الاثنين، 31 أكتوبر 2011

فئوية.. فئوية


لم أسمع أحدا يتحدث عن احتجاجات القضاة وإضرابهم عن العمل وتعليقهم لمهامهم فى المحاكم، باعتبارها مظاهرات فئوية، لم يوجه لأصحاب المنصات القضائية ذات النقد القاسى الذى كان يوجه للفقراء من عمال الشركات وموظفى الدولة، بتعطيل عجلة الإنتاج، بينما تعطيل المحاكم والتهديد بمقاطعة الانتخابات هو شل لكل العجلات وليس عجلة الإنتاج فقط.

إذا لم تكن احتجاجات القضاة فئوية، فما هى الفئوية، هل تصبح احتجاجات المعلمين الذين يطالبون بأجور تخرج بهم من حد الـ600 جنيه فئوية، بينما لا تعد كذلك مطالب القضاة التى تمعن فى طلب مزيد من الحصانات دون حسيب أو رقيب، ومزيد من التوريث الفج للمواقع القضائية، ومزيد من الافتئات على حقوق الدفاع المكفولة للمتهم ومحاميه فى القانون، والأدهى من ذلك أن يحصل القضاة على نسب من الغرامات التى يقضون بها، بما يجعلهم أصحاب مصلحة أساسية فى التوسع بفرض الغرامات.

أعرف أن استقلال القضاء هو حق للمجتمع وضمانة أساسية، لكن المؤكد أن معركة المستشار أحمد الزند رئيس نادى القضاة ليست استقلال القضاء على الوجه الذى نفهمه، وكان يناضل من أجله المستشار حسام الغريانى ورفاقه فى انتفاضاتهم التى كان يعارضها الزند ويسعى لإجهاضها فى حينها، لكنها معركة فئوية بامتياز، فالرجل مصر على أن يورث القضاة مواقعهم لأبنائهم، دون اكتراث بمعايير كفاءة أو مساواة، يتحدث للقضاة كمرشح يخاطب جمهورا فى دائرة انتخابية، يرشوهم بقوله: «ابنى اليوم ابنك غدا» وكأنه يذكرهم أن تكريس تعيين أبناء القضاة سيستفيد منه الجميع فلا تعارضوه، ولا معنى للمجتمع ولا أولئك البشر الذين تسرى فى عروقهم ذات الدماء التى تجرى فى عروق الزند، ويكدون ويجتهدون ثم لا ينالون أحلامهم بالعمل فى القضاء لأنهم من خارج العوائل المالكة لمرفق العدالة.

كيف يستقيم أيضا أن تشرع فئة قانونها الخاص، وهو قانون لا علاقة له بتعاملاتهم فهو ليس لائحة داخلية لنادى القضاة لكنه قانون يخص الجمهور والعلاقة بين أطرافه، كيف يستقيم أن تفتئت على حق الدفاع وحق المتهم وتمنح نفسك سلطات لحبس المحامى وإرهابه، كيف يستقيم أن تمنح نفسك حق الحصول على نسبة من الغرامات التى تحكم بها بين الناس فى العدل، فتصبح صاحب مصلحة أساسية فى الغرامات.

الفارق كبير بين استقلال القضاء و«تأليه» القضاة، والفارق كبير أيضا بين استقلال القضاء و«الاستقلال بالقضاء» وكأنه دولة داخل الدولة، لكن القضاة ليسوا منزهين، والمنطقى أن يحكموا بقوانين لا يعدونها، وأن تراقب أعمالهم مثل غيرهم، وأن يكون هناك توازن قوى قانونى فى المجتمع يضمن على الأقل ألا يأتى يوم فيتعامل فيه رجل مثل الزند وكأنه رئيس شركة عائلية مغلقة ملكه وليست ملك الشعب، لكن مواقف الزند ربما تكون معروفة، أما الصدمة كل الصدمة ففى قضاة تيار الاستقلال المشاركين أو الصامتين عن هذا العبث..!

الأحد، 30 أكتوبر 2011

التكرار لا يعلم أحدًا


أيضا لم تصدر وزارة الداخلية أية توضيحات لملابسات مقتل الشاب معتز نايف حتى الآن بعد مرور يومين على مصرعه بطلق نارى فى ظهره، ربما لم تفحص بعد سجله لتعرف إذا كان «مسجل خطر أو مدمنا»، لكن المؤكد أن هذه المرة الموضوع يختلف عن سيناريو «اللفافة»، فالشاب القتيل راح ضحية طلق نارى رسمى مثبت فى محاضر الشرطة قبل غيرها.

