| تمر سنوات وسنوات على ذكرى حرب أكتوبر المجيدة، تقرأ ما تقرأ، وتسمع ما تسمع، وتشاهد ما تشاهد، لكن اليقين الذى يجب أن تتحلى به، أن أى إنجاز عسكرى تحقق فى هذه الحرب يمكن أن تعتبره معجزة فى مجاله، يتضاءل أمام «مهنيتها» وهى فى تقديرى المعجزة الأهم فى هذه الحرب الخالدة. يمكن أن تعتبر العبور معجزة، وتحطيم خط بارليف معجزة وهما كذلك، لكنهما يبقيان فى إطار النتائج التى سبقتها مقدمات جعلت ما تحقق طبيعياً ومنطقياً، وبرهاناً عادياً لمعطيات غاية فى الدقة. إذا كنت تبحث عن درس مستفاد من هذه الأيام الخالدة بعد مرور ٣٦ عاماً عليها، ويصلح للاستلهام حالياً، فلن يخرج عن هذه المهنية التى منحت الجيش المصرى، بجميع أسلحته وفروعه، الفرصة لخوض اختبار جاد وإثبات جدارته فى مواجهة حقيقية، ليجلس بعد ذلك فى مكانته المستحقة بين جيوش المنطقة. المؤكد الآن أن أحداث يونيو ١٩٦٧، بمرارتها وكارثيتها على جميع الأصعدة سياسياً وجغرافياً وعسكرياً، بقدر ما كانت «هزيمة خاطفة» دون مواجهة حقيقية، إلا أنها مثلت لحظة مهمة فى تاريخ العسكرية المصرية، حيث كانت سبباً مباشراً فى ميلاد جديد للجيش المصرى، وهو ميلاد جاء طبيعياً على يد عسكريين محترفين أجادوا مهنتهم وتفرغوا لها فأبدعوا فيها بمستوى عال من الجودة والكفاءة، وأداروا ملحمة عسكرية هى الأهم والأعظم فى تاريخنا الحديث. لكن هذا الانتصار الخالد جرى تقزيمه بعد سنوات قليلة.. واستمرت عملية التقزيم والرغبة فيها بشكل مستمر، على يد عسكريين سابقين تركوا مهنيتهم فى الميدان، وقدموا شهادات ملونة بألوان سياسية، وفيها قدر واسع من تصفية الحسابات، ومؤرخين غابت عنهم الموضوعية وغيبوا الاحتراف فكتبوا تاريخها ممزوجاً بانحيازاتهم السياسية فصعدوا بمؤيديهم وخسفوا بمعارضيهم، هولوا كل رد فعل إسرائيلى وقللوا من حجم كل إنجاز مصرى، ليس من أجل حقيقة أو قناعة بقدر ما هدفت إلى الطعن فى القائمين على المعركة. على العكس من ذلك يقدم لك زميلنا «المحترف» فى الشؤون الإسرائيلية، محمد عبود، ترجمة شهادة للمؤرخ الإسرائيلى البروفيسير أورى ميليشتاين، يعترف فيها بهزيمة فادحة لبلاده، ويقلل من كل أثر تضخمه الدعايات العربية والمصرية المناهضة للانتصار، وعلى رأسها وهم «ثغرة الدفرسوار».. وقبل ميليشتاين كثيرون فى إسرائيل اعترفوا بالهزيمة بين عسكريين وسياسيين ومثقفين وسينمائيين، لكن الفارق بينهم وبين نظرائهم فى مصر والعالم العربى، أنهم شهود مهنيون، ولاؤهم لمهنتهم وشرفها أكبر بكثير من الانحيازات السياسية الضيقة. لم تكن حرب أكتوبر حرب السادات حتى يقلل من شأنها من يكرهون الرئيس الراحل ومن يختلفون معه، ولم تكن حرب عبدالناصر حتى يمجد محبوه حرب الاستنزاف، وهى تستحق، وخطة ما قبل عام ٧٠، فى محاولة لسلب السادات إنجازه فى قيادة المعارك الحاسمة، كما أنها لم تكن حرب مبارك حتى يسلب كتاب حوله كل إنجاز لصالحه ويكادوا يصورون للأجيال الجديدة أن الحرب كانت الضربة الجوية وفقط.. والضربة الجوية كانت مبارك وفقط. هذه الحرب وذلك الانتصار ملك هذا الجيش المحترف الذى كان ومازال ولاؤه لهذا الوطن، بعيداً عن الصراعات السياسية والتلوين الحزبى، خاصة منذ أعاد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر هيكلته لصالح المهنيين المحترفين من قيادات العسكرية المصرية عقب يونيو ٦٧ واستمر بالنهج ذاته، وهو أيضاً ملك هذا الشعب الذى تحمل وضحى بأبنائه وقوته وأحلامه ليبلغ انتصاراً خالداً. عندما غابت «المهنية» عن المجتمع غشيت سحب الضباب على الانتصار فأثارت حوله شكوكاً وانهالت عليه تقزيماً، وعندما ضاع الاحتراف تراجع وطن كامل فى كل مجال، أصبح إعلامنا يدار بمنطق تجارة الكتب، فى لحظة انتقلت فيها الحرب إلى ميدان الإعلام، وأصبحت برامجنا يقدمها صحفيون وممثلون ولاعبو كرة، لم يحققوا إنجازاً فى مهنتهم الأصلية التى احترفوها، ولم يضيفوا للإعلام إلا مزيداً من التسطيح والانسياق وراء إثارة الجماهير، وتحولت الثقافة من بناء العقول إلى بناء الحجارة، والبرلمان من مجلسين للتشريع إلى مجلسين للتصفيق، والدبلوماسية من الحركة والحيوية إلى الدعاء، والقضاء من منصاته المقدسة الجليلة إلى الفضائيات والصحف، ورجال الدولة من سياسيين موهوبين ومحترفين إلى موظفين. لم يبق من حرب أكتوبر إذن سوى هذا الجيش الوطنى المهنى المحترف الذى أنجز عملاً عسكرياً ومخابراتياً عالى المستوى وفائق الجودة، ومازال يرسخ احترافه ومهنيته وكفاءته.. ودرس المهنية ذاته الذى مازال باقياً من الحرب وينتظر إرادة الاستلهام. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 5 أكتوبر 2009
ما بقى من الحرب
الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009
تعيش وحدك.. وتموت وحدك
| قلت لك: «ستموت وحدك».. ابتسمت فى هدوء وصعدت ببصرك شاخصاً إلى السماء قبل أن تسألنى: «الفرق كبير؟».. كنت تتساءل عن جدوى الموت وسط ضجيج الأهل ونهنهة الأصدقاء، وكنت أعرف أن الوحدة «اختيارك» الذى يتسق مع شخصيتك الزاهدة، كنت مبهراً فى اتخاذ المواقف التى تكرس استغناءك وتعزز استقلالك، وعندما كنت أبدى انبهاراً بتجربتك، كنت ترد بإحساس أب ومعلم يخشى على تلميذه من الفتنة: «العزلة فى غير أوانها انسحاب»، وأنت لم تكن يوماً فى حياتك التى عبرت بها إلى منتصف الستينيات منسحباً أو مغادراً موقعك، كنت تقاوم بوحدتك وتتشبث بعزلتك، مؤمناً بصحة رهانك الذى لم يخيب يوماً.. كنت تعرف أنك ستبقى حين يسقط الآخرون فى درك النسيان، وكنت تؤمن بأنك ستستمر بعد أن تغادر روحك، كنت تبنى اسماً يعيش فى خلود لا ينتهى إلا مع الصيحة الأولى، وتترك من خلفك تلاميذ ومريدين وتابعين يتوارثون ما تركت جيلاً وراء جيل، دون أن يتناقص الإرث أو يفقد توهجه وفوائده. هم يتساءلون عنك فى دهشة.. يتأملون نهايتك فى استغراب، لا يعرفون أنها كانت النهاية التى تريد، بكل تفاصيلها الدقيقة (الوحدة.. والمكان.. والوجهة.. وطريقة الاستلقاء)، يقولون إنك وجهت وجهك شطر مكتبك ثم احتضنت أوراقك واستلقيت فى هدوء وصمت دون أن تزعج أحدا.. أَوَ لم يكن كل ذلك متوقعاً؟! لا تحاول أن تقنع أحداً بأنك لم تخطط لذلك. أتذكر حين مازحتك ذات يوم حين أجهدت نفسك فى البحث عن مقعد لى وسط أكوام الأوراق والكتب التى اصفر ورقها وتحنط، وطلبت منى أن أخدم نفسى وقلت: «أنا عارف مكانى.. دبرلك إنت مكان تحط فيه الكرسى».. وكان ذلك عقاباً لى حين قلت لك: «ستنهال عليك هذه الأوراق ذات يوم وستموت أسفلها دون أن يشعر بك أحد».. وساعتها كان ردك حاملاً من الحكمة والسخرية حين قلت: «يبقى وفرت عليكم الكفن». قلت لك: «تعيش وحدك.. وتموت وحدك» مثل أبى ذر الغفارى، كنت زاهداً وراهباً وصاحب موقف مثله، ضحكت ضحكة ممزوجة بسعال معتاد، كان دمعاً يترقرق خلف جفنيك لم أفهم منه هل كانت تأتيك لحظات تشعر فيها بقدر من الندم على سنوات الوحدة وليالى العزلة الطويلة، كدت أسألك «لكى يطمئن قلبى» لكن سؤالى قبل أن يخرج، كنت تعاجلنى بسؤال يعيد إلىّ اليقين: «وهل مات أبوذر؟». كنت تعرف أن الموقف أبقى.. وكلمة الحق لا تنسى.. والعمل الصالح يجلب لصاحبه التقدير فى الدنيا والدعم فى الآخرة، وكم تركت من كلمات طيبة وصدقات جارية بين سطور كتب! أرادوا قلمك.. أخرجوك من «جنة المؤسسة»، لكنك تدثرت بموهبتك، وصنعت لقلمك مؤسسته الخاصة، وانتصر فى النهاية انتصاراً سجلته أرفف المكتبات وأراشيف الصحف.. كنت رائداً فى كل شىء، صانع صحف، ونحات نصوص صحفية بديعة، وصاحب موقف متزن، ووجهة نظر ثاقبة، واستقلال مهنى وفكرى مغلف بموضوعية فى الطرح وجرأة فى الاشتباك، وبساطة فى السرد، وعفة فى النقد، وإنصاف فى القول، وشجاعة فى الحق، تحصنت بحالة من الاستغناء والزهد، جعلت كل كلمة تقولها وتكتبها تجد طريقها سهلاً إلى القلوب بلا شكوك أو ارتياب. اليوم.. أفتش فى ذاكرتى عمن أخرجوك فلا أجد أحداً.. أبحث عن ذكرى لمن حاربوا موهبتك من أجل مقاعد ومناصب مؤسسية، فلا أجد شيئاً.. أشاهد من ضاقوا بموهبتك وحاربوها بانحياز بالغ إلى «أنصاف وأرباع» المواهب، فأجد الهزيمة واضحة على وجوههم. صديقى الكبير محمود عوض.. قلت لك: «تعيش وحدك وتموت وحدك».. وغالباً ستبقى بين كل هؤلاء وحدك.. فأنت أجدر بالبقاء وأحق.. «فأما الزبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض». |
الاثنين، 31 أغسطس 2009
دبلوماسية الارتياب
| إذا وجَّهت انتقاداً ما لوزارة الخارجية أو وزيرها أو أحد قياداتها، فأنت بلا شك تستهدف الإساءة إلى «الدولة المصرية».. هذا ما يقوله السفير حسام زكى، المتحدث باسم الخارجية، الذى يعتقد أن الوزارة التى يتحدث باسمها هى «الدولة»، ومن يقترب منها بالنقد فهو يرتكب إثماً وطنياً ما بعده إثم، يقف زكى مدافعاً عن وزيره ووزارته وكأنه يقول: «نحن الدولة والدولة نحن.. مَنْ ليس معنا فهو ضد الدولة». يقول حسام زكى، فى تصريحات ساخنة وبوضوح: «لم ننسب للخارجية أى دور فى تحرير الصيادين»، وزاد على ذلك موضحاً- فى تصريحات نقلتها كل الصحف، ونشرتها جريدة الجمهورية «مانشيت» فى عدد الأربعاء- بقوله: «البعض أصر وبتعمد يثير الارتياب أن الخارجية تريد أن تنسب لنفسها ولو جزئياً شرف تحرير مواطنين مصريين من أسر خاطفيهم وهو الأمر الذى لم يحدث البتة». ولأننى بعض من هذا البعض أريد أن أحيلك وأحيل السيد حسام زكى إلى يوم الجمعة ١٤ أغسطس، وهو يوم إعلان خبر تحرير الصيادين، ليستمع ولتستمع معه للسفير أحمد رزق، مساعد وزير الخارجية لشؤون القنصلية والمصريين فى الخارج، يعلن أمام المؤتمر القومى الثالث للشباب بالإسكندرية خبر تحرير الصيادين ويقول بالنص: «إن جهود وزارة الخارجية واتصالاتها مع (الجهات المعنية) والعشائر الصومالية أسفرت عن الإفراج عن الصيادين»، ويضيف أيضاً: «إن الصيادين أحرار الآن بعد الاتصالات التى قامت بها الخارجية مع مالك السفينة ونجحت فى الإفراج عنهم وتحريرهم». هذا ما قاله مساعد