الثلاثاء، 13 مارس 2012

الصحافة والرئاسة


هل من حق الصحيفة أن تؤيد مرشحا رئاسيا بعينه؟ قطعا لا أقصد الصحف الحزبية؟ فهى كما تعرف منحازة بطبيعتها، أو هكذا المفترض أن تكون، لأيديولوجية الحزب، ولمرشحه للرئاسة إن كان له مرشح، لكن السؤال الذى يستحق المناقشة يخص الصحف الخاصة ومعها الصحف القومية، خاصة بعد أن عادت الأخيرة إلى مجتمعها، غير مرتبطة وظيفيا وأيديولوجيا بسلطة أو فرد أو تيار حاكم، أو هكذا نتمنى أن تكون وتبقى.

قطعا أنت تعرف أن الصحيفة تملك حقا «سياسيا» فى الانحياز حتى لو كان وراء ذلك جدل مهنى، خاصة فى صيغ صحفية تقدمت للقارئ فى ثوب الاستقلال والحياد كنموذج الصحف الخاصة، أو مملوكة للمجتمع ككل والمفترض أن تعبر عن كل قواه وعناصره كالنموذج المفترض للصحف القومية.

لكن كيف تضمن أن ممارسة الحق السياسى، لا تأتى على حساب الالتزام المهنى، هى مسألة بسيطة جدا اسمها «إعلان الانحياز» حتى ولو بشكل مؤقت، خلال فترة التنافس الرئاسى فقط، وهو أسلوب متبع فى كبريات الصحف العالمية، التى شاهدنا بعضها تعلن فى افتتاحياتها تأييدها هذا الحزب أو ذاك خلال ظرف تاريخى محدد هو الانتخابات الرئاسية أو التشريعية القائمة.

الإعلان الواضح إذن هو الذى يحررك من التزامك المهنى، ويبنى بينك وبين القارئ علاقة جديدة تجعل الكرة فى ملعبه هو والاختيار يخصه، فإما أن يقبل استمرار التواصل مع جريدة أعلنت انحيازها فى نقطة محددة، أو يعطل هذا التواصل مؤقتا حتى تعود الصحيفة لصيغتها الأولى، أو ينصرف عنها، لكن ما يستحق أن تحذر منه أن تحسم صحيفة اختيارها، ولا تعلنه لقارئها، فتمرر هذا الانحياز بين سطورها، وبالتالى تسقط فى جريمة خداع للقارئ تنتقص من اعتبارها ومصداقيتها، سواء تلمس القارئ هذا الانحياز وشعر بـ«استغفاله» وهو الأرجح مع استمرار الرسالة المهنية المنحازة، أو حتى لم يدرك طبائع هذا الانحياز بوضوح.

الصحف الحزبية أيضا مطالبة بهذا الإعلان إذا لم تقدم أحزابها مرشحا، وقررت الانحياز لآخر من خارج الحزب، لكن هناك سؤالا آخر: كيف تبنى هذه الصحف قرارها فى الانحياز، هل تكتفى بالتعبير عن مصالح ملاكها، ويصبح الصحفيون ملزمين بهذا التعبير كالتزام وظيفى، وما مدى تعارض ذلك مع الالتزام المهنى الذى شكل فى الأساس مرجعية للتعاقد بين الصحفى والمؤسسة، أم الأفضل أن يبنى هذا الانحياز على توافق، كما يحدث فى الصحف الأجنبية، عبر استطلاع داخلى أو صندوق اقتراع، يحدد انحيازات الأغلبية داخل الجريدة، لكن أيضا ما مدى تعارض ذلك مع حق الأقلية، خاصة أن المسألة متعلقة بقناعات ورؤى ووجهات نظر؟

هل يمكن الوصول إذن إلى صيغة توافقية تحقق التوازن بين حقوق الملاك وحقوق الأغلبية والأقلية داخل الصحيفة، أم أن الأفضل ألا تكون للصحيفة انحيازات من الأصل، وأن تكون المعايير المهنية التى تفرض على الصحيفة أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف هى الحاكم؟

كل هذه أسئلة مطروحة للنقاش.. والأرجح أنها كانت تحتاج إلى حوار مهنى مسبق قبل أن يفرض الاستحقاق الرئاسى نفسه..!

الاثنين، 12 مارس 2012

دعوهم يحلمون


هناك تكالب حقيقى لدخول سباق الرئاسة من جانب كثير من المرشحين المحتملين الذين تعتقد جازما أن فرصهم ضعيفة فى تحقيق أى شىء أكثر من منح أسمائهم قدرا من الشهرة، لكن لماذا يتعامل الإعلام بقدر من الاستخفاف الزائد مع مواطنين بسطاء قرروا الترشح للرئاسة، ولا يتعامل بذات القدر من الاستخفاف مع سياسيين أيضا لا فرص لهم فى صناعة أى شىء، ولا مستقبل أمامهم نظريا حتى تقول إنهم يريدون إحداث تراكم لجولات انتخابية قادمة.

إذا كنت تعتقد أن المواطنين البسطاء «مدرسون وموظفون وتجار صغار» يمزحون حين يتكالبون على مقر اللجنة الرئاسية لسحب أوراق الترشح، فلماذا لا تدين فى الوقت نفسه سياسيين بسطاء فى الشعبية يتقدمون لذات الترشح المحتمل دون برامج محددة أو ارتكازات شعبية واضحة، باعتبارهم يمزحون أيضا.

