الاثنين، 31 مارس 2008

أبواب جهنم

«إن جرؤت وسألت: هل أصبحت الكنيسة دولة داخل الدولة؟ ستفتح أبواب جهنم، وتلاحقك لعنات أقلها تهمة إثارة الفتنة الطائفية»، استعرت هذه الجملة من زميلتنا القديرة «فكراً وجمالاً» سحر الجعارة ـ وهي جملة صدرت بها مقالها الأخير في «المصري اليوم» «الكنيسة: سلطة مقدسة» ـ وأنا أهم بالتعقيب علي جملة من الردود جاءتني عقب نشر مقالي الأخير «لمن تدق الأجراس»، والفكرة في الاستعارة أن جملة الجعارة كانت نبوءة تحققت بالفعل بعد نشر مقالي.
بعيداً عن الردود المؤيدة من قريب أو بعيد كان أخف اتهامات المختلفين مع ما كتبت أنه مقال «مليء بسوء النوايا»، أو انه دعوة فيها تحريض طائفي، لكن اللافت أن بعض الردود بنت منهجها من اسمي الدال علي إسلامي، حتي إن أحدهم وجه لي رسالة بصيغة الجمع يقول فيها: أنتم السبب في انفصال الأقباط عن الدولة فأنتم الذين أبعدتم المسيحيين عن المراكز الحساسة في الدولة " ولا أعرف حتي الآن ماذا تعني «أنتم»، وصاحب هذه الرسالة هو من يقول أيضاً: من الطبيعي أن تكون الكنيسة فوق القانون!!
وفي البدء ألفت أنظار هؤلاء إلي الآتي:
أولاً: لا يستطيع أحد أن يزايد علي مواقفي من المسألة القبطية ــ إن شئنا أن نسميها كذلك ــ أو يجرني إلي منطقة تنازع طائفي أنا بعيد عنها بحكم الممارسة المهنية والآراء والأفكار المعلنة والتي تأتي في مجملها انتصاراً لمطالب المساواة والمواطنة الحقيقية وعلي من يريد التأكد من ذلك العودة إلي أرشيف المصري اليوم وقراءة مقالات " فتنة بنك فيصل ١٨/١٢/٢٠٠٦ ــ الوطن الجمر ٢٥/١٢/٢٠٠٦ ــ الدستور وحده لا يكفي٨/١/٢٠٠٧ وذلك مثالاً وليس حصراً.
ثانياً: لست أنا من أقام دعوي قضائية اختصم فيها الكنيسة فهو مواطن من «الشعب القبطي» مسيحي أرثوذكسي لجأ إلي القضاء للحصول علي ما يعتقد أنه حقه وحصل علي حكم قضائي بهذا الحق، ولست أنا قطعاً من أصدر الحكم.
ثالثاً: القول «إن الحكم القضائي لم يصدر لتفسير نصوص دينية أو التدخل فيها، وإنما جاء تدخلاً في قرارات القائمين علي الشأن الديني»، يمكن أن تجده في بيان الأمانة العامة لقضاة مجلس الدولة الذي رد من خلاله القضاة علي حملة التعليقات التي أعقبت حكم الإدارية العليا وما صاحبها من استخفاف لا يليق بحكم قضائي.
رابعاً: قلت في مقالي إن الأزمة ليست في الحكم، ولا في الجدل اللاهوتي حول القضية، وليست محاولة نقدية لنصوص «مقدسة» في العقيدة الأرثوذكسية، الأزمة والخطر الحقيقي في رد فعل قطاع عريض من المسيحيين الأرثوذكس في مصر تقودهم الكنيسة الأم برأسها وقياداتها، والذي لم يكتف بالتحفظ، وانما امتد إلي التعليق علي الحكم وفي بعض الأحيان التقليل من أهميته باستهزاء.
إذن القضية بالنسبة لي لم تكن تدخلاً في عقيدة ولم تكن: هل يجوز للمطلق الزواج مرة أخري أم لا، وإنما كانت في الدولة التي تصدر أعلي محكمة إدارية فيها حكماً لا يعتد به أحد، ويقابله أحد مراكز القوي فيها باستخفاف واضح.
خامساً: لم يعقب أحد علي تقديم الكنيسة لمرشحين في انتخابات المحليات، ولم ينف الأنبا داوود مطران الدقهلية تصريحاته في هذا الشأن رغم مرور ٢١ يوماً تقريباً عليها، ولم يقل أحد هل من المناسب أن يكون للكنيسة مرشحون؟ وهل من دورها أساساً التدخل من قريب أو بعيد في العملية السياسية؟
سادساً: قلت في مقالي إنني مع دولة مدنية لا كهنوت فيها ولا ولاية فقيه، وأعتقد أن مجرد طرح ذلك انتصار لقضايا الأقباط وليس استعداء لهم باعتبار الدولة المدنية الحل المثالي لمسألة تهميشهم التي لم أنكرها يوماً.
سابعاً: هناك اعتراف ضمني في معظم الردود التي جاءتني بتحول ولاء الأقباط سياسياً الي الكنيسة دون الدولة واتفاق علي أن سبب ذلك هو الدولة نفسها وممارساتها طوال الثلاثة عقود الماضية وهو أمر لم أنكره وهاجمته ومازلت أهاجمه لأن ممارسات الدولة فيها تجاوز واضح في حق الوطن، وتحصن الأقباط بالكنيسة فيه انسحاب وتحسُب لمجهول مخيف.
ثامناً: أسهل شيء في الحياة تأويل الناس والتفتيش في نواياهم والمزايدة وتوجيه اتهامات لا هدف منها سوي مزيد من الضجيج و«اللغوشة» التي تختفي تحت تأثيرها أصوات العقل.