الوزير بالنص بعد دقائق معدودة من إعلان خبر تحرير الصيادين، إذن فلست أنا ولا البعض ولا «القلة المندسة» التى تهاجم الخارجية رغبة منها فى الهجوم على الدولة مَنْ قال ذلك وتعمد وأصر بشكل يثير الارتياب أن الخارجية تريد أن تنسب لنفسها شرف تحرير الصيادين، فمَنْ فعل هذا وبوضوح تام هو أحد قيادات هذه الوزارة، وهو بالأحرى مساعد الوزير المسؤول عن هذا الملف، بما يعنى أن حديثه فيه هو الحديث الرسمى المعبّر عن وزارة الخارجية وبالتالى عن الوزير نفسه. ما يجب أن يفهمه حسام زكى إذن أن الخارجية «التى هى جهاز سياسى دبلوماسى ركيزته الكلمة»- حسب تعريف زكى نفسه- هى التى نسبت لنفسها ومنذ اللحظة الأولى فضل الإفراج عن الصيادين، وأعلنت ذلك على لسان مساعد الوزير فى اللحظات الأولى وبإصرار واضح، زاعمة أن جهودها واتصالاتها كانت سبباً فى الإفراج عن الصيادين، وتصريحات رزق موجودة فى صحف السبت ١٥ أغسطس إذا أراد زكى الرجوع إليها، كما أن لقاءه فى مؤتمر الشباب مسجَّل ومتوافر إذا أراد زكى أن يشاهد بعينيه أو يسمع بأذنيه. يكفى أن يفهم زكى أن الخارجية ليست الدولة المصرية، ولا توجد وزارة أو مؤسسة مهما كان شأنها من حقها أن تدّعى أنها الدولة وأن انتقادها أو الهجوم عليها هو محاولة للنيل من الدولة، فما نفعله هو حرص منا على الدولة وعلى الخارجية.. وتفريق بالغ بين قدر هذه المؤسسة وأداء من يقومون عليها. أما مسألة «التعمد الذى يثير الارتياب» وما على شاكلتها من المفردات التى تعتبر الآخر أو المغاير فى الرأى «مغرضاً» حتى يؤيد ما نقول، فهو خطاب لا يليق بمؤسسة دبلوماسية وظيفتها إدارة الحوار وتنميته، ويعكس إلى حد كبير عمق الأزمة التى تعانيها مؤسسة الدبلوماسية المصرية. قبل غلق الملف مؤقتاً: يتسلم السفير أحمد رزق مهام عمله كسفير لمصر فى العاصمة الصينية بكين الأربعاء المقبل على الأرجح.. وهذه ربما تكون بشرى غير سارة للمصريين فى الصين أو المترددين والمتعاملين مع هذا القطب الدولى الكبير. |
الاثنين، 24 أغسطس 2009
بـ«أمارة» إيه؟
| يعتقد أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، ومساعده للشؤون القنصلية السفير أحمد رزق، أن المؤسسة التى يمثلانها بذلت مجهوداً خارقاً لتحرير الصيادين المختطفين، تذكر فقط أن رزق نفسه هو ذات الشخص الذى أبلغ ذوى الصيادين أن المفاوضات توقفت، وأن الخارجية لن تدفع الفدية، ثم طلب منهم أن يلجأوا للمجتمع المدنى لجمع مبلغ الفدية، وأخيراً قال لهم: «لا نملك لكم إلا الدعاء». دعك من كل هذا وحاول أن تصدق الرجلين فيما يزعمان، هما بذلا مجهوداً خارقاً ومضنياً، لكنهما لا يفصحان عنه ولا يروجان له ولا يشرحان طبيعة هذا الجهد، وهذا ليس حباً فى فضيلة العمل فى صمت، فلابد أن تعرف أن الخارجية ليست المخابرات وعملها لا تغلفه سرية عالم المخابرات، والأصل أن تملك من الحجج والبراهين ما يدفع عنها اتهامات الإهمال والتخلى، لأن عملها فى المقام الأول مرتبط بمهارات الخطاب والتواصل، وذو صلة بالرأى العام. لك أن تتخيل إذن أن المؤسسة التى من المفترض أن تعبر عنك وعن حكومتك وقضايا وطنك فى الخارج، عاجزة عن أن تعبر عن نفسها، المؤسسة التى من المفترض أن توضح للعالم المواقف المصرية، وأن تتحدث باسمك وتدافع عن مصالحك، تواجه حملة تشكيك طاحنة، ولا تستطيع أن تتحدث باسمها وتدافع عن مصالحها ومصداقيتها وأهليتها. بماذا تعرف الفشل إذن، إذا كنت ترى موقف الخارجية محصوراً بين اتجاهين، الأول أنها لم تفعل شيئاً وعملت بطريقة السفير أحمد رزق فى «تكبير الدماغ»، ثم حاولت سرقة الكاميرا بعد نجاح الصيادين فى تحرير أنفسهم، والآخر أنها فعلت الكثير والكثير وتواجهها اتهامات من الرأى العام تطول شرفها المهنى فلا تقدم برهاناً واحداً ترد به على هذه الاتهامات، وتفشل فى الدفاع عن نفسها. لا يكفى شكر حسن خليل، شيخ الصيادين، للخارجية فى معرض شكره لأجهزة أمنية وسيادية ساعدته فى مهمة تحرير الصيادين، ليتشبث به أبوالغيط ورزق، فهذا الشكر يحتاج إلى مذكرة تفسيرية، تجيب عن أسئلة كثيرة ذات علاقة بأداء الخارجية المحبط فى إدارة هذه الأزمة، والذى يتسق مع الأداءات الأكثر إحباطاً فى قضايا المنطقة وملفاتها ذات الصلة بأمننا القومى. فالرأى العام له ما يظهر أمامه من حقائق واضحة لا تقبل الجدل، الرأى العام شاهد أبوالغيط وهو يعلن الإفراج عن السياح الألمان الذين اختطفوا فى العوينات، والرأى العام شاهد الهزيمة الساحقة الماحقة التى طالت سمعة مصر وشرفها فى أزمة غزة، والرأى العام شاهد الأداء المتردى والمخزى فى أزمة جلد المصريين فى السعودية، والرأى العام شاهد أبوالغيط وهو يتحدث أمام الشاشات فلا يترك أثراً فى نفوس من يشاهدونه إلا مزيداً من القلق على المؤسسة الدبلوماسية المصرية. والرأى العام لا يجد أمامه أى حقائق تشفع للخارجية فى ملف القرصنة، وكل ما هو ملموس أمامه وثابت من واقع الممارسات والتصريحات يدين الخارجية ويعزز الاتهامات ضدها بالتخلى والتخاذل والفشل. وزير خارجيتك إذن ومساعده لا يملكان مهارات التواصل الأساسية، وعاجزان عن إقناع الداخل فكيف بالله عليك تثق فى قدرتهما على إقناع الأطراف الخارجية، كيف تأمن على مصالحك وعلاقاتك وسمعتك ونفوذك وأوراق قوتك ومساحة دورك ووضعك الإقليمى، ومن يدير كل هذا ويعبر عنه فشل حتى فى التعبير عن نفسه، كما فشل فى الدفاع عن أرواح مواطنيه وكرامتهم فى كل مكان. حتى هذه اللحظة مازال أبوالغيط ورزق يكابران.. ونحن لا نريد منهما سوى «أمارة واحدة» على هذه المكابرة، أو فليعترفا بالفشل ويعتذرا عنه فيلحقا بآخر عربة فى قطار الاحترام. |
الاثنين، 17 أغسطس 2009
فى الغالب هتعود
| كان وجيه عزيز يغنى: «معرفش ليه ببقى خايف / معرفش ليه ببقى حاسس بالسفر / معرفش ليه كل ما ترمينى الحياة/ ألقانى مستنى قمر».. قبل أن يعود لتصدير الأمل بلحن مبهج ومؤثر يحرك العقل قبل أن يلامس القلب، وهو يقول: «فى الغالب هتعود / نفسى اشوفك راجع وفى إيدك زى زمان عود».. فى تلك اللحظة كنت أتابع مكتبتى التى انفرطت واستقرت فى «كراتين» استعداداً لانتقال جديد، من بينها كان كتاب للدكتور محمد السيد سعيد أعددته بنفسى من تجميع عدد من مقالاته فى الصحف، كنت أقرأ له وأنا أسمع وجيه عزيز يغنى، وأتطلع ليوم يعود فيه ليكتب لنا تفاصيل رحلته العلاجية بإنسانيته ولغته المتدفقة ونظرته العميقة والنافذة لجوهر الأشياء، بصدقه واتساقه مع نفسه، بشجاعته البريئة، وترفعه عن الرياء والمتاجرة بالمواقف، هو آخر الرجال الذين يقولون ما يفعلون، ولأنه كذلك يبقى قمراً ننتظر أن يعود. كان وجيه عزيز يغنى.. وكانت الذاكرة تغادر بضع سنوات مضت لترى محمد السيد سعيد جالساً فى قاعة رئاسية تغلفها الخشية، ويظهر فيها الرئيس مبارك بهيبة تقليدية وحوله من «النخبة» من ينافق، ومن يبرر، ومن يتعاطف، ومن يهلل. كان الرئيس ككل خطاباته فى تلك الفترة يحمل الانفجار السكانى مسؤولية إعاقة التنمية والقاعة تنفجر فى التصفيق، حتى وقف هو ليخاطب الرئيس بشجاعة واحترام وعلم ويقول له : «يا ريس موضوع الانفجار السكانى الذى ركزت عليه لم يعد موضوعاً علميا فى علم السكان حيث تم حسم هذا الموضوع بإثبات أنه لا توجد مشكلة اسمها مشكلة سكان وإنما هناك مشكلة تنمية وإذا كانت هناك خطة تنمية فإنك ستستفيد من السكان وسيصبح السكان إضافة وليس عبئا، المشكلة أن النمو فى مصر توقف، والتطوير الاقتصادى والاجتماعى فى مصر توقف.. أنت تتحدث وكأنك حققت انجازاً اقتصاديا جباراً وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق وحينما تعود للتقارير الدولية ستجدها أجمعت على نقطتين أن مصر كانت من أسوأ الدول أداء فى الدول العربية وإفريقيا، وأن الدول العربية والإفريقية كانت الأسوأ فى الأداء فى العالم وكانت مصر من أقل الأداءات، ولماذا لم ننجح فى الأداء الاقتصادى؟ لم ننجح لسبب أساسى لأن المواطن المصرى لا يشعر بكرامته كمواطن. وأنتم منذ شهرين ألقيتم القبض على خمسة آلاف مواطن من العريش، ووضعتموهم فى السجون رجالا وشيوخاً وأطفالا وأطفأتم فى أجسادهم السجائر وعرضتوهم للكهرباء، وهؤلاء مواطنون مصريون، وهذه مسؤوليتك الشخصية لأن أحد وظائفك الدستورية، الدفاع عن الحقوق الإنسانية للمصريين وهذا التعذيب العشوائى والجماعى أمر غير مقبول. وهذا ينبهنا أن سحق كرامة المصريين يعود أساساً إلى أن البناء السياسى والدستورى لا يكفل الحماية الحقيقية لهم، لأن دستور ٧١ هو دستور استبدادى فى الجوهر وتم صياغته على مقاس شخص واحد، نعم هو دستور يعترف بالحريات لكن دائماً يعطى جواز مرور اسمه حدود القانون أو ينظمه القانون، وهذا معناه أنه بالإمكان أن تأتى تشريعات تنسف هذه الحقوق، فتكون هناك اعتقالات عشوائية وتعذيب. ولذلك فنحن نريد دستورا جديدا تماماً لا يمكن التلاعب بمواده ويحمى كرامة المصريين ويوزع السلطة ويوازن بين السلطات ويكفل الاستقلال التام للقضاء ويخفف إلى حد كبير من سلطات رئيس الجمهورية والوضع الدستورى الحالى يعطيك سلطات مطلقة وأبدية، وهذا شىء مخيف لأى أمة لأنه معناه أن الأمة بأكملها وبكل أجيالها مرهونة بإرادة شخص واحد ..وأنت رجل عاقل ورصين ألا تخشى أن يأتى بعدك رجل آخر غير رصين أو يحكمه الهوى أو قليل العقل وتكون هذه السلطات فى يده ما الذى يفعله بالناس والبلد؟ ولذلك أدعو لتغيير سياسى وإصلاح سياسى ودستورى شامل يؤمن كرامة المصريين». كان ذلك قبل سنوات.. وقبل أن تحدث تعديلات دستورية وقبل أن تظهر كفاية و٦ أبريل والاحتجاجات والاعتصامات وقبل انتفاضة القضاة وقبل أن تولد أمانة السياسات وينفجر ايمن نور، قبل أن يتحول سعد الدين إبراهيم إلى معارض وقبل أن تولد الصحف اليومية المستقلة، وتخرج عبر الشاشات برامج «التوك شو»، قبل الضغوط الأمريكية وجورج بوش وكوندوليزا رايس. قبل كل شىء كان هو يناضل فى مواجهة الرئيس مثلما يناضل على ورق الصحف وفى البيانات الحقوقية وفى الدراسات البحثية، وكانت تلك المرة الأولى وربما الأخيرة التى يسمع فيها الرئيس مبارك كلاماً مباشراً وجهاً لوجه لا يروق له، ونقداً مباشراً لسياساته ونظامه، كانت تلك المرة الأولى وربما الأخيرة التى يسمع فيها الرئيس مبارك كلمة «لا» وجهاً لوجه، وأن تصل قوية إلى مسامعه دون حواجز أو أمن مركزى، أو حجاب. كان د.محمد السيد سعيد كما ترى رجلاً يقول ما يفعل ولا يتاجر بما يفعل ولا يسعى لمكسب شخصى من وراء ما يقول ويفعل، وهو الآن ومنذ شهور يناضل وحده ضد المرض فى باريس وغالباً سينتصر وغالباً سيعود. |
