الاثنين، 30 أبريل 2012

كل الطرق تؤدى للمشير


هل توجد فى مصر أحزاب سياسية، بالقطع وفق القانون والمسميات الإجرائية والواقع الشكلى هناك عشرات الأحزاب، لكن أى أحزاب وأى مسئولية تتحملها، تلك قضية أخرى.

جزء من مهمة ودور الأحزاب السياسية أن تبنى النظام السياسى باعتباره أهم ركائزه على الإطلاق، وأن تبنى التوافق الذى يقود العملية السياسية كلها فى مراحل الانتقال، وأهمها وضع معايير التنافس بشكل يضمن المساواة وتكافؤ الفرص بين كل اللاعبين.

والدستور هو أهم قواعد اللعبة، هو أساس ما قبل التنافس، لكن الأحزاب والتيارات السياسية جعلته جزءا من التنافس ذاته، فانتهى الأمر إلى أن خضعت العملية كلها للاستقطابات الأيديولوجية، والمكايدات السياسية.

فشلت الأحزاب طوال أسابيع منذ عقد الاجتماع المشترك لغرفتى البرلمان لوضع معايير انتخاب أعضاء لجنة الدستور وانتخابهم، فى العبور باللجنة إلى منطقة النفاذ، لأن المسألة كما قلت لك أديرت بمكايدات سياسية ولم تدر بمسئولية وطنية، استخدم الإخوان الأغلبية بفجاجة، واستخدمت الأقلية المخاوف المشروعة من احتكار الدستور باعتباره القانون الأساسى للعبة، وذهبت تلك الأحزاب فى سجالات واتهامات ومحاولات للتوافق لم تنته إلى شىء حتى أدلى المشير بدلوه.

أمس الأول فقط تم حسم مسألة معايير الدستور، وربما توقيت الانتهاء من الدستور نفسه، لكن ذلك ليس نجاحا للأحزاب ولا توافقا منها، لكنها فى النهاية إرادة المشير التى أنفذها على الأحزاب التى التقاها مرتين، فى الأولى تحدث بحدة وقيل إنه طرق الطاولة بقبضته بعنف مهددا الجميع: «اذهبوا وعودوا بتوافق وإلا» وفى الثانية كاد الاجتماع يفشل لولا أنه قالها بوضوح: «لن نغادر ولن نسلم أى شىء لرئيس منتخب دون أن يكون الدستور الذى سيقسم عليه معدا».. قالها المشير بطريقته إنه لا يطمئن لترك البلاد دون توازن يبنيه ويرعاه الدستور، وفى الحالتين كان الرجل يتصرف بحسم ناجز.

لكن الدرس الواضح من ذلك إذا كانت الأحزاب لا تستطيع أن تعمل معا إلا فى حالة وجود خطر مشترك أو تهديد أو ضغط مباشر من «كبير» يملك القوة اللازمة والحسم الكامل لفرض إرادته، فكيف ستفعل عندما يغادر المجلس العسكرى إلى ثكناته، هل ستستمر على هذا الأداء الذى يغلب المصالح الحزبية الضيقة على المصالح الوطنية التى تمثل الجميع، وعندما يحدث الخلاف والانقسام من سيتدخل فى النهاية لفرض إرادته، ربما تقول إن الدستور والقانون سيكونان حاكمين، لكن هل تعتقد أن أحدا يحترم الآن الدستور والقانون، التظاهرات فى كل مكان ضد لجنة رئاسة مشكلة وفق استفتاء شعبى، ومواد تستخدمها هى جزء من الموافقة الشعبية أيضا، ومعايير قانونية مستقرة ورضا بها الجميع أو ألزموا قانونيا ودستوريا بها قبل بدء اللعب.

على الأحزاب أن تستوعب الدرس جيدا وفى مقدمتها الأغلبية الجديدة، وأن تدرك أن إصرارها على النظر تحت قدميها وفقط لن ينتهى بنا إلا إلى فتح مزيد من النوافذ لعودة المغادرين إلى الثكنات فى أى وقت، وبمبررات ستكون وقتها وجيهة ومبررة وفيها دوافع وطنية لإنقاذ البلاد، ليظل بعدها المشير حاليا ومستقبلا هو وحده الذى يملك القدرة على الحسم وإلزام الفرقاء على تحمل المسئولية كفريق واحد. 

الأحد، 29 أبريل 2012

جرى فى المحل


لن تتأجل انتخابات الرئاسة، لكن لن تنتهى المرحلة الانتقالية فى 30 يونية المقبل، كل ما يصدر عن المجلس العسكرى سرا وجهرا وكل ما تخرج به القوى السياسية التى تجتمع به أو تتصل، يحمل تأكيدات أنهم مصرون على إجراء انتخابات الرئاسة فى موعدها دون تأخير لأى سبب، لكن مازال فى أسس المرحلة الانتقالية مهمة كبرى لم تنجز طوال الأشهر السابقة، وليس من المتوقع أن تنتهى قبل انتخاب الرئيس هى الدستور الجديد، لديك أزمة مستعصية اسمها اللجنة التأسيسية، حتى لو فرضت جدلا أنها توافقت فى هذه اللحظات على معايير جديدة لاختيار أعضاء هذه اللجنة التأسيسية، ونسب تمثيل جديدة، فأمامها وقت لهذه الإجراءات لن يسعفها قبل انتخابات الرئاسة، وإن فعلت ستتهم بالتجهيز المسبق للدستور، أو سلقه.

سيأتى الرئيس إذن قبل الدستور، كيف ستتحدد صلاحياته، وكيف ستتم هندسة علاقاته بالحكومة وبالبرلمان وبالمجلس العسكرى، هنا تخرج أصوات تتحدث عن إعلان دستورى جديد يحدد صلاحيات الرئيس، أو إحياء لدستور «71» من جديد مع إضافة المواد التى تم الاستفتاء على تعديلها.

أنت إذن تعود من جديد لنقطة الصفر، لا شىء مؤكد الآن سوى أنك تقف عند 18 مارس 2011، فى اللحظة التى كنت تستعد فيها للذهاب إلى صناديق الاقتراع للاستفتاء على تعديلات دستورية الهدف منها حسب المعلن «قبول دستور 71 أو رفضه»، اختلفت الدوافع وذهب البعض لحماية الدين فى غير خطر، ومنح الشرعية للمجلس العسكرى رغم عدم طرحها، لكن المهم أن من كان يقول نعم كان يقولها وفق قانون الاستفتاء لتعديلات فى دستور 71، بمعنى أنه يوافق على بقاء هذا الدستور مع إضافة هذه التعديلات.

هل دستور 71 قائم وباق إذن ومرتكز فى بقائه على إرادة الجماهير وأصواتهم فى استفتاء مارس؟ ربما.. سبق لممدوح شاهين المسئول القانونى فى المجلس العسكرى أن قال ذلك، وسبق للمستشار طارق البشرى وهو رئيس لجنة التعديلات الدستورية أن قال إن المجلس العسكرى يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية الواردة فى دستور 71 كاملة.

لكن الثورة قامت على نظام مبارك وبالتالى الدستور الذى حكم به، والذين قالوا «لا» فى الاستفتاء كانوا يقصدون قتل دستور مبارك وإنهاء وجوده، فماذا حدث بعد ذلك: أصدر العسكرى إعلانه الدستورى ليرضى الطرفين، وتفجرت معارك الدستور أم الانتخابات، وهنا أريد أن أسألك، ما الذى كان سيكون عليه الوضع لو تشكلت جمعية وضع الدستور من داخل حالة ميدان التحرير، قبل أن تتشكل أغلبية وأقلية، وقبل أن تتسع مساحة الاستقطاب والتنافس والمكايدات السياسية بين الأطراف المختلفة؟

المؤكد الآن أنه جرى استهلاك الوقت بالجرى فى المحل، تردنا الوقائع لما قبل الاستفتاء، لتثبت أن الأساس السياسى والدستورى الذى بنيت عليه المرحلة الانتقالية كان مشوها فأنتج تحولا مشوها لا يريد أن ينتهى، وعندما يصدر العسكرى إعلانه الجديد أو يقرر إحياء دستور قائم بحكم الاستفتاء لكنه سقط بإرادة سياسية، فمعناه أنه يعود بنا للمربع رقم صفر، وقتها ربما نملك رئيسا منتخبا وحكومة وبرلمانا، لكن لن يكون معنا دستور يعبر عن مشروع الثورة، ولن تنتهى المرحلة الانتقالية، حتى لو غادر العسكر إلى الثكنات.   

السبت، 28 أبريل 2012

أين صاحب الدعوة؟


كانت «مليونية» أمس بامتياز هى «مليونية لم يحضر أحد»، أشعل الإخوان الموقف ووجهوا دعوات مكثفة لحماية الثورة وإنقاذها، وفى النهاية لم يحضر صاحب الدعوة أو حضر على استحياء بعشرات الأشخاص أو المئات فى محافظات مختلفة.

لا يمكن أن ترى الجهد الذى تبذله الجماعة وتحاول أن تسوقه وتروجه فى الشارع وتسوق الناس خلفه دون أن تربط صعوده وهبوطه بأجندة الجماعة وصعود وهبوط مصالحها ومدها وجزرها، فى سياق علاقة ملتبسة مع المجلس العسكرى.

يعرف الإخوان قبل غيرهم أن قانون «عزل الفلول» الذى حسموا أمره بأغلبيتهم ونزلوا الشارع للدفاع عنه غير دستورى، لكنهم يكابرون فى الخطأ، المؤكد أن القانون كان ومازال مطلبا ملحا للثورة، لكن البرلمان وفى القلب منه الأغلبية القائدة لم تفكر فى طرحه حين انعقد البرلمان، انشغلت بالدفاع عن كرامة المشير مع زياد العليمى، وبالدفاع عن وزير الداخلية لإثبات إن «مفيش خرطوش اتضرب» وتركت المسألة برمتها رغم أن الفريق شفيق نفسه أعلن ترشحه للرئاسة من قبل الانتخابات البرلمانية.