عندما كتبت بالأمس عن عصام عطا، تحدثت عن طلب تحقيق نزيه ومستقل دون إدانة أحد بشكل مسبق، تلك هى القضية الأساسية بعيدا عن الاستقطاب بين روايتين كل منهما تنفى الأخرى الأولى عن أهل عصام والثانى من مصلحة السجون، وفى القصتين لم تقدم الداخلية أداء إعلاميا أو قانونيا يقنعك بأن هناك تغييرا فى ثقافة العقليات الأمنية الحاكمة لهذه المؤسسة المهمة.

فأولا مازالت الوزارة تتعامل مع حوادث الموت أيا كانت أسبابها لأناس فى أمانتها، بالسجون أو أماكن الاحتجاز والتحقيق، بما لا يليق مع جلال الموت وإنسانية الحالة، فلم تعز فى بيان لها أهل فقيد وتتعهد بالتحقيق الجاد والنزيه، لكنها فى كل مرة تسارع لإعلان أية معلومات قد تخفف الضغط عنها، كالكشف عن سجل إجرامى للفقيد سواء صدقا أو ادعاء، وكأن المجرمين مستباحون وحياتهم ملك لسجانيهم دون سند من القانون.

ثانيا يبدو من ذات التحرك المتسرع للداخلية، ونقل عصام إلى المستشفى دون إبلاغ أهله واستباق التقارير الشرعية بإعلان بلعه لمخدرات، أنها تثير الشكوك حول أدائها حتى لو كانت النوايا حسنة، إلى جانب أن القضية ليست أن تصدق الداخلية أو تصدق أهل القتيل، بقدر ما هى ثقتك فى الآليات القانونية والإجرائية التى يمكن أن يحتكم لها الطرفان، لتحصل أنت فى النهاية على نتيجة موثوق فيها.

أيضا راعى الخبرات السابقة، واعرف أن هناك ضحية «خالد سعيد»، جرت معه ذات الخطوات وثبت فى النهاية أن كل ما تمسكت به الداخلية حول براءة رجالها من قتله تهاوى أمام الحقيقة، وأيضا لم تتحرك النيابة فى قضيته إلا بعد ضغط واسع، وهى النقطة التى تجعل الجمهور يستبق بالضغط حتى قبل أن يتأكد تماما لأن الخبرات فى هذا المجال أسوأ من أن تترك للتكرار.

أيضا قيل إن معتز «قتيل الشيخ زايد» كسر الكمين، وثبت أنه لم يكن هناك كمين، وأن المسألة ربما تكون رعونة ضباط، فما الذى يضير مؤسسة أن تعترف بأخطاء بعض أفرادها، وأن تعلن للمجتمع سياسة واضحة وناجزة للتعامل مع قضايا التعذيب، يتوازى معها آلية مستقلة للتحقيق، تحترم آدمية الناس وعقولهم، وهى مسألة لها علاقة بإصلاحات ملحة فى جهاز الشرطة وفى أداء النيابة العامة كذلك لابد أن تؤخذ بجدية وانجاز..!

السبت، 29 أكتوبر 2011

كلنا مازلنا خالد سعيد


لا يذهب السجين لسجنه، ليكون بلا دية، أو يتحول إلى كائن محروم من الحقوق أو منزوع الآدمية، وبقاؤه فى السجن مهما كان جرمه أو اتهامه، يعنى أن حقوقه انتقلت إلى إدارة سجن صارت مؤتمنة على حياته وعلى صحته وعلى وجوده، تتعامل معه وفق قانون واضح تعطيه من خلاله ماله، وتأخذ منه ما عليه.

هذا فى عموم الأشياء، أما فى تخصيصها، فلديك سجين اسمه عصام عطا، مات قبل يومين فى سجن طره أو فى الطريق من سجن طره إلى المستشفى، لم يتأكد شىء حتى الآن، لكن المؤكد الوحيد أنه مات وعمره 23 عاما، وأنه كان سجين فى طرة، بمعنى أن المجتمع ائتمن القائمين على السجن على حياة عصام وغيره، وأن موته دون توضيح الظروف والملابسات بشكل كامل هو خيانة لهذه الأمانة من جانب قبل أن يكون اتهاما لأطراف بعينها بالقتل والتعذيب من جانب آخر.
المؤكد أيضا أن عصام لم يمت بشكل تقليدى، هناك أسباب ظاهرة، المؤكد أنها تستحق أن تثير فى ذهن أى مسئول ألف شك خاصة إذا كان وزير الداخلية، وأن يسارع إلى تحمل مسئولياته بالكشف عن هذه الملابسات وإعلانها فورا وإخضاع الأمر «رواية ضباطه ورواية أهل الضحية لتحقيق قضائى مستقل»، إذا كان هناك على الأقل فارق جوهرى بينه وبين سابقيه.

