| دعك من التكهنات بمصير هشام طلعت مصطفى وشريكه محسن السكرى، وهل سيؤيد المفتى قرار إعدامهما، أم لا، وهل ستقضى محكمة النقض بذات الحكم أم ستعيد المحاكمة إلى دائرة أخرى.. فى جميع الأحوال، تلك أمور مازال أمامها وقت، فلا تعتقد أن حكم الإعدام سيتم تنفيذه بمجرد النطق به صراحة فى جلسة ٢٥ يونيو المقبل. دعك أيضاً من الحديث حول التضحية بـ«هشام»، ورفع حماية النظام عنه، وضغوط دبى التى أوقعت به، وغير ذلك من التحليلات والتكهنات التى تنسى قيمة القضاء المصرى، وتسىء إليه بسوء نية أو دون قصد، فالمؤكد الآن أن هشام هو الذى أوقع بنفسه، وهو الذى انتهك حصانته ووضع قدميه على أول سلم الهبوط، ثم انطلق مهرولاً إلى أسفل، بعد رحلة طويلة صعد خلالها بعائلته وشركاته وشركائه إلى نقطة أسطورية. المؤكد كذلك، أن حكم النقض فى حالة عدم تأييده لحكم الجنايات، فإن ذلك لن يعنى على الإطلاق براءته من المشاركة فى الجريمة، فـ«النقض» هى محكمة الأحكام، تحاكم الحكم وسلامته من النواحى الإجرائية والشكلية، ولا تقترب من الموضوع ولا تستمع للشهود، أى أن براءة «الإجراءات» لا تعنى عدم الإدانة، على الأقل أمام محكمة الرأى العام. النتيجة الوحيدة التى تستطيع أن تتعامل معها بيقين كامل فى هذه القضية حتى الآن.. هى صحة الإدانة، أما العقوبة فتبقى مرهونة لإجراءات قضائية ونصوص قانونية، و«شٌغْل» محامين ــ الأرجح أنه لن يحقق الكثير. اترك هشام إذن لمصيره، وليدفع ثمن أخطائه كما يجب وكما يستحق، لكنه فى النهاية خطأ هشام وحده، والمفترض أن يدفع الثمن وحده.. وتلك يجب أن تبقى قضية شخصية لهشام وعائلته، رغم كل ما تمثله من شهوة للإعلام ولمتلقيه. النقطة الغائبة عن مسار المتابعات والتحليلات، هى مصير هذه المجموعة الاقتصادية الضخمة، التى كان يقودها هشام طلعت ونجح ــ بدعم من الدولة أو بدون ــ فى تحويلها إلى كيان اقتصادى قوى وقائد ومؤثر.. سواء على صعيد حالة النمو العام أو مسألة التشغيل، والتى يجب ألا تنهار، لأن فى انهيارها خسارة كبيرة ليس لهشام كشخص أو حتى لعائلته وشركائه، لكنها خسارة مجتمعية بشكل عام. أظنك قادر على استيعاب ذلك.. وربما تابعت ــ مع الفارق الهائل ــ الدعم الذى يقدمه المجتمع الأمريكى ودافعو الضرائب لإنقاذ صناعة السيارات وشركاتها العملاقة، لم يقل أحد هناك إن أموالنا ستذهب لإنقاذ بضعة أشخاص فى «فورد» أو «كرايسلر» من الإفلاس، ولم يقل أحد بتشف: «اتركوها تغرق».. هناك يدركون أن نجاح الأفراد يصب فى النهاية فى نجاح وقوة المجتمع.. يتحاسبون بشكل قاسٍ، لكنهم يتفقون فى النهاية على حالة من الحماية والاحتضان لعناصر قوتهم الإجمالية. هذا هو المفهوم الذى لم يصلنا حتى الآن.. نحن نفكر فقط فى أن شركة مثل «موبينيل» مملوكة لساويرس، «إيه يعنى يبيعها أو يحجزوا عليها أو ياخدوها الفرنساويين».. تختزل لدينا المسائل فى شخص ساويرس، الرجل الذى يستفز البعض ثراؤه ، ويَغيِر البعض من نجاحه، ويرفضه البعض تحت تأثير طائفى.. لا أحد يفكر فى المفردات التى يمثلها ساويرس، والتى تجعلنا كمجتمع شركاء معه، سواء فى حملة الأسهم أو التشغيل أو الضرائب أو السيولة النقدية التى يجمعها من جيوب المصريين كفواتير ويعيد ضخها لتستمر دورة التشغيل. أنت