الجمعة، 28 مارس 2008

شرف الحدود

«الحدود القومية لأي وطن ليست علامات جغرافية يرسمها المهندسون، وإنما شرف الأمة، وسياج السيادة، الحدود الوطنية هي المرادف الموضوعي لكرامة الأمة.. والمساس بشرف الحدود هو جريمة غير قابلة للمغفرة من أي أمة حية، ولا فرق في ذلك بين أن يأتي المساس بالحدود عفوًا أو سهوًا، أو يأتي عمدًا وقصدًا، فهو في كلتا الحالتين جريمة».
ربما تتذكر هذه السطور التي تصدرت افتتاحية جريدة «المصري اليوم» في منتصف نوفمبر من عام ٢٠٠٤ في اليوم التالي لاستشهاد ٣ جنود مصريين برصاص إسرائيلي غادر قرب الحدود، وتتذكر الغضب الشعبي الذي استبد بالجماهير في تلك الفترة، تذكر ذلك وحاول أن تسأل: ما الفرق في أن ينتهك حدودك عدو جارح أو صديق جائع؟ وما الفرق بين إدارة الدولة لانتهاك حدودها عبر الرصاص الإسرائيلي، وإدارتها لانتهاك حدودها عبر القنابل البشرية الفلسطينية؟
الإجابة لاتزال هي الفشل الذريع، وافتقاد الرؤية، وغياب الوعي الاستيراتيجي، وافتقاد القدرة علي الفعل الاستباقي، وحصر حركة الدولة في دائرة رد الفعل الضيقة جدًا.
بالقطع إنك تدرك أن أمان الحدود أقدس ثوابت الأمن القومي وأهم وظائف الدولة، والتنازل عن هذا الدور لغريب أو قريب هو تنازل مباشر عن شرعية الحكم والنظام.
وقعت الدولة المصرية - للأسف - في عدة أخطاء استيراتيجية دفعت إلي هذا الزحف الفلسطيني العشوائي علي الأراضي المصرية حتي وصلوا إلي حدود الدلتا والصعيد، أبرزها صمتها علي الأوضاع في غزة، وسماحها - عبر الصمت - بتحويل القطاع إلي سجن كبير، ولأنها لم تتوقع أن يتحول هذا السجن إلي قنبلة موقوتة لن تنفجر إلا في وجهها، تناست الدولة أن معاناة الفلسطينيين في غزة ليست مجرد قضية تعاطف بين أشقاء في العروبة بقدر ما هي قضية أمن قومى فى الأساس.
وعندما أرادت الدولة، تحت وطأة ضغط شعبى، أن تتدخل لتخفيف هذه المعاناة الجارحة إنسانيا، وقعت فى خطأ أشد فداحة، ورفعت الغطاء عن الإناء الذى ىغلى فجأة ودون مقدمات، فكانت الفوضى، وكأنها - أى الدولة المصرية - لا تجيد وسطًا بين التضييق والكبت من جهة، وبين الفوضى والانفلات من جهة أخري، وفي هذا دليل علي غياب الوعي والرؤية الاستيراتيجية.
اقرأ بنفسك تصريحات رجل فاعل في مؤسسة الرئاسة والحزب الحاكم والبرلمان، في حجم د. زكريا عزمي عن ضبط فلسطينيين في بني سويف، وأحزمة ناسفة، لتعرف حجم التفريط الذي أقدمت عليه الدولة في سبيل كسب رضا شعبي مندفع بعاطفة ليس إلا، وكان من الممكن أن تقدم علي حل أكثر واقعية وعملية وأقل خطورة علي الأمن القومي، بالسماح بإدخال الشاحنات المصرية المزودة بالوقود والمواد الغذائية إلي القطاع - طالما قررت التدخل - دون السماح لفلسطيني واحد بالعبور إلي الجانب الآخر.
ليس هذا تحريضًا مني علي الفلسطينيين، ولكنه تأكيد علي واحدة من أهم ثوابت الأمن القومي التي لا يمكن التنازل فيها أو التفريط، أمن قومي يضمن سلامة الحدود وأمانها، ويضمن في الوقت نفسه تفاعلاً حقيقيا وأكثر جدية مع المشكلة الفلسطينية لضمان بقاء الوضع الإنساني - علي الأقل - عند الحد المشرف الذي يعد التنازل عنه - أيضًا - تفريطًا في إحدي ثوابت الأمن القومي!