الأحد، 16 أغسطس 2009
لا تسرق الفرح
| يذكّرنى أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، بمدرب سابق لفريق غزل المحلة لكرة القدم، شاهدته بـ«أم عينى» فى مباراة لفريقه مع الزمالك فى استاد المحلة، حيث كان فريقه خاسراً بهدفين، وأداؤه فى غاية السوء، والجماهير تصب غضبها عليه بأقبح الألفاظ، وإذ فجأة، ودون أى إرادة أو تدخل منه، ينجح لاعبوه فى إحراز هدف يسمونه فى لغة كرة القدم «استروبيا»، دلالة على الحظ، بينما تسبب خطأ من مدافع زملكاوى فى تسجيل الهدف الثانى، ليقف بعدها مدرب المحلة مواجهاً الجماهير ومعنفاً إياهم، وهو يرد لهم الشتائم بجملة واحدة: «دى كانت خطة يا جهلة.. إش فهمكم إنتم فى الكورة». لذلك رأيت أنه من الطبيعى جداً أن يخرج أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، ومساعدوه، ببيان عاجل فور إعلان نبأ تحرير الصيادين «ليدّعى» نجاح جهوده وجهود وزارته واتصالاتها مع الجهات المعنية والعشائر الصومالية، التى أسفرت عن الإفراج عن الصيادين.. طبيعى جداً أن يناقض بيان الخارجية كل الروايات المنقولة على ألسنة شهود العيان، التى أكدت أن الصيادين تحرروا بعد معركة بالرصاص انتصروا خلالها على القراصنة، ونجحوا فى قتل مَنْ قُتل وأسر مَنْ تم أسره. طبيعى أن يجد أبوالغيط والذين معه الجرأة فى تزييف الواقع والحقيقة وادعاء الفضل ومناقضة الروايات التى لا تقبل الشك، فى محاولة لسرقة الفرح، فهذه شيم مَنْ لا يفعلون شيئاً، الذين بنوا أداءهم على انتظار مبادرات الآخرين والتشبث بالمصادفات. لا تستغرب إذن لو خرج عليك أبوالغيط غداً فى محاولة لإقناعك بأن كل ما حدث خلال الـ٤ أشهر الماضية من معاناة أثناء خطف الصيادين كان «خطة»، بدءاً من إعلان الخارجية غلق باب التفاوض مع الخاطفين، وإلقائهم بأحجار فى وجه ذوى الصيادين حين قالوا لهم «الجأوا للمجتمع المدنى»، «لن ندفع مليماً واحداً»، حتى قال لهم مساعد أبوالغيط بالنص: «لا نملك لكم إلا الدعاء».. ربما يخرج أبوالغيط ويحاول إقناعك بأن كل ذلك كان مجرد خطة تمويه حتى تنجح عملية التحرير التى قادها حسن خليل، شيخ الصيادين، بمبادرة منه وبجهد ذاتى، وربما بتنسيق أمنى مع جهات مصرية ليس فيها أبوالغيط. تستطيع أن تقول لأبوالغيط إن دبلوماسية تقول: «لا نملك إلا الدعاء» لا يمكن أن تكون أجرت اتصالات أو فعلت أى شىء لتحرير الصيادين.. فلا تسرق الفرح. أخيراً يا سيد أبوالغيط: «إذا كنت قدرنا الذى لا نعرف متى سيرفعه الله عنا.. وإذا كانت القرصنة أيضاً قدرنا الذى سيتكرر مرة وأخرى، فنصيحة منى أن تبادر فوراً بتعيين الشيخ حسن خليل، مساعداً لوزير الخارجية لشؤون القرصنة، وقتها ستجد عندك أشياء كثيرة تفعلها للمختطفين الجدد غير الدعاء». |
الاثنين، 3 أغسطس 2009
الوسيط
| تتوسط مصر، اليوم، بين عناصر حركة فتح وبعضها البعض، فى محاولة لإعادة توحيد الحركة الرائدة فى العمل الفلسطينى، خاصة بعد الانشقاقات التى شهدتها، وأعلاها اتهامات فاروق القدومى لمحمود عباس ودحلان بالضلوع فى اغتيال الزعيم ياسر عرفات، كما تتوسط مصر بين حركتى فتح وحماس باعتبارهما الفصيلين الرئيسيين والفاعلين فى الساحة الفلسطينية، اللذين يتنازعان «الوطن المفترض» ويقتسمان ماهو متاح منه، فتقضى حماس وقتها بسعادة وإيمان فى غزة، وتفعل مثلها فتح فى الضفة، وتتوسط مصر كذلك بين الفلسطينيين والإسرائيليين فى محاولة لإعادة دفع عملية السلام وإنهاء الصراع بحسم ملفات وقضايا الوضع النهائى فى ظل حكومة يمينية متطرفة لا يتوقع منها أحد أى شىء. تتوسط مصر وتتوسط وتواصل وساطتها كصاحب عقار يصر على بناء الطابق الأخير بينما يرمم فى الأعمدة الخرسانية، ويحاول إيجاد حلول لضعف الأساسات، وبينما يحاول فى كل هذه الاتجاهات يفاجأ بانهيار فى الشرفات فيضم مهمة إعادة بنائها إلى باقى المهام «ترميم الأعمدة - دعم الأساسات - بناء الطابق الأخير». تتوسط مصر وتتوسط وتواصل وساطتها كبحار شريف فوجئ بسفينة مجاورة توشك على الغرق بينما القبطان يتشاجر مع مساعديه، والمساعدون يتشاجرون مع ضباط الاتصال، وضباط الاتصال يتشاجرون مع الركاب، وهو يحاول كبحار شريف ملتزم بقانون البحر أن ينقذها، يضع يداً ليسد ثغرة ينفذ منها الماء، فيفاجأ بمشاجرة بين قبطان ومساعد ينتج عنها ثغرة جديدة، فيضع يده الثانية ليسد الثغرة، فإذا بثالثة، ورابعة، وخامسة.. مازال القبطان ومساعدوه يتشاجرون، ويقتسمون السفينة فيما بينهم، ومازالوا يطالبون البحار الشريف بمواصلة جهوده لإنقاذ السفينة، وإلا أصبح متقاعساً ومتخاذلاً وخائناً. تتوسط مصر وتتوسط وتواصل وساطتها.. تحاول رأب صدع فتح والمنظمة والسلطة وحكومة الضفة وحكومة غزة، وغداً، ستتوسط بين اثنين يتشاجران على مائة شيكل فى الضفة.. وبين تاجر ومفتش تموين فى غزة، وبين ثلاثة أطفال يتشاجرون على بالونة عليها صورة عرفات فى حديقة للطفل فى رام الله، وبين رجل طلق زوجته فى خان يونس وزوجته التى رفضت أن يتزوج عليها امرأة أخرى، إعمالاً لرخصة منحها الله له ويخشى أن يحاسبه على عدم الأخذ بها، ستتوسط مصر بين جارين فى الخليل يتنازعان على جدار فى المنتصف، وبين أربع زوجات فى غزة يتشاجرن على تنظيم جدول مبيت الرجل بالعدل فيما بينهن. ستتوسط مصر وتتوسط، وستواصل وساطتها فى كل ركن وشبر من الأراضى المحتلة، ستتفرغ للوساطة، وستنشئ جهازاً محترفاً من الوسطاء المحترفين ومعاهد عليا وكليات ومدارس، لتلبية الحاجة الملحة فى سوق العمل الفلسطينية التى تنمو خلافاتها، كما تنمو مفردات النضال والصمود والمقاومة على منابر الخطابة والإنشاء. ستتوسط مصر وتتوسط وستواصل وساطتها لأنها لا تملك بديلاً غير ذلك، مصالحها هناك وسمعتها أيضاً.. وإلا كانت متقاعسة ومتخاذلة ومفرطة وعميلة وخائنة.. لتبقى أكاليل النضال والشرف حصرية فقط على مناضلى الضفة ومجاهدى غزة! |
الاثنين، 27 يوليو 2009
عندما يتحرك الرئيس
| «هذا يوم رائع.. صحوت من نومى مبكراً، قرأت الصحف وتابعت ملف الخلاف بين دول حوض النيل على توقيع الاتفاقية الإطارية.. الجدل الصاخب، الذى صاحب وسبق هذه الاجتماعات، يجعل متابعتها أمراً مثيراً للمتابع العادى.. فما بالك وهذا الملف من أولوياتى وأولوياتك.. من حياتى وحياتك». صباح اليوم «الإثنين» وزراء مياه حوض النيل مجتمعون فى الإسكندرية فى انتظار الدكتور أحمد نظيف الذى سيفتتح الاجتماعات الرسمية، بعد يومين فقط من تصاعد اللهجة بين مصر ودول المصب السبع، وصلت إلى تلويح مصر بالانسحاب من مبادرة حوض النيل وتعطيل جميع المشروعات المشتركة، طالما تصر دول المصب على تجاهل الشروط المصرية، وتجاهل الاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر فى مياه النهر. «النهر نهرنا»، ونحن دولة المصب، أكثر من كونه نهر دول المنبع، فهو مصدرنا الأوحد للمياه العذبة، بينما الآخرون عندهم من البدائل ما يغنى عن النهر، النهر خطنا الأحمر، النهر حياتنا ومستقبلنا وأمننا القومى، النهر نهرنا ونهر أولادنا وأحفادنا وأولادهم وأحفادهم إلى أن يرث الله النهر وما على الأرض جميعاً. لذلك كانت لحظة تاريخية، تلك التى حدقت فيها فى شاشة التليفزيون التى كانت تستعد لنقل وقائع الجلسة الرسمية الأولى للاجتماعات بحضور نظيف، فإذا بالرئيس مبارك يدخل القاعة، فى مفاجأة لى وللحضور فى المؤتمر، الانبهار الذى ظهر على ملامح وفود دول حوض النيل كان كافياً للتعبير عن المفاجأة.. كذلك السعادة التى غمرتنى بهذا الاهتمام الرئاسى غير المستغرب فى الأوقات الصعبة. لم يكن المعلق التليفزيونى ينافق - ربما لأول مرة فى تاريخه - وهو يكيل كلمات الإطراء والمديح للرئيس مبارك، ويصف حضوره الاجتماعات بالمفاجأة التاريخية، وبدا أكثر اتزانا وفهماً وهو يشرح أن هذا التحرك من الرئيس مبارك يعكس اهتماماً رئاسياً بالملف الذى لا يقل أهمية عن ملف الصراع العربى - الإسرائيلى، ويشرح أنه إذا كانت لمصر مصلحة فى تهدئة الوضع فى الشرق الأوسط، فإن لها ألف مصلحة فى استقرار منطقة حوض النيل، فيما أسهب المحللون الذين استضافهم التليفزيون فى تحليل هذه المبادرة المهمة التى تنم عن وعى عميق من صانع القرار بأولويات الأمن القومى، وتدشن لمرحلة جديدة من التركيز الرئاسى على قضية المستقبل والحياة. لم يكن خطاب الرئيس مبارك فى الإسكندرية خطاباً عادياً، كان «تاريخياً» دون نفاق أو مجاملة، يضعه الدارسون لمنطقة حوض النيل ولتاريخها موضع الوثيقة، فتح الرجل صفحة جديدة وبدأ يؤسس لعلاقة جديدة بين مصر ودول حوض النيل ويبنى شراكة جديدة، الجميع فيها رابح. بدت الوفود الأفريقية فى غاية السعادة وهم يستمعون للرئيس مبارك يتحدث عن «عدالة النهر» التى لابد أن ننطلق منها لنبنى علاقة عادلة بين شركاء النهر، ونبنى المنطقة بأبنائها بعيداً عن التدخلات الخارجية ذات الهوى، وأن مصر بمقدراتها وقدراتها فى خدمة التنمية فى المنطقة، تنمية عادلة تمنح الجميع حق الانطلاق وتصنع للجميع فرص النمو. أطلق الرئيس مبارك مبادرة لإنشاء تجمع جديد يضم دول حوض النيل.. يتجاوز ملف الموارد المائية «التى ستكون أحد محاور اهتمامه»، وينطلق إلى آفاق تنموية وسياسية أرحب، مبادرة تتطلع لسوق مشتركة، ومنطقة تجارة حرة، واستثمارات تفتح أبواب الأمل والنمو للجميع، وتعاون فنى وتقنى وثقافى وأمنى. أعلن الرئيس مبارك كذلك عن إصداره قرارات وتوجيهات عاجلة للحكومة، بتقديم امتيازات فى الجامعات المصرية لدول حوض النيل ومنح تعليمية مجانية، إلى جانب قرار بإنشاء ٣ جامعات مصرية فى إثيوبيا وكينيا وتنزانيا، و٤ مستشفيات مركزية عالية التجهيز فى رواندا وبوروندى وبنين وأوغندا، فى الوقت الذى قابلت فيه الوفود مفاجآته بتصفيق حاد. لم يفرط الرئيس مبارك فى كلمته تلك فى نقطة مياه واحدة من حقوق مصر التاريخية فى النهر، لكنه تحدث عن عدالة الاستخدام وترشيده، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء. لم يكد ينته الخطاب ويغادر الرئيس مقر الاجتماع حتى بثت وكالات الأنباء نبأ عاجلاً، حيث أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس مبارك سيتوجه مطلع الأسبوع فى زيارة إلى إثيوبيا وكينيا هى الأولى له منذ ١٦ عاماً.. وسيدعو من هناك لعقد قمة لزعماء دول الحوض فى أسوان لبحث تفعيل مبادرة «التجمع الجديد».. وما هى إلا لحظات قليلة حتى توافدت برقيات الترحيب من زعماء هذه الدول.. وما هى إلا لحظات أيضاً حتى صحوت من النوم وتوجهت إلى شاشة التليفزيون باحثاً عن هذا الحلم الجميل. |