هو قانون إذن تم «سلقه» خصيصا من أجل عمر سليمان، برلمان يستهدف بتشريعه شخصا واحدا، وقد خرج عمر سليمان، لكن الإخوان مازالوا يدافعون عن القانون، ويهيجون الناس به، ويهاجمون عمرو موسى ويعتبرونه من «الفلول»، لكنهم لا يردون على أحد حين يقول لهم إذا كان موسى فلولا فلماذا قمتم باستئنائه من قانونكم؟ قطعا لأن إدراج الوزراء كان سيطول المشير شخصيا، وفتح المدة الزمنية أكثر من 10 سنوات كان سيطول رئيس الحكومة.

هم إذن يتحركون وفق مواءمات تخصهم، لا يحركهم انتماء خالص للثورة، والدليل أنهم وجهوا الدعوة للناس للنزول إلى الميادين لـ«إنقاذ الثورة» أمس الجمعة، ولأن لديهم موعدا مع المشير اليوم، ولا يليق أن يهتفوا بسقوطه الجمعة ثم يلتقونه طالبين دعمه السبت، فقد ذهب المدعوون إلى الميادين ولم يجدوا الداعى.

الإخوان يشككون اليوم فى لجنة الانتخابات، دون أن يردوا على أسئلة مباشرة، هذه اللجنة أفرزتها التعديلات الدستورية التى قلتم لها نعم، وتحصينها من الطعن هو نص تم التصويت عليه فى «غزوة الصناديق المباركة» لكنهم يهاجمون لجنة نشأت من نصوص شاركوا فى إعدادها ــ اللجنة رأسها طارق البشرى وهو مقرب من التيار الإسلامى ــ وكان فقيههم القانونى صبحى صالح عضوا فيها ــ  والغريب أنهم يقولون إن وجود المستشار عبدالمعز إبراهيم يكفى لتعزيز شبهات التزوير، وكأن عبدالمعز الذى أدار الانتخابات البرلمانية التى جاءت بهم للبرلمان كان فوق الشبهات، وعبدالمعز الذى سيشارك فى إدارة الانتخابات الرئاسية هو الشبهات نفسه.

تشغل الأغلبية البرلمانية الشارع بالمعارك الخطأ، تستخدم كل أدواتها فى قضايا هى تعرف أنها ستنتهى إلى لا شىء، لكنها تستخدم هذا الاستهلاك الدعائى فى التعامل مع المجلس العسكرى، هى تعلم بمصير قانون عزل الفلول لكنها صوتت عليه ودعمته ونزلت الشارع من أجل تفعيله، وفى النهاية لم ينفع القانون الثورة فى شىء، لاحظ كذلك أنها مازالت تلعب بورقة سحب الثقة من الحكومة، دون أن تجد فى النهاية إجراء واحدا يصب فى طريق تحقيق ذلك، وفى كل مرة تحدد الأغلبية مواعيد وتخلفها، وتواجهها الحكومة بتحدى: «لا تقدرون» وهم يعلمون ذلك ويدركون أن الأمر يحتاج «إذن ورضا» العسكرى، لذلك فهم سيبيعون أى شركاء ميدان أو ثورة فى أى لحظة من أجل رضا العسكرى، وتبخرهم من الميدان حتى عصر أمس يكفى لتعرف أن الجماعة التى قالت إنها تحاول إنقاذ الثورة، تجهز نفسها بكثير من الصمت والهدوء لتكون اليوم فى حضرة المشير.  

الخميس، 19 أبريل 2012

اقرءوا.. واتقوا


ينصحنى كثير من المؤيدين للتيار الأصولى السياسى أن أتق الله، لأن المادة 28، لم تكن من المواد المطروحة فى التصويت على التعديلات الدستورية التى حشدوا الناس ليقولوا لها «نعم» باسم الدين، وأنها ضمن الإعلان الدستورى الذى فرضه المجلس العسكرى على الجميع، واضطروا لقبوله حتى لا تحدث فتنة.

والحقيقة أنى بدورى أنصح الجميع «أن يقرأ» ليس صعبا أن تعود عبر محركات البحث إلى نصوص المواد التسعة التى تم استفتاء الشعب عليها، صحيح ليس فيها مادة اسمها 28 لأنها 9 مواد فقط، لكن بعد صياغة الإعلان الدستورى وإعادة ترتيب مواده حلت المادة «76» التى صوتم عليها بنعم فى الترتيب رقم 28 فى الاستفتاء.

ليس مهما إذا الأرقام، لكن المهم أنك ذهبت لصناديق الاستفتاء وقلت نعم لمادة تنص على: «يشترط فيمن ينتخب رئيسا للجمهورية أن يكون مصريا من أبوين مصريين وأن يكون متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية وألا يكون قد حمل أو أى من والديه جنسية دولة أخرى وألا يكون متزوجا من غير مصرية وألا تقل سنه عن أربعين سنة ميلادية».

كما قلت نعم أيضا على مادة تقول: «تشكل اللجنة الرئاسية من رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا وعضوية كل من رئيس محكمة استئناف القاهرة وأقدم نواب رئيس المحكمة الدستورية العليا وأقدم نواب رئيس محكمة النقض وأقدم نواب رئيس مجلس الدولة وتكون قرارات اللجنة نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأى طريق وأمام أية جهة كما لا يجوز التعرض لقراراتها بوقف التنفيذ أو الإلغاء».

لا أدرى لماذا الإصرار على التلاعب بالألفاظ لتشتيت الناس والزعم أن الإعلان الدستورى غير الاستفتاء والمواد الملغمة لم تكن فى التعديلات الدستورية، هل تعتقد أن الناس بلا ذاكرة، أو أنه من الصعب الوصول إلى المواد التى صوتت عليها؟

تلك إذن نصوص واضحة، أنت من وافقت على حرمان من تجنس والداه أو أحدهما بجنسية أجنبية من الترشح للرئاسة وليست لجنة الانتخابات ولا رئيسها فاروق سلطان، وهذه اللجنة تنفذ إرادتك وإرادة الأغلبية التى طالما زهوت بها وجلدت الآخرين وكفرتهم، أنت أيضا من أنتخبت فاروق سلطان ومن معه من قضاة فى أماكنهم، أنت قلت «نعم» لتولى هؤلاء بحكم وظائفهم مواقعهم فى اللجنة، هؤلاء إذن قضاة منتخبون بإرادة شعبية حرة عبر صناديق استفتاء نزيهة، وتشكيك فيهم الآن يعنى أنك انتهازى لا تحترم شيئا إلا إذا كان فى مصلحتك، وإذا جافى هذه المصالح تشكك وتخون، أنت أيضا من وافقت على أن تكون قرارات هذه اللجنة نافذة وغير قابلة للطعن وقلت نعم لذلك، فلماذا تهدد وتتوعد الآن لأن هذا الحبل التف على رقبتك.

لا تصدق إذن من يحاول أن يدخلك فى جدل بيزنطى عن الإعلان الدستورى والفارق بينه وبين التعديلات، كل المواد التى حزمت العملية السياسية وأممتها واحتكرتها سواء جنسية المرشحين وأهلهم أو تحصين قرارات اللجنة واختيار أعضائها هى مواد مستفتى عليها، والذين قالوا لها «نعم» حشدوا الناس لينصروا شرع الله بتأييدها، واليوم تنفذ لجنة الانتخابات وظيفتها التى حددتها لها الأغلبية، فتجد من يطالب بمكافحة اللجنة أيضا انتصارا لشرع الله، بالأمس كان التصويت بنعم من أجل الدين.. واليوم صار رفض ذلك من أجل الدين أيضا.. وغدا ستجد تناقضا ثالثا باسم الدين كذلك.. كم من الجرائم ترتكب باسم شرع الله حين يقوم عليه قوم لا يقرأون ولا يتقون..!

الأربعاء، 18 أبريل 2012

الشيخ الأفوكاتو


هل خاض الشيخ حازم أبوإسماعيل معركة جنسية والدته بمنطق وقناعات الشيخ الداعية، أم بثقافة ومهارات المحامى؟

هذا سؤال جوهرى، ربما تعتقد أن المسافة بين الاثنين الشيخ والمحامى ليست بعيدة، فكلاهما وفق الصورة النمطية عن «الوظيفتين» المفترض أن هدفهما دعم الحق والحقيقة والدفاع عنهما، لكن الواقع يثبت لك أن الحق بالنسبة للمحامى «المهنى» هو مصالح موكله وانتصار موكله، لذلك هناك صنف من المحامين يركز على الإجراءات دون المضمون، ويسعد إذا ما حصل لموكله على براءة بسبب خطأ فى الإجراءات حتى لو كان عمليا ونظريا مدانا بتلبس.

ربما يضبط ضابط شرطة متهما متلبسا بالإتجار فى المخدرات، يضبط البائع والمشترى والبضاعة، ثم تنتهى القضية إلى لا شىء بسبب عدم حصول الضابط على إذن من النيابة، أو أن يشمل محضر الضبط تحريز 15كيلو، فيما تجد النيابة أن ما أمامها 16 كيلو.

قطعا الفوارق والأمثلة شاسعة، لكنه المنطق نفسه، هل القضية لدى الشيخ حازم هى حصول والدته على الجنسية الأمريكية فعلا، أم وجود أخطاء إدارية فى منحها الجنسية، هل معركته هى خوض الانتحابات من باب استغلال ثغرات القانون، أم إثبات أنه لا يكذب ولم يكذب ونفى أن تكون والدته أمريكية مطلقا؟

هل يلعب الشيخ حازم لعبة «الأفوكاتو» الذى يتحرك فى ثغرات القانون، أم يؤدى دور الشيخ الداعية الذى يبحث عن الحق والحقيقة ويضرب مثلا فى الصدق والأمانة؟

المؤكد أنك تعرف الآن أن الشيخ فضل أن يكون «أفوكاتو» لديه هدف وحيد هو خوض انتخابات الرئاسة، ولا يكترث إن فعل ذلك مستندا لخطأ فى الإجراءات أو ثغرة إدارية فى منظومة منح الجنسية، لكنه غير مكترث إطلاقا بكل ما تقدم حول حصول والدته على الجنسية بدءا من جواز سفرها ووثائق وأوراق الجانب الأمريكى، وصورتها وعنوانها ورقم قيدها الانتخابى.

