السبت، 30 يونيو 2012

الأزهر.. والميدان.. والدولة


الرئيس يصلى فى الأزهر.. الرئيس فى ميدان التحرير.. الرئيس أمام المحكمة الدستورية العليا يؤدى القسم الدستورى.

المشاهد الثلاثة ما حدث أمس وما يجرى اليوم، الأرجح أنها ليست مصادفة فى ظل حالة الاستقطاب التى تكاد تستبد بالرئيس بين شارع ملتهب تم تحريكه وتسخينه ومازالت هناك صعوبة فى صرفه وتهدئته قيبل أن تتحقق مطالبه، وبين مسار قانونى ودستورى سار عيه قطار المرحلة الانتقالية حتى بلغ محطته الأخيرة أو شبه الأخيرة اليوم فى مراسم التنصيب الرسمى.

مرسى «المنتمى للثورة» لديه فاتورة للميدان عليه أن يسددها، هذا الميدان هو الذى أنجز كل شىء من إسقاط النظام وحتى الضغط لتعبر المرحلة الانتقالية مطباتها المتسارعة، وحتى حماية صندوق الاقتراع فى نهاية السباق الرئاسى من أى عبث كان محتملا.

هذا الميدان لديه مطالب تم حشده عليها حتى من داخل قوى الجماعة والحزب اللذين مازال الرئيس يحتفظ بعضويتهما وهذا حقه لا تتوقف عند رفض حلف اليمين أمام المحكمة الدستورية، لكنها تمتد إلى الدعوة لإعادة البرلمان وإسقاط الإعلان الدستورى المكمل، على هذه الأهداف توحد من حضر إلى الميدان، وتخندقت قوى الاصطفاف خلف الرئيس المنتخب.

مرسى «رجل الدولة».. الرئيس المنتخب وفق آليات ديمقراطية وقانونية ودستورية، أيضا فى مأزق، يعلم تماما أنه شق طريقه للرئاسة وفق هذا النظام القانونى، وأن احترامه لهذا النظام الذى قبل به من البدء ليس خضوعا بقدر ما هو واجب رجل الدولة.. لديه إعلان دستورى وآخر مكمل يشكلان الدستور المؤقت الذى يحكم به، يسمع من يقول إن المكمل لم يستفت عليه الشعب وصدر من سلطة غير منتخبة عينها مبارك، لكنه يعلم تماما أن هذا اكتشاف متأخر، فنفس هذه السلطة هى التى وضعت الإعلان الذى بنى عليه كل هذا التحول الديمقراطى، ولم تستفت الشعب إلا على بضع مواد فيه تحت دعوى تعديل الدستور القائم وليس استبداله بالإعلان الدستورى.

اليمين هنا مسألة إجرائية بحتة.. لكن الرجل المتنازع عليه بين فواتير الميدان.. وبين إثبات حسن نواياه ناحية الدولة، يحاول أن يطمئن الجميع، أن يمسك العصا من المنتصف، وأن يرضى جميع الأطراف.

 لا برلمان منتخب.. كسياسى خارج السلطة هو يرفض حل المجلس لكنه كرئيس للدولة لا يملك إلا احترام حكم المحكمة الدستورية.

نفس الثنائية التى وقع فيها البرلمان المقضى بحله.. لكن البرلمان حسمها من البدء واختارت أغلبيته أن تنازع الميدان شرعيته، وأن تتصرف كسلطة، وخسرت، والرئيس فى ذات الموقف الحرج، لذلك الأرجح أنه اختار وهو فى طريقه إلى أداء اليمن التزاما منه بالإعلان الدستورى المكمل، أن يمر على محطتين: الأزهر والتحرير، الأول اعترافا منه بمرجعيته وفهمه للإسلام فى رسالة واضحة لمن تهمه هذه الرسالة، والثانية للميدان فى تأكيد أنه لا ينسى أن هذا الميدان هو الذى أجلسه مقعده، وجعله الرئيس المنتخب الأول.