الاثنين، 24 مارس 2008

لمن تدق الأجراس؟!

اخترع عدد من فقهاء القانون و«ترزيته» في هذا العصر، مصطلح المواد «فوق الدستورية»، وهي المواد التي لا يجوز الطعن عليها أو إثارة الشبهات الدستورية حولها، حتي لو بدت متناقضة ومتنافرة ومختلفة تمام الاختلاف مع روح الدستور وفلسفته.. وأحياناً نصوصه الواضحة. ورسخت ممارسات بعض المؤسسات الكبيرة في مصر مصطلح «فوق القانون»، وهو ترجمة لممارسات فعلية تقوم بها هذه المؤسسات، التي تبني مواقفها علي الضرب بالقانون عرض الحائط، وبالأحكام القضائية كذلك، تعتبرها حبراً علي ورق، لا يمكن تنفيذها، طالما جاءت غير متوافقة مع مواقفها.
تذكر كل ذلك وأنت تتابع موقف الكنيسة المصرية من أزمة الزواج الثاني للمطلق، حكم نهائي وملزم من المحكمة الإدارية العليا، بحق المسيحي المطلق في الحصول علي تصريح بالزواج الثاني. الأزمة ليست في الحكم، ولا في الجدل اللاهوتي حول القضية، وليست محاولة نقدية لنصوص «مقدسة» في العقيدة الأرثوذكسية، الأزمة والخطر الحقيقي في رد فعل قطاع عريض من المسيحيين الأرثوذكس في مصر، تقودهم الكنيسة الأم برأسها وقياداتها، والذي لم يكتف بالتحفظ، وإنما امتد إلي التعليق علي الحكم، وفي بعض الأحيان التقليل من أهميته باستهزاء، والتصريح بأنه مجرد حبر علي ورق.. وبالبلدي من يريد الاعتداد به «يبله ويشرب ميته».
يكفي أن تقرأ تصريحات لقيادات كنسية تقول جملاً صادمة مثل: «الكنيسة لن تعقد أي زواج بناء علي هذا الحكم.. واللي عاوز ينفذ الحكم يروح الشهر العقاري». ولابد أنك عرفت أن هذا الرد الكنسي العنيف، أخرج قضاة مجلس الدولة الموقرين عن صمتهم وهدوئهم ودخلوا في هذا الجدل «القانوني _ اللاهوتي»، حتي إنهم أصدروا بيانا أكدوا فيه أن الرئيس الديني في شريعة الأقباط الأرثوذكس، لا يجوز له مباشرة اختصاصاته بمنأي عن أي قواعد تنص عليها هذه الشريعة، وأن ممارسته هذه السلطة تخضع لرقابة القضاء، لبيان ما إذا كان هذا الرئيس الديني محقا في امتناعه عن إعطاء هذا الترخيص بالزواج، أم أنه تجاوز سلطاته المنوطة به، ولا يعد ذلك تدخلا من القضاء في الشأن الديني، وإنما هو إعلاء لهذا الشأن، لتحقيق مقاصد وأهداف الشريعة، وإيجاد الموازنة بين قرارات القائمين علي الشأن الديني وحقوق المواطنين، التي حماها الدستور دون تجاوز لها.
