه بقول: «نويت الصلاة علي من حضر من المسلمين» دون أي حاجة لمعرفة أي شيء عن المتوفي لا اسمه ولا نوعه ولا حسبه ونسبه. شغل هذا المشهد تفكيري لوقت طويل.. كيف يتحول العمدة بكل جبروته إلي مجرد رجل في نظر السني، وتصبح جنازته الأسطورية مجرد «جنازة رجل».. بعد أيام عرفت من جدي أن مديرية الأمن ألغت العمودية في أي قرية بها نقطة شرطة.. كان جدي يقول وهو يسبح ربه ويثني علي حكمته في التدبير متذكراً العمدة الراحل: «حتي أمله في توريث نجله العمودية ضاع».. صعد جدي ببصره إلي السماء وقال: «سبحان الله.. كل اللي أخده قطنة.. ومتر في متر تراب »! |
الاثنين، 9 أبريل 2007
سؤال «اللئيم»
| لم أندهش من قرار وزارة الصحة، تخصيص ٣ آلاف جنيه فقط لعلاج الروائي والمبدع الكبير إبراهيم أصلان، بعد سيل من المناشدات والخطابات التي انهمرت علي وزارة الصحة، ورئاسة الوزراء، ورئاسة الجمهورية لإنقاذ صاحب، «مالك الحزين»، الذي يحتاج إلي جراحة دقيقة في القلب، فيقيني الذي لا أشك فيه لحظة، أن تلك المناشدات والخطابات والتوسلات ضلت طريقها إلي هذه الجهات، ووصلت إلي غير ذوي الشأن، وكانت النتيجة أن تعطفت وتكرمت الحكومة ممثلة في وزارة الصحة، بدفع تكاليف علاج يومين فقط في قسم العناية المركزة بمستشفي قصر العيني الفرنساوي. لم يتعلم المثقفون والمبدعون من أصدقاء أصلان، الذين تطوعوا وتبنوا حملة المناشدات لعلاجه، من درس زميليه في الإبداع والمرض خليل كلفت والدكتور محمد أبودومة اللذين انتهت المناشدات التي هدفت لإنقاذهما الي تحريك الحكومتين الإيطالية والسعودية، فتكفلت الأولي بعلاج «كلفت» في مستشفيات روما، وتكفل الملك عبد العزيز بعلاج الثاني في الرياض، بينما بقيت مصر رئيساً وحكومة في مقاعد المتفرجين. وربما كان الأجدي والأكثر نفعاً، هو توجيه هذه المناشدات إلي خارج الحدود توفيراً للوقت والنفقات، ولا يهم إلي أين يمكن توجيهها، فإذا كان أبودومة قال: إن أي دولة مناسبة ليتلقي فيها العلاج باستثناء إسرائيل، فقد بات واضحاً أن أي دولة مناسبة لتبني وجع قلب أصلان والتكفل به بنفس استثناء أبودومة . تتلذذ الحكومة علي ما يبدو بانحناء المبدعين تحت وطأة المرض، تستعذب خطابات الاستجداء، ومناشدات الرجاء، ثم تهوي بالرفض، أو بقبول بخس مثل عدمه علي رؤوسهم في تشف مريض، وتخل سافل عن مواطنيها في أقسي لحظات ضعفهم الإنساني والجسماني، فلا تحترم دورها ووظيفتها تجاه مواطنيها، ولا تكترث بصورتها عندما يأتي لهؤلاء المبدعين الفرج والتقدير والمساعدة من الخارج. وتتعامل الحكومة مع المثقف حين يطرق بابها مدفوعاً بالوجع الصحي وقسوة أزماته، وكأنه يتسول العلاج، وتتلبسها حين تتخذ القرار روح المرابين،فتنظر إلي عطائها نظرة الصدقة غير المستحقة، تدفعها تحت وطأة الحياء ليس أكثر، لا تبتغي بها حسنة أو وجها كريما، ولهذا جاء «تصدقها» علي أصلان لم يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه. وطالما أن المسألة صارت تسولا في تسول، فلماذا نمد أيدينا إلي من لا يؤمن بالصدقة ولا يقدر أثرها؟ لماذا نتوجه بمناشداتنا إلي من يمنح ويسبق صدقاته ويلحقها بالأذي، بعد أن أثبتت التجارب أن هناك من يعرفون أقدار الناس أكثر من ذويهم، وهناك من يؤمنون بالأنبياء أكثر من أقوامهم، وهناك من يعرفون حقيقة دورهم الإنساني التطوعي، أكثر ممن يتخاذلون في أداء دورهم الإلزامي الوظيفي. فلنمد أيدينا للخارج من البدء.. نوفر علي أنفسنا إهانة الداخل .. ونضمن في الوقت نفسة استجابة سريعة تخفف الآم الجسد دون أن تضيف إليه جراحاً قاسية في النفس لا تندمل. أيها المثقفون والمبدعون: اطلبوا الرحمة من الخارج.. وادعوا الله ما استطعتم أن يقيكم شر سؤال «اللئيم»!! |
الاثنين، 2 أبريل 2007
«البلبوشي» يقول لكم..