يريد الرئيس أن يستمد شرعيته ومشروعه من ثالوث «وسطية الأزهر.. وثورية الميدان.. وهيبة الدولة ممثلة فى القانون والدستور».. فى لحظة يعتقد أن المزج بين رجل الثورة ورجل الدولة يمكن أن ينجح ولا يضطر أحدهما لإقصاء الآخر، هى محاولة قد تجلب استقرارا قريبا.. لكن فلتانها وسط المزايدات ربما يجعلها عصية على الاحتواء.. هذا هو اختبار الساعات القادمة.

الخميس، 28 يونيو 2012

النبى معاوية


يحكى أن الأمر لما استتب واستقر لمعاوية بن أبى سفيان فى حكم الدولة الإسلامية بعد صراع مرير، وحرب أهلية طاحنة، كان عمرو بن العاص حاكم مصر فى ذلك الوقت يمتلك قناعة واضحة بأنه هو الذى أجلس معاوية على عرش الدولة الإسلامية، سواء بمشاركته فى التخطيط، وتنفيذ المؤامرات، وقيادة المفاوضات، أو بنجاحه فى حسم الصراع نظريا فى واقعة التحكيم الشهيرة، التى ورط فيها أبى موسى الأشعرى، ودفعه لخلع صاحبه «على بن أبى طالب»، بينما ثبت عمرو «معاوية».

كان معاوية يدرك هذه النقطة فى نفسية عمرو، وكان الحسد المستتر يظهر فى بعض الأحيان على تصرفات عمرو وسلوكه، ويروى أنه توجه لزيارة معاوية فى حاضرة الخلافة الجديدة بدمشق، مصطحبا وفدا من المصريين، انتقاهم من أصحاب المصالح المتحلقين حوله، والنخبة القريبة من حكمه والمحسوبين على بطانته.

ولما كان عمرو يحسد معاوية ويرى أنه كان أحق منه بالخلافة لأنه الأكثر دهاء، وصاحب الدور الأبرز فى إنهاء الصراع، وتثبيت الأمر، طلب من جماعته ألا تسرف فى تبجيل معاوية وتفخيمه، وألا تخلع عليه الألقاب، وقال لهم: إن الخليفة رجل متواضع.. فلا تنادوه بأمير المؤمنين، وقولوا له: «يا عبدالله» فهو أقرب إليه وأحب، فلما دخل المصريون على الخليفة قالوا له: «السلام عليك يا نبى الله»..!!

تلك الواقعة أوردها ابن كثير فى موسوعته التاريخية «البداية والنهاية» فى معرض ترجمته لمعاوية بن أبى سفيان، وحديثه عن السنة الستين من الهجرة، وتحديدا فى الصفحة 514 من طبعة مكتبة الإيمان, منسوبة لـ«بن جرير» ويورد «بن كثير» أن «عمرو بن العاص» بعد هذا اللقاء نهر بطانته وقال لهم: «قبحكم الله.. نهيتكم أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة».

لم تكن بطانة الحكام فى مصر فى أى وقت أو تاريخ أقل أداء، من بطانة عمرو.

ومصر لا تصنع حكاما فاسدين أو طغاة، وإنما تصنعهم النخب، والبطانات، وعندما تسمع الرئيس محمد مرسى يبدأ حديثه إليك بقوله: «لن أخون الله فيكم» من حقك أن تتفاءل.. لكن عليك أن تتذكر أن سلفه بدأ أيضا بأن قال: «الكفن مالوش جيوب».

كل الذين حكموا مصر كانوا فى خطواتهم الأولى حكاما صالحين حتى فعلت بهم البطانات ما فعلت، لذلك عندما تجد التهانى «المدفوعة» تنهال على الصحف تبارك لمصر على الرئيس، وكل الديباجات التى كانت تصاغ لسلفه تعاود احتلال صفحات الصحف، وتتصدر الشاشات، لابد أن تفهم أن هذا «الجين» موجود عند أصحاب المصالح الذى يلتفون حول أى حاكم فى كل زمان، يعرفون طبعه ويسيرون عليه، وفى النهاية يبهتون عليه من طباعهم.. هؤلاء قالوا لمعاوية: «يا نبى الله».. أفلن يشيدوا بحكمة وعبقرية الرئيس مرسى؟!