الاثنين، 20 يوليو 2009
أن تكون «أمين صابر».. وأن تكون «أبوتريكة»
| يعرف أمين صابر، الصياد المصرى المختطف حالياً على سواحل الصومال، أنه لو عاد إلى البرلس مرة أخرى وكتبت له النجاة من أيدى الخاطفين، فلن يكترث بإبقاء أبنائه الأربعة فى مدارسهم، ولن يحاول أن يعلمهم الصيد، أو أى صنعة أخرى، فقط سيدفعهم إلى ساحات القرية ليلعبوا كرة القدم، لعل الحظ يبتسم لأحدهم فتمتلك الأسرة كلها الثروة والشهرة والاهتمام أيضاً. يعرف أمين صابر، الذى خرج قبل أسابيع على «باب الله» بحثاً عن رزقه ورزق أبنائه الأربعة وزوجته ووالديه، أن أحداً لن يكترث به ولا بـ٣٣ مصرياً يعيشون حالياً تحت رحمة القراصنة، بينما الدولة التى تمثلها وزارة الخارجية تقول لهم: «لا نملك لكم إلا الدعاء.. لا مفاوضات ولا فدية». يعرف أمين صابر، والذين معه فى هذه المحنة، أنهم يدفعون ثمن «مصريتهم» من جديد، ويعيشون «اليتم الوطنى» فى مواجهة قراصنة فرضوا سيطرتهم على منافذ الرزق وأبواب الحياة، بينما الدولة التى تتهدد سيادتها لا تملك حيلة سوى الدعاء، وفق ما قاله السفير أحمد رزق مساعد وزير الخارجية لأهالى المختطفين. يعرف أيضاً أمين صابر والذين معه أن مطالبة الخارجية لذويهم بأن يلجأوا للمجتمع المدنى، لجمع فدية قدرها ٥ ملايين دولار هى ثمن تحريرهم، فيها من «التخلى» ما يكفى لتعريف «النذالة».. فهم لا يخدمون المجتمع المدنى، ولا يدفعون ضرائبهم للمجتمع المدنى، ولا يسددون رسوم تصاريحهم للمجتمع المدنى، ولا يدفعون غراماتهم للمجتمع المدنى، ولا تلاحقهم شرطة المجتمع المدنى، ولا يخدمون فى جيش المجتمع المدنى، هم فى النهاية جزء من مواطنى هذه الدولة يقدمون لها ما تطلب وما تريد ويؤدون واجبهم نحوها كما ينبغى، ولا يريدون منها سوى رعاية كما ينبغى على الأقل فى وقت محنة عصيبة تهدد حياتهم وتنذر بيتم أطفالهم. يعرف أمين صابر والذين معه أنه لو كان بينهم واحد مثل أبوتريكة، أو أقل منه موهبة، لانقلبت الأرض والسماء، ولخرجت أموال «الفدية» كاملة فى أقل من ساعات، ولوجدوا دولة تتحرك بكل قواها ومقدراتها، ولعرفوا دبلوماسية نشطة غير تلك التى يرونها متخاذلة وضعيفة وغير مشرفة، ولوجدوا رجال أعمال يقدمون الملايين تحت أقدامهم كما يدفع متوسط الدخل ثمن تذكرة المترو. يعرف أمين صابر والذين معه أن أزمتهم يمكن أن تحل من جذورها لو نظرت لهم الدولة ورجال الأعمال على أنهم ٣٣ لاعب كرة من أصحاب المواهب المحدودة، أو من تلك الصفقات الفاشلة التى تدفع فيها الأندية من أموال الدولة وشركاتها ورجال أعمالها ملايين دون حساب ودون تردد أو اكتراث بقيمة ما يخرج من دفاتر شيكاتهم. يعرف أمين صابر والذين معه، وهم يطالعون أنباء عن جمع ٢٩ ألف جنيه فقط من فدية قدرها ٥ ملايين دولار، وهم يطالعون كذلك أنباء عن ملايين تدفع بمباهاة للاعبى كرة، أن هذا البلد العاق بعرقهم وكفاحهم قادر على تحريرهم فى لحظة، لكن ما يحبطهم أنه لا يفعل ولا يحاول، ولا يكتفى بذلك لكنه يستفزهم ويستفز مشاعرهم وجراح أسرهم بـ«شيكات» تتراقص هنا وهناك.. وملايين تتوزع هنا وهناك.. فى زمن أصبحت فيه كرة القدم أغلى من الحياة. يعرف أمين صابر والذين معه أن أبوتريكه ورفاقه يستحقون كل تقدير.. وربما لا يستحق جيل ما جمع من ملايين مثلما يستحق هذا الجيل.. لكنهم يعرفون أكثر أن حياة ٣٣ مصرياً يخلفون وراءهم زوجات وأطفالاً وآباء وأمهات.. أهم ألف مرة وأجدى وأنفع.. فلا يطلبون إلا قدراً من العدل وقدراً من الاهتمام. |
الاثنين، 13 يوليو 2009
آن للسيد «فياض» أن يصمت
| تضامن معى فى دعوة رئيس الوزراء الفلسطينى السيد سلام فياض إلى أن يصمت.. حاول معى أن نقنع السيد فياض بأن صمته أفضل جداً من كلامه.. وأن فى سكوته كل الخير للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطينى وله شخصياً.. أخبر السيد فياض بأن صمته منتهى النضال والكفاح منه، وأنه بهذا الصمت يسطر اسمه بحروف من نور فى سجل النضال والكفاح الفلسطينى المشرف. إذا كنت لا تعرف، فالسيد فياض هو رئيس الوزراء الفلسطينى، بمعنى أنه متحدث باسم شعبه ومسؤول عن قضيته والأهم أنه من المفترض أن يكون من أكثر الناس فهماً لقضية شعبه وحقوقه المشروعة وعدالة نضاله.. لكن السيد فياض قدم هدية مجانية ونفيسة لشركائه فى تل أبيب، بإعلانه التساوى القانونى بين وضع المستوطنين فى الأراضى الفلسطينية والعرب داخل الخط الأخضر (مواطنى الدولة العبرية). فياض قال لصحيفة «القدس العربى» إن «اليهود الذين يختارون أن يظلوا فى دولة فلسطين سيتمتعون بالحقوق السياسية وبقيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل وتفاعل الثقافات والأديان، ولن تقل حقوقهم بالتأكيد عن تلك التى يتمتع بها عرب الداخل فى إسرائيل». أولاً: ساوى فياض بين مستوطنين مستعمرين اغتصبوا الأرض من أصحابها بقوة السلاح، واعتبرهم وكأنهم جالية أجنبية وفدت إلى دولة مجاورة بشرعية وعاشت بين مواطنيها بسلام، وبين مواطنين شرعيين يستحقون جميع حقوق المواطنة قانونياً ويمتلكون الأرض تاريخياً ويعيشون فى وطنهم وقراهم وزراعاتهم منذ آلاف السنين يتوارثونها جيلاً بعد جيل، وفشل الإرهاب الإسرائيلى فى طردهم منها ونجحت مقاومتهم فى اكتساب أكبر قدر من حقوق المواطنة داخل المجتمع الإسرائيلى، حتى تحولوا إلى «نافٍ قانونى» لفكرة يهودية الدولة العبرية. ثانياً: يروج السيد فياض، دون أن يدرى أو ربما دون أن يدرك، لصورة مثالية عن إسرائيل حين يتحدث عن الحقوق السياسية التى يتمتع بها العرب داخل إسرائيل والتسامح والتعايش والاحترام المتبادل وتفاعل الثقافات والأديان، متجاهلاً كفاح «عرب ٤٨» لنيل هذه الحقوق وحالات التمييز العنصرى الصارخة التى تمارس ضدهم، وحالات الاستهداف لثقافاتهم وعقائدهم. ثالثاً: يفتح السيد فياض الباب من جديد لفكرة «التبادل السكانى»، القائم على نقل عرب إسرائيل من الداخل إلى أراضى الضفة وغزة، ونقل المستوطنين إلى مناطق العرب فى الداخل، وهى الفكرة التى تلح عليها إسرائيل فى محاولة منها لتدعيم «يهودية الدولة»، وهو بذلك يمنح إسرائيل مجاناً وتطوعاً مسوغاً لشرعنة مطالبها، باعتبار أن هذه التصريحات تصدر عن رئيس وزراء فلسطينى، المفترض - كما قلت لك - أنه يعرف جيداً مصالح شعبه وحقوقه التاريخية، ويتنازل عنها بكل هدوء وبساطة ويمنحها لإسرائيل على طبق من ذهب. رابعاًً: إن كان السيد رئيس الوزراء الفلسطينى يمنح كل هذا لإسرائيل بسذاجة سياسية مفرطة وهذا أفضل من تغليب سوء النية فى تفسير تصريحاته فإنه لا يكتفى بهذه السذاجة السياسية، وينطلق منها إلى فهم خاطئ ورؤية شديدة القصور وقليلة الإدراك للدور النضالى والتاريخى الذى يلعبه «عرب ٤٨» فى دعم قضية الشعب الفلسطينى وكبح جماح الدولة العبرية.. هو لا يفهم ولم يفهم أن بقاء ٢٠% من سكان إسرائيل داخل هذه الدولة ينطقون الضاد ويتمسكون بهويتهم ويناضلون من أجل حقوقهم لاكتساب مواطنة كاملة، يدخلون الكنيست وينافسون فى البلديات والمحليات، هم بالتالى عنصر ضغط مهم على هذه الدولة الجامحة والخارجة عن كل المعايير الإنسانية والقوانين الدولية. لا يفهم السيد فياض أن وجود ٢٠% من مواطنى دولة إسرائيل عرب، بما يملكون من حراك وكتل تصويتية، يخدم القضية الفلسطينية من جانب خاص، ويخدم القيم الإنسانية بشكل عام بتخليص العالم من دولة دينية عنصرية لا تعترف إلا باليهود، ولا تسعى إلا لتكون دولة يهودية خالصة.. وبالتالى لا يفهم أن الأولى والأنفع هو دعم «عرب ٤٨» ليكونوا مواطنين كاملى المواطنة والحقوق. اسأل السيد فياض إذن أن يصمت ما لم يقل خيراً، وأن يعرف أنه إذا أراد السياسة فليصمت، وإذا أراد النضال فليصمت أيضاً.. وفى جميع الأحوال الصمت أفضل له ولنا. |
الاثنين، 6 يوليو 2009
مواطن قتل «أخوه» المواطن
