الأربعاء، 30 نوفمبر 2011

من يمسك مفتاح الانفلات؟


مع كل النتائج التى تمخض عنها اختبار المرحلة الأولى للانتخابات، وكل الإيجابيات التى جرى رصدها وكل الفوارق التى أظهرت وبحق الخطوة المتقدمة التى قطعتها مصر، وحتى كل المخالفات والتجاوزات التى تم رصدها، وثبت أنها أخطاء فردية وليست منهجية لا تؤثر على سير العملية الانتخابية ولا على نزاهة نتائجها.

لكن وسط كل مشاعر الفرحة تلك اعتبر البعض أهم الإيجابيات أن المرحلة الأولى من الانتخابات مرت بسلام وهدوء لم يكن يتوقعه حتى أكثر المتفائلين فى مصر، فالواقع كان يقول إننا نعيش انفلاتا أمنيا، وعجزا رسميا عن التعامل مع هذا الانفلات، وكان البعض يتندر على الدولة العاجزة عن السيطرة على مباراة كرة قدم فكيف ستؤمن انتخابات فى 9 محافظات وفى مناخ سياسى ملتهب تتنازع فيه الأطراف السياسية وتتقاطع فيه الأجندات، ويوجد فيه حسب التصريحات والتقارير الرسمية «طرف مجهول» يتعمد إشعال المواقف، وتصعيد الاحتجاجات البسيطة إلى كوارث، والمظاهرات السلمية إلى مجازر، ومباريات الكرة إلى معارك حربية، دولة ظلت عاجزة طوال 6 أيام عن وضع حد لمواجهات فى شارع واحد اسمه «محمد محمود» وتدعى قدرتها على تأمين الانتخابات، رغم فشلها فى القبض على «الطرف المجهول» التى تتهمه كل مرة أو على الأقل الإعلان عنه.

ناهيك عن حوادث البلطجة الكبرى، والمعارك بين القرى فى الصعيد التى وصلت للمواجهات المسلحة والحصار الحربى، حتى أن محافظ سوهاج فى مرة تباهى بنجاحه فى إدخال مواد غذائية لقرية محاصرة من أهالى قرية أخرى، ومحاولات اقتحام أقسام الشرطة فى المحافظات، وغير ذلك من صفحات دفتر أحوال مصر فى الشهور الأخيرة.

لكن الدولة فاجأتك بأنها قادرة على تأمين الانتخابات، وقادرة على فرض الهدوء والسكينة، لم يظهر «الطرف المجهول» ولم يتحرك البلطجية لإفساد الفرح، لا تحاول إقناعى أن بلطجية عام 2011 مثل لصوص 73 الذين حصلوا على إجازة من الجرائم تضامنا مع خوض مصر غمار الحرب، لا تقل لى إن البلطجية بهذه الوطنية ويدعمون الانتخابات والاستقرار، رغم أن المنطقى أن مصالحهم تزدهر أكثر فى الفوضى، لا تخبرنى أن «الطرف المجهول» الذى تقول التصريحات الرسمية أنه يتعمد إفساد كل شىء، قرر بوطنيته ومن تلقاء نفسه أن يترك الانتخابات لحالها، وأن يدعم البرلمان الجديد.

لديك أسئلة مشروعة تتفجر من هذا المشهد، إما أن مفتاح الانفلات هذا فى يد شخص ما فى السلطة، وكان يفتح بنفسه القفل ويغلقه، وإما أن ما تم ترويجه عن البلطجة والانفلات كان مصطنعا أو مقصودا، أو أن كل ذلك كان حقيقيا لكن الدولة كانت متكاسلة ومتخاذلة ومتواطئة فى التعامل مع هذه المظاهر وتدعى عدم قدرتها على المواجهة وعجز أجهزة أمنها، رغم أنها فى الحقيقة قادرة كما رأينا أمس وأمس الأول.

أى كانت النتيجة لا يسعنا فى هذا الموقف إلا أن ندعو السيد الذى يمسك فى يديه بمفتاح الانفلات أن يبقى القفل مغلقا.. ورجاء إلى الأبد..!

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

ليست مباراة الاعتزال


أيا كانت نتائج الانتخابات، وأيا كان رضاك عنها، فستضيف لمسيرتك درسا جديدا لابد أن تستوعبه سريعا، أوله أن وقوفك أمام صناديق الاقتراع هذه المرة مدعوما بقدر كبير من الثقة التى لم تكن موجودة فى السابق، دفع ثمنه مئات الشهداء، وآلاف الضحايا الذين واجهوا الاستبداد بالنيابة عنك ومارسوا الجهاد وكأنه «فرض كفاية» تعفى مشاركة البعض الباقى فيه، لكن آن الأوان أن تسقط هذه الكفاية، وتصبح المواجهة «فرض عين» على كل مصرى، وهذه المرة ليس أمام قنابل الغاز ورصاص المستبدين، وإنما أمام صناديق الاقتراع.

هذه اللحظة دفع المجتمع المصرى ثمنها غاليا جدا، وبقدر الثمن المدفوع بقدر العائد المنتظر، وهذا العائد إذا جاء أقل من الثمن ستكون كارثة حقيقية، ليس الثمن فى نتائج محددة، ولكن فى نزاهة هذه العملية التى ستمنح المزيد من الأمل فى تكرار التجربة وتصويب الأخطاء إن وجدت فى المرات القادمة، بعد أن يخرج الجميع طالبا حقه فى الصندوق ولا يعود ثانية لفقه «فرض الكفاية».

لكن أمام بعض الممارسات «الجزئية» حتى ساعات كتابة هذه السطور، أخشى أن يكون الدرس الذى سنخرج منه الآن هو تبرئة نظام مبارك كأشخاص وسياسات من جرائم التزوير، ففى بعض الدوائر حدثت ممارسات مزعجة لا تثبت أكثر من أن «تقفيل الصناديق وتسويد البطاقات والرشاوى الانتخابية والتأثيرات العائلية والطائفية والعنف والبلطجة» هى ثقافة متجذرة فى نسيج «محترفى الانتخابات» وليست فقط سياسات لمبارك، وإن كان غرس هذه الثقافة صنيعته، وريها وتنميتها والعناية بها عمله.

لا شىء سيكون مثاليا بالتأكيد، لابد أن تمهد نفسك لقبول ذلك، لكن الأهم أن تكون قادرا على انتزاع آليات واضحة لتصويب المسار، وأن تجد سلطة تساعدك على ذلك، فرقابة القضاء ستبقى حاكمة على العملية كلها وتقارير محكمة النقض التى ستفصل فى الطعون ستعامل بطريقة مختلفة عما سبق، والمؤكد أن أسطورة «سيد قراره» سقطت مع سقوط أركانها وهذه قد تكون ضمانة مهمة وسط جو التشكيك والانزعاج الشديد من السلبيات القائمة.

أيضا أى نتائج المفترض أن تقبلها مهما كانت وتعترف بها، حتى لو رصدت أخطاء أو انتهاكات، لديك مسارات لفضح الانتهاكات والطعن على الممارسات الخاطئة إذا تأكدت أن أى أخطاء هى سلوك فردى يخص مرشحا أو عائلة أو حتى حزبا وقائمة، أما إذا كان الشك مازال قائما فإن هذه الأخطاء مازالت سياسات منهجية لسلطة الحكم، فلا تنس كذلك أن لديك شارعا كان حاكما حين سد النظام السابق أفق التغيير عبر الصندوق.

أنت صاحب القرار، ثق بذلك، عادت لك إرادة الفعل بعد عقود طويلة كنت «مفعولا به».. السياسة لن تنتهى بعد الانتخابات، والسلالم لن تهدم، والميادين لن تغلق، أنت لتوك بدأت النضال ولم تنهه، نزلت الملعب أخيرا فلم تعتقد أن هذه الجولة هى مباراة الاعتزال?!

الاثنين، 28 نوفمبر 2011

برلمانك وميدانك


رغم كل شىء، تبقى الانتخابات البرلمانية التى تبدأ اليوم، خطوة مهمة فى طرق نقل السلطة وامتلاك المؤسسات فى هذا البلد، هى الخطوة العملية الأولى والمتاحة حاليا لانتزاع شىء ما من العسكر، والسير معهم حتى باب الدار، فى إطار الجدول الزمنى الذى حددوه.

 لا أدعوك أو أنصحك بالمقاطعة رغم كل شىء، صحيح أننا كنا نتمنى أن تجرى انتخابات بهذه الأهمية فى مناخ أفضل سياسيا، وفى وضع أفضل أمنيا، لكن السياسة هى فن الممكن والمتاح قبل أن تكون المفترض.

أدعوك أن تذهب للصناديق لتقول كلمتك أيا كانت، رغم أن المجلس العسكرى ثبت أنه يريد من البرلمان القادم أن يكون شكليا، تعرف أن مهمة البرلمان هى التشريع والرقابة على الحكومة، وبرلمان هذه المرة لديه وفق الإعلان الدستورى مهمة مضافة وهى انتخاب لجنة الدستور، لكن المسئول القانونى فى المجلس اللواء ممدوح شاهين، خرج قبل ساعات من الانتخابات ليؤكد أن المجلس حتى موعد تسليم السلطة سيظل ممتلكا صلاحياته التشريعية، كما أن البرلمان الجديد لن يكون له أى سلطة على الحكومة ولن يكون من حقه سحب الثقة منها، والأهم أن وثيقة السلمى التى ثار جدل حولها بسبب تمييز القوات المسلحة، وأيضا تحكمها فى اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية مازالت موجودة ولم تسقط أو تموت.