قال المستشار طارق البشرى وهو فقيه قانونى محسوب على التيار الأصولى، إن أمريكا وحدها هى التى تفصل فى جنسية والدة الرجل، لكن أبوإسماعيل يرفض الأوراق الأمريكية ويبحث عن جنسية والده فى سجلات وزارة الداخلية المصرية، وبهذا المعنى يحق لهشام طلعت مصطفى ومحسن السكرى أن يطلبا البراءة فى قضيتهما، لأن كل أوراق الثبوت ضدهما واردة من شرطة دبى، والجهات الأمنية المصرية لا تملك دليلا واحدا على إدانتهما، يمكن إذن أن يقول محاميهم لا نعترف بأوراق دبى، هذه مؤامرة إماراتية.

دخل الشيخ حازم سباق الرئاسة المحتمل بعد صدور قانون الرئاسة وبعد أن صوت وأنصاره بنعم على التعديلات الدستورية، هو إذن وافق على قواعد اللعبة وقبل بالعهد، لكنه الآن ينقض هذا العهد ويخون أمانته، ناهيك عن شبهات الكذب، ومازال يبحث عن ثغرة قانونية لن تنفى عن أمه الجنسية الأمريكية، لكنه كما قلت لك يتصرف مثل «الأفوكاتو» الذى يريد أن يربح القضية بأى شكل وأن ينصر موكله ظالما أو مظلوما.. لكن المثير أن أنصاره وقفوا أمام اللجنة العليا يهتفون «نفديك يا إسلام» وكأن الشيخ الأفوكاتو هو الإسلام، والحق أننى أصدق حماستهم للإسلام، وأدعوهم إلى أن ينصروه بإلزام شيخهم بالحقيقة: إما البراءة كاملة أو الاعتذار.. لكن براءة ثغرات القانون وأخطاء الإجراءات فهى كالإدانة النافذة أو أشد!

الثلاثاء، 17 أبريل 2012

(سلطان) الإرادة الشعبية


تبدأ العملية السياسية فى مصر من الاستفتاء وتنتهى عنده، هو النقطة التى تحددت من خلالها خريطة الطريق فى مارس من العام الماضى.. نحن إذن من الاستفتاء وإلى الاستفتاء نعود.

وهذا الاستفتاء جاء معبراً عن الإرادة الشعبية، هكذا قالت الصناديق، وهكذا انتصر الذين قالوا «نعم» انتصارهم العظيم فى غزوتهم الكبرى على الذين قالوا «لا»، بعد صولات وجولات من التكفير والتخوين.

تستطيع أن تستخدم محركات البحث للعودة إلى هذه المرحلة لتقترب من خطابات الأطراف المختلفة إن كنت لا تذكرها، وكيف تقدست الإرادة الشعبية، وتمت مواجهة كل رأى جرىء وكل اقتراح وجيه وكل تحذير من خطايا ما تؤسس له هذه التعديلات الدستورية، بسلطان الإرادة الشعبية التى منحت «الشرعية» للمجلس العسكرى والتيارات الأصولية حسب زعمهم.

فى مارس من العام الماضى وحتى وقت قريب من هذا العام مارست الأغلبية الأصولية السياسة بمنطق «قوت يوم بيوم» فسال لعابها لتعديلات دستورية منحتها زهو الانتصار فى الجولة الأولى دون أن تفهم أنها تلغم البلد وتعيد لنظام مبارك احتكار السيطرة على أقوات باقى الأيام.

واليوم تمارس هذه الأغلبية اعتراضات هائلة على الخريطة التى ساهمت فى رسمها وبنائها، والدفاع عنها بتطويع النصوص الدينية، هذه الأغلبية هى التى حشدت الناس للتصويت بـ«نعم» على هذه التعديلات، فأصبحت المادة «28» وكل ما يتعلق بحصانة لجنة انتخابات الرئاسة وعدم قبول الطعن على قراراتها، جزء من هذه الإرادة الشعبية، هذه الأغلبية هى التى قالت نعم على تعديل شروط الجنسية فى مرشحى الرئاسة، وعلى ما يخص حرمان من لا يتمتع بحقوقه السياسية من الترشح، وصارت أيضاً جزءاً من الإرادة الشعبية، حتى المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، يمثل الإرادة الشعبية بامتياز، ويكاد يكون منتخباً بإرادة الجماهير العريضة وفى مقدمتها التيارات الأصولية، هو الآن تكال له الاتهامات بالتزوير وعدم الاستقلال، ويشن عليه الأصوليون هجوماً كاسحاً، خاصة بعد استبعاد الشاطر وأبوإسماعيل.

عد إلى التعديلات الدستورية من فضلك واقرأ نص مادة الانتخابات الرئاسية، ومنها: «تتولى لجنة قضائية عليا تسمى «لجنة الانتخابات الرئاسية» الإشراف على انتخابات رئيس الجمهورية.. وتُشكل اللجنة من رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسًا، وعضوية كل من رئيس محكمة استئناف القاهرة وأقدم نواب رئيس المحكمة الدستورية العليا وأقدم نواب رئيس محكمة النقض وأقدم نواب رئيس مجلس الدولة.. وتكون قرارات اللجنة نهائية ونافذة بذاتها، غير قابلة للطعن عليها بأى طريق وأمام أية جهة».

حسب هذا النص فاللجنة برئيسها وأعضائها اختيار الناس الذين قالوا «نعم»، وكان معروفاً سلفاً أن سلطان هو رئيس اللجنة فى أول انتخابات رئاسية، هو إذا يملك الإرادة الشعبية هو يمارس مهمته استناداً لاستفتاء شعبى وليس تعيين حكومى، والهجوم عليه يمكن اعتباره الآن انقلاباً على الإرادة الشعبية من جانب من كفروا الآخرين بسببها.

ستقول إن من داخل الأصوليين من اعترف بالخطأ. لكن هذا بكاء على اللبن المسكوب، واعتراف بالخطأ بعد فوات آوان تصحيحه.. عزيزى الأصولى: عندما تهاجم فاروق سلطان اعلم أنك أنت الذى اخترته وحصنت لجنته واخترتت له النصوص التى يطبقها عليك الآن، أتؤمنون ببعض الإرادة الشعبية حين توافق مصالحكم، وتكفرون ببعض حين تقعون فى الحفر التى حفرتموها لغيركم وللوطن كله..!

الاثنين، 16 أبريل 2012

لا خوذة ولا عمامة


ما هى أوجه التشابه بين عمر سليمان وخيرت الشاطر وحازم أبو إسماعيل، غير أن الثلاثة طبعا صدر قرار باستبعادهم من سباق الرئاسة؟

قد تصادر من البداية وتقول كيف تقارن بين عمر سليمان بكل ما ينسب له من اتهامات، وبين رجل قضى سنوات كثيرة من عمره فى سجون مبارك كالشاطر، وثالث لا نعرف له تاريخ نضالى معتبر قبل الثورة، وللحق أيضا لا نعرف عنه ما يشين سياسيا أو أخلاقيا قبل الثورة أيضا.

لكن وجه المقارنة هنا بين دولة رأسها عمر سليمان وأخرى رأسها خيرت الشاطر وثالثة رأسها حازم أبوإسماعيل، دولة الجنرال ودولة رجل الأعمال المتشيخ، ودولة الشيخ الداعية.

من قلب جهاز مبارك الأمنى وعالمه السرى خرج عمر سليمان، لا تستطيع أن تنفى عنه أنه كان رجل مبارك بامتياز، حتى فى الأيام القليلة التى قضاها إلى جواره فى الحكم كنائب للرئيس أثبت أن ولاءه له أعمق من أى شىء آخر عكس رفاقه فى القوات المسلحة الذين تركوا الباب مواربا دائما للقفز فى سفينة الثورة قبل أن تبدأ الإبحار، لا يمكن أن تدعى للحظة أن دولة الجنرال ستختلف عن دولة مبارك، ربما كانت أسوأ، فالرجل الذى لا يؤمن بالديمقراطية، ويحترف الحلول الأمنية، ويدمن العمل السرى بغموضه المكثف وأخلاقياته المنهارة.

ومن قلب العمل السرى أيضا خرج خيرت الشاطر.. هو رجل التنظيم والتخابر والمال داخل جماعته، هو رجل أعمال إذن يملك قرار تنظيم يتحرك ككتلة واحدة، يملك البيعة التى تجعل أمره نافذا، والموازنة التى تجعل ما يريد ممولا، وثقافة العمل السرى ذاتها بذات غموضها وأخلاقياتها غير المعلنة، إيمانه بالديمقراطية محل شك كبير، وقناعته بالآخر متباينة، ليس وجها إخوانيا متورطا فى حوارات مع باقى القوى السياسية ومكونات المجتمع، أول تحرك انتخابى فعله زار كبار السلفيين، وتحدث عن هيئة لأهل الحل والعقد، بمعنى أنه يسعى لامتلاك «السلطة والمال والفتوى» فى آن واحد على مستوى الوطن كما يمتلكها نظريا داخل التنظيم.

لكن من أى إطار سياسى جاء حازم أبوإسماعيل، من داخل «تيار القنوات الدينية»، كان للرجل تجربة وحيدة فى انتخابات مجلس الشعب انتهت بإسقاطه فانسحب فى هدوء، لم يهدد ولم يتوعد ولم يحرك أنصاره فى اتجاه لجان الفرز، وغاب لسنوات بدا فيها ليس أكثر من داعية نموذجى للإسلام الشكلى، الذى يعتبر أن الوقوف دقيقة حدادا ليست من الإسلام، واحترام السلام الجمهورى أيضا، لا يملك أبوإسماعيل بعيدا عن خطابه الدينى أى مزايا أخرى، لا خبرات إدارية ومالية وسياسية كالشاطر، ولا ثقافة الدولة كسليمان، وهو شكل من الفراغ السياسى يجعل الاستنجاد بالنص الدينى هو الحل دائما، وربما ينتهى إلى الرفض العملى لتحديد مدد الرئاسة بحجة أن الإسلام لا يوجد فيه ولى أمر سابق، والبيعة لا تنقضى إلا بالموت.