أنت تعرف أن بعض البسطاء تحركه شهوة الإعلام ومحاولة الظهور فيه، لكن ذلك لا يمنع أن بعضهم تحركهم أحلام حقيقية للتغيير، وطموحات ربما تعوزها الخبرة والإمكانات والجهد المنظم، ألم تلتق مرة بمواطن بسيط فى مقهى أو وسيلة مواصلات وتجده صاحب رؤية ووجهة نظر، ويتحدث فى الشئون العامة بخطاب أكثر إقناعا من السياسيين المحترفين حتى لو افتقر حديثه للمعلومات؟

إذا كان للمواطن البسيط عذر، أو حلم، أو حتى رغبة واضحة فى الحصول على قدر ما من «الشو» الإعلامى، ألا تعتقد أن هذا حقه؟ ولماذا إذن تعتقد أن من حق كل سياسى مهما كان صغيرا أن يفعل ذات الفعل بذات المبررات، وأن يبحث عن الكاميرات والأضواء، ويتحرك لنيل نصيبه من هذا «الشو» ويملأ الدنيا تصريحات وبيانات وكأن الشوارع والجماهير تتحرك بإشارة منه، وهو يدرك أنه فى النهاية لن يخوض السباق.

إذا كان المواطن البسيط فى نظرك «مهرج»، فالتهريج حق للجميع، وليس من حقك أن تسخر من مهرج، وتحترم مهرجا آخر، فالمهرجون سواء بنص أحكام أى دستور، ولا يجوز التمييز بينهم بسبب مال أو علاقات أو نفوذ.

حتى يغلق باب الترشيح، وتتأكد أن لديك مرشحين حقيقيين كل منهم يمتلك توكيلات يرتكز عليها لنيل هذه الصفة أو تأييد برلمانى وفق نص القانون، فالجميع تقريبا متساوون قانونا، السياسى الكبير الذى يملأ القاهرة بصوره، والمدرس الصغير الذى يملأ شوارع قريته بحلمه، وحتى يأتى اليوم الذى تستطيع أن تفرق فيه بين «المحتمل والجاد» فلتعرف أن الكل «محتملين» وإن كانت هناك اعتبارت منطقية جدا تسمح بالاهتمام بمرشح دون آخر باعتباره أكثر المحتملين ليكون جادا ووراءه تاريخ سياسى أو معه إمكانات مادية، أو لديه دعم حزبى، فعلى الأقل ارحموا البسطاء ولا تسخروا من رغبتهم فى الحلم.. دعوهم يحلمون.  

الأحد، 11 مارس 2012

لم نغادر عصر مبارك


تستطيع أن تعلق على نتائج انتخابات النقابات المهنية المختلفة التى أجريت عقب الثورة من عدة محاور، قد تكون من أولئك الذين تستبد بهم الفزاعة الإسلامية، فتجد فى هذه الانتخابات بصيص أمل، تقول لنفسك ها هم الإخوان يخسرون فى أغلب الانتخابات بما يثبت أن الانتخابات البرلمانية كانت لها خصوصيتها المؤقتة التى لا تعنى بالضرورة استمرار التفوق الإخوانى فى صناديق الاقتراع.

وقد تكون أحد المنتمين للمعارضة الجديدة وتواجه يوميا بمخاوف الناس وتحاول أن تستخدم هذه النتائج فى إرسال رسائل طمأنة على ذات النحو، لتقنع الناس بأن العمل فى الشارع قادر على تغيير أى مسلمات انتخابية، وربما تكون من أولئك الذين استبد بهم الفزع المشروع داخل الجماعة، ورأى فى هذه النتائج رسائل من القطاعات المهنية المتعلمة بأن شعبية الجماعة ربما تكون فى تراجع بفعل أداء الأغلبية فى البرلمان أو الخطاب العام، ومن ثم تشرع إلى تحليل النتائج ورصد مناطق القصور لمعالجتها سريعا، وهذا حقك وربما واجبك أيضا.

لكننى شخصيا غير مكترث بأى رسائل من تلك، لا أستطيع أن أقرأ خسارة الإخوان للنقابات المهنية بذات الصورة التى ترى فيها الاطمئنان بأن هذا هو حجم الإخوان الحقيقى باعتبارهم جزءا من حالة تنوع سياسى فى الشارع لا يستطيع أحد احتكارها، أو أن ذلك دليل على تراجع الجماعة بما يعنى أن نتائج أية انتخابات عامة مبكرة أو قادمة ستكون مختلفة تماما عن السابقة سواء فى أداء القوى المختلفة أو فى حجم نتائج الجماعة ذاتها.

الرسالة التى تعنينى شخصيا أن التنافس فى الانتخابات النقابية بشكله الحالى هو دليل قاطع على أن الثورة لم تستطع أن تغير شيئا حقيقيا فى بنية المجتمع ولا فى ثقافته ولا فى أدواته، هى فقط أسقطت مبارك وحزبه، وتركت مكانهما فراغا كبيرا تصارعت القوى الباقية على ملء هذا الفراغ بذات الأساليب والأدوات التى كانت سائدة فى عصر مبارك.