ماذا يبقى إذن من صلاحيات البرلمان؟، يريدونه برلمانا عاجزا عن محاسبة الحكومة، برلمانا لا ينفرد بسلطة التشريع لأن إصدار المراسيم سيبقى فى سلطة المجلس، وقبل ذلك قالوا إن أغلبية البرلمان المنتخب لن تشكل الحكومة، حتى مهمة انتخاب لجنة الدستور يصدمك ممدوح شاهين بالقول إنها مازالت حية بمعنى أن هناك من سيحاول التدخل فى سلطة البرلمان التى بانتخاب لجنة الدستور.

هل هذه ألغاز؟ إذا كانت الانتخابات خطوة على طريق نقل السلطة كما نعرف جميعا، فلابد أن يتسلم البرلمان الجديد بمجرد انعقاده كل الصلاحيات التشريعية والرقابية وصلاحية انتخاب لجنة الدستور من المجلس العسكرى، هكذا نكون استعدنا السلطة التشريعية، وتبقى السلطة التنفيذية لنستعيدها عقب انتخابات الرئاسة فى يونيو المقبل حسب التوقيتات التى أعلنها المشير بنفسه، لكن حديث شاهين ينسف كل ذلك، وكأننا سنذهب للانتخابات رغم ما فى المناخ من قلق واضطراب ومخاوف، لننتخب برلمانا ديكوريا، ليبقى العسكرى وحده ممسكا على مقاليد كل الأمور منفردا حتى بعد الانتخابات.

قطعا هذا سيناريو لا أرجوه، وإن كان هذا ما يعنيه شاهين ولا أحد يتقول عليه، لكن عندما تربط كل ذلك بأن الانتخابات ستتم على يومين وستبيت الصناديق طوال الليل فى حوزة من يحرسها، كما أن عددا كبيرا من قضاة المنصة تم استبعادهم لصالح أعضاء النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، إلى جانب الفرز الطائفى الذى جعل الشيخ القرضاوى يدعو لعدم التصويت لغير الإسلاميين والكنائس ترد عليه بقوائم.

 كل ذلك يجعلك تستحضر مناخات انتخابات مبارك بكل تفاصيلها، وتتأكد أنه إذا كانت صناديق الاقتراع آلية ندعمها فميدان التحرير أيضا كذلك، ومن مصلحتنا جميعا أن يبقى المساران حاضرين دون تعارض، فإذا تسلم البرلمان بعد انتخابه بنزاهة سلطاته وصلاحياته كاملة من العسكرى، كان واجبا وملزما أن يتسلم الراية من ميدان التحرير أيضا.  

الأحد، 27 نوفمبر 2011

ثورة.. لا مزيد


ما جرى فى 25 يناير وحتى التنحى كان ثورة، هكذا يتفق ميدان التحرير، مع العباسية مع المجلس العسكرى الذى اعترفت بياناته بالثورة، وأدى أحد أعضائه التحية العسكرية لشهدائها. فى البدء إذن كانت الثورة، هى التى خلعت مبارك وأجلست أعضاء المجلس العسكرى فى مقاعد الحكم لحين، هى ثورة دفع كل المصريين ثمنها إما من دمائهم أو من أجسادهم أو حتى من أرزاقهم وخوفهم وخشيتهم من المجهول، لكن ماذا جرى بعد ذلك، هناك أخطاء أجهضت الثورة وفرغت أهدافها من مضامينها الجوهرية، وسياسات أعادت إنتاج ما مضى بوجوه جديدة، وشريك عسكرى فى الثورة استأثر بها، وتحرك فى إدارتها فى حدود فهمه للثورة، وهذا الفهم ظل محصورا فى اعتبار ما جرى حركة إصلاح أو انقلاب عسكرى أبيض هدفه إصلاح النظام وليس إسقاطه، وكأن دماء الشهداء ذهبت لتستبدل الوجوه، وتضع قيصرا جديدا مكان القديم.

هذه هى نقطة التدهور الأولى، لم يتعامل العسكر مع ما جرى باعتباره ثورة، ربما أعلنوا ذلك فى العلن لكن إجراءاتهم ظلت تكشف عن عدم الاعتراف شيئا فشيئا، فاستخدموا كل أساليب مبارك السياسية، وكل أفكاره وربما مصطلحاته، والأهم أنها احتفظت ببعض مستشاريه ورفاقه ونخبته، وحافظت على رجاله فى مفاصل الحكم، وإذا كان هناك من حل لهذه الأزمة فهى العودة إلى 11 فبراير، وأن يترجم العسكر ما يعلنونه عن انحيازهم للثورة إلى أفعال حقيقية، لا يكون فيها تنكيل بالثوار، ولا إذلال لأسر الشهداء والمصابين، ولا تلاعب بأهداف الثورة.

نريد الثورة لا مزيد.. نريدها كما فهمناها جميعا فى 11 فبراير منتصبة فى قلب الميدان من جديد، ثورة لإسقاط النظام بأفكاره وفلسفته وانحيازاته والشخوص التى مازالت تدين له بولاء يمنعها عن تقدير حقيقة أن الثورة قامت لتبقى وتستمر وتستكمل أهدافها، هؤلاء الذين استشهدوا من يناير وحتى أمس لم يموتوا «ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ» حتى يغفروا لقاتليهم أو يقبلوا اعتذارا شفهيا، الاعتذار الحقيقى المقبول أن تتحقق الأهداف التى قدموا أرواحهم من أجلها.

هذه ثورة.. قبلنا جميعا بهذا الوصف «تحرير وعباسية وعسكرى وإخوان»، قامت من أجل الحرية والمساواة والعدالة والاجتماعية والمحاسبة ومكافحة الفساد، وكرامة الإنسان، فلنعد إلى هذه النقطة.. لنسترد الثورة بكل ما كان فيها من توحد وتنوع داخل ذات الميدان، لنسترد «الجيش والشعب إيد واحدة» ولكن باعتراف واضح بالأخطاء، وبإقدام على إعادة الأمانة إلى أصحابها، أو صيانتها كما ينبغى بكل الأفعال والسياسات التى تترجم معنى الثورة، وأقل من ذلك سيجعل المجلس العسكرى كمن «كان يمشى معى.. ثم صافحنى ثم سار قليلا.. لكنه فى الغصون اختبأ.. فجأة: ثقبتنى قشعريرة بين ضلعين واهتز قلبى كفقاعة وانفثأ».. مع كامل الاعتذار لأمل دنقل!  

السبت، 26 نوفمبر 2011

إلا الدم


لو تدبر العسكرى قليلا فى أحداث الأحد الدامى أمام ماسبيرو فى أكتوبر، ربما احتوى ما جرى فى نوفمبر بميدان التحرير، حتى هذه اللحظة لم يستوعب الحكام الجدد أن ما أسقط مبارك لم تكن فقط التظاهرات والاعتراضات والاحتجاجات والاعتصامات فى الشوارع، لكن أسقطته دماء الشهداء، أججت الدماء التى سالت فى يناير الغضب ضده ومنحت ميدان التحرير تماسكا مذهلا، وحرمته موقعة الجمل الفرصة للنجاة بعد خطاب عاطفى كاد يحقق أغراضه.

مشاهد الدم والقتل والتنكيل لم تعد تغرس الخشية فى أعماق المصريين بقدر ما باتت تضرب فيهم صيحة الانتباه والفوقان، وفقأ العيون إن كان يجلب الظلمة لضحاياه فإنه يُبصر مجتمع بأسره كان غارق فى ظلمات الأساطير التى تقبل الاستقرار مع الذل، وترضى بنور البصر مع كسر العين، وبحياة الجسد مع موت الحياة.

لم يدرك العسكر حتى هذه اللحظة أن كل شىء فى هذا العالم يمكن أن يخضع للخلاف والنقاش، والاتفاق والرفض والأخذ والرد والتفاوض، إلا الدم، لا يليق أن يكون محل اختلاف، ولا يمكن فى لحظة من اللحظات أن ترى الدم يسيل دون أن تتخذ خيارا أخلاقيا وحيدا بأن تقف فى فسطاط الدم السائل، وما دون ذلك من تبريرات مهلهلة هى تفاصيل لا تهم أمام مشاهد الدم، ومناظر الشواء فى فرن غاز كبير باتساع ميدان التحرير، يخنق فى صدور مصريين الأنفاس فيما هم يحاولون إصلاح رئة الوطن.

يعتقد العسكر أنهم أفلتوا من مجزرة ماسبيرو، فقط لأنها لم تتحول إلى اعتصام تالٍ، ولم يتحرك بعدها ميدان التحرير، بهذا الزخم ولم يتعرضوا لذات الضغط الشعبى الذى أجبرهم على الاعتذار عن أحداث التحرير، ربما نجح خطابهم الإعلامى فى تحويل المسألة إلى قضية طائفية تخص «أقباط»، لذلك لم يعتذروا حتى هذه اللحظة عن القتل الذى أعملوه فى ماسبيرو محتجين بذات الأسباب التى كانوا يكابرون بها قبل اعتذارهم عن أحداث التحرير، مثل أن الشرطة العسكرية كانت تدافع عن نفسها، وكل هذه المسوغات التى روجت لمجتمع غارق فى الاحتقان والتمييز حتى يهدأ بالا ولا ينزعج فالشهداء أقباط!

واليوم يعودون لذات الممارسات فيجدون شبابا غاضبا استوعب ما جرى أمام ماسبيرو، واستبعد القوى السياسية التى كانت تشيع فيهم الانقسام سياسيا وطائفيا، وأدرك أنه قُتل يوم أن صمت عن وجع أخيه أمام ماسبيرو.