| تنبأ له والده بأنه سيكون مختلفاً , لم يحدد له وجه الاختلاف ولا طبيعته، لم يطلعه علي ما بصّرته به السماء،, وحتي الآن لم يعرف البلبوشي سبب النبوءة ولا ماهيتها ولم يلحظ في نفسه أي اختلاف يميزه عن الملايين من أمثاله الذين يجوبون الأرض طولاً وعرضاً بحثاً عن «لقمة عيش». والبلبوشي هو زميلنا أبوالسعود محمد محرر شؤون التعليم العالي في «المصري اليوم» وأتته «البلبشة» نسبة إلي قريته بلابيش مركز دار السلام بسوهاج، حيث مسقط رأسه، وحيث التربة الأولي التي عجنت وجهه ــ المعروق دائماً ــ بسمار طميها وكرمه. ارتبط أبوالسعود منذ وقت لا يذكره ربما هو كل عمره بقيمة العمل والسعي علي الرزق، كان طالباً في كلية الآداب قسم صحافة بسوهاج، وقبل التحاقه بالجامعة وبعدها وأثنائها، كان يولي وجهه شطر رزقه بدءاً من محاجر الجبال ومروراً بدوامة المبيعات وانتهاء بشقاء الصحافة. وربما كان هذا الارتباط هو الذي حرك فيه شاعرية الجنوبي التي تدفقت منه فكتب يقول: «من بطن مظاهرة جوع/ في ميدان الفرن/ باتسلل أقف جنب الباب/ وأرفع شعارات حلمي الكداب/ إني آخذ .. رغفين العيش». هذا الإحساس بأن العالم كله يدور في فلك «رغيف العيش» هو ما جعله يقف متأملاً تلك المرأة العجوز التي تجلس علي كورنيش النيل لتبيع الترمس والفول السوداني للمشاة والحبيبة، فوصفها قائلاً: «وما بين السور المكسور/ نعست../علي حبة فول/الأرض ملامح تجاعيدها/ يوم عيدها/ لما تلاقي إيديها وعنيها وكل ما فيها/ بيرفض إنك تعطيها/أكتر من حق القرطاس/ مع إنها ما بتعرفش الربع من الخمسين/.. ومنين.. وبكام/ جابت صحتها تقاوح ويا الأيام/ مين خلاها تبعتر شيبة العمر علي الكورنيش/ غير لقمة عيش». ومثل كل الجنوبيين عندما يفتحون الأبواب المغلقة أمام مشاعرهم بمجرد تخطي حد الصبا ودخول عالم القاهرة الساحر اقرأ له: «سقيت روحي من سلسبيل لحظة لقاك/ مع أني لسه علي الطريق/ مستني أشوفك/ أنده حروفك/ تبل ريق الانتظار». ومثلما جرحت القاهرة مشاعره حين شاهد شوارعها وميادينها تقسو علي مواطنيها وتدفعهم للاسترزاق في إشارات المرور وأمام محطات المترو , واقترب من شبابها الذين سقطوا في دوامة اسمها مندوب المبيعات، أو أنهوا دراساتهم الجامعية ليستقروا علي ظهر موتوسيكل يوزعون الأطعمة علي المنازل والمكاتب، صدمته أيضاً التعديلات الدستورية، كان مثل غيره من أصحاب القلوب النقية «عنده أمل كبير في البلد»، لكنه أمل ربما تبخر في الاستفتاء، فاحتج علي طريقته وقال: «في بلاد التعديلستان/ ما بعد الافتا/ والاستفتا/ تأتي معجزة تدعي الدستور/ يدوس رقاب الكفار/ فيرتدوا». مازال أبو السعود غير مكترث بنبوءة والده.. ولا يحاول أن يكتشف في نفسه ما يؤكدها ربما يترك ذلك للأيام، لكنني قررت أن أقطع عليه خططه , وأقول له يا صديقي: «أنت مدهش وملهم ورائع.. الخ.. الخ.. الخ. ٢/ ٤/ ٢٠٠٧ |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)