إذن فالحكم القضائي لم يصدر لتفسير نصوص دينية أو التدخل فيها، وإنما جاء تدخلاً في قرارات القائمين علي الشأن الديني.. والفارق كبير بين العقيدة في أصلها، والقيادة الدينية التي تقوم علي هذه العقيدة، لكننا نحاول في مصر دائماً أن نمنح القيادات الدينية قداسات مستمدة من قدسية العقيدة ذاتها، فيبدو وكأن هناك توحداً بين الرموز الدينية والعقائد، فيظهر انتقاد الرمز الديني كأنه كفر، والتعليق علي فتاواه وعظاته، وكأنه هرطقة، ولهذا جاء حكم الإدارية، ليؤكد من جديد أن القيادات الدينية بشكل عام، ليسوا شأناً مقدساً ــ مع كل التقدير ــ ويخضعون مثل غيرهم لرقابة القانون والقضاء.
لكن حكم الإدارية في شأن المطلق المسيحي وحقه في الزواج الثاني، لم يكن الناقوس الوحيد، الذي دق هذا الأسبوع، فيما يخص وضع الكنيسة المتفرد والمغرد وحيداً خارج الدولة وقوانينها ونظامها العام، فلابد أنك قرأت أيضاً الأسبوع الماضي خبراً، يقول: «إن كنائس المنصورة تحتج علي تجاهل الوطني ترشيحاتها في المحليات».. ببساطة قال الأنبا داوود، مطران الكنائس الأرثوذكسية في المنصورة لــ«المصري اليوم»، إنه مستاء من تجاهل الحزب الوطني في الدقهلية ترشيحات الكنيسة، التي رشحت ٥ من أبنائها لخوض انتخابات المحليات، بناء علي طلب أمين الحزب في المحافظة. وقال داوود إن مصطفي عقل، أمين الحزب، طلب من الكنيسة ذلك، وأضاف: «فوجئت عقب إعلان ترشيحات الحزب بأن (عقل) تجاهل ترشيحات الكنيسة، واكتفي بترشيح ٤ من الأقباط، بينهم ٣ فقط من كشف الكنيسة، دون الرجوع إلينا في أولوية الترشيح، ودون احترام ترشيحات الكنيسة».
لا يحتاج الخبر كما تري إلي تعليق، فالكنيسة تقدم مرشحين بطلب من الحزب الوطني الحاكم ذاته ــ والساهر المفترض علي مدنية الدولة ــ وتحتج الكنيسة علي تجاهل ترشيحاتها مثل أي قوة سياسية موجودة في المجتمع، حتي إن الحزب قدم مرشحين أقباطا بالفعل علي قوائمه في الدقهلية، لكن الكنيسة اعترضت، لأن من اختارهم الحزب الحاكم لم يكونوا من مرشحيها.
الخلاصة من كل ذلك ــ ولا أدعي أنني جئت بجديد ــ أن الكنيسة تمارس دوراً مستقلاً تماماً عن السياق العام للدولة، وما تطمح إليه غالبية مواطنيها ــ علي رأسهم الأقباط ــ في دولة مدنية حاكمها الأول والأخير، هو القانون ولا كهنوت فيها ولا ولاية فقيه.
ولك أن تسأل عندما تتحكم الكنيسة في زواج القبطي وطلاقه، وتتحكم في ممارسته حقوقه السياسية، وتتدخل في ترشيحاته، وتدعم صعوده، وتعاقبه، فتعمل علي هبوط أسهمه، يلجأ إليها حين «تُسرق محفظته» ويتظاهر أمامها حين يحرق زرعه، وتقود بالنيابة عنه المصالحات.. فلمن سيكون ولاؤه الأول والأخير للدولة أم للكنيسة؟!
إذا لم تكن الكنيسة قد أعلنت دولتها الدينية بالفعل، وتمارس ولاية هذه الدولة علي مواطنيها من الشعب القبطي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودستورياً.. فبماذا نسمي كل هذا؟ وإذا لم يكن كل ذلك تعبيرا عن انفصال حقيقي.. فبماذا تعرفون الانفصال؟!