كان على العسكر إدراك أن وضع «إزهاق الدماء» كخيار فى أى مواجهة مهما كانت التحديات من ورائها، هو عمل لا يجوز أخلاقيا الدفاع عنه، وأنهم مؤتمنون على هذا الدم، وإراقته بأيديهم أو بأيدى غيرهم هى مسئولية من يحكم، وأن تحول كل مظاهرة أو اعتصام إلى مجزرة لا يعبر سوى عن رعونة فى أدائهم.. وتكرار هذا الأمر يعنى أن فى أعلى السلطة هناك أناس لا يتدبرون!

الخميس، 24 نوفمبر 2011

سطور من الخطاب المفترض


أيها الإخوة المواطنون: لن أحدثكم كثيرا عن القوات المسلحة ولا مواقفها التاريخية ولا دورها الوطنى على مدار تاريخ مصر، فتلك أشياء أثق أننا نتفق عليها جميعا، لكننى أحدثكم اليوم ليس بوصفى قائدا عاما للقوات المسلحة، ولكن بوصفى مسئولا سياسيا، شاءت الأقدار أن يتولى مع زملائه فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة أمانة هذا البلد فى ظرف تاريخى وسياسى حاكم فى المسيرة الوطنية للشعب المصرى، وبعد ثورة عظيمة ومجيدة أعترف أمامكم اليوم بالتقصير فى تحقيق الكثير من أهدافها، لكننى أصارحكم القول بأنه تقصير ليس ناتجا عن سوء نية أو قصد بقدر ما له أسباب بعضها يتعلق بنقص كفاءة لدى البعض منا فى الجوانب السياسية التى لم يعتدها، وبانقسام وتشرذم النخبة المصرية والقوى السياسية التى من المفترض أنها تعبر عن الشعب المصرى وعن أهدافه، وعدم قدرتها على التوافق على ذات الخطوات التنفيذية والأهداف العامة.

أعرف أن هناك وضعا مأساويا فى ميدان التحرير الآن، وأن هناك «شهداء» سقطوا وهم يدافعون عن أهداف الثورة، لا أستطيع أمام هذا المشهد إلا أن أعزى أهل الشهداء وأعتذر بوصفى المسئول السياسى الأول فى هذا البلد عن كل قطرة دم سالت فى عهدى، وذلك قبل أن تبدأ أى تحقيقات أو تظهر أى نتائج، فالأرواح أمانة والاعتذار عنها واجب أى كان مهدرها أو المتسبب فى إزهاقها.

قطعا لن أسمح لنفسى وأنا المسئول الأول أن أتهم أية أطراف مجهولة بالتسبب فى الأحداث، فدورى هو الكشف عن هذه الأطراف وإعلانها، لذلك فقد طلبت من رئيس المجلس الأعلى للقضاء انتداب قضاة تحقيق مستقلين للشروع فورا فى التحقيق فى الأحداث، ومنحهم كامل الحق فى استدعاء أى مسئول مهما كان موقعة حتى لو كان «عسكريا» للتحقيق وحتى للاحتجاز الاحتياطى إذا لزم الأمر، وكذلك التحقيق فى كل مشاهد الفيديو الموجودة على شبكة الإنترنت عن الانتهاكات فى حق المتظاهرين، وإحالة من يستحق للمحاكمات.

لن أكرر حديثا سابقا عن أننا لسنا طامعين فى الحكم ولا نريد أن نكون بديلا للشرعية، فقط هى أمانة تسلمناها ونريد أن نسلمها فى التوقيتات المعلنة، وأعترف أمامكم أن هناك بطئا فى اتخاذ القرارات التى تحقق أهداف الثورة، وأن هناك أخطاء فى التعامل مع أهالى الشهداء ومع المصابين وسيحاسب المتسبب فى ذلك، وعلى المستوى السياسى رغم أخطائنا إلا أن القوى السياسية جميعها وبلا استثناء شريكة معنا فى هذه الأخطاء، وبل وأصارحكم القول أن بعضهم كان يزين لنا البقاء والاستمرار، والبعض الآخر كان يجمل لنا القبح، ويبرر لنا الخطأ، ويقدم لنا النصح الذى يحقق أجندته فحسب، وكل اجتماعاتنا مع هذه القوى مسجل وسيأتى يوم لإعلانه بعد أن نكون غادرنا مهمتنا المؤقتة وعدنا إلى ثكناتنا.

اليوم أصدرت أوامرى بوقف إطلاق الغاز فورا على المتظاهرين، وعدم التعرض للميدان، وتكليف قوات من الجيش بتأمين محيط وزارة الداخلية، وإعلان المنطقة المحيطة بالوزارة منطقة حظر تجوال، والتعامل بقسوة فقط مع من يوجد فيها، إلى جانب اعتبار كل من سقط مصابا أو سلم روحه فى الأحداث الأخيرة من شهداء ومصابى الثورة.. عاش كفاح المصريين والسلام عليكم ورحمة الله.

الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

استفت شعبك


هذا مشروع مبادرة مباشرة تحمل العنوان، لا يمكن فى هذا التوقيت أن نبقى فى إطار التنظير والتنفيس دون أن نطرح أفكارا للحل، أولا، لدينا الآن أزمة حقيقية، ندفع جميعا ثمنها، والأزمة بدأت من اللحظة التى تعامل بها المجلس العسكرى مع الثورة دون اعتراف كامل بها، ومحاولة حصرها فى إطار إصلاح من داخل النظام أو إنقلاب ناعم، فجاءته ثورة حقيقية عليه هذه المرة حتى يؤمن ويسلم بإرادة هذا الشعب.

ثانيا، لدينا كذلك قوى متصارعة ومتنافرة وانتهازية تتعدد مصالحها وتتقاطع وكلها يتحدث باسم الشعب وإرادة الشعب دون أن يقدم أى منهم ما يثبت شرعية تمثيله، وهو ما حدث فى أزمة الوثيقة التى سخنت الأجواء فى الشارع وفى أوساط النخبة بانقسام كبير كله يدور تحت عنوان تمثيل الشعب وإرادته.

ثالثا، لدينا هدف واضح الآن هو استعادة الثورة وتسليم السلطة للمدنيين فى أسرع وقت وهو هدف يحمى الوطن ويحقق أهدافه، وفى ذات الوقت يحمى المؤسسة العسكرية بإعادتها لمهمتها الأساسية فى حماية أمن الوطن والمواطنين بإجراءات خروج آمنة للجميع.

رابعا، لدينا خطوة عملية مهمة ومتاحة فى طريق نقل السلطة وهى الانتخابات التى بات أمانها وتأمينها على المحك حاليا، وصار بلوغ ذلك فى غيبة حكومة قوية ووسط انفلات أمنى، وفى غياب صلاحيات حقيقية لهذا المجلس مغامرة وانتحارا.

السؤال الآن هل تريد القوى السياسية الانتخابات أم تسليم السلطة؟ سيقول أحدهم إن هذه تؤدى لتلك، وهو نظريا صحيح، لكن هناك آلية تستطيع أن تحسم هذا الجدل وتجلب سلطة مدنية مؤقتة ومنتخبة تتسلم السلطة فورا وتبدأ فى إدارة مرحلة انتقالية «مدنية» فى إطار عام واحد على الأكثر، هى آلية الاستفتاء الشعبى العام، لم يعد من المناسب أن يدعى المجلس العسكرى أو أى قوة تمثيل الشعب دون استفتائه، ومن فضلك انس استفتاء مارس ولا تبنى عليه أى شىء أو تقع فى هذا التضليل، لأن الشىء الوحيد الذى يمكن بناؤه على هذا الاستفتاء هو إعادة إحياء دستور 71 بعد التعديلات التى أجريت عليه لأن الناس قالت «نعم» لذلك وفق إطار هذا الاستفتاء.

مطلوب الآن تعيين رئيس جمهورية مؤقت ولمدة عام وطرح اسمه فى استفتاء شعبى خلال 10 أيام، على أن يتولى تكليف حكومة انتقالية وطنية تتولى ملفين أساسيين هما استعادة الأمن واستعادة الإنتاج، ويتسلم الرئيس الجديد وليكن شخصية قضائية مستقلة كالمستشار حسام الغريانى رئيس المجلس الأعلى للقضاء السلطة كاملة من العسكر، بهذا صار لدينا رئيس جمهورية وحكومة، ولدينا دستور 71 بعد تعديلاته فى الاستفتاء ويمكن التعامل معه باعتباره أيضا دستورا مؤقتا، ثم انتخاب جمعية تأسيسية توافقية فى قائمة واحدة لا يسمح لحزب واحد أن يحصل على أكثر من 10% من مقاعدها عبر استفتاء الشعب أيضا تتولى مهمة التشريع وإعداد الدستور الجديد خلال المدة الانتقالية المدنية.

هذا طرح قد لا يكون مثاليا لكنه يضمن فى نظرى تحقيق كل الأهداف، تسليم السلطة وامتلاك مؤسسات دولة «رئيس وحكومة وبرلمان ودستور» بشرعية الإرادة الشعبية، وعام من العمل على الدستور والانتخابات والأهم استعادة الأمن والهدوء.. أو هكذا أعتقد.

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

لا نامت أعين الجبناء


يقولون إن «أحمد حرارة» فقد عينه اليمنى فى يناير، وفقد عينه اليسرى فى نوفمبر، وأن الإخوان جلسوا مع عمر سليمان وخرجوا من دوامة «الحظر» فى يناير، ويستعدون لدخول البرلمان تحت راية حزب شرعى فى نوفمبر، وأن رئيس الوفد ذهب للاحتفال بافتتاح برلمان مبارك المزور فى يناير، ويريد أن يفتتح برلمان «الثورة» بعد نوفمبر، وأن أعضاء الجماعة الإسلامية والجهاد التائبين منهم عن العنف وغير التائبين، كانوا فى زنازين السلطة فى يناير، ويسعون إلى تشارك السلطة فى نوفمبر، والسلفيون كانوا يتقربون إلى الله بالاعتكاف فى المساجد وإرضاء الحاكم فى يناير، فخرجوا من المساجد يطلبون الحكم فى نوفمبر.