مقالات أخرى للكاتب

الأربعاء، 27 يونيو 2012

السيد النائب القبطى


لا يمكن أن تقف أمام الأخبار المتداولة حول إصرار الرئيس محمد مرسى على اختيار «نائب قبطى» إلا بقدر كبير من التفاؤل، هذا جانب مضىء من الصورة، لكن قبل أن تستغرق فى التفاؤل أرجو منك أن تضع اسم د. رفيق حبيب على محركات البحث الإلكترونية وأن تتأمل النتائج.

الدكتور رفيق حبيب لمن لا يعرفه هو مفكر مسيحى بمعنى كلمة مفكر، ولديه مشروع حقيقى منذ انفتاحه على تجربة التيار الإسلامى، بدءا بمشاركته فى صياغة برامج حزب الوسط الأولى، وانتهاء بتوليه موقع نائب رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، منذ نشأة الحزب قبل عدة أشهر.

لا أروع من هذا الشكل، نائب مسيحى لرئيس الحزب الإخوانى الذى يثير مخاوف المسيحيين، لكن دقق فى المضمون، وتعال لنفكر بصوت عال:

كان العام والنصف الأخير وهى مدة المرحلة الانتقالية هى أصعب فترة بالنسبة لأى حزب سياسى مصرى، وبالأخص لو كان حزبا مثل «الحرية والعدالة» يتنافس فى كل استحقاق انتخابى، ويتعرض طوال مشواره لهجوم كاسح واتهام وتخطيئ بعضها مبنى على معطيات صحيحة وبعضها يدور فى إطار المكايدات السياسية.

فى هذا العام والنصف كم مرة تحدث رفيق حبيب، عن أزمة الدستور أولا، أو البرلمان، أو الجمعية التأسيسية، أو تراجع الإخوان عن عدم تقديم مرشح رئاسى، أو الاحتقانات بين الحزب الذى هو نائب رئيسه، وبين القوى السياسية مرات، وبين المجلس العسكرى مرات.

كم مرة ظهر رفيق حبيب بوصفه نائب رئيس الحزب، ليرد عن حزبه ويشرح سياساته، كم ورقة وقعها، ما هى صلاحياته داخل الحزب؟ ما هى الملفات المكلف بها، وهل نجح فيها أم أخفق؟

الحقيقة أن نتائج محركات البحث حتى على مواقع الإخوان الكثيرة تشير إلى أنه كان «نائبا صامتا» فى فترة من عمر حزبه ووطنه كان الكبير والصغير يتحدث ويتحرك ويدافع ويهاجم ويطرح وجهات النظر المختلفة.

هل لصمته علاقة بأن قرار الحزب عند الجماعة وفى مكتب إرشادها، وبالتالى فلا مجال له للحديث، فكل زملائه فى الأمانة العامة للحزب ومكتبه السياسى أعضاء فى الجماعة أيضا بينما هو وحده الذى لا يحمل إلا عضوية الحزب؟

أعرف أننى لا استطيع أن أتحدث عن صلاحيات نائب رئيس الجمهورية قبل أن يعرف الرئيس نفسه ما هى صلاحياته، لكن هل يريد الرئيس نائبا قبطيا على نموذج رفيق حبيب، هل يبحث عن المشاركة أم الديكور؟ كان محمد مرسى حتى إعلان نتائج فوزه بالرئاسة هو رئيس حزب الحرية والعدالة، ورفيق حبيب نائبه، والوضع ذاته قد يتكرر على مستوى رئاسة الجمهورية، سواء كان رفيق هو النائب أم لا، والمفارقة أنه وهو رئيس الحزب كانت هناك سلطة سياسية أعلى منه هى مؤسسات الجماعة، وتطارده اليوم شبهات توزع القرار الحقيقى بين المجلس العسكرى ومكتب الإرشاد، لكن ليخوض الرئيس معركة صلاحياته، ويثبت لنا أنه صاحب القرار الأخير، حتى لو تشاور مع من يشاء، لكن وهو يختار النائب القبطى من الأفضل ألا يفكر كثيرا فى النموذج «الرفيقى» لأن الذى تنتظره الثورة نائب حقيقى، حتى لا يصير الفارق بينه وبين من كان يحجز للأقباط وزارة البيئة طفيفا جدا..!