مسارات الثلاثة إذن «الشاطر وسليمان وحازم» لا تنتهى إلا عند محطة الديكتاتور، تستطيع أن تقول إن كلا منهم صاحب الصوت الأكثر تطرفا فى معسكره، تتغير خطاباتهم وتتغير مسارات تحركاتهم لكن النتيجة واحدة وتصب فى خانة الاستبداد.

هؤلاء ثلاثة غادروا السباق بالقانون.. والمريح أن أحدا لا يستطيع أن يزايد على اللجنة ويتهمها بمحاباة هذا المعسكر لحساب ذلك، لكن الأرجح أنها إرادة قدرية أرادت لمصر أن تبقى على وسطيتها، وأن تتخلص من فراعينها الجدد المتحصنين بالخوذة والمتسترين بالعمامة.  

الأحد، 15 أبريل 2012

الإخوان والثورة


هل يكفى أن يخرج الإخوان فى مليونية، ويهتفون بسقوط حكم العسكر، لنقول إنهم عادوا للثورة والثوار؟ قطعا إنك تعرف أن جزءا من حل الأزمة دائما يتمثل فى العودة إلى حالة ميدان التحرير، وقت أن كان كل مرابط فى الميدان لا يسأل شريكه عن انتمائه السياسى أو عقيدته الدينية، وكان هناك هدف واحد ومشترك يتمثل فى إسقاط النظام، وحلم واحد ومشترك أيضا يتمثل فى بناء نظام مدنى جديد يرتكز على العدل والمساواة والحرية.

لكن ماذا جرى فى النهر طوال الأشهر الماضية؟ لا تحدثنى عن «طرف ثالث» يعمل أو حتى سلطة تريد أن تركز هيمنتها، لأن أى نظام قديم من المنطقى أن يقاوم الموت وأن يبذل ما يستطيع من شر للبقاء على قيد الحياة، لكن القوى الثورية وفى القلب منها الإخوان انقسمت بعد أيام قليلة من التنحى، وتكرس انقسامها عقب استفتاء مارس، ليس لأنها اختلفت فى وجهات النظر، ولكن لأن أحد أعمدتها الرئيسية بدل الهدف والحلم، وحاول أن يعزف منفردا فى اتجاه هدفه هو وحلمه هو، وهى مسألة شخصية بحتة حتى لو ادعى البعض بتماهى مصالحه كتنظيم مع مصالح الوطن.

غادر الإخوان قطار الثورة، الوقائع على ذلك كثيرة، وبدت سياساتهم متقاربة ومتطابقة مع سياسات المجلس العسكرى، لك أن تعرف أن ذلك هو زمن اليوتيوب والإنترنت، ولكل سياسى «رقيب وعتيد» إلكترونيان يسجلان ما يقول، فيظهر التضارب والتناقض وتبدل المواقف جليا، حتى وصل الأمر فى بعض المراحل إلى تطابق نظرة الإخوان للثوار والميدان مع نظرة المجلس العسكرى وتطابقا فى اتهامات الفوضى وإسقاط الدولة والعمالة والتخوين، وفى تظاهرات كتلك التى تمت فى ذكرى عام من الثورة كان الإخوان أقرب إلى ميدان العباسية عنه إلى ميدان التحرير، بمعنى أنهم أقرب إلى أنصار المجلس العسكرى وبقايا نظام مبارك.

ما الذى تبدل إذن؟.. الشجعان داخل التيار الأصولى يقولون بوضوح: أخطأنا، منذ التصويت على التعديلات الدستورية بنعم، وحتى الخروج من صف الثورة والهجوم على الثوار وترديد شعارات النظام السابق وبقاياه عن الثوار، لكن مازال البعض يكابر فى الاعتراف بالخطأ، ومازال البعض يتشكك فى انقلاب الإخوان على العسكر بعد شهر عسل، هل نزل الإخوان لحماية الثورة التى يتحملون وبكل وضوح المسئولية الأكبر فى إجهاضها، أم نزلوا لحماية أنفسهم ومشروعهم، هل كانت مليونية الجمعة مليونية «حماية الثورة» أم مليونية «ماشافهومش وهما بيسرقوا شافوهم وهما بيتحاسبوا»، ما الذى يضمن ألا يكون تحرك الجماعة هذه المرة «تكتيكيا» فى إطار المصلحة، وسرعان ما يتغير فور التفاهم مع المجلس العسكرى من جديد، والحجة دائما لديهم جاهزة «المعطيات تغيرت».

تتغير المعطيات كثيرا عند الجماعة، لكن الأيام تثبت دائما أن من لم تتغير معطياتهم واستمروا على مبادئهم هم الذين يربحون كل يوم على الأقل أخلاقيا، فيما يواصل الذين ألقوا بالمعايير الأخلاقية عرض الحائط حصد المكاسب السياسية.

لكن رغم كل ذلك فمطلوب منا أن نتكتل ضد عودة النظام القديم بأى شكل، وأن نترك الباب مفتوحا للجماعة، لكن هل تدخل قبل أن تقدم نقدا ذاتيا لتجربتها، وتعترف بأخطائها وانتهازيتها ونفعيتها وإجهاضها للحراك الثورى، إذا أرادت الجماعة العودة للثورة فلترفع لعودتها راية معلنة وواضحة: «من أفسد شيئا عليه إصلاحه.. ونحن نحاول إصلاح ما أفسدنا».

الخميس، 12 أبريل 2012

قانون حفظ ماء الوجه


يحاول البرلمان أن يحفظ الكثير من ماء وجهه بعد عدة أشهر من انتخابه دون أن يحقق لمشروع الثورة أى إنجاز، لكنه وهو يفعل ذلك يعلم تماما أنه يدغدغ مشاعر الناس لا أكثر.. الصديق عصام سلطان طرح مشروع قانونه لحرمان شخص بعينه من دخول سباق الرئاسة، وهو محامٍ وقانونى قدير ويعرف تماما الشبهات الدستورية التى تحيط بمبدأ القانون، خاصة بعد التعديلات التى أدخلت عليه بعد مناقشات حامية فى اللجنة التشريعية ومن بعدها الجلسة العامة، وحتى كتابة هذه السطور كانت الجلسة الاستثنائية مستمرة لتمريره، وسواء فعلت أم لم تفعل فلن يثمن ذلك أو يغنى من جوع.

لا يملك عصام سلطان عصا الأغلبية حتى يحركها، وقانون كذلك كان لابد أن يصدر فى مرحلة مبكرة، بمجرد تشكيل البرلمان، عرف نواب الأغلبية الآن أن شبح النظام القديم أولى بالمطاردة من «زلات لسان زياد العليمى» ومن الهجوم على البرادعى واتهامه بالعمالة، ومن قوانين الحرابة ومنع الإنجليزية، ومن مظاهر الأذان ورفض الوقوف للسلام للجمهورى أو الحداد على كبير الأقباط.

قانون كذلك كان من أولويات الثورة، وحين كانت الثورة لا تملك برلمانا كانت تناشد المجلس العسكرى إصداره، وحين رفض المجلس تكفل الشعب بالعزل، ووجد موقف المجلس العسكرى من يدافع عنه من بين مكونات الأغلبية الحالية، وحين امتلكت الثورة «نظريا» برلمانا، لم يلبى طموحاتها إلا عندما هاجمهم «العو» كما يحب أنصار سليمان أن يطلقوا عليه، وحين صار هناك تنافس حقيقى الأغلبية جزء منه.

يقولون فى الأمثال.. أن تأتى متأخرا أفضل من ألا تأتى على الإطلاق.. لكن فى السياسة، خاصة إذا ما كانت مرتبطة بحالة ثورية لا يصح أن تأتى متأخرا أبدا، لأن تأخرك لن يعنى سوى أن ما تقوم به من جهد سيذهب أدراج الرياح، لأن قانون يصدر من أجل شخص واحد المؤكد أنه «غير دستورى»، كما أن صدوره بعد فتح باب الترشح، وربما التصديق النهائى عليه من قبل المجلس العسكرى بعد غلق باب الطعون يعنى انتفاء أثره، لأن المؤكد أن القوانين لا تطبق حين صدورها بأثر رجعى، ناهيك عن التمييز الصارخ فى القانون الذى يسمح لـ«الفلول» أن يكونوا وزراء ومحافظين ورؤساء هيئات فيما لا يسمح لهم بالترشح للرئاسة، كما أن أية شروط فى القانون الأغلب أنها تنطبق على كل جنرالات المجلس العسكرى وكبار رجال القضاء.

هذا إذن قانون تفصيل، المسألة لا تحتاج لحديث لأن صاحبه «عصام سلطان» قال ذلك بوضوح، وحماس النواب له يتعلق بعمر سليمان فقط، فلو كان الجميع تحت القبة مقتنع بالمبدأ من الأصل ربما استفزهم بشكل مبكر ترشح شفيق، لكننى لا يعنينى إذا كان تفصيل أم لا، ما يعنينى أنه قد يكون بلا أثر يستهلك وقتك وطاقتك ومجهودك، وينتهى الأمر إلى لا شىء، وتضيع عليك فرص العمل السياسى الحقيقى لعزل «الفلول» عبر خطاب موجه لجمهور الناخبين، لكن كيف ينجح هذا الخطاب فى وجود ممارسات حقيقية أبعدت الأغلبية البرلمانية عن باقى قوى الثورة، وخوفت قطاعات كبيرة منهم، وهو خوف حقيقى وليس صناعة إعلامية ويعترف به الكثير من العقلاء داخل الإخوان.. كل الفرص تأتى وتذهب عند الأغلبية.. والأغلبية ستحفظ ماء وجهها بتمرير القانون، دون أن تلتفت لواجبها السياسى فى إصلاح ما أفسدته فى مسيرة الثورة.