يقولون إن «أحمد حرارة» فقد عينه اليمنى فى يناير، وفقد عينه اليسرى فى نوفمبر، وأن المشير كان وزيرا فى يناير، فصار حاكما للبلاد فى نوفمبر، وأعضاء المجلس العسكرى كانوا فى طريقهم للمعاش فى يناير، فعادوا ممسكين بمقادير البلاد والعباد فى نوفمبر، وأن الكتائب كانت تستعد لأداء التحية العسكرية لجمال مبارك فى يناير، فباتت تطلب من الشعب أن يؤدى لها تحية الخضوع فى نوفمبر.

يقولون إن «أحمد حرارة» فقد عينه اليمنى فى يناير، وفقد عينه اليسرى فى نوفمبر، وأن عصام شرف كان عضوا بأمانة السياسات فى يناير، فصار رئيسا لحكومة ميدان التحرير حتى نوفمبر، وأن منصور العيسوى كان ضابطا بالمعاش فى يناير، فصار وزيرا للداخلية حتى نوفمبر، وجودة عبدالخالق كان معارضا ومؤمنا بحقوق الإنسان فى يناير، فصار وزيرا فى حكومة تقمع الثوار فى نوفمبر، وأسامة هيكل كان رئيسا لتحرير صحيفة معارضة فى يناير، فصار وزيرا لإعلام رسمى يبرر قتل الثوار فى نوفمبر، وأن عمرو حلمى كان ناشطا معارضا فى يناير، وصار وزيرا للصحة فى حكومة تقصف المستشفيات الميدانية وتنتهك حقوق الجرحى وحرمة الأموات فى نوفمبر.

يقولون إن «أحمد حرارة» فقد عينه اليمنى فى يناير، وفقد عينه اليسرى فى نوفمبر، وأن مرشحى الرئاسة كانوا ممنوعين من الترشح فى يناير، فصاروا رؤساء محتملين فى نوفمبر، وأن مشايخ التحريض كانوا محرومين من المنابر فى يناير، فاحتكروا كل المنابر فى نوفمبر.

يقولون إن «أحمد حرارة» فقد عينه اليمنى فى يناير، وفقد عينه اليسرى فى نوفمبر، وبهاء السنوسى أخذ طلقة فى صدره فى يناير، ومات بطلقة أخرى فى نوفمبر، ومئات الشهداء والمصابين جادوا بدمائهم فى يناير، وفعلوا كذلك فى نوفمبر، فيما هناك على الشاشات من يعرفون أنفسهم بالثوار، وفى المؤتمرات من يحاولون ترجمة دم بهاء وعينى حرارة والذين معهما، إلى أرصدة فى البنوك ومقاعد فى البرلمان وحقائب فى الوزارة، وصعود وارتقاء وسط الزحام والضجيج.

هل مات بهاء وفقد أحمد عينيه ليربح سماسرة السياسة وتجار الدين وأبناء الاستبداد وتلاميذ أمن الدولة؟!.. لا نامت أعين الجبناء..!

الأحد، 20 نوفمبر 2011

المصرى كما ينبغى


تدعو لدولة لجميع مواطنيها، تقوم على التكافؤ والمساواة والعدل، تؤمن بأن العدل هو غاية مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن ميزان العدالة، حيث يوجد، يصبح شرع الله حاكما ونافذا.

ترفض تسليم عقلك لمشايخ الفتنة، وقساوسة الكراهية، يرفض عقلك ادعاء كاذبا بأن عقيدتك ونبيك وربك يحرضونك على الكراهية ويثيبونك عليها، ويأبى قلبك أن يقبل فى المقابل من يدعون أن هذه الأرض ليست أرضك وهذا الوطن ليس وطنك، وأنك حفيد غزاة غلاظ استقروا بالدم والسيف.

تعلم أن الأديان كلها جاءت من سماء واحدة، من لدن رب واحد لو أراد لجعل الناس أمة واحدة، لكن حكمته شاءت أن يعيش الجميع فى سعى إلى عدل على الأرض وجزاء فى السماء.

تدرك أن الإيمان فى القلب أولا، وأن الدين المعاملة، وأن العدل وحسن الخلق أحب المكارم إلى الله، وتعرف أن الله حملك أمانة الأرض، وأمرك بالسعى فيها لما ينفعك وينفع من حولك، لم يخلق لكل «ملة» سماء خاصة، ولا أرضا خاصة، لم يصنع أنهارا «مسلمة» وأنهارا «مسيحية»، ولم يُنزل من السماء مطرا «مؤمنا»، ومطرا «كافرا»، ولم يرزق من يعرفونه ويعبدونه، ويترك الملحدين.. شاءت حكمته أن تقتسم الأرض والوطن والماء والسماء والرزق مع شركاء لك، لا لتتعارك فتظفر بكل شىء لنفسك مرة، وتخسر كل شىء مرة، وتحرم شركاءك مرة، ويحرمونك مرة، ولكن لتصنعا حياة مشتركة معا، حياة واحدة ومصيرا واحدا على أرض وسماء واحدة.

تؤمن بأن هذا الوطن رزق مشترك بينك وبين أخيك، وحتى تدوم لك النعمة فلابد أن تضع يدك فى يده، تزرع وتذهب ثمار زرعك شئت أم أبيت إلى فمه، تمهد الطرق ليسير عليها، تبلغان معا النجاح المشترك.

تعتقد فى القانون حلا وحيدا ونهائيا، يسعدك أن تقف أمامه متمتعا بحقوقك كاملة ودافعا ثمن أخطائك كاملة، تهرع إليه عندما يستباح حقك وتسعى من خلاله لرد المسلوب منك، لا تتحصن بكنيسة ولا مسجد، لا تستدعى الأنبياء ليشاركوك معاركك، ولا تنقل صراعاتك فى الدنيا، وخصوماتك حول شئونها، إلى ميادين الخطابة وساحات الاستشهاد.

تفهم أنك مطالب بصيانة أمانة الوطن، بجهد وعرق «لا دين لهما»، وتعرف أن مجتمع العدالة والحداثة والنمو ستبنيه أنت وشريكك بقانون لا يميز بينكما بالاسم ولا بالعلامات التى تفصح عن الديانة، ودستور يرعى تلك المساواة، ويبنى هذا التكافؤ، ويمنح الجميع كل الحقوق والواجبات، ويصون حريات الجميع.

تتوقف عن فرز الآخرين لاستثناء المغايرين لك فى العقيدة من مزايا ملك للجميع، وتحترم حقوق الآخرين فى العبادة، تتقرب إلى الله بالعدل، ولا تحتكر الحقيقة واليقين.

تتعدد الطروحات والوثائق لبناء هياكل ومؤسسات للوطن الذى نريد، لكن يبقى المصرى كما ينبغى أن يكون فى حاجة لبناء جديد.. أو هكذا أعتقد..!

السبت، 19 نوفمبر 2011

رجولية الفريق


أتعجب كثيرا عندما أسمع الفريق أحمد شفيق، يحلل وينظر ويضع حلولا ذات وجاهة، ويقول إن مصر فى حاجة لمواقف «رجولية» وحزم فى الإدارة، وينتقد فشل الحكومة فى علاج الانفلات الأمنى، ثم يطرح نفسه فى ذات الوقت كمرشح للرئاسة.

نح كل خبراتك عن شفيق جانبا، لا تنظر له باعتباره كان أحد أركان النظام الذى تهدم، ولا أحد تلاميذ المخلوع، فقط ذكره ربما نسى أو تناسى، أنه كان رئيسا للوزراء قبل عدة أشهر، ولم نجد عنده أية مواقف «رجولية» تذكر، ولم نضبطه متلبسا بالحزم أو قادرا على التعامل مع الانفلات الأمنى الذى ينتقد عليه حكومة شرف الآن.

يطرح شفيق نفسه كمرشح للرئاسة، وهذا حقه وفق ما هو متاح من مواد قانونية ودستورية، وأنا أطرح عليه أسئلة لا يسألها لنفسه وهذا حقى، فإذا كان هو مرشح محتمل فأنا ناخب مؤكد، وأريده أن أذكره بأن «موقعة الجمل» الدامية وقعت فى عهده وكان رئيسا للوزراء، ولم نجد لديه أية «رجولية» أو حزم فى مواجهتها، ولم نعرف حتى هذه اللحظة ما هى حدود مسئوليته مع وزير داخليته السابق «محمود وجدى» عما حدث، ومازلنا جميعا نذكر مشهده وهو يعلق على ما جرى وكأنه «كان بايت بره» على طريقة لم أر لم أسمع لم أتوقع، ولم أتخذ إجراءات أيضا.

يحدثك شفيق عن هيبة الدولة والقانون وهى أشياء قد تكون تراجعت فى عهده أيضا دون إرادة منه وفى إطار فوران طبيعى كان من الصعب ضبطه، لكنه على الأقل لم يبد كرامة سعى إلى حل، ولم يظهر ُمبادرا بالتدخل الحاسم أو الحازم وكان أداؤه أبعد ما يكون عن تلك الرؤية التى يطرحها، فبدا للبعض «مؤدبا زيادة عن اللزوم» وللبعض الآخر «متراخيا زيادة عن اللزوم» وللبعض الثالث «متواطئا زيادة عن اللزوم» وأيا كانت الحقيقة «أدب أو تراخ أو تواطؤ» فهو يبقى بعيدا تمام البعد عن نظرية «الرجولية» التى طرحها فى حضور «هوانم وبهوات الروتارى».