وآخرون تنطلق من قضية هشام طلعت، لتتمنى انهيار الشركة وإفلاسها، وتنسى أن هذه الشركة جزء مهم فى عجلة تدور بانسجام.. تخيل فقط كم عاملاً ومهندساً وموظفاً يعملون فى مشروعاتها بشكل دائم أو مؤقت! وكم ألف طن من مواد البناء تستهلكه يومياً، فتتحرك به خطوط إنتاج فى مصانع هذه المواد!.. وخطوط الإنتاج تلك تعنى وظائف مباشرة، وتعاقدات مع ورش صغيرة! ليس مطلوباً منك وحدك أن تستوعب ذلك دون رجال الأعمال.. فالدرس الوحيد الذى يمكن أن يخرج به مجتمع يسعى للنهوض والحركة المستمرة، أن المؤسسات الاقتصادية الخاصة لابد أن تكون مؤمنة ضد «الشخصنة»، ويجب ألا تبقى مرتبطة بشخص مهما يكن.. تصعد مع صعوده، وتهوى مع أى سقوط شخصى له.. فتكون وقتها الخسارة على الجميع، والأمر نفسه بحاجه أيضاً إلى دولة لديها قوانين تنظيمية واضحة ومحترمة، ولديها إرادة لفرض احترام هذا القانون على هذا المجتمع «المنفلت» دون امتيازات أو استثناءات أو إعفاءات وعطايا مجانية، ولعل درس هشام واضحاً الآن أمام أعين الجميع. ليصعد هشام إلى منصة الإعدام ــ لو أقرت محكمة النقض ذلك ــ فهذا جزاؤه العادل .. ولتبق المجموعة الاقتصادية التى تحمل اسم والده قائمة وقوية وحيوية ومنضبطة، فهذا حقنا العادل أيضاً.. وليعتبر أولو الألباب. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 25 مايو 2009
حتى لا تكون الخسارة للجميع
الاثنين، 18 مايو 2009
زمن «حمو النيل»
| كان المرض غريبًا فى بدايته، حتى إن طبيب الوحدة الصحية عجز عن تشخيصه، واكتفى بحقن الصغير بمضاد حيوى، وأوصى بأن يستحم ثلاث مرات يوميًا بمياه باردة دون صابون، رغم أن الشتاء لم يكن أنهى انسحابه بعد، وكان يناوش بصقيع بين حين وآخر، خاصة مع انتصاف الليل حين يبدأ الطفل فى التأوّه بعنف وهستيرية، وهو يهرش فى كل جسده، وتكاد أظافره تحفر مجارى للدم فى لحمه. كانت الأم تعتقد أن ابنها - والعياذ بالله - أصيب بـ«الجرب» حتى إن جاراتها كن يعايرنها فى السوق، وينادين عليها بـ«أم الجربان».. لكن طبيب الوحدة أقسم بالطلاق أن حالة الطفل بعيدة كل البعد عن «الجرب»، وعن «الحزام النارى»، وعن «التينيا والإكزيما والصدفية»، وغيرها من الأمراض الجلدية المعروفة. كانت الحبيبات الحمراء الدقيقة التى تكسو وجهه تبدو مألوفة فى البدء، ومن ذلك النوع الطبيعى الذى يداعب الأطفال عادة بين وقت وآخر، ويعالج بـ«بودرة تلك» أو دهان موضعى مرطب، لكن ما حدث أن تلك الحبيبات سرعان ما انتفخت ثم انفجرت، ثم افترشت على الجلد فكسته «حُمرة» مثل رماد «فرن بلدى»، وأظهرت الطفل كأنه محروق لتوه على «كانون فحم»، ناره أهدأ من نار «الشيشة». كانت الآلام المبرحة التى يعلن عنها الطفل بصراخه تدمى قلب أبيه المسكين، خاصة حين تتهمه أمه بأنه هو الذى نقل العدوى لطفلهما، وتؤكد له جازمة أن طبيعة عمله كسائق سيارة أجرة بين المحافظات، وحرصه على اصطحاب الطفل معه فى الإجازات المدرسية، كانا سببًا فى ذلك، حيث التقط العدوى من أحد الركاب، ومنذ ذلك الحين وهى تغسل له السيارة بـ«الفنيك» عقب كل رحلة. لجأ الرجل إلى كتاب عن طب الأعشاب، كان قد صادره من راكب لم يكن يملك «الأجرة».. وقرأ فيه أن علاج «الحكة الجلدية العنيفة» طحن قشر رمان