التنافس السياسى فى مسائل نقابية دليل صارخ، على ذلك, بقيت المعارك فى النقابات بعد الثورة معارك سياسية بين أحزاب وتيارات وسط إطار سياسى أوسع للتنافس، وليست معارك نقابية حول المهن وقضاياها وهمومها، تذكر أن هذا الاستقطاب وهذا التنافس كان قائما فى عصر مبارك لأنه كان هناك انسداد فى الحياة الحزبية والسياسية، فتحولت النقابات إلى باب خلفى لممارسة السياسة فى وقت كانت السياسة فيه ممنوعة ومحظورة، أما وقد قامت الثورة، وتحررت الحياة الحزبية، فلم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الوضع إلا أنه مازال يمثل دليلا على أن تغييرا جذريا لم يحدث كما قلت لك أكثر من صراع قوى تقليدية على ملء فراغ فى إطار ذات الثقافة وذات الآليات والأدوات.

نريد نقابات مهنية.. تعمل كنقابات مهنية ويكون النقاش والحوار فيها حول المهن وتطويرها ليس أكثر، ولا يكون الاستقطاب السياسى هو محور التنافس داخلها، وتكون المفاضلات داخلها مهنية وليست سياسية، أو فلنعترف جميعا أننا لم نغادر عصر مبارك بعد.

السبت، 10 مارس 2012

كن إنسانًا وكفى


وحده فى القفص.. هكذا تبدو لك الصورة المجردة، لكنك إذا ما دققت فيها أكثر ستكتشف الحقيقة التى تظهر أمامك معكوسة لتخدعك، هو فى الخارج ونحن جميعا فى القفص، هو مطلق السراح ونحن جميعا نرزخ بين أغلال تقيد ليس فقط أيادينا وأرجلنا، لكنها تقيد عقولنا وضمائرنا. 

سأقولها لك بوضوح.. وقوف روبرت بيكر فى قفص قضية التمويل الأجنبى وحده بينما كل رفاقه الأمريكيين خرجوا وغادروا وعادوا لبلادهم وربما أطلق لهم «حرس الشرف» 21 طلقة عند المغادرة، هو انتصار حقيقى للأخلاق، أمام مجتمع يتحدث كثيرا عن الأخلاق ولا يمارسها، ويتحدث طويلا عن الدين ولا تجده منعكسأ على سلوكه.

مثل كل الأمريكيين المتهمين فى القضية دفع المعهد الديمقراطى الذى يعمل لصالحه بيكر 330 ألف دولار كفالة لخروجه، وإذا أردت الدقة قل «إتاوة» خروجه، لكن بيكر تمسك بالبقاء فى مصر، لم يهرب فى صفقة سياسية على جثة القضاء المصرى، لكنه وياللغرابة أصر على البقاء متمسكا بإحساسه ببراءته، وثقته فى القضاء المصرى، يحترم بيكر قضاء أهانه أهله وبعض المنتسبين له، لكنه أيضا وهو كبير مدربين فى المعهد ومسئول عن كثير من المصريين الذين مازالوا متهمين، لم تسمح له أخلاقه بالمغادرة والنجاة لأنه أمريكى، فيما له شركاء مصريون يحاكمون وكأن ذنبهم الوحيد أنهم مصريون.

لا يعرف بيكر أنه يسبب حرجا بالغا لأولئك الذين يطنطنون بالحديث عن الوطنية والأخلاق والدين وحتى شموخ القضاء، هو يفضحهم فى كل يوم يقف فيه فى القفص وحده، يفضح كل من شارك تسييس القضاء من البداية، ثم خرج ليتبرأ ويتطهر بادعاءات أخلاقية.

يمثل بيكر جزءا مضيئا من ضمير الغرب، ويذكرك بـ«فيتوريو أريجونى»، وإذا كنت لا تعرفه فهو ناشط سلام إيطالى دافع عن حقوق الفلسطينيين أكثر من كل الذين يسيطرون على المنابر الدينية والسياسية ويمطرون عقلك بالخطب الحنجورية عن الجهاد والكرامة، وتكتشف فى النهاية أنه كلما زادت معاناة الفلسطينيين كلما زادت أرصدتهم فى البنوك.

عاش فيتوريو 4 أعوام فى غزة  فى عز الحصار يدافع عن أهلها ويقول: «إنه يريد العدالة لمن لم يعد لهم صوت ولم تعد هناك آذان لسماعهم»، رفع شعار: «كن إنسانا وكفى» وانطلق مطبقا شعاره إلى سلوك واضح، فضح الانتهاكات الصهيونية وسجلها ووقف على الحواجز العسكرية يواجه جنود الاحتلال، وينظم المساعدات الإنسانية ويرافق سيارات الإسعاف لحمايتها، وهى تنقل الجرحى، لكنه دخل غزة على قارب لكسر الحصار عنها، وخرج منها بعد 4 سنوات فى تابوت، لأن متطرفين يزعمون أنهم يتحدثون باسم الإسلام ويعارضون حكم حركة حماس الإسلامية للقطاع، ذبحوه بوحشية، ليس لأنه جاسوس أو عميل، فقط لأنه «مسيحى كافر»، وهم أرادوا تطهير «غزة» من الكفر.