يُصدقك شفيق القول حين يؤكد حاجة مصر لقائد قوى وحازم وقادر على المبادرة لينتشلنا من هذا الوضع الذى وصلنا إليه، لكنه يستمرئ خداعك حين يطرح نفسه باعتباره هذا الشخص، كما يحدثك عن ريادة مصر التى ضاعت خلال السنوات الماضية، دون أن يدين بكلمة واحدة أصحابه وأساتذته ورفاق سلاحه الذين تسببوا فى هذا التراجع والتردى، لم يحمل نفسه ولا نظاما كان جزءا منه بحكم الوظيفة والولاء والاقتناع الشخصى المسئولية عن كل الخطايا التى انتهت بنا إلى هذا الوضع، مجتمع ماتت فيه السياسة وأُهدرت فيه الطاقات وقُصفت فيه المواهب والكفاءات، ثم يأتى الرجل الخارج من رحم الفشل والاستبداد والانفلات والتراخى ليبشرنا بمستقبل من ذات الزرعة الفاسدة..!

الخميس، 17 نوفمبر 2011

مع علاء.. ذلك أفضل جدًا


هل معنى أنك تدافع عن علاء عبدالفتاح أنك تقطع ببراءته من كل الاتهامات التى جرى توجيهها إليه مع المختلفين؟ هكذا سألنى أحد علاء، مضيفا على سؤاله المباشر مزيدا من الحواشى حول مواقف علاء «التحريضية والتحررية» وغيرها من الاتهامات التى لا تتوقف فقط عند المساس بالعقيدة.

والحقيقة أن كل ذلك لا يعنينى فى شىء، فلست جهة تحقيق لديها القدرة على فحص الأدلة ومناقشة الشهود وإصدار الأحكام، لكن ما يعنينى هو مبدأ المحاكمات العسكرية للمدنيين الذى يناهضه كل المتضامنين الآن مع علاء حتى قبل اتهامه وحبسه.

من حقك أن تتهمنى أو أن تتهم علاء أو أى شخص بما تشاء من اتهامات، لكن من حقى أن أمثل أمام محقق طبيعى، وقاض طبيعى متمتعا بكل ضمانات القضاء الطبيعى، هل فى ذلك كثير؟ هل تعتقدون أن المحاكم المدنية غير مؤهلة لنظر قضايا اعتداء على الشرطة العسكرية أو حتى سرقة أسلحة رسمية؟ هل يظن أحدكم أن أعتى المتهمين وأصعب الاتهامات لا يقدر قاض أو محقق طبيعى على نظرها؟

تلك هى المسألة إذن.. لا ندافع عن علاء عبدالفتاح لأننا نعتقد أنه برىء بالضرورة، لكن لأنه يخضع لمحقق استثنائى، ليس من حقه حقوقيا أن يستجوبه أو يستدعيه حتى لو كانت «القوانين الاستثنائية السلطوية» تمكنه من ذلك بالمخالفة لكل معايير القوانين الدولية.

تبقى المحاكم الاستثنائية هى أداة كل سلطة مستبدة للتنكيل بمعارضيها استخدمها نظام مبارك من قبل ضد نشطاء من جميع التيارات من اليسار إلى الإسلام السياسى، هى قضية مجتمع إذن وليست قضية أشخاص، وأنت الآن مطلوب منك أن تختار، إما أن تكون مع علاء والذين معه، ترفض محاكمتهم عسكريا حتى لو كان لديك شكوك فى إدانتهم، وتعتقد أن القضاء الطبيعى قادر على مواجهة وحسم أى اتهام، أو تكون مع السلطة التى تصر على القضاء الاستثنائى، حتى لو كنت تعتقد أنها حسنة النية، عن نفسى اخترت أن أكون مع علاء ليس بالضرورة قناعة ببراءته، لكنه انحياز أخلاقى لا يقبل المساومة أو التفريط.

لا تتشبث بأن قضية علاء «عسكرية» كون الجيش طرفا فيها، باعتباره «معتدى عليه» فى روايته، و«معتدى» فى رواية النشطاء، لأن ذلك وحده سبب كاف لتنحى القضاء العسكرى واستشعاره الحرج، خاصة أنه اعترف بأن التحقيقات تشمل أيضا عسكريين متهمين فى ذات القضية.

لا ولاية لقضاء عسكرى على المدنيين ولا يجب، لكن القضاء المدنى صالح لأن تشمل ولايته الجميع، والسلطة التى تتجنب القضاء الطبيعى، هى سلطة لا تثق فى عدالة قضاياها، ومتأكدة تماما من خواء اتهاماتها.

إذا ضاع حق متهم أيا كان جرمه فى العدل فسيضيع حق المجتمع من بعده.. اعدلوا هو أقرب للتقوى. 

الأربعاء، 16 نوفمبر 2011

درس عيد الجهاد


لا يمكن أن تسمح هذا العام تحديدا لذكرى «عيد الجهاد» أن تمر دون احتفال لائق، قد تتصور للحظة أن هذا الاحتفال يخص حزب الوفد وأعضائه المسجلين ولا يخص غيرهم، لكن ذلك تصور خاطئ، يُحزب الذاكرة الوطنية المملوكة للجميع، ويحاول أن يحرم المصريين جميعا من التدبر فى لحظة مهدت للثورة، ومهدت بعدها للحياة الدستورية، ولمناخ ليبرالى منفتح، نمت فيه كل الأفكار والتيارات، وشهد أهم المعارك الفكرية فى تاريخ مصر، واستفادت منه أيضا الحركة الإسلامية التى تأسست خلاله عبر الجماعة الأم «الإخوان المسلمين»، عيد الجهاد عيد وطنى وليس وفديا بالضرورة، ففى ذلك اليوم الذى بدأ فيه سعد زغلول وصحبه تحركاتهم لعرض القضية المصرية واستعادة وهجها من أجل إنهاء الاحتلال، لم يكن الوفد القديم ولا الجديد قد تشكل، لكن كانت الثورة تتحرك فى صدور المصريين وتوحدهم نحو هدف واحد مشترك، وتفجر ثورة 1919، بكل زخمها وتأثيرها، وقدرتها على بناء تيار رئيسى مصرى متنوع المكونات لا تمييز فيه بين مسلم وقبطى، ولا بين صاحب عمل وأجير، ولا بين الباشوات وأصحاب الجلاليب، نجحت ثورة 1919 فى بناء هذا التحالف الوطنى الشعبى العام، صحيح أنها لم تنجح فى تحقيق الجلاء كاملا، لكنها توجت جهدها بدستور 1923 الذى صار المطلب الوطنى الأبرز إلى جانب الجلاء فى كل المعارك التى خاضها الشعب المصرى عقب ذلك، وكان من حظ هذه الثورة أن خرج من رحمها «الوفد المصرى» ليعبر عنها ويحفظ أهدافها ويناضل من أجلها، ويستمر فى رعاية نهجها الليبرالى التوحيدى ــ راجع كتاب الدكتور محمد الجوادى عن مصطفى النحاس وبناء الدولة الليبرالية الحديثة ــ، وكان الموقف مشابها إلى حد كبير لما حدث قبل 9 أشهر فى ميدان التحرير.

مثلما خرجت طوائف الشعب متوحدة تحت لواء واحد لمناهضة الاحتلال وطرده وبناء الدولة الدستورية الحديثة، خرج المصريون فى ميدان التحرير لذات السبب بناء دولة حديثة تبدأ بإسقاط نظام احتلال محلى كان أقسى وأشد كارثية فى نتائج حكمه من الأجانب.

ربما أجهضت كثير من نتائج ثورة 1919، كما تجهض الآن الكثير من نتائج ثورة يناير، لكن بقى لثورة 19 «حزب رئيسى» خرج من رحمها، وبات متحدثا باسم أهدافها ومناضلا من أجلها، لكن رحم ثورة يناير لم يلد إلا مزيدا من التفتيت والتشرذم بعد أن أهدر ميدان التحرير المتنوع والمتوحد فى آن، الخطأ الرئيسى لثورة يناير، أنها فشلت فى بناء تيار رئيسى يحمل أهدافها ولم يخرج من رحمها كيان شرعى يدير النضال ويدير التفاوض، وربما يقبل الدواء المر أحيانا، وانتهى بها الأمر أن صارت فريسة لأحزاب جديدة متناحرة، وأحزاب قديمة لم تُبِنْ كرامة طوال 30 عاما.

احتفلوا بعيد الجهاد واستوعبوا دروسه، فالفرصة لم تضع نهائيا بعد..!

الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

الوفد غير الليبرالى


كنت أعتقد ربما مثلك تماما أن «حزب الوفد العريق» حزب ليبرالى، وصفته الكتب التاريخية والمدرسية بذلك، وتعلمت فى الأدبيات السياسية أنه ليس فقط حزبا ليبراليا لكنه «قلعة الليبرالية» فى مصر، وعندما تراجع فقط أرشيف جريدة الوفد خلال الثلاثين عاما الأخيرة ستكتشف أن الليبرالية حاضرة فى الأداء والخطاب والتصريحات، حتى الفترة التى حكم فيها حزب الوفد قبل يوليو 52 وتحديدا منذ إقرار دستور 23 تسمى تاريخيا بالفترة الليبرالية، ويمكنك أن تراجع تصريحات للمرحوم فؤاد سراج الدين فى جريدة الوفد، وما كتبه المرحوم جمال بدوى، وحتى ما كتبه الصديق سليمان جودة رئيس تحرير الجريدة الحالى عن ليبرالية الوفد.