ناشف، ثم عجنه بالزيت ودهن الجسم به.. لكن كل ذلك لم ينجح، وعندما ذهب إلى المستشفى المركزى بالمحافظة احتجزوا الطفل، ونعته طبيب المستشفى بكل مرادفات الجهل بسبب قشر الرمان، ثم قال له إن المرض الذى يعانى منه طفله - الذى لم يتجاوز الثامنة من عمره - مجرد «حالة نفسية»، نقله ذلك إلى ما سبق أن قالته حماته من أن حفيدها «معمول له عمل بالهرش»، من «سلفة» ابنتها التى تغار منها، لأن ابنتها أنجبت الولد، بينما ظلت خلفتها - رغم كل المحاولات المتكررة - بنات. وبينما كان الأب يدور خلف «المشايخ» بحثًا عن «فكة للعمل»، كانت أنباء مرض الطفل تصل إلى مسامع ناظر المدرسة الابتدائية، الذى يصدر قرارًا بمنع الطفل من دخول المدرسة، خشية انتشار العدوى بين التلاميذ، يحاول الأب أن يقنع الناظر بأنه ينام فى حضن طفله كل يوم، وأمه وأخواته البنات يحطن به، ولم يصب أى منهم بمكروه، ولم تنتقل إليهم العدوى، لكن الناظر قرر منع الطفل من باب الاحتياط، مما أخرج الرجل عن شعوره فاعتدى على الناظر بالضرب، وتم تسليمه للنيابة، ووصل أمر جريمته الشنعاء إلى صفحات الحوادث بالصحف. لم يجادل الرجل، واعترف بجرمه.. قال لوكيل النيابة إنه لا يهمه أن يدخل السجن، لكنه يريد علاج ابنه حتى لا يضيع مستقبله، ويطالب بعلاجه على نفقة الدولة بالخارج إذا لم يكن الداخل لديه علاج لحالته.. تعاطف معه وكيل النيابة، الذى تبين أنه - بالمصادفة غير البحتة - ابن شقيقة وزير الصحة، فكلم خاله فى التليفون وعرض عليه الأمر، ورد عليه الوزير بأنه سيرد عليه صباح الغد. وفى صباح ذاك الغد كانت عدة صحف وبرامج تليفزيونية تتحدث عن اللفتة الإنسانية للوزير بعلاج الطفل على نفقة الدولة، وتحولت حالته إلى قضية رأى عام فى بضع ساعات، وتقرر سحب عينة من جلد الطفل لتحليلها فى المعامل المركزية، وإرسال نسخة منها إلى المعامل اللندنية لمناظرة نتائج التحليلين. يومها تحدثت تقارير لمنظمة الصحة العالمية عن مرض جلدى مجهول يصيب الأطفال فى مصر، وقرر وزير الصحة وضع أطفال القرية تحت الملاحظة، واعتبار القرية «منطقة موبوءة». المعامل اللندنية كشفت أن إصابة الطفل جاءت نتيجة اتحاد مرض «حمو النيل» التقليدى مع «الصدفية والحزام النارى» ليشكل شكلاً جديدًا من أشكال الأمراض الجلدية العنيفة التى من الممكن أن تؤدى إلى إذابة الجلد بشكل كامل، ومن ثم موت المريض تحت تأثير هذا الألم المرحلى. تواترت تقارير منظمة الصحة العالمية التى تحذر من النسخة الجديدة من «حمو النيل».. وبينما أكدت أنه لم يثبت حتى الآن انتقاله من طفل إلى طفل، إلا أن حالة من الذعر سادت البلاد، وخلت المدارس من التلاميذ، وأعلنت حالة الطوارئ، وشكلت وزارة الصحة فرقاً لاحتجاز كل طفل يُضبط يحك جلده لأى سبب أو يظهر أى قدر من الاحمرار على جلده. بينما كان مجلس الوزراء يجتمع لتدارس الموقف، وإعلان خطة طوارئ لمواجهة المرض، ومحاولة الحد من انتشاره، وتطوير مضادات جديدة له، كانت شائعة تسرى فى البلاد تؤكد أن الحكومة قررت التخلص من جميع الأطفال حتى ١٠ سنوات، ومنع الإنجاب لمدة ٣ سنوات مقبلة، حتى يمكن السيطرة على المرض، لكن رئيس الوزراء نفى ذلك تماماً، وقال إن الحكومة لا يمكن أن تواجه «حمو النيل» بإعدام الأطفال، وإن لديها استراتيجية أخرى للمواجهة، ورغم أن الناس اعتادت عدم تصديق رئيس الوزراء، فإن قراراً جمهورياً صدر فى صباح اليوم التالى يقضى بـ«ردم النيل» فوراً، مما جعل الناس يصدقون أن الاختيار تم حسمه بعيداً عن أطفالهم! |