الأربعاء، 11 أبريل 2012

درس (شادر السمك)


جزء من أزمة التيار الأصولى وفى القلب منه الإخوان، أنهم ليسوا فقط غير مستوعبين لدروس التاريخ، ويكررون ذات الأخطاء، حتى تكثفت قناعة لدى قطاع كبير من المصريين أن ترشح عمر سليمان للرئاسة، إنقاذ للبلاد ومدنيتها من هيمنة واحتكار الإخوان، ومن مشروعات «الشاطر» لاستعارة نموذج «الولى الفقيه» فى شكل هيئة لـ«الحل والعقد»، أو على الأقل اعتبار ترشح الجنرال، نوعا من «ضرب الظالمين بالظالمين» ولا يبقى إلا الابتهال لله ليخرجنا من بينهم سالمين.

لا أستطيع أن أسهب معك فى أسباب اعتبار البعض الإخوان «ظالمين» بموازاة ظلم نظام مبارك وبقاياه، فالظلم وجهات نظر، هو ليس فقط سجونا وتعذيبا وقهرا، لكن اغتيال الأحلام فى الحرية والمساواة، وقتل الثورة وإجهاضها هو شكل من أشكال الظلم دون شك.

لكن الإخوان لا يقرأون التاريخ، إلا ذلك الذى يكتبونه بأنفسهم ليخرجهم ملائكة لا يخطئون وضحايا دائما لا يتآمرون على الشعوب، ورسل غير طامعين فى سلطة رغم أنهم يحترقون كل مرة على أبواب السلطة، وأيضا لا يشاهدون السينما، أغلبهم مازال يرى السينما «حرام»، ولديه موقف ملتبس من الفن عموما، لكن الإخوان لو يشاهدون السينما ربما أرشح لهم فيلم «شادر السمك» للعبقرى أحمد زكى.

إذا كنت لم تشاهد الفيلم اسمح لى أن أحكى لك قصته: «جاء أحمد زكى من أعماق ريف مصر الأصيل، محملا بكل معاناة المصريين من فقر وظلم وأمل فى النجاة والتغيير والعدل، بدأ يعمل فى شادر السمك، ولأنه صاحب أخلاق أو صاحب أمل فى الارتفاع والنمو و«الحكم» لم يحدد الفيلم المبرر النفسى لذلك يقرر مساندة الأرملة الفقيرة «جمالات» على أباطرة السوق أمثال «عتريس»، و«صفوان»، و«سليم»، الذين يمنعونها من مشاركتهم خير السوق.

كانت «جمالات» مخطوفة كالوطن، محرومة ويتخاطف أحلامها ومستقبلها عدة أفراد يتحكمون فى السوق، يعرض عليها أحمد زكى نفسه، يتعهد لها بالحماية والعدل والرعاية «بما لا يخالف شرع الله» يتزوجها ويصير «ولى أمرها»، الإيجاب والقبول حسم كل شىء، يناصره المقهورون فى سوق السمك، ينضمون له وكأنهم «ائتلاف ثورة» داخل سوق السمك لمواجهة المحتكرين ورجال النظام القديم، لكن بمجرد أن يبدأ بريق السلطة والنفوذ فى اللمعان أمام عينى أحمد زكى، تنتابه الأنانية والانتهازية، يعمل بمفرده فى الشادر بأموال «جمالات»، حتى يزداد نفوذه مع الأيام، ويصبح من كبار معلمى السوق ويزداد طغيانه، يفرض سياسة الاحتكار على زوجته وكبار السوق، يتنكر لمبادئه ويطلق جمالات، ويخرج عن «إجماع» المقهورين فى السوق، ويتزوج ابنة أحد كبار رجال الأعمال، يصبح أقرب للنظام القديم فى السوق عن النظام الجديد الذى أجهضه بنفسه حين حاد عن تأسيس سوق عادلة، ورضى أن يكون شكلا جديدا لنفس السياسات والممارسات.

فى تلك اللحظة التى ظن فيها أنه الملك الأوحد، فقد الشارع «فقراء السوق ومقهوريه» ورفاق الكفاح والثورة «جمالات»، وحين صارت المواجهة حتمية بينه وبين أركان النظام المستبد، رفع أهل السوق شعار: «اللهم اهلك الظالمين بالظالمين».. وأغلق كل منهم عليه دكانه، فيما كان الرصاص يخترق جسد «الثائر القديم الذى باع أخلاق الثورة من أجل السلطة» دون أن يحزن عليه أحد.. دون أن يحزن عليه أحد.

الاثنين، 9 أبريل 2012

جماعة الاستبن


لا يمكن أن تقرأ كل هذا الارتباك باعتباره ظاهرة فى حد ذاته، صدر لك القائمون على العملية السياسية إحساسا بأنهم مرتبكون وفاشلون وقليلو الكفاءة، لكن ثبت أن الواقع غير ذلك، كذلك لا تتهم جماعة الإخوان بنقص الكفاءة، كونها قدمت مرشحا للرئاسة عليه شبهات قانونية قد تمنعه عن خوض السباق لذلك تقدمت بمرشح «استبن»، لا تقل كيف لجماعة تفكر فى حكم مصر ألا تستطيع حسم موقف صاحب خزانتها ورئيس مخابراتها وأمين تنظيمها.

قلت لك بالأمس إن ترشح خيرت الشاطر، فتح الباب لترشح عمر سليمان، تستطيع أن تقول إنه لولا ترشح الشاطر، لصار ترشح سليمان شبه مستحيل، أو على الأقل يفتقر لكثير من زخمه ومنطقه.

رشحت الجماعة الشاطر وهى تعلم أنه لن يستمر، الجماعة لا تستطيع أن تقول لأبنائها انتخبوا أبوالفتوح، كما أنها لا تستطيع أن تقول لهم انتخبوا عمر سليمان أو عمرو موسى، لذلك كان لابد من مرشح، هذا المرشح هو محمد مرسى، الهدف منه ليس النجاح بقدر ما هو تحييد أصوات الإخوان وتوجيهها توجيها مريحا نحو أحد أبنائها، لكن فى الخلف الجماعة تفتح الطريق لعمر سليمان، ليس بتأييد مباشر، بقدر ما هو منحه القدرة على لعب دور المنقذ.

الجماعة أذكى من أن تتورط فى منافسة حقيقية على موقع الرئاسة، تعرف تماما ما سيثيره هذا الاستحواذ من هلع فى الداخل والخارج، وكانت حريصة تماما على ذلك، حتى إنها حرصت على اختيار ممثل لها «غير ملتحٍ» ليكون واجهة مجلس الشعب، لكنها فعلت ذلك فى خطاب تصعيدى كبير، وقدمت قائدا من قلب تنظيمها وهى تعلم أنه قد يواجه عوائق قانونية.

الجماعة إذن ستشارك فى سباق الرئاسة ولكن لتخسر، ولأنها تعتقد أنه لا يليق أن يخسر الشاطر، لكن مرسى غير الشاطر، وخسارته ليست جارحة سياسيا، لكن لماذا تريد الجماعة أن تخسر؟ لتضيف على الرئيس الذى سيأتى شرعية كاملة.

الجماعة إذا عملت على تفتيت قوى الثورة وشق صفها فى البداية والتغريد منفردة أو بالتوافق مع العسكر، ثم على تخويف المجتمع منها بقصد أن تتجمع أصوات «الأغلبية الصامتة» ومؤيدى المجلس العسكرى، وملايين البسطاء الذين ينشدون استقرارا لا علاقة له بالأسماء والأيديولوجيا على مرشح من قلب النظام القديم، إلى جانب الخائفين على مدنية الدولة داخل قطاعات الأقباط والطبقة المتوسطة العليا، ولا يعنيهم كثيرا حديث الانحياز للثورة.

هل هذا إذن اتفاق جديد؟.. الحقيقة أن عمره أكثر من عام عقدته الجماعة مع عمر سليمان شخصيا قبل التنحى، ثم تفاهمت حوله مع المجلس العسكرى بعد التنحى، وها هى تعمل عليه بالشكل الذى تعتقد أنه لا يجرحها أمام أبنائها ولا أمام الشارع، لكنها باتت الآن أمام حقيقة دامغة يتحدث بها رموز إخوانية قبل غيرهم : «الجماعة آخر من ركب قطار الثورة وأول من غادرها.. وسيثبت التاريخ أنها أيضا التى دقت أول مسمار فى نعشها».. «الاستبن» ليس موقفا طارئا فى سياسة الجماعة، لكنها ثقافة حقيقية حولتها فى النهاية إلى استبن «لبقايا نظام مبارك» يقوم بمهمته المؤقتة حتى يعود «العجل» الأصلى للدوران بعد إتمام إصلاحه.  

الأحد، 8 أبريل 2012

وجهان لعملة واحدة


من داخل العالم السرى للسياسة خرج الاثنان، عمر سليمان وخيرت الشاطر، كلاهما من أبناء التنظيمات السرية بشكل أو بآخر، ظلت جماعة الإخوان تنظيما سريا كبيرا سواء بإرادتها أو بغير ذلك، وحتى بعد فك الحظر بدماء شهداء الثورة مازالت تتعاطى مع السياسة بأدبيات وآليات التنظيمات السرية، لكن ذلك لا يعيبها كجماعة، لكن يؤكد عيبا فى خيرت الشاطر كفرد، فهو ليس وجها إخوانيا معروفا خارج التنظيم يمكن أن تثق فى فهمه وقبوله للآخر ككثير من وجوه الجماعة السابقين والحاليين، هو رجل مخابرات فى جماعته، وقائد كيان غامض داخلها، يملك العقيدة «البيعة» والتمويل «الميزانية»، وتدعمه القطاعات الأكثر تطرفا داخلها.

فى الوقت نفسه يخرج عمر سليمان من قلب «نظام مبارك»، هو ليس رجل دولة بذلك المعنى السياسى، لكنه كالشاطر، عاش عمره فى مؤسسة يقوم عملها على السرية، تنظيم سرى كبير لكنه حكومى، وارتبط فى أذهان المصريين، بعيدا عن عصر مبارك طبعا بمواقف وطنية، لكنه أيضا أكثر العناصر تطرفا داخل نظام مبارك.