| المؤكد أن «محمد رضا» لم يكن طائفياً بالمرة حين قرر الترحيب بضيوفه فى قرية «ميت القرشى» بميت غمر وذهب ليشترى لهم زجاجات المياه الغازية من «جون».. والمؤكد كذلك أن «جون» لم يفكر لحظة فى كون هذا الشاب الذى ارتاد متجره مغاير له فى العقيدة. لابد أن تدرك أيضاً أن الاثنين حين اختلفا على ٤ جنيهات لم يختلفا لأن أحدهما مسلم والآخر مسيحى، وإنما لأنهما مواطنان مصريان بامتياز من أولئك الذين نشاهدهم كل يوم يتشاجرون فى الشوارع، ومحطات القطارات، وداخل عربات المترو، وفى طوابير العيش والبوتاجاز والمصالح الحكومية.. يتشاجرون دون أن يسأل أحدهم الآخر عن ديانته أو يطلع على بطاقة هويته، أو حتى يركز فى علامة دينية تتدلى على صدره أو تميز باطن معصمه. لو كان «محمد رضا» طائفياً أو يشغل باله بكون أحد بقالى قريته مسيحى لما فكر فى التعامل معه من الأساس ولفضل الذهاب لبقال مسلم.. لكن الأرجح أنه تعامل كما تربى ونشأ، مثله فى ذلك مثل «جون».. كلاهما نشأ ليجد الآخر يجاوره فى السكن ويشاركه هواء القرية وشوارعها ومرافقها، وربما يشاركه مرح الشباب ولعبهم وذكرياتهم. لم يتشاجر محمد مع جون حين رفض الأخير منحه باقى ما دفعه قبل إرجاع «فوارغ» زجاجات المياه الغازية لأنه بقال مسيحى، ولم يتصور أو يدر فى خلده أن الرجل يفعل ذلك لأنه مسيحى ويكره المسلمين، لم يذهب بالمعركة الشخصية جداً إلى المربع الطائفى.. وكذلك فعل جون الذى لم يتخذ قراره باشتراط إعادة الفوارغ مقابل الباقى نكاية فى محمد لأنه مسلم، وإنما تأكيداً لقاعدة يتعامل بها أغلب بقالى القرى، وأنت تعرف هذا جيداً كما أعرفه، وتدرك أن «ترك رهن» لزجاجة المياه الغازية مسألة شائعة ومعروفة ومنطقية بين بقالى القرى جميعاً. هل تعتقد إذن أن محمد تشاجر مع جون لأنه مسيحى.. وأن جون قتل محمد لأنه مسلم، ولماذا تنظر لها بتلك الذهنية المفرطة فى سوء النية وأنت تعلم أنها مجرد شجار تقليدى بين مواطنين انتهى بمقتل أحدهما، بطريقة نسمع بها كل يوم ونرى نماذج لها كل يوم أيضاً. كيف تسمح بأخذ هذه القضية إلى منطقة طائفية، وتستدعى الأنبياء والرسل ليشاركوا فى صراع على ٤ جنيهات.. كيف تغامر بمحاولة تمزيق وطن من أجل ٤ جنيهات؟ فتطلق على قتيل فى شجار لقب «عريس الإسلام».. وتنظر لقاتل وكأنه «بطل المسيحية» المغوار. لم يمت محمد رضا فداء للإسلام، ولم يقتله جون انتصاراً للمسيحية وأنت تعرف ذلك جيداً.. وتعرف أن رد فعل أهل القتيل وان اتسم بعنف ومطالبات بالثأرــ فهو رد فعل أسرة مصرية مكلومة كانت ستفعل نفس الشىء لو كان قاتل ابنها مسلماً أو لو كانت أسرة مسيحية لقى أحد أبنائها مصرعه غدراً. فوق ذلك لا تصدق ما يدعيه مهووسون ومشبوهون سياسياً حين يقولون إن الأمن نظم عمليات تهجير جماعى لمسيحى القرية بعد تصاعد غضب المسلمين، خوفاً من البطش بهم ثأراً للقتيل.. أنت تدرك أن فى كل هذا محاولات متعمدة للى عنق الحقائق الواضحة وجرها إلى ميدان الطائفية لتكون جمرة جديدة فى موقد يتم إشعاله بتخطيط منظم تحت أرجلنا. لا تنكر أن هناك احتقانا لابد من التصدى لعلاجه بصدق، ولا تنكر أن هناك مشاكل وأزمات ومطالب للأقباط تستحق البحث، لا تنكر أن هناك من يستقوى بحالة الاحتقان ليلوى ذراع الدولة، ولا تنكر أن هناك دولة تغيب طويلاً وحين تحضر إما أن تشرعن الغياب أو تكرس التمييز.. لكن كل ذلك لا يعنى أن تدعى أن هناك «فتنة طائفية» فى ميت غمر.. فلم يحدث فى ميت غمر إلا أن مواطناً قتل أخاه المواطن والمفترض أن يدفع ثمن جريمته وحده، دون جر لعائلته وطائفته وجر للوطن كله. قتل جون محمد.. ليرحم الله محمد.. وليلهم أهله صبر المؤمنين.. وليلق جون وحده عقابه الرادع والعادل، وفقاً لقانون «أعمى» لا يفتش فى عقائد المتهمين. |
الاثنين، 22 يونيو 2009
حتى لا نقول: «النيل مجاشى»
| هل يكفى أن تقرأ أو تسمع أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، وهو يؤكد أن مياه النيل «مقدسة» لتطمئن بالاً على أمنك المائى؟ خاصة فى ظل الرفض الذى تواجهه مصر من دول مبادرة حوض النيل لاستمرار حصة مصر كما هى، ورفض دول المنبع مجتمعة للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التى تحكم حوض النيل منذ عشرينيات القرن الماضى؟ هل تثق فى الأداء السياسى للإدارة المصرية للخروج من هذه الأزمة بكل المكاسب الممكنة؟ سواء الحفاظ على حقوق مصر التاريخية فى مياه النهر، وفى نفس الوقت إظهار قدر من التفهم لمطالب دول المنبع، وإحساسها النفسى بالغبن، وتقديم مبادرات لخلق حالة من التعويض لهذه الدول؟ لك أن تعرف أن الضامن الوحيد لحقوق مصر فى مياه النهر هو إطار قانونى يتمثل فى معاهدتين الأولى تعود لعام ١٩٢٩ وقعتها مصر مع بريطانيا باعتبارها دولة الاحتلال الوصية على دول المنبع فى ذلك الوقت، والثانية اتفاق مصرى سودانى فى عام ١٩٥٩ عقب استقلال السودان عن مصر.. وفى كلتا الاتفاقيتين كان القرار الوطنى لدول المنبع غائباً.. وعقب استقلال هذه الدول تمسكت مصر بمبدأ التوارث الدولى وعدم المساس بحدود ولا اتفاقيات عهد الاستعمار ما لم يتم التوافق على معاهدات بديلة، وفى الوقت نفسه تمسكت هذه الدول بأن لها حقوقاً فى المياه التى تجرى وتنبع من أراضيها، وأنها غير ملزمة باتفاقيات والتزامات الحقبة الاستعمارية. طوال ٤٠ عاماً أو يزيد وتلك المطالب تتصاعد وتظهر وتطفو، تتدخل فيها أطراف خارجية، وتستخدم للاستهلاك المحلى وإثارة النعرات الوطنية فى تلك الدول.. وطوال هذه المدة أيضاً لم تستطع مصر التحرك لمعالجة هذه الحالة من الاحتقان بإجراءات سياسية تتناسب مع أهمية الملف وتأثيره المباشر على الأمن القومى، وتركت وزراء الرى المتتابعين طوال هذه الفترة حلقة التواصل الوحيدة بين مصر وهذه الدول، وهم مع كفاءتهم الفنية من يديرون هذا الملف طوال هذه السنوات ويركزون على التعويضات الفنية فى صورة تمويل مشروعات رى وتوليد كهرباء. الغريب أن منطقة بهذه الأهمية للأمن القومى المصرى تراها غائبة عن دوائر العلاقات الخارجية والاستراتيجية التى تتحرك مصر فى إطارها وتحاول بناءها، فمتى كانت آخر مرة زار فيها رئيس جمهورية مصرى إحدى دول حوض النيل السفلية فى غير اجتماعات منظمة الوحدة الأفريقية التقليدية؟.. هذا الغياب نفسه والتكاسل عن بناء علاقات استراتيجية بمعناها الكامل مع شركائنا فى النهر دليل واضح على أن دائرة حوض النيل غائبة ومتراجعة فى اهتمامات وأولويات السياسة الخارجية المصرية، والمفترض أن تكون هذه المنطقة جزءاً أصيلاً من الحركة المصرية لا يقل فى أهميته عن محيطها العربى بل يزيد. يحتاج بناء علاقات صحية مع دول حوض النيل إلى دور أهم من وزير الرى.. وأبعد من تصريحات وزير الخارجية، يحتاج إلى قيادة تتعامل مع هذا الملف كما تتعامل مع ملف السلام فى الشرق الأوسط بنفس درجة الأهمية والتركيز إن لم يكن أكثر.. أنت تواجه حكومات تشعر بالغبن وتراك تستأثر بثلثى إيراد النهر من المياه بينما تتدفق هذه المياه من أمامهم.. صحيح أن اعتمادهم على نهر النيل فى مواردهم المائية أقل، إلا أن مرحلة كالتى نعيش فيها يتعزز فيها اليقين بأن المياه جزء من الثروات القومية، وحالة الفقر الذى تعانى منه هذه الدول إلى جانب التدخلات الخارجية تجعل جميعها هذا الملف هو الأكثر سخونة أمام الإدارة المصرية والأولى بالتركيز والاهتمام والتحرك الرئاسى، خاصة أن حالة الحكومات التى تشعر بالغبن تنتقل لشعوبها باحساس كبير بالاحتقان والغضب. أنت فى حاجة إذن إلى استراتيجية شاملة لا تتوقف على الدعم الفنى فى مجال الرى والموارد المائية، وتستهدف خلق حالة من الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع هذه الدول وربطها بمصر بعلاقات تعاون وصداقة ومصالح مباشرة يشعر بها المواطن قبل حكومته وتمثل فى جانب منها قدراً من التعويض ونوعاً من التفهم المصرى للاحتياجات التنموية لهذه الدول، وضماناً أكثر أهمية لحقوق مصر التاريخية فى مياه النهر وما يمكن أن تحققه من زيادة فى مواردها من خلال مشروعات الاستفادة من المياه المهدرة. تستطيع أن تبنى جامعات ومدارس فى كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وبورندى.. وفروعاً لجامعة الأزهر هناك.. وأن تتوسع فى المنح التعليمية لطلاب هذه الدول، وأن تمنحهم امتيازات فى الإقامات والسياحة والعلاج.. وأن تحفز رجال الأعمال وهم غالبية أعضاء أمانة السياسات على الاستثمار فى دول الحوض وأن تمنحهم تسهيلات ائتمانية لإقامة مشروعات كبيرة فى هذه الدول تستوعب قوى عاملة وتساعد فى رفع معدلات النمو.. تستطيع أن تبنى مدناً وتجمعات سكانية.. وأن تقدم خبرات تدريبية فى مجالات الأمن والتسليح والإدارة.. تستطيع أن تكون حاضراً فى السياسة والاقتصاد والتعليم والفنون بحركة دؤوب ومستوى تمثيل سياسى هائل وقادر على دفع عجلة هذا «الاستحواذ» المفترض على هذه المنطقة لإبعادها عن استقطابات الأطراف الخارجية وإخماد حالة الاحتقانات الداخلية، بنفوذ متزايد واحترام واضح وشراكة حقيقية ومخلصة. ستقول إن فاتورة ذلك باهظة.. لكنها على المستوى البعيد لن تكون أكثر فداحة من استمرار التوتر والعشوائية فى إدارة أهم ملفات أمننا القومى، وأكثرها تهديداً للحياة.. والتكاسل فى بناء مشروع متكامل لضبط إيقاع المنطقة الجاهزة دائماً للفوران سيجعل هناك احتمالاً قائماً دائماً بأن نصحو من نومنا لنقول: «النيل مجاشى»! |
الاثنين، 15 يونيو 2009
منْ كان منكم بلا «شماعة»