الاثنين، 11 مايو 2009
شيخ «الخنزرة».. و«الخواجه» موريس
| عندما تقرأ أو تسمع أو تشاهد «الشيخ الدكتور» زغلول النجار، وهو يقطع واثقاً بأن من يأكل لحم الخنزير تصبح طباعه خنزيرية، ويكتسب تدريجياً ملامح الخنزير، ويظهر ذلك على وجهه الذى «يتخنزر» مكتسباً شكل الخنزير.. فلابد إذن أن تتحسس عقلك. وعندما تقرأ بيان «الناشط القبطى» المقيم فى الولايات المتحدة موريس صادق، الذى يصفنى فيه وكل المسلمين المصريين بأننا أحفاد العرب الغزاة الذين احتلوا وطنه واغتصبوا أرضه، ويعيثون فى بلاده فساداً، فيضطهدون الأقباط، ويغتصبون فتياتهم، ويجبرونهن على اعتناق الإسلام.. فلابد أيضاً أن تتحسس عقلك، خاصة حين تراه يصف نظام الرئيس مبارك بـ«الوهابى»، الذى يذبح الخنازير انتقاماً من الأقباط وتكريساً لاضطهادهم.. والأدهى من ذلك لوجود ثأر ما، بين المسلمين عموماً وبين الخنازير. لا تسأل نفسك، إذا كنت مسلماً، عن أصدقائك المسيحيين أو جيرانك أو زملائك فى العمل.. لا تدقق فى ملامح مئات الآلاف من السياح الذين يسيرون أمامك فى الشوارع كل يوم.. لا تتأمل فى وجوه الملايين على وجه الأرض الذين يأكلون لحم الخنزير وتفيض ملامحهم وسامة وجمالاً.. فقط اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل يصدق زغلول النجار نفسه.. ولماذا يجد من يصدقه؟ لماذا يفترض النجار أن هناك من سيصدق أن طعاماً، مهما كان محرماً فى عقيدته، يمكن أن يؤثر فى ملامح من يتناوله، حتى لو غلف قوله بعدد من المصطلحات العلمية والتعبيرات الطبية ذات الجرس الرنان؟ هل تريد رأيى؟.. المؤكد أنه لا يصدق نفسه لكنه يدرك أن هناك من يصدقه.. وإلا ما كان فعل ذلك وكرره. لا تسأل نفسك أيضاً: لماذا يصف موريس صادق رجلاً مثل ليبرمان، وزير خارجية إسرائيل، بـ«البطل» وهو الذى ينطق العبرية بالكاد، وجاء من روسيا قبل سنوات قليلة، ولا يصفه بالغازى أو المحتل، ويفترض أن كلنا غزاة ومحتلون.. لا تسأل نفسك أيضاً: لماذا يغلف موريس - أمريكى الجنسية، الذى أقسم على الدستور الأمريكى الذى يحترم عقائد مواطنيه - خطابه السياسى وخلافه مع النظام المصرى بخرافات دينية يختلقها ويستغلها ويسىء بها لنبى يؤمن به نحو ٦ ملايين أمريكى «لم يحتلوا وطنه ولم يضطهدوا أهله ولم يغتصبوا نساءه»، إلى جانب ما يزيد على مليار مسلم فى أنحاء العالم؟ لا تسأل نفسك كذلك: لماذا يعتقد موريس صادق بعد أكثر من ١٤٠٠ عام على دخول العرب مصر، أنهم غزاة ومحتلون، وأن حكوماتهم الحالية ليست إلا حكومات احتلال، ولا يرى ذلك فى نفسه ولا فى الأمريكيين الذين بنوا له «وطنه الجديد» قبل بضع مئات من السنين على أنقاض شعب آخر؟.. هل تعتقد أنه لم يشاهد الأفلام الهوليوودية عن إبادة الهنود الحمر، وكيف تعامل معهم الأمريكيون الأوائل على أنهم كائنات شيطانية نجسة، وكيف أقحموا المسيح فى استحلال دمائهم.. والمسيح منهم براء؟ لا تسأل نفسك: لماذا يفترض موريس صادق أنه مصرى أصيل «محسب ومنسب» وليس «خواجه» حفيدًا لأحد جنود جيش قمبيز الفارسى، أو لقائد من الهكسوس، أو لتاجر إغريقى، أو حتى لامرأة رومانية مجوسية اعتنقت المسيحية بعد إقرارها ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية.. هل لديه ما يثبت أنه مصرى من نسل مينا موحد القطرين؟ لا تسأل نفسك كل هذه الأسئلة.. فقط اكتفِ بسؤال واحد: هل يصدق موريس صادق نفسه.. ولماذا يجد من يصدقه؟ ولا تندهش حين أخبرك أنه قطعاً لا يصدق نفسه، مثله مثل كل سياسى، لكن المؤسف أنه يجد من يصدقه. عندما تستمع إلى زغلول النجار أو موريس صادق، لابد أن تشك للحظات أنك تعيش فى عام ٢٠٠٩، لكن ما لا يمكن الشك فيه أن كليهما موريس وزغلول وجهان لعملة واحدة، يحركهما خطاب مصبوغ بالتدين والنضال، ومعبأ بالحقد والكراهية، ولا يستنكفان عن استخدام أى شىء فى المعركة، حتى لو كان لى عنق التاريخ والتقول على الأديان، لكنهما ينجحان فى دغدغة مشاعر جماهير مشحونة بالاحتقان والطائفية.. ومحملة كذلك بالإثم. قلت لك من البداية تحسس عقلك، وعندما تفعل ستعرف أنهما ليسا عدوين متصارعين، وليسا ضدين متنافرين بقدر ما هما حليفان متناغمان، يمتلكان خطاباً مشتركاً وهدفاً واحداً، لا يصب قطعاً فى مصلحة وطن أو عقيدة، والمؤكد أن من يصدقهما لم يتحسس عقله.. ولم يحاول.. وكما تعرف، فالعقل هو الشىء الوحيد الذى ميز الله به الإنسان عن باقى مخلوقاته. |
الاثنين، 4 مايو 2009
فتنة الخنازير
| «أنت تعيش فى مجتمع طائفى بامتياز».. تلك حقيقة لم تعد تحتاج برهاناً، والواقع أمامك هو اليقين ذاته. دعك من العبارات الإنشائية حول الوحدة الوطنية والتسامح الأفلاطونى، وتلك الصور التى يُقبّل فيها البابا شيخ الأزهر، والمشاهد التليفزيونية الساذجة التى تحرص بإصرار على تصدير صورة التسامح بشكل يظهر «بطحة» الاحتقان. أنت محتقن فى داخلك.. ترفض الآخر، وتتحين الفرص لإيذائه، وتتصيد الأخطاء للإيقاع به، حتى لو بدت ابتسامتك أكثر اتساعاً، وخطابك المعلن أكثر تسامحاً، وعيناك تغرورقان بالدموع من فرط طيبتك الظاهرة، ومحبتك المثالية. أنت منافق إذن.. تُظهر فى العلن ما تُبطن عكسه فى مجالسك الخاصة، حديثك فى المقهى غير حديثك فى المسجد.. ورأيك الذى تعلنه فى النادى غير رأيك الذى تعلنه بين جدران الكنيسة، ما تكتبه فى الصحف وتقوله لوسائل الإعلام غير ما تقوله وتفعله فى قدّاسك أو فى صلاة الجمعة. لست وحدك الطائفى والمحتقن والمنافق.. فقد رزقت بنظام مثلك وحكومة على شاكلتك، ودولة تقول ما لا تفعل.. تأمر الناس بالمعروف وتنسى نفسها.. تنكر مصيبتها وتحاول أن «تخفى عارها، فإذا ببطنها المنتفخ بالعار يفضحها».. تتحسس بطحتها عند كل حركة وعند كل قرار، تفتش عن ظواهر الأشياء ولا تقترب من جذور المشكلات.. تصبُّ الماء على النار فتطفئها تاركة الجمر مشتعلاً تحت الرماد. ترانى غارقاً فى تشاؤم لا يستحق تهويلاً كذلك.. وأراك غارقاً فى تفاؤل يتجاهل النار أسفل أرجلنا.. تشعر بوهجها وتتقافز فى مكانك من لسعاتها.. وإلا فما تفسيرك لتحول قضية صحية عالمية مثل «أنفلونزا الخنازير» إلى مسألة طائفية شديدة المحلية؟ هل عندك تفسير لهذا الكمّ من الشماتة والتربص والتشكيك الذى فجرته الأزمة؟ لماذا تفتش وزارة الزراعة عن الأطباء البيطريين الأقباط بين صفوفها تحديداً لزرعهم أمام المجازر والمزارع للإشراف على عملية الذبح؟ أليس هذا تفكيراً طائفياً يسيطر على الدولة؟ لا تقل لى إنه مراعاة لمشاعر وعقائد الأقباط، إلى غير ذلك من الكلام الذى تردده دون اقتناع.. الدولة غارقة فى الطائفية، لذلك لم تستطع وزارة الزراعة أن تتصرف كمؤسسة مدنية قومية وترسل أطباءها إلى مواقع العمل دون النظر فى هوياتهم الدينية، ودون تفتيش عن الصلبان فى معاصمهم. لا تقل لى أيضاً إن حملة «الشماتة» التى تراها على المنابر، تتحدث عن عظمة الإسلام الذى حذر من الخنازير، وعن آيات الله التى تنتصر لعباده المسلمين ـ لا تعبر عن طائفية واضحة وبغيضة، خاصة تلك الأصوات التى حفزت من البدء على إعدام الخنازير، وتحدثت باستخفاف عن آلاف أو عشرات الآلاف الذين يستفيدون من الخنازير، وترديد عبارات فى ظاهرها الرحمة وفى باطنها العذاب على شاكلة: «مش المهم نضحى بمليون واحد.. لحماية ٨٠ مليون».. فلم يكن ذلك هو رأى هذه الأصوات عند تفشى «أنفلونزا الطيور»، حتى إن هذا الفيروس الذى يصيب الطيور، رغم وضوح وتأكيد وجوده فى مصر والإعلان رسمياً عن وفاة ٢٤ شخصاً به غير عشرات المصابين، مازال هناك مَنْ يشكك فيه ويعتبره مؤامرة على صناعة الدواجن.. ومن نفس تلك الأصوات التى طالبت من اللحظة الأولى بإعدام الخنازير وتشريد المتعيشين منها، متحفزون بشماتة طائفية أكثر من مجرد قلق صحى عام. الغريب أن هناك من حولك مَنْ يصدق أن «أنفلونزا الخنازير» جاءت كعقاب من الله للمسيحيين، وانتصار للإسلام، وكأن الإسلام هو الدين الوحيد الذى يحرّم لحم الخنزير، وهؤلاء لا يقولون لمن كان يوجه العقاب فى «أنفلونزا الطيور»: وإلى أى دين انتصر هذا الفيروس المنتشر فى مصر؟ وإلى أى دين انتصر «جنون البقر»؟ إذا كنت لا ترى أن إقحام نفسك فى إبداء آراء شخصية وتغول نقدى فى عقائد الآخرين تخطٍ لخط أحمر، لا علاقة له بحرية الرأى ولا غيرها، فأنت تمهد لكارثة حين تصبح العقائد فريسة أمام النقد والمقارنات والتعليقات المستخدمة سياسياً ومن غير أصحابها. انظر كذلك إلى الحملة التى يشنها أقباط المهجر على الدولة وادعاءاتهم باستهداف المسيحيين من وراء هذه الأزمة لإضعافهم وإفقارهم وتجويعهم، وغير ذلك من أحاديث الاضطهاد والتنكيل التى يروجون لها، لتعرف أن هذا الاحتقان السائد عملية ذات طرفين، كلاهما يمسك إحدى ذراعى الوطن، ويشد فى اتجاه معاكس للآخر.. والنتيجة متوقعة. لا «أنفلونزا الخنازير» جاءت انتصاراً من عند الله للمسلمين فى مواجهة المسيحيين، ولا الحكومة تذبح الخنازير نكاية فى الأقباط واضطهاداً لهم.. الحكاية وما فيها تطرف وتعصب أعمى.. جانبان كلاهما يستخدم الكارثة فى خدمة خطابه الطائفى، وبين الاثنين دولة «مبطوحة» لا تمارس دورها كما يجب، وفشلت فى إقناع رعيتها بمدنيتها وتجردها من الأهواء الطائفية، كما تفشل عادة فى إجراء أى حوار حقيقى مع شعبها.. وتتخبط بين ردود الفعل دون إنجاز.. فلا هى نجحت فى القضاء على أنفلونزا الطيور، ولا هى حافظت على صناعة الدواجن، والأمر كذلك سيحدث مع «الخنازير».. ببساطة هى حكومة أقرب للفشل، وهذه المرة فشلها بطعم الفتنة. |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)