لكن ربما كان كل ذلك وهما كبيرا، ربما خدعنا المؤرخون وخدعتنا الكتب المدرسية، وخدعنا الوفديون الأوائل، فقد قال السيد البدوى رئيس حزب الوفد الحالى قولا قاطعا فى هذا الأمر، وأقر بأن الوفد ليس حزبا ليبراليا ولم يكن كذلك فى يوم من الأيام.

الأرجح أنك تجد تناقضا بين الوفد الجديد الذى يحاول دائما أن يرتكز فى خطابه على إنجازات الوفد القديم وخطاباته ومواقفه المشهودة، وبين انكار رئيس الحزب للتراث الليبرالى داخل الحزب الذى كان أبرز ما قدمه الحزب للحركة الوطنية فى عصر الاحتلال، حين نجح فى تأسيس تيار رئيسى متماسك رغم تنوع مكوناته من مسلمين وأقباط وباشوات وعمال وفلاحين.

لكنك ربما تلتمس للبدوى العذر حين تجد أن «الليبرالية» تتحول تدريجيا إلى كلمة «سيئة السمعة» وكأنها معادل للكفر والإلحاد أو مضادة للدين والتدين، وهى صورة خلقتها من ناحية بعض ممارسات المحسوبين على الليبرالية، وأيضا حملات التشويه التى ترى فى أى اتجاه لا يجند الإسلام فى الاتجاه السياسى كفرا، لكن كل هذه الحملة بضراوتها كانت تنتظر كيانا كبيرا مثل الوفد ليرد عليها بتصحيح المفهوم عبر تقديم نموذج حقيقى لليبرالية، والتأكيد على أن الليبرالية ليست ضد الإسلام كعقيدة، ولا ضد التدين كممارسات، لكن رئيس الوفد اختار الحل الأسهل وخلع العباءة الليبرالية كلها، وزعم أن الوفد لم يرتديها يوما فى تاريخه.

وهو سلوك ربما تجده لا يتناسب مع حزب عريق المفترض أن يبقى وفيا لمبادئه الأساسية طالما أنه ليس فيها ما يشين، لكنه قد يتناسب مع ذهنية السيد البدوى التجارية كونه رجل أعمال، وهى ذهنية تترجم كل شىء إلى مكاسب وخسائر، وتنظر للانتخابات باعتبارها «صفقة» تحتاج لثمن يسدد حتى يأتى المكسب، وطالما أن الليبرالية «سوقها مش ماشى» فلا مانع من خلعها وإنكارها والهجوم عليها ضمنيا وبيعها «جملة وقطاعى» لبلوع المكسب النهائى.

إذا كان «الوفد» بات غير مقتنع بالليبرالية، فلابد أن يقدم ذلك فى صيغة مراجعات حقيقية تنتقد ما مضى من تاريخه، فمن حق كل حزب أن يختار تحولاته، لكن ليس من اللائق أن ينكر ماضيه ويدعى أنه لم يحدث..!

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

شراكة وليست وصاية


وسط هذا الجدل السياسى المحتدم الذى تعيش فيه، لا يجب أن تقبل أن يقدم لك طرف نفسه باعتباره الملاك الوحيد، لا تحترم وسط كل هؤلاء إلا من يقول لك أخطأت فى كذا قبل أن يعدد لك حسناته وإنجازاته.

الراشد وسط كل هذا الفوران من يملك رؤية نقدية حقيقية لنفسه أولا قبل أن يتوسع فى انتقاد خصومه أو المعارضين له، لأنك إذا أخذت العزة بالإثم فى كل موقف فتأكد أنك خاسر حتى لو بذلت الجهد لتقنع نفسك والآخرين أنك على صواب.
المؤكد أنك الآن تدفع ثمن قوى سياسية متصارعة ونخب تركت الثورة وأهدافها وسعت نحو المغانم السريعة، وتحالفات قامت ليس فقط على اقتسام مقاعد البرلمان، ولكن على اقتسام المقاعد الوزارية فى حكومة قادمة، وكأن كل شىء انتهى.

لكن بقدر الثقة فى أخطاء القوى السياسية لابد أن تثق كذلك أن المجلس العسكرى الذى يدير شئون البلاد أيضا وقع فى أخطاء أساسية ساهمت فى تفجير الوضع السياسى، وتردى الأداء العام للدولة، إلى جانب فتح مزيد من الجدل الذى كان محسوما حول النوايا.

من حقك الآن أن تطالب أعضاء المجلس العسكرى بأن يقولوا إنهم أخطأوا، من أول التعديلات الدستورية التى تركوها للاستقطابات، وشاركوا فى تضليل الجماهير وكأنها كانت تستفتيهم على شرعية العسكر، والإعلان الدستورى الذى انقلب على نتائج هذه التعديلات، إلى جانب احتضانهم الواضح لبقايا النظام السابق، وعدم وضوح إجراءاتهم مع الماضى، مثلما هى واضحة وعنيفة مع المستقبل.

يتعامل العسكر مع الثورة باعتبارهم شركاء فيها، رغم أن بعضهم مازال يعتقد أنهم أصحابها وليسوا مجرد شركاء، وكنت أعترف بهذه الشراكة، حتى تبين لى أنها شراكة غير مدفوعة حتى الآن، دخل العسكر فى شراكة مع جماهير الثورة، دفعت الجماهير نصيبها فى هذه الشراكة كاملا، تحملت الخطر الرئيسى وحملت رءوسها على أعناقها، ودفعت ضريبة الدم، لكن المجلس العسكرى حتى هذه اللحظة ربما لم يدفع بعد نصيبه فى هذه الشراكة، وكان المفترض أن يكون نصيبه متمثلا فى حماية حقيقية لأهداف الثورة، التى قامت على نظام وأسلوب حكم مازال حاكما ومتحكما وصاحب تأثير.

لم يتلق العسكر أوامر بضرب النار حسبما هو معلن، حتى يقولوا إنهم رفضوا التنفيذ حماية للثورة، ولم يغامروا بنزول الشارع وإنما نفذوا قرارا للرئيس المخلوع، ولم يبذلوا جهدا لمنع «موقعة الجمل» وقد كان المتظاهرون فى ميدان التحرير فى حمايتهم، ربما شاركوا فى الضغط من أجل التنحى، لكنه كان ضغطا مستمدا من ضغط الشارع، وليس بمبادرة من الداخل تعبر عن قناعة بالثورة.

لكن الفرصة مازالت مواتية ليعود المجلس شريكا وليس مختطفا وليسدد نصيبه بأداء يبدأ من الاعتراف بأخطاء الشهور الماضية، وتحديد مفهوم الشريك بأنه ليس «وصيا» حتى لو كان موكلا للإدارة!

الأحد، 13 نوفمبر 2011

تقارير «دفن» الحقائق


ما قيمة أى لجنة تشكل لإعداد تقرير حول حادث ما، إذا كان ما ستفعله سيقبع فى درج مسئول أو ينتهى به الحال إلى تاريخ يستدعى كلما تفجرت ذات الأزمة من جديد؟

كم مرة سمعت عن لجان لتقصى الحقائق تشكل فى مصر فى أحداث مختلفة، سواء عن طريق البرلمان أو الحكومة أو المؤسسات شبه الرسمية، وكم مرة عرفت أن تقريرا صدر وتحول إلى فعل أو قرار أو حتى ساهم بشكل من الأشكال فى تقديم حلول ناجزة للأزمات التى تتصدى لها.
لن أذهب بك بعيدا جدا، لكن كانت هناك لجنة لتقصى الحقائق شكلها البرلمان فى اواخر السبعينيات لبحث الأحداث الطائفية، وانتهت بتقرير «العطيفى» الشهير، الذى أوصى ضمن ما أوصى بقانون واضح لدور العبادة.. يا الله، هل تعرف أن ذات الأحاديث عن قانون دور العبادة التى تتصدر الصحف هذه الأيام هى ذات الأحاديث التى كانت تلوكها الألسن منذ 40 عاما على الأقل، ولا أحد يفسر لك لماذا نقول ذات الكلام طوال هذه السنوات دون أن نضع حلا.

كذلك شكل البرلمان فى وقت قريب لجنة لتقصى الحقائق فى قضية العبـَّارة الغارقة السلام 98، وأعدت تقريرا انتهى أيضا إلى «درج كبير». وتضمن التقرير إجراءات سلامة لو تم تطبيقها والاعتداد بها ربما تجنبنا غرق العبـَّارة بيلا قبل أيام.

وعقب أحداث الأحد الدامى أمام ماسبيرو، ومع ما واجهه الإعلام الرسمى من انتقادات بسبب دوره فى الأحداث، شكل وزير الإعلام لجنة لتقييم أداء التليفزيون فى الأحداث، وانتهت اللجنة التى ضمت خبراء إعلاميين معتبرين إلى نتائج واضحة وتوصيات محددة، وتتلخص كما طالعتها بنفسى فى القطع بوجود أخطاء مهنية جسيمة تستوجب فتح تحقيق عاجل فيها، وأيضا الاعتذار للجمهور بسبب هذه التغطية السيئة، وإن كانت اللجنة استندت إلى منهج علمى فى تبرئة التليفزيون من التحريض بدعوى أنه فعل لم يمكن قياسه علميا، بمعنى أنه لم يعثر على شخص أقر بأنه اتخذ أفعالا عدائية بعد تأثره بمحتوى التليفزيون، إلا أن التقرير الذى شكل لجنته وزير الإعلام بنفسه، واختار أعضاء اللجنة بنفسه، وتسلم التقرير بنفسه، لم يتخذ حتى الآن قرارا لتنفيذ ما انتهت إليه اللجنة، فلم نسمع عن فتح تحقيق إدارى ومهنى فى هذا الأداء، ولم نر أيضا اعتذارا للجمهور، كما أوصت اللجنة.