الاثنين، 3 مارس 2008

«أبونيه» أسامة الباز

المكان: محطة مترو «سعد زغلول»
الزمان: السابعة من مساء الأحد الماضي
(١): الرصيف مزدحم بالناس علي غير المعتاد في مثل هذا التوقيت، وأنا متوكئ علي عصاي أشق طريقي بين الزحام حتي مقدمة الرصيف، باب عربة المترو ينفتح أمامي، دون أن تظهر فيه ثغرة تسمح بالمرور، العربة «كومبليه» لم ينزل منها أحد، ومع ذلك ركب جميع المنتظرين علي الرصيف.. كيف؟ «لا تتعجب.. إنها إرادة الله»!
(٢): أنا في داخل المترو بعد أن جرفتني موجة البشر إلي الداخل، في البدء خاب رهاني في العثور علي راكب يترك مقعده بشهامة لشاب يتوكأ علي عصا مثلي، وتغيرت خططي إلي النضال من أجل مستقر آمن في ركن بعيد عن الباب، خوفاً من أن تجرفني موجة أخري إلي الخارج في محطة «أنور السادات» التالية، والتي تشهد مع زميلتها محطة «حسني مبارك» أكبر عملية تلاحم بين الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه.. برجاله ونسائه.. بشيوخه وأطفاله، تلاحم بين موجات داخلة وموجات خارجة، نادراً ما ينتهي دون ضحايا.
(٣): أنا مازلت أخترق الصفوف في اتجاه الباب الخلفي، بينما هو يناضل بين غابات البشر ليحافظ علي ثبات وقفته، استقرت عدستا عيني عليه، إنه هو ولا يمكن أن يكون شبيهاً له، لكن لا مانع من التأكد: «إزيك يا دكتور أسامة؟» هكذا قلت فور أن أصبحت في مواجهته. ورد بلكنته الشهيرة: «الحمد لله.. الله يخليك».. إنه هو بعينه أسامة الباز إذا كنت مازلت تتذكره «المستشار السياسي لرئيس الجمهورية» يقف في عربة المترو مثله مثلي يتلقي «زغدة» من هنا وكتفاً من هناك، ويطغي أحدهم بحذائه الغليظ علي حذائه اللميع دون أن يعتذر.
(٤): الرؤية تزداد وضوحاً بعد «محطة السادات» كثافة الزحام تقل بالشكل الذي يسمح لي بتسليط عيني «زوم إن» علي قبضة يده اليمني أصابعه تلهو بتذكرة مترو بيضاء «اشتراك» ـ لوهلة مثلك لم أصدق ـ اقتربت بالعدسة «الرباني» أكثر من أصابعه.. تذكرة بيضاء بخط أسمر في المنتصف، «أبونيه» موظفين رسمي يتنقل به المستشار السياسي لرئيس الجمهورية بين محطات المترو، مترجلاً ووحيداً و ـ لا مؤاخذه ـ مواطناً.
(٥): حوار بسيط وسريع دار بيني وبينه : اسمي أحمد الصاوي صحفي في «المصري اليوم».. أهلاً بك، وأنا أسامة الباز «دبلوماسي» بالقطع أعرف من هو، لكن هؤلاء الذين يزاحمونه ويتركونه واقفا ربما لا يعرفون، والأرجح أنهم يعرفون، لكن أكثرهم غير مكترث، وبعضهم يقول: طالما قبل عيشتنا فليتحملها دون استثناءات.