| ربما كنا الشعب الوحيد الذى يمتلك، باستمرار، «شماعات» يعلق عليها أخطاءه.. أنت تعرف هذا وربما تجد مبررات فى بعض الأحيان لأخطاء تبدو غير واضحة الأسباب تتحمل التفسيرات والتأويلات.. تستطيع أن تجد من يقول لك إن النكسة كانت خطأ كبيراً وعظيماً على المستويين السياسى والعسكرى، وسوء تقدير بالغ للموقف، لكنك تجد من يحدثك عن الفخ الذى نصبته القوى الغربية لعبدالناصر، وتجد من يكاد يقسم بأن النكسة كانت ستقع لا محالة سواء كان عبدالناصر فى الحكم أو غيره، وكأن الهزيمة مسألة قدرية لا يليق أن نلقى بمسؤوليتها على الزعيم الذى تحملها بالفعل واعترف بها فى خطابه. يقولون لك إن معاوية بن أبى سفيان «صحابى جليل» يلحقون اسمه بـ«رضى الله عنه».. وبعضهم يقول «سيدنا».. كان الرجل مقرباً من الرسول الكريم وأحد كتاب الوحى وحفظة القرآن، وهذا يكفى لمنحه هذه الهالة الروحانية.. لكن حديثهم عن معاوية الصحابى يستغل للدفاع عن معاوية الحاكم والسياسى، الذى شرّع التوريث فى الدولة الإسلامية لأول مرة، وأسقط أهم مبادئ الحكم الإسلامى وهو «الشورى»، وأسقط لغة الحوار فى مقابل لغة القوة، ودخل فى مواجهة مع من هو أكرم بالمعيار الروحانى «على بن ابى طالب ونجلاه الحسن والحسين» انتهت بمصرع الثلاثة تباعاً، وحصل على بيعة النخبة لابنه يزيد بالسيف، وأول من استخدم المال فى السياسة، وصنع أجهزة «العسس» لملاحقة المعارضين.. ببساطة يُستخدم معاوية الصحابى «شماعة» لتبرير أخطاء معاوية السياسى والحاكم المستبد. يحدثونك عن أحمد عرابى الذى كاد ينتصر على جيش الإمبراطورية البريطانية ويمنع احتلالاً بريطانياً لمصر دام عقوداً طويلة، لكن خديعة ديليسبس أحبطت جهوده، ذهب الرجل ليغلق القناة فقال له ديليسبس إن القوات الغازية لن تستطيع استغلال المجرى الملاحى الدولى لأن القانون يمنع.. هذا ما روته الكتب المدرسية دون أن تشير إلى أن هذا الزعيم المناضل أخطأ خطأ مصيرياً، وسقط بسذاجة مفرطة فى خداع لا يليق بقائد عسكرى ولا بمشروع سياسى يؤهل نفسه لقيادة وطن فى لحظة تاريخية فارقة. تعيش فى وطن يمر بأزمة تلو أخرى.. ومأزق وراء مأزق.. تخسر شركة فيغير رئيس مجلس إدارتها سكرتيرته.. وتحدث كارثة أمنية فيقيل وزير الداخلية مأمور قسم المنطقة التى وقعت فيها الكارثة.. يرسب حزب فى الانتخابات فيغير زعيمه رئيس تحرير جريدة الحزب.. يتورط معارض فى فضائح أخلاقية وجنائية فيتهم النظام بتلفيق الاتهامات للقضاء عليه.. تتراجع دولة بكل مقوماتها اقتصادياً وسياسياً فتتزايد التعديلات الوزارية ويتبدل الوزراء. حتى فى مباريات كرة القدم.. يحاول نقاد ورياضيون يمتلكون من رجاحة العقل ما يكفى لـ«منطقة» الأمور.. إقناعك أننا خسرنا مباراتنا مع الجزائر بسبب وجبة «كسكسى» تناولها اللاعبون قبل المباراة وأثرت على الفريق، وأن إدارة اتحاد الكرة الجزائرى رتبت وجبة «الكسكسى» مع سبق الإصرار والترصد، للتأثير على أداء الفريق المصرى.. لم يقل أحد إننا كنا الأسوأ، ولا نستحق الفوز.. مع مراعاة أن المباراة شاهدها الجميع ولمسوا من خلال مشاهداتهم كل ما يجعل فوز الجزائريين منطقياً ولازماً.. لكنه فشل ومكابرة فى الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية.. وكل فشل عندنا تلزمه «شماعة».. فمن كان منكم بلا شماعة فليسارع بتجهيز واحدة. |
الاثنين، 8 يونيو 2009
لا تنتظروا أوباما المصرى
٨/ ٦/ ٢٠٠٩ |
| أنت منبهر بما جرى تحت قبة جامعة القاهرة، منبهر برشاقة الرجل وحضور ذهنه، منبهر بخطابه وتسامحه وتصالحه، بلغته ووضوحه واتزانه، بقصته وتاريخه وصعوده، أنت منبهر بكل شىء.. وهذا حقك، لكنك إذا عدت إلى عدة أشهر ماضية، ستجد أن الانبهار الحقيقى يجب ألا يكون بـ«أوباما» بقدر ما يجب أن يكون بـ«كفاءة» الشعب الأمريكى ونخبته، الذين دفعوا أوباما إلى صدارة المشهد فى توقيت حاسم، ولحظة فارقة. عاشت الولايات المتحدة ٨ سنوات لن تنساها فى تاريخها مع الإدارة السابقة، التى هبطت بسمعة الولايات المتحدة إلى أدنى مراحلها، وهبطت بشعبيتها إلى آخر مستوياتها، وزادت من كراهية الأمريكيين فى العالم كله، وتجاوزت كل الخطوط الأخلاقية التى بنت عليها الولايات المتحدة سمعتها فى العالم وفى أذهان الشعوب، كمجتمع للحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان، فتحولت إلى إدارة حرب فى الخارج، ونظام بوليسى فى الداخل، وأفرطت فى تصنيف الأعداء، وزيادة قوائمهم.. وفى النهاية دخلت بالمجتمع فى حائط صلب، اسمه «الأزمة المالية». فى تلك اللحظة الفارقة.. كان أمام الولايات المتحدة كشعب «خياران»، إما مواصلة الانحدار، أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولم تكن الرغبة فى التغيير قراراً لأوباما أو غيره، لكنه كان اختيار مجتمع حى تقوده نخبة عالية الكفاءة، أدركت طبيعة المحنة الأخلاقية التى سقطت فيها البلاد، والمطلوب بالتحديد لعبورها. لم يكن أوباما على الإطلاق أهم أسود فى تاريخ الولايات المتحدة ولا أكثرهم موهبة.. لكنه كان الاختيار المناسب فى هذه اللحظة بالتحديد لاستعادة كل ما فقدته الولايات المتحدة، وهو اختيار ينم عن ذكاء وحيوية النخبة التى دفعت به، وينم عن تفهم المجتمع الذى منحه تأييده فى صناديق الاقتراع. مهدت سياسات جورج بوش لأوباما طريقه للبيت الأبيض.. ووضعته الاختيار الوحيد أمام تلك النخبة التى لا تشغلها عن المصالح الحقيقية للبلاد أى أهواء، فهو أسود.. والولايات المتحدة تواجه اتهامات بالتمييز، ومن أصول إسلامية.. والولايات المتحدة تواجه اتهامات بالعداء للإسلام والمسلمين، وأستاذ قانون.. وانتهاكات حقوق الإنسان تلطخ سمعة وثوب البلاد، وفى النهاية قصة كفاح ونجاح تجسد الحلم الأمريكى بكل عناصره، وتعيد الاعتبار لهذا الحلم القائم على مجتمع الفرص العادلة والمتكافئة ودعم المبادرات الشخصية. أنت أمام حالة انبهار فى جميع الأحوال.. ولا يمكن أن تغفل مواهب الرجل وقدراته على الأداء، بما عزز اختياره المصيرى لهذه المهمة، لكن ما يستحق القدر الأكبر من هذا الانبهار، هو ذلك المجتمع الكفء والحيوى، وتلك النخبة التى تملك بوصلة حقيقية لوضع بلادها، فتقودها فى الاتجاه الصحيح، والنتيجة واضحة وظاهرة، حيث ربح رهانهم على أوباما، واستعادت الولايات المتحدة فى عدة أشهر ما فقدته من سمعتها ووضعها الأخلاقى فى ٨ سنوات. أنت أيضاً، إلى جانب انبهارك، تحلم حلماً، المؤكد أنه مشروع، بأن يأتى أوباما المصرى ليمد يده للجميع بتصالح ملائكى، ويعيد استكشاف مكامن القوة الناعمة بحيويته.. وأنا أفترض معك أن هذا الأوباما موجود لأن مصر ولّادة كما تعرف.. لكن هل نمتلك نخبة قادرة على الدفع به لأداء الدور المصيرى المطلوب منه والذى تأخر كثيراً، هل نملك الوعى الذى يجعل صناديق الاقتراع تنحاز للحلم، هل نملك هذا المجتمع الكفء والحيوى الذى يعرف ماذا يريد وكيف يتصرف فى اللحظات الحاسمة ليعيد الأمور إلى نصابها برشد؟! لدينا أوباميون كثيرون خارج دائرة الضوء، لكننا نفتقد التربة الخصبة.. وحتى نستصلح تربتنا ونمهدها ونغير ما بأنفسنا .. لا تنتظروا أوباما المصرى.. على الأقل فى المدى القريب. |
الاثنين، 25 مايو 2009
حتى لا تكون الخسارة للجميع
| دعك من التكهنات بمصير هشام طلعت مصطفى وشريكه محسن السكرى، وهل سيؤيد المفتى قرار إعدامهما، أم لا، وهل ستقضى محكمة النقض بذات الحكم أم ستعيد المحاكمة إلى دائرة أخرى.. فى جميع الأحوال، تلك أمور مازال أمامها وقت، فلا تعتقد أن حكم الإعدام سيتم تنفيذه بمجرد النطق به صراحة فى جلسة ٢٥ يونيو المقبل. دعك أيضاً من الحديث حول التضحية بـ«هشام»، ورفع حماية النظام عنه، وضغوط دبى التى أوقعت به، وغير ذلك من التحليلات والتكهنات التى تنسى قيمة القضاء المصرى، وتسىء إليه بسوء نية أو دون قصد، فالمؤكد الآن أن هشام هو الذى أوقع بنفسه، وهو الذى انتهك حصانته ووضع قدميه على أول سلم الهبوط، ثم انطلق مهرولاً إلى أسفل، بعد رحلة طويلة صعد خلالها بعائلته وشركاته وشركائه إلى نقطة أسطورية. المؤكد كذلك، أن حكم النقض فى حالة عدم تأييده لحكم الجنايات، فإن ذلك لن يعنى على الإطلاق براءته من المشاركة فى الجريمة، فـ«النقض» هى محكمة الأحكام، تحاكم الحكم وسلامته من النواحى الإجرائية والشكلية، ولا تقترب من الموضوع ولا تستمع للشهود، أى أن براءة «الإجراءات» لا تعنى عدم الإدانة، على الأقل أمام محكمة الرأى العام. النتيجة الوحيدة التى تستطيع أن تتعامل معها بيقين كامل فى هذه القضية حتى الآن.. هى صحة الإدانة، أما العقوبة فتبقى مرهونة لإجراءات قضائية ونصوص قانونية، و«شٌغْل» محامين ــ الأرجح أنه لن يحقق الكثير. اترك هشام إذن لمصيره، وليدفع ثمن أخطائه كما يجب وكما يستحق، لكنه فى النهاية خطأ هشام وحده، والمفترض أن يدفع الثمن وحده.. وتلك يجب أن تبقى قضية شخصية لهشام وعائلته، رغم كل ما تمثله من شهوة للإعلام ولمتلقيه. النقطة الغائبة عن مسار المتابعات والتحليلات، هى مصير هذه المجموعة الاقتصادية الضخمة، التى كان يقودها هشام طلعت ونجح ــ بدعم من الدولة أو بدون ــ فى تحويلها إلى كيان اقتصادى قوى وقائد ومؤثر.. سواء على صعيد حالة النمو العام أو مسألة التشغيل، والتى يجب ألا تنهار، لأن فى انهيارها خسارة كبيرة ليس لهشام كشخص أو حتى لعائلته وشركائه، لكنها خسارة مجتمعية بشكل عام. أظنك قادر على استيعاب ذلك.. وربما تابعت ــ مع الفارق الهائل ــ الدعم الذى يقدمه المجتمع الأمريكى ودافعو الضرائب لإنقاذ صناعة السيارات وشركاتها العملاقة، لم يقل أحد هناك إن أموالنا ستذهب لإنقاذ بضعة أشخاص فى «فورد» أو «كرايسلر» من الإفلاس، ولم يقل أحد بتشف: «اتركوها تغرق».. هناك يدركون أن نجاح الأفراد يصب فى النهاية فى نجاح وقوة المجتمع.. يتحاسبون بشكل قاسٍ، لكنهم يتفقون فى النهاية على حالة من الحماية والاحتضان لعناصر قوتهم الإجمالية. هذا هو المفهوم الذى لم يصلنا حتى الآن.. نحن نفكر فقط فى أن شركة مثل «موبينيل» مملوكة لساويرس، «إيه يعنى يبيعها أو يحجزوا عليها أو ياخدوها الفرنساويين».. تختزل لدينا المسائل فى شخص ساويرس، الرجل الذى يستفز البعض ثراؤه ، ويَغيِر البعض من نجاحه، ويرفضه البعض تحت تأثير طائفى.. لا أحد يفكر فى المفردات التى يمثلها ساويرس، والتى تجعلنا كمجتمع شركاء معه، سواء فى حملة الأسهم أو التشغيل أو الضرائب أو السيولة النقدية التى يجمعها من جيوب المصريين كفواتير ويعيد ضخها لتستمر دورة التشغيل. أنت وآخرون تنطلق من قضية هشام طلعت، لتتمنى انهيار الشركة وإفلاسها، وتنسى أن هذه الشركة جزء مهم فى عجلة تدور بانسجام.. تخيل فقط كم عاملاً ومهندساً وموظفاً يعملون فى مشروعاتها بشكل دائم أو مؤقت! وكم ألف طن من مواد البناء تستهلكه يومياً، فتتحرك به خطوط إنتاج فى مصانع هذه المواد!.. وخطوط الإنتاج تلك تعنى وظائف مباشرة، وتعاقدات مع ورش صغيرة! ليس مطلوباً منك وحدك أن تستوعب ذلك دون رجال الأعمال.. فالدرس الوحيد الذى يمكن أن يخرج به مجتمع يسعى للنهوض والحركة المستمرة، أن المؤسسات الاقتصادية الخاصة لابد أن تكون مؤمنة ضد «الشخصنة»، ويجب ألا تبقى مرتبطة بشخص مهما يكن.. تصعد مع صعوده، وتهوى مع أى سقوط شخصى له.. فتكون وقتها الخسارة على الجميع، والأمر نفسه بحاجه أيضاً إلى دولة لديها قوانين تنظيمية واضحة ومحترمة، ولديها إرادة لفرض احترام هذا القانون على هذا المجتمع «المنفلت» دون امتيازات أو استثناءات أو إعفاءات وعطايا مجانية، ولعل درس هشام واضحاً الآن أمام أعين الجميع. ليصعد هشام إلى منصة الإعدام ــ لو أقرت محكمة النقض ذلك ــ فهذا جزاؤه العادل .. ولتبق المجموعة الاقتصادية التى تحمل اسم والده قائمة وقوية وحيوية ومنضبطة، فهذا حقنا العادل أيضاً.. وليعتبر أولو الألباب. |