كذلك انتهى تقرير أحداث ماسبيرو الذى أعدته لجنة من مجلس حقوق الإنسان ذات النهاية تقريبا، فرغم توصيته بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة فى الأحداث، لأن الجيش طرف رئيسى فيها، انتهى الأمر أن أحال وزير العدل التقرير برمته إلى القضاء العسكرى.

هى تقارير تتقصى الحقائق دائما، لكنها أيضا تحال عادة لمسئول يتولى دفنها، ربما لأن هناك من لا يزال يعرِّف الحقيقة بأنها ما تراه السلطة..!

السبت، 5 نوفمبر 2011

الفقيه للمنبر.. والعسكر للمعسكر


للأسف الشديد سقطت كثير من القوى والأحزاب «المدنية» فى اختبار «وثيقة السلمى»، والأرجح أن هذه القوى الليبرالية واليسارية، وقعت تحت وطأة خيار أخلاقى بمعارضة الوثيقة ورفض أى وضع مهيمن للقوات المسلحة على الدستور والحياة السياسية، وخيار نفعى بحت بكبح جموح الإسلاميين والسيطرة على فرصهم فى صياغة الدستور الجديد.

بعض مما يثير استغرابك أن تجد قوى إسلامية عاشت سنوات طويلة تتغذى على التشكيك فى نواياها عن الدولة المدنية هى التى تدافع الآن عن مدنية الدولة، بينما أحزاب عريقة كالوفد والتجمع فى موقع متأخر من هذا الطريق، وكأن خطر العسكرة على مدنية الدولة أقل وأهون من خطر الأسلمة.

إذا كانت العلوم السياسية تخلو من مفهوم للدولة المدنية أو تعريف محدد لها، فإن ما نفهمه أن الدولة المدنية هى دولة «غير عسكرية وأيضا غير دينية» بالمعنى الكهنوتى أو بنظام ولاية علماء الدين وفقهائه، وليس معنى أنك تمتلك مخاوف من تديين الدولة، وهى مخاوف بعضها مشروع بسبب أداء بعض رموز التيارات الإسلامية الفاعلة سياسيا حاليا، إلا أن الحل لا يمكن أن يكون فى استبدال الوصاية الدينية بالوصاية العسكرية.

وإذا كان مفهوما أن دور القوات المسلحة فى أى نظام سياسى هو حماية الحدود وفى الداخل حماية الشرعية الدستورية، فالمقصود أن تحمى الشرعية الدستورية بالمعنى الذى يتوافق عليه الشعب، لا أن يكون الجيش وصيا على كتابة الدستور.

لكن أن تجد حوارا يحاول أن يجر القوى الإسلامية لمساحة اعتراف حقيقية وحاصلة بمدنية الدولة واحترام حقوق المواطنة والمساواة فى المجتمع دون تمييز واحترام الحريات الشخصية فى العقيدة والمظهر، وبدلا من أن تبذل الجهد فى الحوار، وتتحرك فى الشارع لتتحدث عن نفسك وتطرح برامجك لتكون المنافسة فى النهاية محكومة بالشارع، تلجأ لدعم قوى أعلى كبديل عن جهدك المفترض.

الأزمة فى مصر ليست فى قوة الإسلاميين بقدر ما هى فى ضعف غيرهم، وليست فى نوايا الإسلاميين التى تراوح نفسها داخل الإطارات المعلنة، لكنها أزمة أخلاقية فى الأساس، تجعل من يقولون إنه ناضلوا لسنوات من أجل الديمقراطية يتحفظون على هذه الديمقراطية إذا كانت ستمنح الإسلاميين مزيدا من الفرص، ويحاولون إعادة الوصاية العسكرية لمواجهة فزاعة إسلامية مفترضة، والحقيقة أنهم إذا كان لديهم أى حضور فى الشارع يتناسب مع صوتهم العالى، لتمكنوا من حصار أخطار العسكرة والأسلمة على السواء.

الديمقراطية هى حكم الأغلبية وحماية حقوق الأقلية، والأقلية تعنى كل من يختلف مع الأغلبية دينيا أو سياسيا أو ثقافيا أو فى فهم الدين نفسه فى إطار أصحاب الملة الواحدة، وتفعيل هذا المعنى فى الدستور والممارسة هو الضمانة الوحيدة لأى شىء، وليأتى بعدها من يأتى، أما الفقيه فله منبر

والعسكر مكانهم المعسكر، وهى مهمة لا أعظم منها لو تعلمون..!

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

تحدد بمعرفة النيابة


يستحق تقرير لجنة تقصى الحقائق الصادر عن المجلس القومى لحقوق الإنسان حول أحداث ماسبيرو، أن تقف عنده طويلا، ليس فقط لأنه من ناحية لم يصل بنا إلى متهم رئيسى، وربما وازن الأمور ووزع الاتهامات بالتساوى على أطراف أربعة، هى الجيش والمتظاهرون والإعلام ولهو خفى متهم بإطلاق أول رصاصة وتأجيج الصراع، ولكن لأنه أيضا لم يعف قوات الجيش من المسئولية، وفى الوقت نفسه وضع أغلب العنف الذى صدر من المتظاهرين فى خانة رد الفعل وليس المبادرة بالفعل، ووضع السلطة أمام مسئولياتها فى العثور على هذه الأطراف المجهولة التى يقولون إنها أطلقت الرصاص.

لكن الأهم كذلك فى نتائج هذا التقرير هو التوصية بلجنة تحقيق مستقلة فى الأحداث، وإبعاد النيابة العسكرية عن هذه التحقيقات، وهو ذات ما ندعو إليه ويصدر اليوم عن لجنة قانونية وحقوقية ذات صفة وتمثيل شبه رسمى، فلا يمكن بعد كل هذه الاتهامات أن تقول إن قوات الشرطة العسكرية ليست طرفا فى القضية وبالتالى فخضوعها للتحقيقات أمام محقق مستقل دون إدانة مسبقة لأحد هو غاية العدل، وكذلك أنسب الوسائل لإبعاد الجيش كمؤسسة عن أية أخطاء فردية حدثت.

قطعا لجنة مجلس حقوق الإنسان، ليست جهة تحقيق رسمية، وبالتالى فقد افتقدت صلاحيات استدعاء الشهود أو الإطلاع على التقارير الرسمية، وحتى اللجان الفنية الخاصة بالبحث الجنائى وتحديد طبيعة المقذوفات ومصادرها، لكنها فى النهاية قامت بجهد فى تجميع الشهادات وتوثيقها.

لكن الأهم على الإطلاق من كل ذلك من وجهة نظرى لم يتضمنه التقرير حسب معلوماتى، وسمعته مساء أمس الأول من د.منى ذو الفقار رئيسة اللجنة التى أكدت أنها خاطبت وزارة الصحة للحصول على تقارير وفاة الضحايا لمعرفة الأسباب الأولية والمبدئية الظاهرة على الجثامين، فكان رد وزارة الصحة فى كل تقرير «أسباب الوفاة: تحدد بمعرفة النيابة».

هل تصدق أن الوزارة التى نأتمنها على صحتنا ومصيرنا إن ذهبنا فى حادث أو اعتداء وعلى رأسها وزير المفترض أنه محسوب على المعارضة الثورية التى جابهت مبارك، تتخلى عن وظيفتها الأساسية وتصمت عن الحق المجرد وتحيل دورها للنيابة العامة لتحدد أسباب الوفاة وكأن وكلاء النيابة أطباء ونحن لا نعرف.

هذه الملحوظة وحدها تستحق فتح تحقيق عاجل داخل وزارة الصحة، مع كل من رفض تحديد أسباب وفاة الضحايا وترك هذه المهمة للنيابة، لأن ذلك ليس فقط كتمان للشهادة بقدر ما هو إجرام مهنى جسيم، لا يثير فقط الشبهات لكنه يثير الحسرة على وقوعك بين أطباء «سباعيون» يزورون الموت وأطباء «صامتون» يضعون التقارير بيضاء ليضع كل محقق سبب الوفاة الذى يروق له ويتناسب مع نتائج تحقيقه، حتى الموتى لا ينصفون بحقائق موتهم ويحرمون من شهادات الوفاة كما حرموا من حق الحياة..!

الخميس، 3 نوفمبر 2011

حتى لا تبقى السجون خاوية


من قال لك إن أبواب السجون يمكن أن يأتى يوم وتوصد، أو تخلو من «المظاليم»، من قال لك إن تصنيف «السجين السياسى» يمكن أن ينتهى ولا يبقى فى السجون سوى المجرمين المدانين بأحكام واثقة مستندة لدلائل وصادرة من قضاء مستقل وطبيعى؟

لابد أن تدرك أن السجون صناعة مثل أى صناعة، لها آليات تشغيل، هل تعتقد أن سلطة يمكن أن تستثمر مليارات الجنيهات فى بناء سجون أو ترثها على حالها، ثم تتركها خاوية على عروشها كالفنادق السياحية فى موسم كساد؟ هذه السجون لابد أن تبقى، وهذه الزنازين التى يقبع فيها السياسيون وأصحاب الرأى لابد أن تحقق نسب إشغالها وإلا ربما حوكمت السلطة بإهدار المال العام.

هذه ليست سخرية بقدر ما هى توصيف لواقع تاريخى مستمر، يتغير فيه كل شىء، الأيديولوجيات والوجوه وأنظمة الحكم وأشكال الطغاة والقوانين ومواد الدستور، كل شىء يتغير إلا السجون والمحاكم الاستثنائية.

كان الضباط يوما ثائرين يبغضون السجن وأفعال السجان، بعضهم عاش مرارات الحبس وذاق علقمها، لكنهم حين تمكنوا استبدلوا السجان والسجناء لكنهم لم يهدموا السجون، وحين هدم أحدهم سجنا ليعدك بأن عهد الاعتقال ولى، بنى غيره سجونا كثيرة.