جاء الشاطر بسليمان، تلك معادلة واضحة، نقضت الجماعة وعدها الذى قدمته للدولة حين كان سليمان ممثلها، وحين صار المشير قائدها، فانقلبت المعادلة وعاد الجنرال الصامت إلا قليلا، عاد صندوق مبارك الأسود، دفعت الجماعة بأكثر الوجوه تعبيرا عن تيارها القطبى، ودفع نظام مبارك بالوجه الرمزى لقسوته واستبداده.

اثنان من صناع الاستبداد يتنافسان، كلاهما يسعى لإنتاج ذات النظام بذات الآليات وأنماط الانحياز الاقتصادى والاجتماعى، الجنرال يحاول العودة لنظام مبارك كما هو، بينما رجل الأعمال المتشيخ يحاول إعادة إنتاج النظام ذاته بروح مبارك ذاتها وبانحيازات مبارك ذاتها، وحتى بتعهدات مبارك وحسابات الدولية، لكن فى مظهر مختلف يرتدى عباءة الدين.

تطرح الجماعة مرشحا من قلب عالمها السرى لا نعرف نبرة صوته، ولم نره يوما يجلس مع طلاب جامعة أو يسير فى الشارع أو يتحاور مع آخر، كل علاقاته بالسياسة داخل تنظيمه، ويطرح نظام مبارك مرشحا أيضا من داخل جهازه الأمنى، لا يؤمن بالديمقراطية بالأساس، أو يراها ديكورا كسيده المخلوع، لكن الأخير يعرف كثيرا عن الأول، وتفاهم من قبل مع رجاله على إجهاض الثورة فى مرحلة مبكرة، اسألوا الإخوان عن تفاهمات الكتاتنى ومرسى مع سليمان، الجنرال أيضا هو أول من تعهد بإخراج رجل الأعمال المتشيخ من محبسه، بدأت الصفقة إذن مع سليمان، وانتهت فى اللحظة التى منح فيها الإخوان لسليمان بطاقة الترشح المنطقية التى تعفيه من الحرج، بل والأدهى تضعه أمام كثير من البسطاء وكأنه زعيم المعارضة الذى جاء لينقذ البلاد من استحواذ الإخوان واحتكاراتهم.

فتح الشاطر لعمر سليمان باب العودة للحياة، وكأنه يفتح اتفاق التقاسم القديم الذى كاد يتم قبل ساعات من موقعة الجمل، وفتح العسكر «بعفوهم» للشاطر باب العودة إلى السياسة بعفو متزامن مع إعلان الترشح، لكن الجنرال المترشح كما يمسك صندوق مبارك الأسود، يمسك صندوق الجماعة، خاصة وقت أن كان الثوار فى الميدان، والإخوان فى مكتبه.

هل هذا إذن صراع حقيقى أم ادعاء، يضعك أمام خيارين قد يبدوان لك متنافرين، لكن الحقيقة أنهما يصبان عند ذات الهدف، وينتجان ذات النظام، خاصة بعد أن ثبت أن الجماعة هى أقدر اللاعبين على التعامل مع نظام مبارك والتكيف معه والاندماج فيه، وكذلك نظام مبارك لا يجد وسط شارع ملتهب من يقدم المصالح على الأخلاق غير الإخوان ليعود عبرهم من جديد.

السبت، 7 أبريل 2012

المحلة


27 عاما قضاها «أبوهند» بين جدران شركة غزل المحلة تطبع خلالها بطباع ماكيناتها، التى لا تهدأ، وتعمل فى جد ودأب وانتظام دون أن تعرف إلا لغة الإنتاج، حتى لو كانت حصيلة هذا الإنتاج لا تعود إليه إلا بالفتات.

لم يتخلف يوما عن مكانه فى المصنع، الذى ترك آثاره على قسمات وجهه وعلى صوت سعاله وحشرجة صدره عند استنشاق الهواء المحمل بالأتربة والوبريات ورائحة القطن، ظل طوال هذه السنوات كالساعة السويسرية، يصحو فجر كل يوم ليستقل قطارا يقله يوميا فى السادسة صباحا من قريته الصغيرة فى السنطة حتى المحلة حيث تقبع (من كانت) قلعة النسيج الكبرى. فى البدء كانت المحلة، وفى البدء كان عمال المحلة هم شرارة الثورة، أو من أوقد شعلتها، ودفع ثمنها، ومهد لها الأرض، لا تصدق المثقفين والسياسيين، تجار الدين منهم والعلمانيين، فالثورة قامت من رحم معاناة البشر، لذلك تصدرتها مطالب العيش والعدالة الاجتماعية، التى مازال يبحث عنها العمال فى المحلة وفى كل مكان.  يعمل «أبوهند» ٨ ساعات يوميا، يضيف إليها ساعتين للسفر ذهابا وعودة، ويعود منهكا يتصبب عرقا وألما، فلا تكفيه بقية ساعات اليوم لممارسة أى عمل إضافى، وتكفى بالكاد لراحته ونومه استعدادا ليوم جديد من الشقاء والجهد.

يكفى أن تلقى نظرة على قسيمة أجره، لتعرف لماذا شارك فى الإضراب ومن بعده الثورة.. ساعة الإنتاج فى قسيمة المرتب الشهرى «لأبوهند» قيمتها ٦٧ قرشا أى أن ٨ ساعات تساوى خمسة جنيهات و٣٦ قرشا ــ لا تتعجب من الأرقام فشركة غزل المحلة مازالت كل أوراقها الرسمية تعترف بالمليم كوحدة مالية مستقلة ــ قيمة راتبه الأساسى ١٦٧ جنيها و٥٠ مليما، وأجره الإضافى ١٠٣ جنيهات و٢٥٦ مليما، وبدل طبيعة العمل ١٥ جنيها و٦١٦ مليما، وإعانة الغلاء خمسة جنيهات، وبدل الغداء ــ فى الشهر طبعا ــ ١٦ جنيها و٢٥٠ مليما، وحافز الإنتاج ١١ جنيها و٦٩٣ مليما، والعلاوة الخاصة ٤ جنيهات و٩٨٤ مليما، أى أن جملة ما يستحقه ٣٩٩ جنيها و٦٥٦ مليما.

تذكر معى أن «أبوهند» يعمل فى الشركة منذ 27 عاما، وحسب قسيمة الراتب فإن هذا المبلغ لا يتقاضاه كاملا حيث يستقطع منه ٩٢ جنيها و٩٥٦ مليما ما بين أقساط تأمينات اجتماعية وتكافل وصندوق زمالة وادخار إلى آخره، ليبقى ما يتقاضاه بالفعل ويعمر به جيبه مطلع كل شهر ٣٠٦ جنيهات وسبعين قرشا بالتمام والكمال، وفى عين العدو أيضا.

الرجل رب أسرة، ولديه زوجة و ٣ أبناء والعمر الذى قضاه فى المصنع أثمر أيضا عن ربو حاد ومتاعب فى الكبد.. وعندما يحاول زيادة دخله يضحى بإجازته الأسبوعية ويذهب إلى العمل، حيث يحتسب له اليوم بخمسة جنيهات و٥٢٠ مليما، وتتضاعف فى الأعياد.

كان «أبوهند» فى قلب المحلة مع غيره يمهدون للثورة قبل 4 سنوات، وكان مع غيره فى ميدان «الشون» بالمدينة يشاركون فى الثورة عند اندلاعها، لكنه بعد عام وأكثر من قيامها، مازال يهتف ذات الهتاف بحسرة: «هما بياكلوا كباب وفراخ.. وإحنا الجوع دوخنا وداخ».  

الخميس، 5 أبريل 2012

واحد مننا.. وواحد منهم


عندما ترفع حملة المرشح الرئاسى حمدين صباحى شعار: «واحد مننا» هل تراها تكذب أو تذهب معك وراء الأمنيات، بتجميل الواقع فى إطار تسويق دعائى؟

الحقيقة أن هذا هو الصدق بعينه، فالرجل بالفعل «واحد مننا»، هو قريب منك بحكم كل شىء، هو جزء من حراك المجتمع، وهو واجهة مشروع ليس وليد لحظة، وترشيحه ليس قرارا طارئا.

فى يناير من عام 2009، كنت مع حمدين فى استديو 90 دقيقة بقناة المحور، كان نائبا فى البرلمان، وكانت حادثة نجع حمادى البشعة هى محور الحديث، وفى طريق عودتنا سويا كنت أسأله عن الرئاسة، وكان يرد بيقين مذهل أنه سيخوض الانتخابات المقبلة، قبل أن تبدو الثورة فى الأفق، قبل ذلك بسنوات كان يتحدث بوضوح: «طموحى يتجاوز رئاسة حزب إلى رئاسة الجمهورية»، كان ذلك فى وقت الاستفتاءات.

عندما تبحث فى ذاكرتك عن حمدين لا تكتفى فقط بسماعه فى مواجهة شهيرة مع السادات وقت كان طالبا، لكن يكفى أن ترى صورته فى منتصف التسعينيات حليق الرأس أمام زنزانته بعد وقوفه فى صف الفلاحين الذين انتزعت الدولة أراضيهم.

بالأمس حدثتك عن فوارق حقيقية بين مشروع عبد المنعم أبو الفتوح ومشروع خيرت الشاطر، اليوم أقول لك إن حمدين من ذات المدرسة الأولى، هو ابن الشارع بامتياز فيما يبقى خيرت الشاطر ابن التنظيم، لدى حمدين سيرة ذاتية كل مفرداتها مرتبطة بالشارع وبالناس سواء كانوا من أبناء تياره أو من خارجه، لكن كل سيرة الشاطر الذاتية مرتبطة بالتنظيم وبأبناء التنظيم، تعرض حمدين للسجن من أجل فلاحين ليسوا أعضاء فى حزبه وليسوا مؤمنين بالضرورة بأفكاره، لكن خيرت كان رجل التنظيم وحين دخل السجن كانت قضيته التنظيم وكان دفاعه عن التنظيم.