الاثنين، 18 مايو 2009
زمن «حمو النيل»
| كان المرض غريبًا فى بدايته، حتى إن طبيب الوحدة الصحية عجز عن تشخيصه، واكتفى بحقن الصغير بمضاد حيوى، وأوصى بأن يستحم ثلاث مرات يوميًا بمياه باردة دون صابون، رغم أن الشتاء لم يكن أنهى انسحابه بعد، وكان يناوش بصقيع بين حين وآخر، خاصة مع انتصاف الليل حين يبدأ الطفل فى التأوّه بعنف وهستيرية، وهو يهرش فى كل جسده، وتكاد أظافره تحفر مجارى للدم فى لحمه. كانت الأم تعتقد أن ابنها - والعياذ بالله - أصيب بـ«الجرب» حتى إن جاراتها كن يعايرنها فى السوق، وينادين عليها بـ«أم الجربان».. لكن طبيب الوحدة أقسم بالطلاق أن حالة الطفل بعيدة كل البعد عن «الجرب»، وعن «الحزام النارى»، وعن «التينيا والإكزيما والصدفية»، وغيرها من الأمراض الجلدية المعروفة. كانت الحبيبات الحمراء الدقيقة التى تكسو وجهه تبدو مألوفة فى البدء، ومن ذلك النوع الطبيعى الذى يداعب الأطفال عادة بين وقت وآخر، ويعالج بـ«بودرة تلك» أو دهان موضعى مرطب، لكن ما حدث أن تلك الحبيبات سرعان ما انتفخت ثم انفجرت، ثم افترشت على الجلد فكسته «حُمرة» مثل رماد «فرن بلدى»، وأظهرت الطفل كأنه محروق لتوه على «كانون فحم»، ناره أهدأ من نار «الشيشة». كانت الآلام المبرحة التى يعلن عنها الطفل بصراخه تدمى قلب أبيه المسكين، خاصة حين تتهمه أمه بأنه هو الذى نقل العدوى لطفلهما، وتؤكد له جازمة أن طبيعة عمله كسائق سيارة أجرة بين المحافظات، وحرصه على اصطحاب الطفل معه فى الإجازات المدرسية، كانا سببًا فى ذلك، حيث التقط العدوى من أحد الركاب، ومنذ ذلك الحين وهى تغسل له السيارة بـ«الفنيك» عقب كل رحلة. لجأ الرجل إلى كتاب عن طب الأعشاب، كان قد صادره من راكب لم يكن يملك «الأجرة».. وقرأ فيه أن علاج «الحكة الجلدية العنيفة» طحن قشر رمان ناشف، ثم عجنه بالزيت ودهن الجسم به.. لكن كل ذلك لم ينجح، وعندما ذهب إلى المستشفى المركزى بالمحافظة احتجزوا الطفل، ونعته طبيب المستشفى بكل مرادفات الجهل بسبب قشر الرمان، ثم قال له إن المرض الذى يعانى منه طفله - الذى لم يتجاوز الثامنة من عمره - مجرد «حالة نفسية»، نقله ذلك إلى ما سبق أن قالته حماته من أن حفيدها «معمول له عمل بالهرش»، من «سلفة» ابنتها التى تغار منها، لأن ابنتها أنجبت الولد، بينما ظلت خلفتها - رغم كل المحاولات المتكررة - بنات. وبينما كان الأب يدور خلف «المشايخ» بحثًا عن «فكة للعمل»، كانت أنباء مرض الطفل تصل إلى مسامع ناظر المدرسة الابتدائية، الذى يصدر قرارًا بمنع الطفل من دخول المدرسة، خشية انتشار العدوى بين التلاميذ، يحاول الأب أن يقنع الناظر بأنه ينام فى حضن طفله كل يوم، وأمه وأخواته البنات يحطن به، ولم يصب أى منهم بمكروه، ولم تنتقل إليهم العدوى، لكن الناظر قرر منع الطفل من باب الاحتياط، مما أخرج الرجل عن شعوره فاعتدى على الناظر بالضرب، وتم تسليمه للنيابة، ووصل أمر جريمته الشنعاء إلى صفحات الحوادث بالصحف. لم يجادل الرجل، واعترف بجرمه.. قال لوكيل النيابة إنه لا يهمه أن يدخل السجن، لكنه يريد علاج ابنه حتى لا يضيع مستقبله، ويطالب بعلاجه على نفقة الدولة بالخارج إذا لم يكن الداخل لديه علاج لحالته.. تعاطف معه وكيل النيابة، الذى تبين أنه - بالمصادفة غير البحتة - ابن شقيقة وزير الصحة، فكلم خاله فى التليفون وعرض عليه الأمر، ورد عليه الوزير بأنه سيرد عليه صباح الغد. وفى صباح ذاك الغد كانت عدة صحف وبرامج تليفزيونية تتحدث عن اللفتة الإنسانية للوزير بعلاج الطفل على نفقة الدولة، وتحولت حالته إلى قضية رأى عام فى بضع ساعات، وتقرر سحب عينة من جلد الطفل لتحليلها فى المعامل المركزية، وإرسال نسخة منها إلى المعامل اللندنية لمناظرة نتائج التحليلين. يومها تحدثت تقارير لمنظمة الصحة العالمية عن مرض جلدى مجهول يصيب الأطفال فى مصر، وقرر وزير الصحة وضع أطفال القرية تحت الملاحظة، واعتبار القرية «منطقة موبوءة». المعامل اللندنية كشفت أن إصابة الطفل جاءت نتيجة اتحاد مرض «حمو النيل» التقليدى مع «الصدفية والحزام النارى» ليشكل شكلاً جديدًا من أشكال الأمراض الجلدية العنيفة التى من الممكن أن تؤدى إلى إذابة الجلد بشكل كامل، ومن ثم موت المريض تحت تأثير هذا الألم المرحلى. تواترت تقارير منظمة الصحة العالمية التى تحذر من النسخة الجديدة من «حمو النيل».. وبينما أكدت أنه لم يثبت حتى الآن انتقاله من طفل إلى طفل، إلا أن حالة من الذعر سادت البلاد، وخلت المدارس من التلاميذ، وأعلنت حالة الطوارئ، وشكلت وزارة الصحة فرقاً لاحتجاز كل طفل يُضبط يحك جلده لأى سبب أو يظهر أى قدر من الاحمرار على جلده. بينما كان مجلس الوزراء يجتمع لتدارس الموقف، وإعلان خطة طوارئ لمواجهة المرض، ومحاولة الحد من انتشاره، وتطوير مضادات جديدة له، كانت شائعة تسرى فى البلاد تؤكد أن الحكومة قررت التخلص من جميع الأطفال حتى ١٠ سنوات، ومنع الإنجاب لمدة ٣ سنوات مقبلة، حتى يمكن السيطرة على المرض، لكن رئيس الوزراء نفى ذلك تماماً، وقال إن الحكومة لا يمكن أن تواجه «حمو النيل» بإعدام الأطفال، وإن لديها استراتيجية أخرى للمواجهة، ورغم أن الناس اعتادت عدم تصديق رئيس الوزراء، فإن قراراً جمهورياً صدر فى صباح اليوم التالى يقضى بـ«ردم النيل» فوراً، مما جعل الناس يصدقون أن الاختيار تم حسمه بعيداً عن أطفالهم! |
الاثنين، 11 مايو 2009
شيخ «الخنزرة».. و«الخواجه» موريس
| عندما تقرأ أو تسمع أو تشاهد «الشيخ الدكتور» زغلول النجار، وهو يقطع واثقاً بأن من يأكل لحم الخنزير تصبح طباعه خنزيرية، ويكتسب تدريجياً ملامح الخنزير، ويظهر ذلك على وجهه الذى «يتخنزر» مكتسباً شكل الخنزير.. فلابد إذن أن تتحسس عقلك. وعندما تقرأ بيان «الناشط القبطى» المقيم فى الولايات المتحدة موريس صادق، الذى يصفنى فيه وكل المسلمين المصريين بأننا أحفاد العرب الغزاة الذين احتلوا وطنه واغتصبوا أرضه، ويعيثون فى بلاده فساداً، فيضطهدون الأقباط، ويغتصبون فتياتهم، ويجبرونهن على اعتناق الإسلام.. فلابد أيضاً أن تتحسس عقلك، خاصة حين تراه يصف نظام الرئيس مبارك بـ«الوهابى»، الذى يذبح الخنازير انتقاماً من الأقباط وتكريساً لاضطهادهم.. والأدهى من ذلك لوجود ثأر ما، بين المسلمين عموماً وبين الخنازير. لا تسأل نفسك، إذا كنت مسلماً، عن أصدقائك المسيحيين أو جيرانك أو زملائك فى العمل.. لا تدقق فى ملامح مئات الآلاف من السياح الذين يسيرون أمامك فى الشوارع كل يوم.. لا تتأمل فى وجوه الملايين على وجه الأرض الذين يأكلون لحم الخنزير وتفيض ملامحهم وسامة وجمالاً.. فقط اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل يصدق زغلول النجار نفسه.. ولماذا يجد من يصدقه؟ لماذا يفترض النجار أن هناك من سيصدق أن طعاماً، مهما كان محرماً فى عقيدته، يمكن أن يؤثر فى ملامح من يتناوله، حتى لو غلف قوله بعدد من المصطلحات العلمية والتعبيرات الطبية ذات الجرس الرنان؟ هل تريد رأيى؟.. المؤكد أنه لا يصدق نفسه لكنه يدرك أن هناك من يصدقه.. وإلا ما كان فعل ذلك وكرره. لا تسأل نفسك أيضاً: لماذا يصف موريس صادق رجلاً مثل ليبرمان، وزير خارجية إسرائيل، بـ«البطل» وهو الذى ينطق العبرية بالكاد، وجاء من روسيا قبل سنوات قليلة، ولا يصفه بالغازى أو المحتل، ويفترض أن كلنا غزاة ومحتلون.. لا تسأل نفسك أيضاً: لماذا يغلف موريس - أمريكى الجنسية، الذى أقسم على الدستور الأمريكى الذى يحترم عقائد مواطنيه - خطابه السياسى وخلافه مع النظام المصرى بخرافات دينية يختلقها ويستغلها ويسىء بها لنبى يؤمن به نحو ٦ ملايين أمريكى «لم يحتلوا وطنه ولم يضطهدوا أهله ولم يغتصبوا نساءه»، إلى جانب ما يزيد على مليار مسلم فى أنحاء العالم؟ لا تسأل نفسك كذلك: لماذا يعتقد موريس صادق بعد أكثر من ١٤٠٠ عام على دخول العرب مصر، أنهم غزاة ومحتلون، وأن حكوماتهم الحالية ليست إلا حكومات احتلال، ولا يرى ذلك فى نفسه ولا فى الأمريكيين الذين بنوا له «وطنه الجديد» قبل بضع مئات من السنين على أنقاض شعب آخر؟.. هل تعتقد أنه لم يشاهد الأفلام الهوليوودية عن إبادة الهنود الحمر، وكيف تعامل معهم الأمريكيون الأوائل على أنهم كائنات شيطانية نجسة، وكيف أقحموا المسيح فى استحلال دمائهم.. والمسيح منهم براء؟ لا تسأل نفسك: لماذا يفترض موريس صادق أنه مصرى أصيل «محسب ومنسب» وليس «خواجه» حفيدًا لأحد جنود جيش قمبيز الفارسى، أو لقائد من الهكسوس، أو لتاجر إغريقى، أو حتى لامرأة رومانية مجوسية اعتنقت المسيحية بعد إقرارها ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية.. هل لديه ما يثبت أنه مصرى من نسل مينا موحد القطرين؟ لا تسأل نفسك كل هذه الأسئلة.. فقط اكتفِ بسؤال واحد: هل يصدق موريس صادق نفسه.. ولماذا يجد من يصدقه؟ ولا تندهش حين أخبرك أنه قطعاً لا يصدق نفسه، مثله مثل كل سياسى، لكن المؤسف أنه يجد من يصدقه. عندما تستمع إلى زغلول النجار أو موريس صادق، لابد أن تشك للحظات أنك تعيش فى عام ٢٠٠٩، لكن ما لا يمكن الشك فيه أن كليهما موريس وزغلول وجهان لعملة واحدة، يحركهما خطاب مصبوغ بالتدين والنضال، ومعبأ بالحقد والكراهية، ولا يستنكفان عن استخدام أى شىء فى المعركة، حتى لو كان لى عنق التاريخ والتقول على الأديان، لكنهما ينجحان فى دغدغة مشاعر جماهير مشحونة بالاحتقان والطائفية.. ومحملة كذلك بالإثم. قلت لك من البداية تحسس عقلك، وعندما تفعل ستعرف أنهما ليسا عدوين متصارعين، وليسا ضدين متنافرين بقدر ما هما حليفان متناغمان، يمتلكان خطاباً مشتركاً وهدفاً واحداً، لا يصب قطعاً فى مصلحة وطن أو عقيدة، والمؤكد أن من يصدقهما لم يتحسس عقله.. ولم يحاول.. وكما تعرف، فالعقل هو الشىء الوحيد الذى ميز الله به الإنسان عن باقى مخلوقاته. |