اقتربت منه أكثر: «إنت لسه مقاطع الموبايل؟.. طبعاً لا أحبه ولا أستخدمه».. «أنا رايح حفل توقيع كتاب في المعادي.. وأنا في طريقي لزيارة صديق».
(٦): ألف سؤال دار في رأسي في دقائق معدودة استغرقتها الرحلة القصيرة ما بين السياسة والتاريخ، كنت أعرف أن وجوده في المترو ليس رد فعل لخروجه الفعلي من «المطبخ المركزي»، الذي يذيق الناس إنتاجه طوعاً أو كرهاً، أسمع أن تلك قناعته وثقافته واختياره، أن يعيش باسمه وليس بمركزه، قال لي أصدقاء كثيرون إنهم شاهدوه علي المقاهي ومترجلاً في وسط القاهرة، لكنني في هذه المرة: «شفت بعيني ما حدش قالي».
(٧):٣٠ عاما قضاها الرجل خلف الستار في أعلي وأقوي مواقع النفوذ كفيلة بتفجر الأسئلة، لكنني سألت نفسي: هل من اللائق أن أفسد علي الرجل هذه اللحظة التي ينسي فيها وظيفته، وربما يستمتع بوقوفه بين بشر لا يكترثون به لأقوم «بغتاتة» بلفت أنظار هؤلاء إلي وجود رجل من علية القوم بينهم؟! لا يليق ولا يجوز والأرجح أيضاً أنه لن يفيد.
(٨): وصل المترو إلي محطة «المعادي»، حيث من المفترض أن أنزل، استأذنته في الانصراف، أعرب عن سعادته بالفرصة «مجاملة دبلوماسية» بينما عيناه تكنان امتناناً لنهاية الصحبة دون تضييق أو مزيد من التطفل، صحبة انتهت بأقل الخسائر.. نزلت والرجل لايزال مسنداً ظهره علي الباب الخلفي، دون أن يكترث به أحد، وهو ما يريده بالفعل.
(٩): بعض الأصدقاء يحمِّلون الرجل مسؤولية تاريخية عن كل ما يحدث في هذا البلد، يصفه صديق بأنه أحد صناع «الاستبداد» في مصر، وأحد منظري حالة «اللا قمع.. واللا حرية»، لكنني ما إن خرجت من باب المترو حتي توصلت إلي ما أدعي أنه حقيقه.. ٣٠ عاما وهذا الرجل يعيش في القصر، يتنقل مترجلاً ويستقل المواصلات العامة ويرتاد المقاهي.. ومع ذلك لم يغير بسلوكه أي شيء طوال هذه المدة، مازال أصغر مسؤول في البلد قادراً علي إغلاق أهم إشارة مرور حتي يمر، وقادراً علي تفريغ المترو من ركابه، إذا ما جاءته الرغبة لارتياده، ٣٠ عاما لم يغير سلوك أسامة الباز شيئاً.. فهل كان من الممكن أن تساهم «مشورته» في أي تغيير.. الأرجح أنه كان مستشاراً لا يستشار، وإذا استشير لا يؤخذ بمشورته، إلا إذا لاقت هوي عند صاحبها.. الغريب أن كل هذا يطرح سؤالاً آخر: لماذا قبل واستمر.. ومازال؟! تلك قضية أخري!!