تستعجب كذلك عندما تجد تقارير ومحامين متخصصين فى قضايا التعذيب، مثل مركز النديم، تقدم دلائل ووقائع تثبت التعذيب، سواء فى شهادات الأطباء أو شكل الجثة الظاهرى، أو حتى فى ملابسات سابقة أقر فيها الضحية لأهله بأنه يتعرض لتعذيب، واسم ضابط محدد متهم بتكرار نفس سيناريو خالد سعيد، وحتى لحظة كتابة هذه السطور التزمت وزارة الداخلية الصمت المطلق طوال يومين وكأنها غير معنية بالأمر، وعندما تحدثت كان بضغط الصحافة وليس بمبادرة منها.
هذه السطور إذا كانت تضامنا مع البلاغات التى تطالب بتحقيق نزيه ومستقل فى موت عصام عطا وتسعى لإظهار حقه دون أن تدين أحدا بشكل مسبق، والتأكيد على ضمانات أساسية، فإنها على الأقل محاولة ألا أكون أنا وأنت وابنى وابنك وجارى وجارك فى يوم من الأيام مثل خالد سعيد أو سيد بلال أو عصام عطا، لأن الأرجح حتى الآن رغم الثورة أن «كلنا مازلنا خالد سعيد»..!

الخميس، 27 أكتوبر 2011

الشعب يريد


لا يمكنك أن تختزل الدعوة إلى اكتتاب عام لتأسيس قناة فضائية فى مجرد محاولة مجموعة من الإعلاميين أو الكتاب إضافة رقم جديد إلى أرقام القنوات التى تملأ الفضاء الإعلامى خصوصا فى مصر، المسألة أكبر وربما أعمق من كل ذلك، لا أحدثك عن ذلك باعتبارى واحدا من المجموعة التى تدعو لهذا المشروع، ولكن باعتبارى كاتبا إلى جانب أنه يملك المعلومات الكافية عن المشروع وأهدافه، يعرف أن للمجتمع حقا فى أن يعرف ويفهم ويطمئن.

من البداية نح السياسة جانبا، فالمقصود هو عمل مهنى احترافى «إداريا وقانونيا واستثماريا وإعلاميا» غير موجه ضد أحد، وليس مقصودا منه أى شكل من أشكال النضال «الحناجرى»، أو التصعيد السياسى ضد أى طرف، لكنها محاولة لخلق نمط ملكية جديد فى الإعلام، تمتلكه أنت وأنا وكل مصرى متحمس للفكرة، هذا لا يمثل بالضرورة إدانة مطلقة لأنماط الملكية الأخرى، التى لها ما لها وعليها ما عليها، لكنه محاولة لكسر احتكار حقيقى وحاصل يجعل ملكية الإعلام قصرا على الدولة، أو أصحاب رءوس الأموال الكبيرة بكل مصالحهم المتشعبة والتى تؤثر بين حين وآخر على الرسالة الإعلامية وتخرجها من سياق الاستقلال المفترض، من حقك إذن كمواطن أن تملك وسائل الإعلام عبر أسهم تدفعها وفق قواعد قانونية تحمى حقوقك مثلما من حق كل صاحب رأس مال أن يؤسس إعلاما ويشترى آخر.

أيضا تحاول المجموعة المؤسسة تقديم نموذج مهنى جديد ومحترف، وتعتقد أنها تملك من الكفاءات سواء فى صناعة الإعلام أو الإدارة أو القانون والاستثمار ما يمكنها من ذلك، لا تسعى لإنشاء «وقف» يموله المواطنون، لكن شركة تبنى استثمارات تدر عوائد من جهة، وتصنع رسالة إعلامية محترفة ومهنية من جهة أخرى غير منحازة ولا خاضعة لسلطة أو استقطاب سياسى، لا تقدم آراء لكنها تقدم معلومات، تهتم بالمواطن ولا تقصر أداءها على النخب.

وإذا كان هناك تأثير سياسى لهذه الخطوة فالأرجح أنه تأثير حميد، حيث يعيد للمجتمع المصرى ثقافة الاكتتاب والتشارك، وهى ميزة لا أعتقد أن أحدا يستهجنها أو يرفضها، وقد تكون بداية لاكتتابات متعددة ومتنوعة فى مجالات مختلفة، وهى شكل من أشكال التعبير الحقيقى عن إرادة الشعب، ويضع الدولة فى امتحان من مصلحتها تجاوزها، فى دعم الإعلام المملوك للشعب، مثلما تدعم إعلام أصحاب الأموال والمستثمر الواحد.