الذين قتلوا فيتوريو لا يفرقون كثيرا عن الذين حبسوا بيكر ومجدوا هذا الفعل، بعضهم تحركهم النعرات الدينية بإدعاء وتطرف، وبعضهم تحركهم النعرات الوطنية أيضا بادعاء وتطرف، لكن أخلاق فيتوريو وبيكر فضحت الجميع، هم جزء من ضمير إنسانى يقدم الأخلاق على الموائمات السياسية، والإنسانية على كل القناعات الدينية، عن فهم حقيقى بأن كل الشرائع مقصدها العدل، والإنسانية المدعومة بالأخلاق هى غاية القصد وجوهره. 

الأربعاء، 7 مارس 2012

قال الغنوشى


رفض راشد الغنوشى زعيم حركة النهضة الإسلامية بالقطع «فصل الدين عن الدولة»، لكنه فى الوقت نفسه يقر بأن «العلمانية» ليست كفرا أو إلحادا، ويعترف أمام تلاميذه فى تونس قبل أيام بأنها ترتيبات وإجراءات لضمان حرية الفكر والمعتقد.

يدين الغنوشى التطرف فى الاتجاهين العلمانى والإسلامى.. ويقول إن المجتمعات الإسلامية ليست فى حاجة إلى من يصادر إيمانها ويحتكره ويفرض على الناس فهمه للدين، كما أنها ليست فى حاجة إلى من يفصل الدين عن الدولة بعنف الخصومة، لكن المجتمعات الإسلامية تحتاج بشدة إلى «التمييز بين الدينى والسياسى».

سأتركك مع بعض مما ورد فى محاضرة الغنوشى قبل يومين فى مركز الإسلام والديمقراطية بتونس.

● ما يحصل فى بلادنا فى جانب كبير منه هو التباس فى المفاهيم حول العلمانية وحول الإسلام فى نفس الوقت وان العلمانية ليست فلسفة إلحادية وإنما هى ترتيبات وإجراءات لضمان الحرية فى المعتقد والفكر.. كما أنه ليس هناك من ناطق باسم القرآن أو الإرادة الالهية، فالإرادة الالهية تجليها الوحيد فى الأمة من خلال الاجتهاد فى الفهم وليس من خلال احتكار إمام أو حزب أو دولة.. وكما أقر الفقهاء ان المقصد الاسمى لنزول الرسالات هو العدل.

● كان أول إجراء للنبى «صلى الله عليه وسلم» لما نزل بالمدينة أن أنشأ المسجد والإجراء الثانى أسس دستورا اسمه الصحيفة ربما تكون أقدم دستور فى العالم تضمنت مواثيق بين المسلمين المهاجرين من مكة والمقيمين فى المدينة، ونصت على ان المسلمين واليهود امة من دون الناس وهنا الحديث ليس عن أمة الدين وانما عن أمة السياسة، وهذا التمييز ربما اهم مصطلح طرحه الفكر الإسلامى الحديث وهو التمييز بين ما هو دينى وما هو سياسى.. لذلك يجب أن نقبل بالمواطنة فهذه البلاد ملك لكل مواطنيها بغض النظر عن معتقداتهم وجنسهم ولهم الحق فى التمتع بنفس الحقوق.

● لا يمكن إكراه الناس على الدين كما لا يمكن فصلهم عنه.. الحرية فى اتجاهين أى حرية الولوج فى الدين وحرية مغادرته لأنه لا حاجة للأمة بمنافق.. فالحرية هى القيمة الاساسية الأعظم فى الاسلام. 

● الى أين يسير الحوار الجارى اليوم بين تيارات علمانية قد ننعتها بالمتشددة وتيارات إسلامية أيضا قد تأخذ نفس الصفة، أحدهما يريد ان يفرض اجتهادا فى الإسلام من فوق بأدوات الدولة والتيار الآخر يريد تجريد الدولة من كل تأثر بالإسلام، فى الحقيقة نحن لا نحتاج ان يفرض الاسلام بسطوة الدولة، والاسلام بقى ليس بسبب نفوذ الدولة وانما بسبب ما يتمتع به من قبول عام لدى معتنقيه، أما فصل الدين عن الدولة اذا كان المقصود به التمييز بين الدولة التى هى منتوج بشرى والدين الذى هو تنزيل إلهى كان ذلك واضحا، لكن فصل الدين عن الدولة هو نوع من تحويل الدولة الى مافيا والسياسة إلى دجل.

يمنح الغنوشى إذن كل المجتمعات الإسلامية عنوانا واضحا وغير ملتبس للتحاور حوله والسير خلفه «التمييز بين الدينى والسياسى» وهو فرصة حقيقية للنجاة من الاستقطاب وسوء الفهم ومعارك التكفير والتسفيه.

الثلاثاء، 6 مارس 2012

الأخلاق أولًا


قلت لك أكثر من مرة إنه من الأفضل أن تبنى انحيازاتك ومواقفك على مسارات أخلاقية، وقتها ستجد نفسك متحررا من أسر الانحياز السياسى أو الفكرى الذى يفرض عليك أن تدافع عن وجهة نظر ما باستماتة حتى لو فى الخطأ، وتهاجم وجهات النظر المغايرة بدأب أيضا حتى لو بالباطل.


وعندما تصطدم الأخلاق بالمصالح لابد أن تقدم الأخلاق، وقتها ستربح نفسك قبل أن تربح مكاسب سياسية أو منافع مادية، هذه نظرية ربما تجزم بصعوبة الوفاء بها كاملة فى عالم السياسة لكن ليس كل صعب غير ممكن.