كان ضباطنا يوما ثائرين ولم تختف زنازين الرأى، فلمَ تتعجب أن تبقى تلك الزنازين مفتوحة على مصراعيها تستقبل كل يوم عزيزا، حتى بعد أن قامت الثورة، فما بالك بضباط غير ثوريين يؤدون مهمة رسمية بتكليف من «مخلوع أسقطته الثورة» ويتعاملون مع الوطن بثقافة «الإرث الشرعى» وهذه السجون جزء من هذا الإرث، وهذه المحاكم الاستثنائية وهذه اللغة فى وصف الثوار، وهذه الطريقة فى تشويه الخصوم بالطعن فى عقائدهم وقناعاتهم ورميهم بالمطاعن الأخلاقية، ولغة التخوين والأجندات كل ذلك إرث موروث، والابن البار بأبيه من يحافظ على إرثه ووصاياه. 

السجون جزء من هذا الإرث، بكل ثقافتها وآليات تشغيلها، بدءا من اختراع العدو، وهو فى الأغلب تنظيم سرى يواجه باتهامات فضفاضة وغامضة، من الإخوان المسلمين المحظورة، إلى شباب الثورة المحظورين، وحتى تجهيز الآليات الاستثنائية للملاحقة من محاكم أمن الدولة طوارئ إلى المحاكم العسكرية، وحتى الأداء الإعلامى المصاحب لهذا الاستثناء من تبريرات الخبراء الاستراتيجيين وحتى التفسيرات القانونية لشرعنة المحاكم الاستثنائية.

تقوم الثورات عادة للقضاء على السجان، وتنتهى فإذا بها تستبدله، ربما تتغير هويات المسجونين وأيديولوجياتهم لكن تبقى الزنازين قائمة وتبقى عقلية السجان واحدة وثابتة، فالسلطة أى سلطة ربما تشعر بالعار أو بفقدان الهيبة لو أبقت زنازينها خاوية من المختلفين معها سياسيا، لذلك ربما تخترع العدو من الوهم حتى لا تبقى تلك السجون خاوية!

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

لا للمحاكمات العسكرية


مرة أخرى: لم تقم الثورة قطعا، حتى يتحول مثولك أمام القضاء العسكرى إلى شىء عادى، أنت تعرف ذلك ورجال المجلس العسكرى أنفسهم يدركون ذلك، لكن المؤكد أن هناك فجوة حقيقية بين الإدراكات والقناعات، وبين الممارسات.

من يحب العسكر عليه أن ينصح بوقف ذلك، دفاعا عن سمعة المؤسسة العسكرية وحتى لا يوضع فى تاريخ حكمها القصير خلال الفترة الانتقالية ما يشير إلى أنها توسعت فى الاستثناء، وتخطت بالأرقام ما سبقها من ديكتاتورية فى هذا الشأن، وأزهقت قيمة العدل ولا عدل فى مثول مواطن مدنى أمام قاض أو محقق عسكرى، ليحاكم أو يحقق معه وفق إجراءات تخلو من الضمانات القانونية الأساسية التى يقرها القانون الطبيعى والمواثيق الدولية.

المجلس العسكرى نفسه يدرك أن قضاءه استثنائى وخالٍ من الضمانات الواجب توفيرها للمدنيين وسبق أن رفض إحالة قضايا مثل «موقعة الجمل وقتل الثوار» للقضاء العسكرى لذات الأسباب، هذا فى القضايا العادية التى فيها خصوم متباينين، فما بالك إذا كان الخصم هو الجيش، وأحد أطراف القضية الأساسية هو أحد أفرع الجيش ممثلة فى «الشرطة العسكرية» كما فى قضية أحداث ماسبيرو التى يحاكم فيها علاء عبدالفتاح وبهاء صابر وآخرين، هل تعتقد أن المحاكمات العسكرية للمدنيين الخالية من الضمانات والجيش حكم فيها وليس طرفا، يمكن أن تتوافر فيها أى ضمانات حين يكون طرف؟!

كنت أتمنى أن يتصرف المجلس العسكرى فى هذه القضية تحديدا تصرفا سياسيا، وأن يكلف المجلس الأعلى للقضاء بتشكيل محكمة مستقلة بمدعى خاص، تتولى التحقيق فى القضية، ويكون الجميع أمامها سواء دون النظر إلى مدنيته أو عسكريته، وتملك محاسبة أى شخص، مادام أن المجلس العسكرى مثلنا جميعا لا يرغب إلا فى الحقيقة من أجل الله والوطن، ولديه كما يعلن استعداد لمحاسبة أى منسوب له تثبت إدانته فى هذه القضية بأى شكل من الأشكال.

مثل هذا الإجراء إلى جانب أنه يحقق العدالة المطلقة والمجردة والعمياء التى ننشدها، يحمى المؤسسة العسكرية وسمعتها ويصونها من أية هزات فى الاعتبار، أو من الدخول كمؤسسة فى خصومة مع أطراف أخرى تكون فيها فى النهاية خصما وحكما فى ذات الوقت.

من جديد: المحاكمات العسكرية للمدنيين ليست فى صالح الجيش، تخصم منه ولا تحقق له شيئا لكنها على العكس تضيف للأطراف الأخرى، وقضية أحداث ماسبيرو لا يجب أن يتولاها القضاء العسكرى مهما كان المبرر القانونى لهذا الاختصاص على الأقل استشعارا للحرج وابعادا للشبهات، لذلك ربما يكون علاء عبدالفتاح بموقفه الرافض لإحالته لنيابة عسكرية، أحرص على الجيش ممن يشجعونه على التوسع فى هذه الإحالات، فلا تقنعنى بعد اليوم أن هناك من يزعم حرصه على الجيش وهو يروج للمحاكمات العسكرية للمدنيين، هما فعلان لا يلتقيان لو تعلمون..!

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2011

محاكمة المحاكمات العسكرية


من أصدر قرارا بحبس من؟ النيابة العسكرية هى التى أصدرت قرارا بحبس علاء سيف أم أن علاء هو الذى أصدر قراره بحبس العسكر ومحاكمة إحالات المدنيين للتحقيقات العسكرية؟

هذا سؤال جوهرى لابد أن تتدبر فيه قبل أن تستغرق فى التضامن مع علاء باعتباره ضحية جديدة للمحاكمات العسكرية للمدنيين، والحقيقة أنه فى هذه القضية رغم حبسه، صاحب قرار وليس خاضعا لقرار، يملك مبادرة الفعل وحده بينما لا يتحرك العسكر إلا فى إطار رد الفعل وفقط.

فى اللحظة التى قرر فيها علاء رفض التعاون مع النيابة العسكرية، لأسباب قد تدخل فى باب الجدل القانونى النصى، لكنها بكل تأكيد تحمل وجاهة العقل والمنطق والمعنى، فقد قرر أن يحاكم من يتعمدون الاستمرار فى إحالة المدنيين للقضاء العسكرى، رغم إعلانهم المباشر وقف ذلك، والذين يحتجون بأن أحداث ماسبيرو كان الجيش طرفا فيها وبالتالى صارت التحقيقات من اختصاص القضاء العسكرى، لا يردون على سؤال علاء الأساسى: وطالما أنه طرف.. كيف يخضع طرف فى قضية للتحقيق والمحاكمة على يد الطرف الثانى؟

أثق أن علاء لا يحتاج إلى تضامن فلا خوف عليه لأنه يملك زمام مبادرته، ويؤمن بقضيته ويدافع عنها دون مزايدات أو رياء، ويدفع مثل الذين يدافع عنهم ذات الثمن لذات المواقف، لكن مؤسستنا العسكرية الوطنية هى التى تحتاج الآن أن نتضامن معها لأنها حقنا وظهرنا، والتضامن معها ليس بالأناشيد أو التأييد المطلق والتفويضات المفتوحة، لكنها بالنصائح المخلصة والصادقة، يستحق العسكر أن يسمعوا كلمة حق، فلا هم «عدو» ولا نحن طليعة جيوش الغزاة، لكن المؤكد أن الاستمرار فى ملاحقة المدنيين من النشطاء والصحفيين أمام القضاء العسكرى، لا يخصم إلا من رصيد هذا المجلس الحاكم، وإذا كان فى داخل المجلس من لا يصدقنى فليحسب بأمانة من ربح ومن خسر من حبس علاء؟

لا يمكن كذلك أن تكون منصفا أو موضوعيا إذا ما أعفيت «قوات ماسبيرو» من أى خطأ فى الأحداث، هذا المسرح الذى اكتظ بالفوضى والعنف والتحريض لم يكن فيه ملائكة كما أعرف، لكن هناك ضحايا سقطوا بين شهيد وجريح معروفون بالأسماء، وهناك من داخل المجلس العسكرى من قال إن هناك أخطاء حتى لو وصفها بـ«الفردية» وهناك من اتهم طرفا ثالثا لم يسمه رغم أن التسمية واجبة بحكم مسئوليته، وإذا كان هناك من يبحث عن ضمانات للمدنيين فى هذه التحقيقات، فهى أيضا ضمانات للجيش ولصورته وللثقة فى كونه راغبا بالفعل فى تحقيق نزيه ومستقل يكشف الحقيقة المجردة مهما كان المتهم الحقيقى فيها.

هذا جيشنا قبل أن يكون جيش «المجلس»، ومن حقنا أن نعتقد أن بعض أداء المجلس يؤذى الجيش، والاعتراض على هذا الأداء دفاع عن الجيش قبل أن يكون عن علاء، الذى يحاكمهم الآن لو يعلمون..!