لا يمكن أن تتجاهل خطورة الإعلام فى هذا الوقت، وبالتالى لا يمكن أن تعترض على محاولات خلق نماذج مهنية جديدة سواء فى الممارسة أو أنماط الملكية، لأن هذا التنوع وحده هو الذى يحمى المجتمع وهذا وحده سبب كاف لتكون متحمسا لدعم هذا المشروع أو مشروعات أخرى، تذكرك بنموذج طلعت حرب الذى أسس الصناعة الوطنية بجميع أطيافها، ربما لهذا الغرض اختار المؤسسون بنك مصر كوعاء لتنفيذ أعمال الاكتتاب بكل دلالته الرمزية فى المسيرة الوطنية.

الإعلام الحر يعنى وطنا حرا.. لكننا نبحث عن حرية المعلومات والتدقيق والتوازن وتمثيل كل الأطراف، حرية لا تحتكرها سلطة ولا يجملها رأس مال.. هو مجرد اجتهاد من أجلك ومن أجلك أنت فقط.

الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

مصلحتك أنت


الحقيقة أنك معنىٌّ بما يجرى اليوم فى نقابة الصحفيين، مثلك مثل أعضاء الجمعية العمومية الذين يتوجهون منذ الصباح لصناديق الاقتراع لانتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة.

لوهلة يمكن أن تعتقد أنك «كقارئ» ومستهلك للصحف خارج حسابات المعركة الانتخابية، وأن كل الجدل الذى يدور بين الصحفيين حاليا أنت بعيد عنه، كونه لم يتطرق بتركيز لقضايا عامة، أو ذات تأثير على الصناعة والمهنة وقيمها، ويختزل التنافس فى الخدمات والامتيازات التى يجلبها كلا المرشحين للصحفيين أو يعدانهم بها.

الأرجح أن ذلك كله هو من ظواهر الأشياء، لكن الوجه الآخر للصورة أنك صاحب مصلحة مباشرة فى كل ما يجرى، ومستفيد بشكل واضح من كل مكسب يحققه الصحفيون سواء على مستوى المعيشة والخدمات، أو على مستوى التشريع والقانون.

عندما يتحرر الصحفى ماديا بأجر عادل يوفر له كفايته، ويحصنه من الاستقطابات التى تستهدف قلمه وضميره وأداءه المهنى، فستشترى أنت بضاعة جيدة لا تلون فيها ولا هوى، ولا رسائل دفينة بين السطور تروج لسلطة أو رأس مال على حسابك، وقتها لن يخدعك صحفى بتقرير يحمل قشور الموضوعية والمصداقية بينما هو موجه فى الأساس لخدمة أحد المصادر، سواء حمايته من هجوم، أو الهجوم على خصم له، أو تلميعه وترويجه.

أنت صاحب مصلحة مباشرة فى أن يأتى نقيب ومجلس نقابة قادرون على فرض ميثاق الشرف الصحفى لحماية المجتمع من التجاوزات، و قادرون فى الوقت نفسه على حماية الصحفى حين يتعرض لمكروه بسبب ممارسته المهنية، بأداء قوى وحازم فى الحالتين.

أنت صاحب مصلحة فى صحافة تفصل الخبر عن الرأى، فتتلقى من خلالها الوقائع والأحداث مجردة دون تدخل أو تلوين، وتتلقى الرأى وأنت متمتع بحق قبوله أو رفضه.

أنت صاحب مصلحة فى صحافة تفصل الإدارة عن التحرير.. والتحرير عن الإعلان.. لا تستغلك لمصالح خاصة، ولا تستفيد منك فى ترويج شخص أو سلعة أو سياسة دون أن تحترمك.

أنت صاحب مصلحة فى مناخ صحفى رشيد، بعيد عن المهاترات والصغائر والشتائم والتناطح اللفظى بين أبناء المهنة الواحدة بالشكل الذى يفقد المهنة كلها مصداقيتها ورصيدها واحترامها لدى الناس.

أنت صاحب مصلحة فى مناخ قانونى وتشريعى خالٍ من العقوبات الجائرة لأصحاب الرأى، وخالٍ من أى قيود إدارية وقانونية تعوق الصحفى عن ممارسة عمله.. أنت صاحب مصلحة فى تنقية الثوب التشريعى من كل العقوبات السالبة للحريات، وفى قانون يضمن حرية تداول المعلومات.