الأزمة الحقيقية التى نعيشها هى أزمة أخلاق، والأخلاق غير مظاهر التدين، الأخلاق هى جوهر التدين لأنها الانعكاس الكامل على السلوك والمعاملات، والمنطق الذى لابد أن تدير به علاقاتك وخصوماتك ومعاركك.

لكن عندما تواجه شخصا بالنقد فى مسألة تعبر عن انحياز أخلاقى بالأساس، فلابد أن تكون شراستك فى النقد مضاعفة حين تتعامل مع شخص يطرح نفسه من داخل رؤية دينية، ويكاد يتبنى خطابا لا يفرق بينه كشخص أو كيان وبين الإسلام كدين وعقيدة، ويكاد يحكم على كل المختلفين معه وكأنهم مختلفون مع الإسلام نفسه.

لهذا كان الغضب كبيرا بعد اكتشاف واقعة نائب الحزب المتورط فى الادعاء الكاذب، فالرجل كنائب يعبر عن حزب إسلامى، ولذلك فقد كان من المتوقع أن تكون أخلاقه على مستوى أخلاق الدين الذى كان طرحه فى خلفيته كسبب وحيد لانتخابه.

لكن أداء حزب النور فى هذه الأزمة ومبادرته إلى الاعتذار ولوم النائب وإعلان فصله من الحزب، هو اختبار أخلاقى إيجابى نجح فيه حزب النور بامتياز، وسبقه ممارسات حقيقية تنحاز لهذه الصورة عبر اعتذارات وتوضيحات من نادر بكار المتحدث باسم الحزب سواء فى مواجهة النائب الذى طالب بمنع تدريس الإنجليزية، أو النواب الذين تضامنوا فى الهجوم على البرادعى.

انحاز حزب النور للأخلاق فخسر مقعدا لكنه ربح الكثير، وكان سيخسر أكثر لو تمسك بالمكابرة والدفاع عن النائب ظالما أو مظلوما، ربما هذه ميزة أنه حزب وليد مازال طغيان السياسة بنفعيتها لم يحتكر ممارساته.

لكن الحزب الذى تحلى بشجاعة الاعتذار التى لا يمتلكها إلى القليل جدا فى هذا المجتمع، مطلوب منه أن يراجع مواقفه، فى ظنى هو مدين بالاعتذار عن ممارساته الانتخابية، وعلى الأخص لمئات المنافسين والمعارضين الذين رماهم خطاب مرشحيه بالكفر وخاض فى عقائدهم وإيمانهم، هو مدين بالاعتذار لأنه قال للناس إنه الشريعة والإسلام فاختار الناس نوابا لم يدققوا فى اختيارهم لمجرد أنهم رفعوا هذا العنوان، والأصوب كان أن يقول للناس هذا فهمى للإسلام، ومن يرفض هذا الفهم هو مختلف معى وليس مختلفا مع الإسلام.

الإسلام أكبر من حزب النور ومن نوابه، والمسار الأخلاقى الذى ارتضاه الحزب لنفسه، وأرجو أن يبقى متمسكا به لابد أن يكون مسارا ينصر الحق ايا كان بعيدا عن مواءمات السياسة، وأن يطبق معاير الأخلاق على كل الوقائع دون تمييز، وأن يحاسب المنتسبين له إن خاضوا فى إيمان أحد أو شككوا فى عقيدته، حتى لا يرد متطرف من الجانب الآخر، ويعتبر «البلكيمى» هو الحزب، وربما يلصق هذه الممارسات فى الإسلام.

 دافعوا عن الإسلام بعدم احتكاره، حتى لا تلتصق به أخطاؤكم، وعن الأخلاق بالاستمرار فى الاعتذار لكل صاحب حق.

الاثنين، 5 مارس 2012

كونوا رجالا أو اخرسوا


لا أعرف بأى منطق يفتح البرلمان النار على حكومة الجنزورى، منذ خرج المتهمون الأمريكيون وطاروا إلى ديارهم، والنواب يتوعدون الجنزورى بالحساب وسحب الثقة، يلقون عليه كل اللوم عن انتهاك القضاء وإهدار الكرامة وما إلى ذلك من عبارات وشعارات تبدو ثورية وطنانة.

يعرف النواب مثلما تعرف أنت ويعرف كل قاصٍ ودانى أن الدكتور كمال الجنزورى عند قبوله تكليف تشكيل الحكومة حصل وفق ما هو معلن على صلاحيات رئيس الجمهورية فيما عدا ملفى الجيش والقضاء، هذه حقيقة ثابتة وراسخة، لكن يبدو أن النواب يتجاهلونها أو يتناسونها، ليس طبعا لأنهم لا يعرفون، لكن لأنهم يريدون وسط هذا الغضب الشعبى الذى اكتسح المشاعر المصرية أن يعلقوا الجرس فى رقبة أى شخص يقدرون عليه، ليس مهما إن كان متورطا فى القضية أو لا، ليس مهما إن كان صاحب القرار أم لا، لكن المهم أن يبدو النواب أمام البسطاء الذين انتخبوهم كالأشاوس الذين لا يخافون فى الحق لومة لائم حتى لو كانت لكماتهم التى تظهر شجاعتهم تضرب فى غير الاتجاه الصحيح.