قرار ترشح حمدين للرئاسة هو قرار ثابت وواضح وغير متلون، لم يخضع للتوافقات، ولم يبنى خطواته على تغير المعطيات، بدأ الإعلان عنه حين كانت الاستفتاءات بوابة المرور للرئاسة، واستمر فى السير خلفه بطموح، واجه المادة 76 بالتوكيلات الشعبية، وكان أول من أطلق حملة رئاسية فى مصر قبل الثورة وقبل أن يسقط الطاغوت، فيما كان الشاطر مهندسا لصفقات توافق مع النظام، راجع اعترافات مهدى عاكف عن برلمان 2005، تستطيع أن تجد فى أرشيف حمدين آلاف المواقف التى يتضامن فيها مع ضحايا مبارك إسلاميين ويساريين وغيرهم، لكنك لا تجد للشاطر كلمة واحدة يدين فيها اعتقال ناشط يسارى رغم أن محامى اليسار ومنظمات حقوق الإنسان التى يتزعمها رموز من اليسار، وصحفيون محسوبون عن اليسار كانوا أكثر المدافعين عنه فى محنة سجنة.

مرة أخرى خيرت ابن التنظيم، حياته مرتبطة به ولم يخرج منه حتى قرار إعلان ترشحه، والتنظيم كان سابقا لخيرت، بمعنى أن أحدا غيره لو كان فى هذا المكان فى ذلك التوقيت لخلعت عليه من إعلام الإخوان ذات الأوصاف التى تمنح لخيرت حتى تقترب به من النبوة، لكن حمدين ابن الشارع، واسمه وسمعته مرتبط بانحيازه للشارع، أحدهما دخل السجن من أجل التنظيم والثانى من أجل الفلاحين، لذلك لابد أن تصدق من يقول إن صباحى «واحد مننا» لأن هذه حقيقة لا تحتاج جدلا، أما من يرفعون شعار «مهندس النهضة» فهذا حتى اللحظة مجرد شعار لا أكثر، لكن المؤكد أن خيرت «واحد منهم» نسبة إلى التنظيم الذى اختاره، دونا عن كل رموز الإخوان المتواصلين مع الشارع، ربما لأنه يمسك فى يديه البيعة والمال، وهما مرة أخرى لا ينتجان إلا ديكتاتورا.. أو هكذا أعتقد.

الأربعاء، 4 أبريل 2012

إعادة إنتاج الديكتاتور


عندما تشاهد المرشح الرئاسى عبدالمنعم أبوالفتوح فى حديقة الأزهر وسط نخبة مصرية متنوعة ومتباينة فى اتجاهاتها وقناعاتها وأديانها ومظهرها، وتشاهد المرشح الرئاسى خيرت الشاطر وسط أعضاء مجلس شورى جماعة الإخوان أو بين أعضاء مكتب الإرشاد، أو بين بعض رموز السلفيين، ربما تدرك فارقا جوهريا بين الرجلين اللذين خرجا من ذات الرحم.

أيضا عندما تبحث فى أرشيف الرجلين، ستجد من النوادر القليلة جدا أن تجد للشاطر صورة مع «الآخر» سواء كان هذا الآخر سياسيا من أطياف وتيارات سياسية أخرى، أو دينيا، أو حتى ثقافيا، فيما كان أبوالفتوح طوال تاريخه منذ غادر مرحلة المواجهات الحماسية الطلابية فى الجامعات، جسرا متواصلا مع الجميع حتى لو بحكم ممارسة العمل التطوعى والسياسى المرهون بتوافق تيارات مختلفة.

خيرت الشاطر إذن هو ابن التنظيم ورجله، لكن أبو الفتوح هو ابن المشروع، والفارق بين التنظيم والمشروع كبير، لأن الأول جهاز مؤسسى احتكارى وديكتاتورى بطبعه، وبفعل تكوينه فى مرحلة الحظر والسرية، لكن المشروع فكرة عابرة للتنظيمات والأيديولوجيات تهتم بالمقاصد قبل أن تهتم بغيره.

هذا مجرد تحليل فلا تبحث فى هذه السطور عن انحياز لأحد أو حسم لكاتب هذه السطور لاختياراته الشخصية، فالشاطر مشروع رئيس لتنظيم، لكن أبو الفتوح مشروع رئيس لوطن، والفارق أن الثانى جرى اختباره داخل المجتمع العام بمكوناته، فيما عاش الأول عمره كله ممثلا لجناح أكثر هيمنة داخل تنظيم محكم، لا يكترث كثيرا بالآخر، يبحث عنه كتابع وليس شريكا فيما تحركه ثقافة أنه الأرشد والأصدق، ومن سواه إما مغرضون أو قليلو الفهم.

بين مرشحى الرئاسة من يحمل «جينات» الديكتاتور، وبينهم من يحمل «جينات» الرئيس الذى من الممكن مقاومة ديكتاتوريته إن ظهرت، ومدرسة التنظيم داخل جماعة الإخوان المسلمين لا يمكن أن تنتج إلا ديكتاتورا بامتياز، وهى ديكتاتورية تمسك فى يديها بالعهد «البيعة على السمع والطاعة»، والتمويل «حسابات التنظيم واستثماراته» لذلك تنعكس هذه الثقافة على أداء الأغلبية فى تعاملها مع المجتمع وشركائها السياسيين، كما يظهر من التباين فى الخطاب بين «غزلان» على سبيل المثال، ومحمد البلتاجى، فأبناء التنظيم صداميون لا يقبلون الاختلاف ويهاجمونه، أما أبناء المشروع فأكثر قدرة على الانفتاح والتواصل.

أعود بك إلى مشهد حديقة الأزهر، فالمؤكد أن أبو الفتوح تخفف من عبء التنظيم والتصنيف، لذا تبدو حركته أكثر مرونة وحيوية وأكثر قدرة على التعبير عن قطاع كبير من مكونات المجتمع، وهو تعبير ينطلق من مساحة أقرب لـ«يسار الوسط المحافظ» ليصل إلى كل الخريطة السياسية والاجتماعية والدينية حتى لو بنسب استقطاب متفاوتة، بمعنى أنه فكرة تروج نفسها، وهذا الشكل من الأفكار غير متوافر لدى مرشحين آخرين باستثناء حمدين صباحى وخالد على، أما الآخرون فهم مجرد أشخاص ذوى شهرة قرروا خوض المنافسة وتم بناء برنامج أو مشروع عليهم وليس العكس، أو تنظيم دفع بأحد أبنائه ليكون مرشحها يخص التنظيم ولا يخص أحدا خارجه، وهو شكل من أشكال إعادة إنتاج الاستبداد، لكنه هذه المرة استبداد بملامح خيرت الشاطر، وبديكتاتورية التنظيم، وبذات أنماط التفكير المنحازة إلى رأس المال ورجال الأعمال.

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

انهيار المرحلة الانتقالية


لا تستطيع أن تلوم جماعة الإخوان المسلمين أنها قدمت مرشحا رئاسيا، إذا حسبت المسألة بالحقوق والقانون والدستور، ربما تجد لديك لوما أخلاقيا توجهه لهذه الجماعة التى تطرح نفسها فى إطار «قيمى» خاصة وأنت تجدها تتراجع عن خطوات سبق وطرحتها كمبادئ وأهداف قيمية عليا.

وبمنطق القانون والدستور أيضا لن تستطيع أن تلوم أحد جنرالات العسكر إذا ما سار خلف طموحه وقرر خوض انتخابات الرئاسة، هو أيضا مواطن مصرى له حقوق دستورية، ويمكن أن يستند فى التراجع عن الوعد المبادئى والأخلاقى الذى قطعه كل جنرالات المجلس العسكرى على أنفسهم، بتراجع الإخوان، فكما تغيرت المعطيات السياسية لدى الإخوان يمكن أن تتغير المعطيات السياسية لدى العسكر، وكما يغرق الإخوان فى أنفسهم وفقط ويخرجون للرأى العام بادعاء أنهم الأرشد فى هذا المجتمع والأقدر على التعبير عن مصالحه، لدى العسكر أدبياتهم تكاد تمنحهم التوكيل الحصرى للوطنية، وكما يتراجع الإخوان عن مبادئهم تحت ستار حماية الثورة، يستطيع العسكر التراجع تحت ستار حماية الوطن، وطالما نعيش فى زمن التراجعات والطنطنة الخطابية ما أكثر الشعارات التى يمكن صوغها، وكما استقال الشاطر وقال الإخوان إنه لن يكون له أى علاقة تنظيمية بالجماعة وحزبها بعد الترشح فى «خدعة» جديدة تذكرك بقولهم عن تأسيس حزبهم أنه لن يكون هناك ارتباط بينه وبين الجماعة، يستطيع أى جنرال فى الجيش أن يستقيل ويدعى أنه لم تعد له علاقات بالمؤسسة العسكرية وصار مواطنا مدنيا بامتياز ومن حقه خوض الانتخابات.

هذا ليس تحفيزا للجيش على قلب الطاولة لأن الطاولة انقلبت بالفعل، لكنه عودة إلى مرتكزين أساسيين قامت عليهما المرحلة الانتقالية منذ التفاهمات التى سبقت التنحى وحتى تلك التى أعقبت مغادرة مبارك حتى الانتخابات البرلمانية، وهما مرتكزان مسجلان وموثقان تماما، أولهما أن الجيش ليس طامعا فى السلطة وليس بديلا عن الشرعية، والثانى أن جماعة الإخوان المسلمين لن تقدم مرشحا رئاسيا وستشارك دون مغالبة فى كل ما دون ذلك، من يتصور غير ذلك فهو واهم، هذان مرتكزان أصيلان ومتساويان تماما فى الأثر السياسى، وعليهما تم بناء الإطار الأخلاقى للمرحلة الانتقالية لضمان عدم وقوع البلاد مجددا تحت سيطرة استبداد تنظيمى احتكارى جديد سواء لصالح مؤسسة عسكرية أو جماعة دينية تعبر عن شبكة مصالح جديدة تريد وراثة تلك القديمة، دافعة لصدارة المشهد برجل أعمال من النوع الثقيل الذى تتعدد إستثماراته ومصالحه.