أنت صاحب مصلحة فى نقابة تعمل عملا نقابيا، وتبتعد عن الاستقطابات السياسية، ولا تكون بابا خلفيا للاحزاب والجماعات، تنطلق من المهنة وإلى المهنة لتخدمك وتخدم المجتمع قبل أن تخدم المنتسبين لها.

أنت صاحب مصلحة فى كل ما يجرى اليوم.. ولك الحق أن تنضم إلى الجمعية العمومية فى محاسبة المجلس والنقيب، الذين سيعلن فوزهم على أدائهم فى خدمة مصالحك.

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

إعلام مملوك للشعب


فى صيف عام 2006، تفجرت لأول مرة قصة «صفقة اليمامة»، وهى صفقة تسليح شهيرة بين بريطانيا والمملكة السعودية، صحف بريطانية فتحت الباب للغوص فى تفاصيل الصفقة، لكن تليفزيون «بى بى سى» نجح فى الكشف عن أسماء فى الجانبين البريطانى والسعودى تلقوا رشاوى لإتمام الصفقة بينهم أمير سعودى شهير.

وقتها بذلت الحكومة البريطانية جهدا خرافيا لاحتواء الأزمة، نجحت فى استصدار قرار قضائى بوقف أى تحقيقات حماية لعلاقاتها مع الرياض، ومراعاة لاعتبارات «الأمن القومى»، لكن هذه الاعتبارات لم تنجح فى إقناع أو إجبار «بى بى سى» على عدم إذاعة برنامجها الوثائقى حول الصفقة رغم الضغوط.

لم يحم «بى بى سى» إلا استقلالها واحترامها لقيمها المهنية التى استقرت وصارت نموذجا يحتذى أو يرتجى، وهو استقلال يخدم الجمهور فى المقام الأول ويبتعد عن الاستقطابات السياسية داخل بريطانيا وخارجها.

لا يمكن أن تعتقد أن فى مصر مؤسسات إعلامية مستقلة، سواء بالتفسير النظرى والقانونى، أو بالرصد العملى، فالاستقلال أحيانا يكون نسبيا فى قضايا بعينها، ويكون مؤسساتيا بالابتعاد عن مؤسسات حكومية معينة والتعبير عن أخرى، ويكون مستبدلا السلطة الرسمية بسلطة رأس المال، فيكون مستقلا عن الأولى وتابعا للثانية.

لست من المراهنين على الإعلام القومى ويعتقدون أنه يمكن إصلاحه سريعا، لأن أزماته ومشاكله ليست فقط فى أنماط الملكية والممارسة والانحياز، لكنها أزمات مرتبطة بالتحول الديمقراطى عموما ولن تستطيع أن تمتلك نموذجا مثل «بى بى سى» بمعنى إعلام يموله دافع الضرائب ويخضع لسلطة البرلمان والهيئات المستقلة التى يعينها، دون أن تمتلك «مجلس عموم» حقيقيا، وأحزابا كاملة النضج لا تغرق الإعلام فى الاستقطابات وتحترم قبل غيرها استقلاله وقواعده المهنية.

كما لا يمكن أن تغفل تقدير تأثير الاستثمار الخاص فى الإعلام على ازدهار الصناعة، دون أن تشير إلى أنه أيضا إعلام «غير مستقل بالكامل»، كما أنه مسلط على رأسه سيفان، الأول هى مصالح رأس المال وإشكالياته إذا كان المالك يسعى للاستغلال المباشر لإعلامه فى دعم مصالحه، والثانى هو استهداف مصالح المستثمر وعقابه على ترك إعلامه يغرد كيف يشاء.

تلك إذن معادلات دقيقة قد تفهم منها ما نتج عن أداء التليفزيون الرسمى فى أحداث ماسبيرو، وتفهم أكثر حين تربط ذلك بإعلان القدير يسرى فودة «الاحتجاج بالصمت» حتى لو اختلفت مع قراره، ففى النهاية هناك سلطة تنظر للإعلام بريبة واستعداء، ورجال أعمال إما يشاركونها الرغبة فى التحجيم، أو يدفعون ثمن الانطلاق وفى النهاية المصير واحد.

أى حل يبقى إذن؟ لا بديل سوى تفعيل أفكار الإعلام المملوك للشعب، تعاونيات أو شركات مساهمة عريضة تضم آلاف المساهمين، إعلام أهلى لا يملكه مستثمر رئيسى، ويمول تأسيسه من حصص صغيرة جدا يدفعها آلاف المهنيين والفلاحين والإعلاميين الذين يفهمون جيدا أن أول مسمار فى نعش الثورة ألا تمتلك إعلامها الحر.