كانت قضية التمويل الأجنبى قضية سياسية من البداية، أدارها إعلاميا وسياسيا المجلس العسكرى، وثبت من النهايات أنه كان يديرها قضائيا أيضا، وجند لأجلها إعلاما حكوميا وخاصا «شبه حكومى»، واستخدم القضاء الذى مازال جزءا من صلاحياته كرئيس للجمهورية لم يفوضها لرئيس الوزراء، فى تشويه المجتمع المدنى، وأيدته فى ذلك الأغلبية البرلمانية، وعندما تحركت واشنطن عقد معها جلسات التفاوض ثم أمن اتفاقاته وصفقاته بتأييد برلمانى مستتر لها عبر تفاهمات أمريكية مع كل أطراف الحكم «المجلس العسكرى ــ الحكومة ــ الأغلبية البرلمانية».

لكن البرلمان الذى أقسم على احترام الدستور والقانون، يتجاهل أن القضاء ليس من صلاحيات الحكومة، والبرلمان الذى أقسم بعض نوابه على احترام شرع الله، لا يجدون غضاضة فى غض الطرف عن المتهم الرئيسى، وكيل الاتهامات لطرف هامشى تعفيه القوانين والمراسيم وخطاب التكليف من المسئولية المباشرة.

أى شجاعة إذن تنتاب النواب فتتوعد بعظائم الأمور فى كل اتجاه، حتى تجد نفسها فجأة أمام المجلس العسكرى، فتحيد عن صراطها المستقيم، وتفتش على الجانبين عن أى عابر سبيل توجه له لكماتها.

لديك مسئول رئيسى فى هذه القضية هو المجلس العسكرى، الذى يدير شئون البلاد، ونظم الانتخابات وقوانينها وهندس عملية التغيير التى جاءت بالبرلمان، لذلك فالبرلمان «حفظا للجميل» لا يريد الاقتراب منه، وربما لا يستطيع من الأصل، ومسئول أصغر هو المستشار عبدالمعز إبراهيم الذى كان مسئولا تنفيذيا عن تحقيق سياسات العسكرى، وهو الذى أدار قضية التمويل حتى أخرجها هذا الإخراج الردىء، وهو أيضا صاحب جميل على البرلمان فهو رئيس لجنة الانتخابات التى تغاضت عن كل التجاوزات والخروقات، وقدمت الحماية لتجار التكفير وأصحاب الدعايات الدينية المباشرة.

هل تستطيع الآن أن تقول إن المستشار عبدالمعز كان رئيس لجنة انتخابات مستقل، وهو غير قادر على أن يثبت للمجتمع من الأساس أنه قاض مستقل؟.

أيها النواب المحترمون.. كونوا رجالا وعلقوا الجرس فى عنق صاحبه، أو اخرسوا ولا تخدعونا بشجاعة زائفة.. فنحن نعرف أنكم جميعا جئتم من رحم منظومة المشير وعبدالمعز..!  

الأحد، 4 مارس 2012

فتشنى فتش


كلما سمعت أو شاهدت أو قرأت عن أحد قيادات الإخوان، وهو يؤكد أن حزبهم سيشكل الحكومة وسيسحب الثقة من حكومة الجنزورى، أتذكر المرحوم القدير إسماعيل ياسين فى فيلم «ابن حميدو» وهو أمام كمين الشرطة يخاطب العساكر بقوله: «فتشنى فتش».. كان إسماعيل ياسين يعرف أن الشرطى لن يفتشه، والشرطى يعلم أنه لن يفتش إسماعيل ياسين، لكن الأخير «ساق فيها» حتى بعد عبوره الكمين وهو يخاطب الآخرين باستنكار: «فتشنى فتش».

تستطيع أن تكتب كلمة «حكومة الإخوان» على محرك البحث بشبكة الإنترنت لتفاجأ بآلاف النتائج، تبدأ من مطالبات للقوى الديمقراطية غير الإسلامية للأغلبية البرلمانية بتحمل مسئوليات انتخابها وتشكيل الحكومة، ورد فعل الجماعة المتجاهل تماما، أو بعضه الذى اعتقد وربما مازال يعتقد أن محاولة دفع الجماعة لتشكيل الحكومة مثل قول الحق الذى يراد به باطل، فهو من ناحية قبول من المجتمع بالاختيار الديمقراطى، لكنه من ناحية أخرى محاولة لتوريط الإخوان مبكرا فى لوغاريتمات الحكم ووضعهم فى مواجهة مباشرة مع المجلس العسكرى.

سيطرت نظرية المؤامرة على عقل الجماعة وتحسست كل ما لديها من دفاعات كلما طالبها أحد بتشكيل الحكومة، دفعت خبراءها لتفسير الأمر على أنه لا يجوز، وأن أحكام الإعلان الدستورى لا تمنح الأغلبية حق تشكيل الحكومة، استندت إلى تصريحات لأعضاء فى المجلس العسكرى، فعلت كل ما فى الوسع لمواجهة المخططات والمؤامرات التى تسعى لتسليمها مقاليد الحكم.