انهار إذن أحد مرتكزات المرحلة الانتقالية، وما جرى من ترشيح للشاطر ومحاولة احتكار الدستور كان إعلانا لهذا الانهيار، وبقى المرتكز الثانى عند الجيش يقاوم الانهيار حتى هذه اللحظة، لكن مصالحه أيضا وقلقه وكثير من نوازع الوطنية والإيمان بالدولة المصرية مازالوا يراودونه عن نفسه.

ستقول لى إن سعى الإخوان للاحتكار مدعوم بالصندوق، وسأقول لك ومن قال إن الجنرالات عاجزون عن اللجوء للصندوق النزيه والفوز بالموقع الرفيع، ألا تتذكر تهديد الاستفتاء، وتعتقد أن قطاعات كبيرة من الشعب لديها انحياز فطرى للجيش وأى مرشح «عسكرى» ولديهم قناعة بأن هذه الفوضى سببها السياسيون و«تدليع العسكر لهم»، وأن حلها الوحيد فى «دكر» يخرج من رحم هذه المؤسسة.

إذا كنا لا ننازع الشاطر كمواطن حقه السياسى.. فلن نستطيع أن ننازع أى جنرال حقه السياسى كمواطن أيضا، وإذا كنت ترى فى ذلك إجهاضا للثورة، فاعلم أن الجماعة تتحمل النصيب الأكبر من هذه الجريمة، وتعود بالتاريخ 60 عاما للوراء.  

الاثنين، 2 أبريل 2012

بيان الجنرال الأخير


أيها الشعب المصرى الكريم، على مدى تاريخ مصر المشرف كانت القوات المسلحة ظهرا وسندا لشعبها، لم تكن يوما قوات قائد أو نظام، لكنها كانت قوات الشعب وجزء منه، تشعر بآلامه وتتبنى طموحاته، وعندما خرج شباب مصر البار فى ثورة غضبهم ضد سياسات النظام السابق، كان انحياز القوات المسلحة واضحا وثابتا لصالح مالكها الأصلى والوحيد الشعب المصرى.

ما كان يمكن لهذا الإنجاز أن يتحقق دون تلاحم الشعب مع قواته المسلحة واتفاقهم على الهدف، وتعرفون يا أبناء مصر الكرام، أن قواتكم المسلحة لم تكن يوما طامعة فى سلطة أو راغبة فيها، وأن تلك السلطة التى يتصارعون حولها كانت تأتيها كل مرة سهلة، لكن البواسل من أبناء جيشكم العظيم كانوا يجنحون نحو الشرعية ويدعمونها.

ومن اليوم الأول قلنا إننا لسنا بديلا عن الشرعية، وأننا سنمضى فى طريقنا نحو تسليم قيادة البلاد إلى سلطة مدنية منتخبة، بعد اكتمال المؤسسات ووضع الدستور الجديد الذى يعبر عن كل المصريين ويحقق آمالهم فى المستقبل.

لكننا وسط هذه التحديات التى تصدينا لها بأمانة وصدق وإخلاص، فوجئنا بمعوقات كثيرة تقف أمام عزمنا الصادق لإنجاز هذه المهمة، أولها التناحر الحزبى بين مكونات الطيف السياسى المصرى، وتغليب الجميع مصالحهم الحزبية الضيقة على مصالح الوطن، إلى جانب حملات الهجوم العنيفة التى تعرضت لها القوات المسلحة من الأطراف المختلفة حتى تلك التى كان واضحا استفادتها المباشرة من كل الإجراءات والسياسات التى تم انتهاجها، وكان عجبا أن تتهم القوات المسلحة بأنها طامعة فى السلطة وأنها ستزور انتخابات الرئاسة فيما هم يتباهون بنزاهة الانتخابات البرلمانية التى جاءت بهم وأدارتها نفس القوات المسلحة التى يوجهون لها اتهاماتهم الآن.

لكن المقلق اليوم أنه منذ بداية المرحلة الانتقالية قطعت كثير من الأطراف ومن بينها القوات المسلحة على نفسها تعهدات كثيرة، لكننا فوجئنا بكثير من الأطراف يتراجع عن تعهداته المعلنة تحت زعم تبدل المعطيات السياسية، ويتجه بالوطن نحو أزمة سياسية وتقسيم طائفى حاد بفعل نزوعه للاحتكار حتى فى وضع الدستور.

ولأن المعطيات السياسية تغيرت فعلا، وثبت للشعب المصرى أن تلك القوى السياسية التى تتناحر الآن أقل نضجا من أن تحمل أمانة مصر، وتحت ضغط جماهيرى من قطاعات واسعة من أبناء الشعب المصرى، فقد اتخذت قرارا بوصفى مواطنا مصريا له حقوق دستورية كاملة يتساوى فيها مع الجميع بالترشح لرئاسة الجمهورية، وبناء عليه فقد أخطرت المجلس الأعلى للقوات المسلحة باستقالتى من كافة مهامى العسكرية لأكون مرشحا مستقلا مدعوما فقط من مؤيديه كأى مواطن مصرى، وبينما أؤكد أننى كنت صادقا حين قلت إننى لا أنوى الترشح، مازالت صادقا وأنا أقول إننى اتخذت هذا القرار مرغما لإنقاذ مصر وثورتها ومستقبلها.. فلست طامعا فى سلطة لكنها اللحظة التاريخية التى تفرض على الرجال حمل مسئولياتهم.

● سطور من خطاب مفترض فى زمن نقض العهود.. من منكم يستطيع لوم الجنرال؟

الأحد، 1 أبريل 2012

دستور (نادين لبكى)


كانت الضيعة غارقة فى الاستقطاب «الإسلامى المسيحى»، وبدت الجراح وكأنها مازالت تنزف، الفارق بين شواهد القبور المحفور عليها الصليب ودعوات تعزية السماء، وتلك التى تتزين بالقول الكريم «إنا لله وإنا إليه راجعون»، لا تزيد عن سنتيمترات قليلة، النساء يتشحن بالسواد وكل منهن تبكى من واراهم الثرى.

من تلك اللحظة ومن قلب الإيمان المسيحى بالرقاد على رجاء القيامة، والإيمان الإسلامى بذات الرجاء فى رحمة الله وحقيقة العودة إليه، صاغت «نادين لبكى» المادة الأولى فى دستور ضيعتها، إذا كان مصيرنا واحدًا وينتهى فى باطن هذه الأرض، يصبح أول ما يجمعنا هو «وحدة المصير».. إذن فالمادة الأولى: «مواطنو هذه الضيعة يتشاركون فى وحدة المصير»، وإذا كنا نتشارك فى حقيقة الموت فلنقاوم من يرفض منا أن نتشارك واقع الحياة ومشوارها.

لكن كيف نتشارك فى حماية الحياة وبيننا من يريد أن يعيش وحده، وإذا ما اعترف بحق غيره فى الحياة أراد له أن يعيش تابعا أو تاليا وليس شريكا، كانت تلك معضلة تواجه الضيعة المقسومة بين مسلمين ومسيحيين، وبين رجال ونساء.. تشارك الرجال من الجانبين فى إطلاق الشعارات الوردية لكنها كانت تسقط أمام أول أزمة عابرة، قد ترتكبها «معزة ضالة» تكسر تمثالا لـ«العدرا» أو تلوث سجاد المسجد، وعندما تشتعل توافه الأزمات تخرج من الصدور المنافقة الكراهية المخفية .. كل طرف كان يطلق معسول الكلام فى العلن وتحركه الكراهية فى الخفاء التى تصل إلى أن كل طرف كان يخزن الأسلحة استعدادا لمعركة مع الطرف الآخر.

لكن النساء على عكس الرجال كان هناك حزن يجمعهن لا يردن تكراره، عرفن بعد قدر غير معلوم من الدماء والحزن أن المصير واحد وأن هذه الحياة لابد أن يوضع لها دستور جديد يجمع ولا يفرق يبنى ولا يهدم، لا يميز بين الناس بأديانهم، وهو دستور يستحق النضال من أجله، حتى لو اضطرت أم إلى أن تخفى نبأ موت نجلها الشاب الذى قتله «مسلمون» خارج الضيعة حتى لا تحرك الكراهية أهله للانتقام الأعمى من المسلمين داخل الضيعة، وحتى لو اضطر النساء للتآمر على رجالهن للوصول إلى مخازن السلاح وتفريغها حتى لا يجدوه عند أى مواجهة، وحتى لو بذلوا كل جهد لحجب محطات التلفزيون التى تذيع أنباء الفتنة الطائفية الطاحنة فى لبنان، و«قصقصة» أخبار الفتنة من الصحف القليلة التى تصل للضيعة، حتى لو أصلحت إمرأة مسلمة تمثال «العدرا» ونظفت امرأة مسيحية سجادة المسجد، وتآمر شيخ الجامع وقس الكنيسة مع النساء على الرجال لنزع فتائل الفتن بمنطق «الضرورات التى تبيح المحظورات»، وادعت كل امرأة أنها بدلت دينها، لتقول لزوجها إن الآخر الذى تكرهه أو تحاول أن تقصيه إنسان مثلك من «لحم ودم».

أمام المقابر وقف الرجال يسألون نساءهم:

«وهلا لوين»؟ ولم يكن السؤال يحتاج إلى جواب فى ضيعة بنت دستورها على «وحدة المصير والعيش الواحد».. اسمعوا نادين لبكى وهى تغنى: «يمكن لو فى بينى وبينك حلم كنا غفينا.. يمكن لو فى بينى وبينك سلم كنا نسينا.. يمكن فى طريق جديد بينى وبينك نحنا مش شايفينا»، وابحثوا عن الحلم والسلم والطريق الجديد، وإذا عجزتم فاطلبوا دعم نادين.