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

المجد لـ«الليمون»


صنع «الليمون» الرئيس.. ومنحه منافسه شرف الوصيف المزاحم حتى الصندوق الأخير.. حركت إرادة الخوف الناس فذهبت قطاعات كبيرة منها لترفض الخصم دون أن يكون تأييد الآخر فارقا، وعندما ظهرت النتيجة خرجت لتحتفل بخسارة الخاسر أكثر مما تحتفل بنجاح الناجح.

تلك مسألة لا تنتقص أحدا طالما أن المقادير جرت لتضع ناخبين فى خيارين الذهاب لأحدهما هروبا من الثانى وليس بالضرورة تأييدا للأول.. هذا قانون السياسة والانتخاب، ولحظة الاختيار هى لحظة ملك صاحبها، لا حرج عليه إن بناها على تأييد عقائدى، أو حتى مصالح دائمة أو مؤقتة، أو حتى قطعا لطريق منافس من بلوغ مقصده.

فى النهاية «الصندوق عنوان الحقيقة».. والحقيقة التى قالها الصندوق أن محمد مرسى هو رئيس الجمهورية، لا ينتقص منه شرعيا ولا قانونيا الفارق الضئيل الذى عبر به إلى القصر، فتلك هى الديمقراطية التنافسية الحقيقية، لا أحد يجتاز اختباراتها باكتساح، «والحركرك» فيها ليس عارا لكنه قمة الزهو والشرف للناجح وللمجتمع الذى بات لا يمنح تفويضه كاملا لأحد.

لا أحد من حقه أن ينزع من الرئيس شرعيته أو قدرا منها لأن هناك من انتخبه دون قناعة هربا من غيره، وعصر على نفسه الليمون ليقبله مؤقتا، باعتباره الباقى الوحيد بالسباق فيه «رائحة» الثورة، لكن من حق الجميع أن «يذكره» بفضل «ثقافة الليمون» المصرية على صعوده درج القصر، ليس من باب «المعايرة» لكنه من باب ألا تعتقد أن الملايين الثلاثة عشر التى وضعت أصواتها لصالحك فى الصندوق، منحتك تفويضا وتأييدا كاملا، ربما تملك تفويضا من خمسة ملايين هم رصيدك التنظيمى، لكن الباقى هاربون من الآخر، وأصحاب تأييد مؤقت ربما انتهت صلاحيته وفعاليته بإعلان النتائج، إذا كان عليك دور فى استبقاء من صوت لك دون قناعة كاملة فى ساحة تأييدك ودعمك أو على الأقل التعاون معك، فما بالك بالجهد الذى ينتظرك مع من ذهب لوصيفك أيضا ليس قناعة به بقدر ما هو هروب منك، من عصروا على أنفسهم الليمون أيضا وانتخبوه لقطع الطريق عليك، والجهد الذى ينتظرك مع المقاطعين والمبطلين والصامتين وغير المكترثين.

 السيد الرئيس محمد مرسى: لم انتخبك ولم انتخب خصمك، لم أدع لانتخابك ولم أدع لانتخاب خصمك، انتهت الانتخابات فى نظرى بمجرد إعلان نتائج الجولة الأولى، التزمت الصمت وعدم الكتابة حتى لا أتورط فى رأى يصب عندك أو عند وصيفك، هذا رأيى وحقى واختيارى، لست مقتنعا بعد أن الثورة انتصرت ووصلت إلى سدة الحكم، ومازالت أعتقد أن مصر تستحق من هو أفضل منك، لكنك وحدك من تملك تغيير هذا الاعتقاد عندى وعند الآخرين.. اقبلها منى نصيحة: لا أحد عاقل يعصر على نفسه «الليمون» مرتين..!