لكن لا مانع بين وقت وآخر خاصة حين تبدو الشعبية متراجعة بفعل أداء مجلس الشعب المحبط، أن تعرب الجماعة عن استعدادها لقيادة حكومة وطنية يشارك فيها الجميع بنسب، لكن بعد موافقة المجلس العسكرى طبعا، وعقب أحداث بورسعيد الدامية تصاعد الحديث، وتحمس الإخوان، وقال خيرت الشاطر بوضوح إن جماعته، وليس الحزب، أو كليهما قررا تشكيل الحكومة وسحب الثقة من الجنزورى وحكومته، وراحت تصريحات وعادت تصريحات، وانعقدت جلسات برلمانية هددت بالويل والثبور، ودعت لمحاكمة وزير الداخلية، سحب الثقة من الحكومة ثم انتهى كل شىء فجأة، لا ثقة سحبت ولا وزراء تمت محاكمتهم سياسيا، ولا الإخوان شكلوا الحكومة، وأفصح أصحاب الدعوة أن ما قالوه كان «مجرد اقتراح» بعثوه للمجلس العسكرى فرد بالرفض، وانتهى الأمر.

وعندما ثارت أزمة خروج المتهمين الأمريكيين فى قضية التمويل وما قاله جون ماكين ورموز بالكونجرس الأمريكى حول دور الإخوان فى هذه الصفقة، ورسائل الشكر التى بعثوا بها للجماعة، شعرت الأخيرة أن شعبيتها قد تتقلص، فأرادت أن تنفى عن نفسها عقد الصفقات مع الأمريكان، فتحركت متأخرا وهاجمت الدولة لإهدارها كرامة القضاء، ونفت التعامل مع الأمريكان، واعتبرت أن لقاء الشاطر بماكين لم يتطرق لشىء حول الإفراج عن المتهمين، ولا مانع فى طريق استعادة الشعبية ونفى الاتهام والتلويح مرة أخرى بمسألة تشكيل الحكومة، يخرج محمد مرسى مرة أخرى ليقول: «فتشنى فتش» أقصد أن أيام حكومة الجنزورى معدودة، وينتظر الجميع رد المجلس العسكرى الذى قال بوضوح المرة السابقة إن الجنزورى باق حتى نهاية المرحلة الانتقالية، لينتهى الأمر مرة أخرى من داخل ذات الفيلم على طريقة القدير الرائع المبدع عبدالفتاح القصرى: «هتنزل المرة دى»..! 

السبت، 3 مارس 2012

الأمريكان يعرفون أكثر


هل أنت مندهش من سفر المتهمين الأمريكيين فى قضية المنظمات؟ لماذا تتباكى على استقلال القضاء وتعتقد أنه تلقى طعنة كبيرة فى اعتباره واحترامه، لماذا تعتقد أن قرار الإفراج سياسى، ولا تعتقد أن قرار المحكمة كله من الأصل كان سياسيا بحتا؟

هل انتهك استقلال القضاء بقرار الإفراج عن المتهمين، هل تداخلت السياسة مع القضاء فى إنهاء القضية، أم أن التدخل والانتهاك السياسى للقضاء بدأ مع القضية ذاتها التى بدأت سياسية فى الأصل وانتهت سياسية وتم استخدام القضاء فيها كمخلب قط خاضع لقرارات سياسية.

لا تنزعج بقرار الإفراج، فالأرجح أنه تصحيح «سياسى» لقرار الاتهام، الذى كان  سياسيا أيضا، لكنك لابد أن تكون منزعجا من استمرار الدولة فى استخدام القضاء كوسيلة لتصفية حسابات سياسية، أو إشعال معارك ذات طابع سياسى، وراءها أهداف لا علاقة لها بالقانون، وتخضع للتفاوض، وأحاديث الغرف المغلقة، وصفقات أعلى الطاولة وأسفلها.

لاحظ أن الاتهام الذى هو فى الأصل «مخالفات إدارية» تحول إلى جرائم عمالة وتخوين وتمويل وتقسيم للوطن، والذين ملأوا الدنيا صياحا يتباكون على الاختراق الأمريكى لمصر، والمساعى الأمريكية لتقسيم مصر، والخرائط التى تم ضبطها والأموال التى تم دفعها لتحقيق هذه الأهداف الكارثية، ولاحظ أن المتهمين بالسعى لتقسيم مصر تم الإفراج عنهم بغرامات، اسع إذن لتقسيم مصر وستخرج بغرامة، لكنك إذا شتمت المشير ربما تجد أغلبية برلمانية تسحلك، وإذا هتفت فى مظاهرة ربما تجد نفسك تقضى خمس سنوات فى زنزانة بالسجن الحربى.

لاحظ كذلك أن الأطراف السياسية فى المجلس العسكرى والحكومة والأغلبية التى حملت لواء الاتهامات وجندت خلفه الإعلام والأتباع، والأبواق التى اقتاتت على خطاب مقاومة أمريكا وعملاء أمريكا هى ذاتها الأصوات التى لم تنطق حتى الآن بكلمة، الذين تباكوا على السيادة، وتخندقوا دفاعا عن استقلال القضاء أين هم الآن هل لديك تفسير؟

هل تعتقد أن جزءا من التفسير يكمن فى زيارة جون ماكين الأخيرة للقاهرة، فتش عن هذه الزيارة، انظر لما هو معلن منها قبل أن تنظر لما هو خفى عن الأنظار، اربط بين الأطراف التى التقاها ماكين وخرج من عندهم جميعا يشيد بالتوافق والاتفاق فى وجهات النظر، وبين خروج المتهمين الأمريكان بعد عدة أيام، وصمت هذه الأطراف عن عملية الخروج، رغم أنها كانت تملأ الدنيا ضجيجا حول السيادة والركوع والعملاء.

الإفراج عن الأمريكان إذن هو قرار سياسى يرضى المجلس العسكرى والحكومة والأغلبية البرلمانية، وتفاهم حوله جون ماكين مع الأطراف الثلاثة بوضوح، ومنح لكل طرف ما يريد مقابل الصفقة؟

ما هو الثمن الذى أخذه كل طرف إذن؟ كل شىء سيظهر لا شك، فالأمريكان يعرفون أكثر، يكفى أن تقرأ بيانا صدر عن أعضاء مجلس الشيوخ أشاد بتعاون الحكومة والمشير وقادة جماعة الإخوان المسلمين ورئيس البرلمان لحل الأزمة، وكأنه يقول لشعب قام بالثورة وفوض من فوض لإدارتها، وانتخب من انتخب لاستكمالها: «نشكركم على حسن تعاونكم معنا».. الآن فقط عرفت واشنطن أنها لا يجب أن تتحسر على مبارك وأيامه..!

الخميس، 1 مارس 2012

المحتملون بعد 30 يونيه


ماذا بعد انتخابات الرئاسة؟ لديك زخم سياسى كبير، وعدد كبير من المرشحين المحتملين، جميعهم يسعى للمقعد الكبير بدأب، يتحمل ما يتحمل من نقد ويبنى على ما يأتيه من تشجيع، لكن المؤكد أن بعد 30 يونيه المقبل حسب الجدول الزمنى المعلن، سيكون لديك رئيس واحد من بين كل هؤلاء وما قد يظهر إلى جانبهم من أسماء جديدة، فأين سيذهب الباقون بعد هذا التاريخ؟

هذا هو السؤال الجوهرى الذى لابد أن تسأله لأى مرشح رئاسى: ماذا ستفعل إن لم توفق، والأرجح أن مصر ستستفيد لو استمر هذا الزخم إلى ما بعد انتخابات الرئاسة فى صورة مشروعات وإطارات سياسية تخص المرشحين وأفكارهم ومؤيديهم، فما بناه بعضهم طوال شهور من العمل والجولات الميدانية لا يجب أن يتبخر عقب الانتخابات فجأة، وهو الخطأ الذى وقع فيه الدكتور البرادعى حين أعلن سحب إعلان ترشحه، ففتت كتلة تكبر أو تصغر كانت تعمل معه وتؤازره وتؤيده، ودفعها لشتات تحاول أن توازن بين ما تبقى من مرشحين لتختار ما تدعم، وهو خطأ صححه بدعوته مع عدد من أنصاره لتأسيس كيان سياسى يضم المؤمنين بالأفكار التى دعا إليها، بمعنى أن البرادعى كشخص يمكن أن تتضاءل فرصه، لكن مأسسة الأفكار وتقديمها للمجتمع فى صيغة كيان قادر على التفاعل ستفيد الوضع السياسى برمته.

ذات الوضع ينعكس على الجميع، سألت المرشح الرئاسى عمرو موسى عن تصوره لمستقبله بعد 30 يونيه لو لم يوفق فى الانتخابات، فقال كلاما جميلا إنه لن يغادر البلد وسيستمر فى العمل والدعوة لما يدعو له فى حملته الرئاسية، لكنه لم يفصح عن شكل هذا الوجود والحضور هل سيستمر حضورا شخصيا وفرديا ومستقلا أم ستجرى مأسسته فى إطار سياسى غير مربوط بالفرد بالضرورة؟

لديك مرشحون رئاسيون جميعهم يعمل تحت راية الاستقلال، دون دعم تنظيمى أو حزبى مباشر، لكن أغلبهم يعبر عن أفكار ورؤى وأيديولوجيات، بعضهم عمل طوال وقت طويل على تطوير الخطاب القومى الناصرى التقليدى ودمجه فى إطار ديمقراطى كحمدين صباحى، وبعضهم منح العمل الإسلامى السياسى زخما مختلفا، وانتقل به إلى مساحة قبول هائلة مثل عبدالمنعم أبوالفتوح بخطاب مفتوح على الجميع يراعى التنوع ويحترمه ويؤمن بالديمقراطية، وبعضهم مثل المرشح الجديد خالد على يتحرك من قلب هموم العمال والفلاحين عن تجارب شخصية، لكن ما هو مستقبل هؤلاء بعد الانتخابات لو لم يوفقوا فى الانتخابات؟ هذا سؤال جوهرى لابد أن يبقى مطروحا على كل مرشح، لأن من شأنه أن يدفعك لاختيار أفكار وليس أشخاص والانحياز لمستقبل تعرف إطاره، فعندما تختار أحدهم تعرف أنه حتى لو لم يوفق، فأنت مستمر فى تأييد مشروع كان يمثله مرشحك المحتمل، ومازال يقوده أو يلهمه بعد الانتخابات.

أما أن يعتقد مرشح أن المصريين مدعوون لانتخابه رئيسا وإلا فإنه «مش لاعب»، وينظر للمنافسة الانتخابية الحالية على إنها آخر رحلته، فمن الأفضل له ألا يبدأ الرحلة من الأصل.