الاثنين، 4 مايو 2009
فتنة الخنازير
| «أنت تعيش فى مجتمع طائفى بامتياز».. تلك حقيقة لم تعد تحتاج برهاناً، والواقع أمامك هو اليقين ذاته. دعك من العبارات الإنشائية حول الوحدة الوطنية والتسامح الأفلاطونى، وتلك الصور التى يُقبّل فيها البابا شيخ الأزهر، والمشاهد التليفزيونية الساذجة التى تحرص بإصرار على تصدير صورة التسامح بشكل يظهر «بطحة» الاحتقان. أنت محتقن فى داخلك.. ترفض الآخر، وتتحين الفرص لإيذائه، وتتصيد الأخطاء للإيقاع به، حتى لو بدت ابتسامتك أكثر اتساعاً، وخطابك المعلن أكثر تسامحاً، وعيناك تغرورقان بالدموع من فرط طيبتك الظاهرة، ومحبتك المثالية. أنت منافق إذن.. تُظهر فى العلن ما تُبطن عكسه فى مجالسك الخاصة، حديثك فى المقهى غير حديثك فى المسجد.. ورأيك الذى تعلنه فى النادى غير رأيك الذى تعلنه بين جدران الكنيسة، ما تكتبه فى الصحف وتقوله لوسائل الإعلام غير ما تقوله وتفعله فى قدّاسك أو فى صلاة الجمعة. لست وحدك الطائفى والمحتقن والمنافق.. فقد رزقت بنظام مثلك وحكومة على شاكلتك، ودولة تقول ما لا تفعل.. تأمر الناس بالمعروف وتنسى نفسها.. تنكر مصيبتها وتحاول أن «تخفى عارها، فإذا ببطنها المنتفخ بالعار يفضحها».. تتحسس بطحتها عند كل حركة وعند كل قرار، تفتش عن ظواهر الأشياء ولا تقترب من جذور المشكلات.. تصبُّ الماء على النار فتطفئها تاركة الجمر مشتعلاً تحت الرماد. ترانى غارقاً فى تشاؤم لا يستحق تهويلاً كذلك.. وأراك غارقاً فى تفاؤل يتجاهل النار أسفل أرجلنا.. تشعر بوهجها وتتقافز فى مكانك من لسعاتها.. وإلا فما تفسيرك لتحول قضية صحية عالمية مثل «أنفلونزا الخنازير» إلى مسألة طائفية شديدة المحلية؟ هل عندك تفسير لهذا الكمّ من الشماتة والتربص والتشكيك الذى فجرته الأزمة؟ لماذا تفتش وزارة الزراعة عن الأطباء البيطريين الأقباط بين صفوفها تحديداً لزرعهم أمام المجازر والمزارع للإشراف على عملية الذبح؟ أليس هذا تفكيراً طائفياً يسيطر على الدولة؟ لا تقل لى إنه مراعاة لمشاعر وعقائد الأقباط، إلى غير ذلك من الكلام الذى تردده دون اقتناع.. الدولة غارقة فى الطائفية، لذلك لم تستطع وزارة الزراعة أن تتصرف كمؤسسة مدنية قومية وترسل أطباءها إلى مواقع العمل دون النظر فى هوياتهم الدينية، ودون تفتيش عن الصلبان فى معاصمهم. لا تقل لى أيضاً إن حملة «الشماتة» التى تراها على المنابر، تتحدث عن عظمة الإسلام الذى حذر من الخنازير، وعن آيات الله التى تنتصر لعباده المسلمين ـ لا تعبر عن طائفية واضحة وبغيضة، خاصة تلك الأصوات التى حفزت من البدء على إعدام الخنازير، وتحدثت باستخفاف عن آلاف أو عشرات الآلاف الذين يستفيدون من الخنازير، وترديد عبارات فى ظاهرها الرحمة وفى باطنها العذاب على شاكلة: «مش المهم نضحى بمليون واحد.. لحماية ٨٠ مليون».. فلم يكن ذلك هو رأى هذه الأصوات عند تفشى «أنفلونزا الطيور»، حتى إن هذا الفيروس الذى يصيب الطيور، رغم وضوح وتأكيد وجوده فى مصر والإعلان رسمياً عن وفاة ٢٤ شخصاً به غير عشرات المصابين، مازال هناك مَنْ يشكك فيه ويعتبره مؤامرة على صناعة الدواجن.. ومن نفس تلك الأصوات التى طالبت من اللحظة الأولى بإعدام الخنازير وتشريد المتعيشين منها، متحفزون بشماتة طائفية أكثر من مجرد قلق صحى عام. الغريب أن هناك من حولك مَنْ يصدق أن «أنفلونزا الخنازير» جاءت كعقاب من الله للمسيحيين، وانتصار للإسلام، وكأن الإسلام هو الدين الوحيد الذى يحرّم لحم الخنزير، وهؤلاء لا يقولون لمن كان يوجه العقاب فى «أنفلونزا الطيور»: وإلى أى دين انتصر هذا الفيروس المنتشر فى مصر؟ وإلى أى دين انتصر «جنون البقر»؟ إذا كنت لا ترى أن إقحام نفسك فى إبداء آراء شخصية وتغول نقدى فى عقائد الآخرين تخطٍ لخط أحمر، لا علاقة له بحرية الرأى ولا غيرها، فأنت تمهد لكارثة حين تصبح العقائد فريسة أمام النقد والمقارنات والتعليقات المستخدمة سياسياً ومن غير أصحابها. انظر كذلك إلى الحملة التى يشنها أقباط المهجر على الدولة وادعاءاتهم باستهداف المسيحيين من وراء هذه الأزمة لإضعافهم وإفقارهم وتجويعهم، وغير ذلك من أحاديث الاضطهاد والتنكيل التى يروجون لها، لتعرف أن هذا الاحتقان السائد عملية ذات طرفين، كلاهما يمسك إحدى ذراعى الوطن، ويشد فى اتجاه معاكس للآخر.. والنتيجة متوقعة. لا «أنفلونزا الخنازير» جاءت انتصاراً من عند الله للمسلمين فى مواجهة المسيحيين، ولا الحكومة تذبح الخنازير نكاية فى الأقباط واضطهاداً لهم.. الحكاية وما فيها تطرف وتعصب أعمى.. جانبان كلاهما يستخدم الكارثة فى خدمة خطابه الطائفى، وبين الاثنين دولة «مبطوحة» لا تمارس دورها كما يجب، وفشلت فى إقناع رعيتها بمدنيتها وتجردها من الأهواء الطائفية، كما تفشل عادة فى إجراء أى حوار حقيقى مع شعبها.. وتتخبط بين ردود الفعل دون إنجاز.. فلا هى نجحت فى القضاء على أنفلونزا الطيور، ولا هى حافظت على صناعة الدواجن، والأمر كذلك سيحدث مع «الخنازير».. ببساطة هى حكومة أقرب للفشل، وهذه المرة فشلها بطعم الفتنة. |
الاثنين، 27 أبريل 2009
فرصة أنس الفقى الأخيرة
| ماذا بعد الأنباء التى تسمعها حول مشروع أنس الفقى الجديد لإنشاء قناة إخبارية مصرية بمعايير «الجزيرة» و«العربية» تكون مؤهلة لمنافستهما، واستعادة زمام المبادرة، ومن ثم استعادة سمعة الإعلام المصرى؟ هل تعتقد أن الميزانية المفتوحة التى يتحدثون عنها، والتى تضمن للقناة تمويلاً خرافياً حتى ٢٠١٥، كافية لصنع قناة ناجحة ومؤثرة؟ هل ترى أن دعماً غير محدود من القيادة السياسية لهذه القناة سيكون مسألة إيجابية أم سلبية؟ وإلى أى مدى تعتقد أن استقطاب وجوه غير محسوبة على أحد وتتمتع بالاستقلال والمصداقية والمهنية يكفى؟ كل تلك أسئلة لا بد أن تحاول، ويحاول معك أنس الفقى ورجاله، الإجابة عنها، خاصة أن الأهداف المعلنة واحدة وتصب جميعها نحو استعادة مصر لدورها ومكانتها وهيبتها ونفوذها فى المنطقة. المفترض مؤقتاً أن كل هذا يجعلك تستشعر أن هناك قلقاً حميداً فى ماسبيرو ورغبة، حقيقية فى اللحاق بركب الإعلام المؤثر، خاصة بعد أن انطرح ماسبيرو أرضاً خلال حرب غزة، ولحقت به هزيمة فادحة لا يستطيع الوزير إنكارها، ولولا دخول الإعلام السعودى «صحافة وتليفزيون» على خط الدفاع عن مصر لنجح الإعلام المناوئ لمصر بشكل كامل فى إزهاق سمعتها السياسية. والظاهر مؤقتاً أيضاً أن الفقى يملك رغبة حقيقية فى التغيير والتطوير، ويستهدف استعادة مصداقية الإعلام المصرى، بسعيه إلى استقطاب وجوه إعلامية مصرية نجحت فى بناء شهرتها ومصداقيتها فى مؤسسات دولية وعربية مرموقة، لكنه فى الوقت نفسه لا يملك الإرادة السياسية الكاملة التى تلزم لنجاح ذلك، ولم يضع يده حتى الآن على السبب الحقيقى لهذا التراجع أو يعرفه ويتجاهله. مشكلة أنس الفقى أنه لا يريد أن يعترف بأن مصداقية إعلامه تتراجع بسبب ارتباطه بالدولة، وفك هذا الارتباط بأى صيغة هو بداية الحل، فلن يكفى ضم أى إعلامى مصرى لحظيرة ماسبيرو إلا فى تحسين الشكل دون المضمون، ولا تنس أن أسامة الشيخ وعبداللطيف المناوى إعلاميان كبيران نجحا خارج ماسبيرو، وكانا قبل دخولهما ماسبيرو يصنفان على أنهما إعلاميان مستقلان، لكن لم ينجح إدخالهما فى استعادة أى مصداقية، وحرقتهما السياسات السائدة فى ماسبيرو، لتخلق منهما إعلاميين حكوميين بامتياز، كما لم تنجح استعانة التليفزيون بأسماء مثل د.عمرو عبدالسميع ومحمد صلاح ولميس الحديدى، وعبدالمنعم سعيد وغيرهم فى كسب الكثير، وما زال الناس ينظرون لهم على أنهم إعلاميون فى تليفزيون الدولة، الذى يديره وزير إعلام حكومة الحزب الوطنى. لو كنت مكان أنس الفقى لقمت باستغلال هذه الرغبة السياسية فى تطوير الأداء الإعلامى، وجمعت عدداً من رجال الأعمال وسهلت لهم كل إجراءات إطلاق فضائية إخبارية تعبر عن مصر وتعكس مواقفها، وتمارس حريتها مثلما تفعل الصحف والقنوات وبرامج الـ»توك شو» الخاصة حالياً، وهذا هو وضع «الجزيرة» و»العربية»، وربما تكون تلك هى فرصة أنس الفقى الأخيرة لتحقيق ما يريد، أما أن يضيف قناة جديدة إلى عشرات القنوات فى ماسبيرو تظل مكبلة بقيود إدارية ورقابية فى أدائها وخطابها ومواقفها، وتظل مرتبطة بالدولة بما يضعف مصداقيتها، فسيبقى الفقى يدور فى حلقة مفرغة، ويدور حول نفسه ليصل فى كل مرة إلى نقطة الصفر. يكفى أن أذكِّرك بقصة يرويها مذيع بارز لأحد برامج الهواء الشهيرة، الذى فوجئ بوزير الإعلام شخصياً معه على «الإير بيس» يُملى عليه الأسئلة التى ينبغى أن يوجهها للضيوف، وغيرها من الروايات التى تؤكد تدخله شخصياً فى إعداد البرامج الأساسية، أو على الأقل تلك التى يعرف أنها تحظى بنسبة مشاهدة عالية لدى القيادة السياسية. إلى جانب ذلك، سأل الوزير إعلاميًا معروفًا ومستقلًا حين أعلن أمامه أن تدخل الدولة- ممثلة فيه- فى شؤون أى قناة يبقى العقبة الوحيدة أمام نجاحها: ألا تتدخل الجزيرة؟.. فرد الإعلامى: نعم تتدخل، لكنها قبل كل شىء تثق فى كوادرها فتضع لهم خطوطًا عريضة وتترك لهم حرية التصرف فى التفاصيل، وحرية اختيار الطريقة التى يدعمون بها هذه الخطوط العريضة دون أن تبدو المسألة وكأنها مجرد تكليف مباشر من مسؤول لموظفيه، ببساطة تتدخل ولكن «بشياكة». ستنجح تلك القناة التى يتحدثون عنها عندما يمارس أنس الفقى دوره كوزير سياسى مهمته وضع سياسات عامة، ويترك «الإير بيس» لأهله و»الاسكريبت» لأصحابه، وتفسير وتنفيذ تلك السياسات العامة لاجتهادات الإعلاميين المحترفين الذين يحسن اختيارهم. الأهم من كل هذا أن انطلاق تلك القناة سيجيب لنا عن سؤال جوهرى: هل يدعم أنس الفقى تلك القناة تحت تأثير إحساس حقيقى بالخطر، ومصارحة صادقة بالأزمة، ومن ثم رغبة حقيقية فى منح مصر ما تستحقه من إعلام، وما ينبغى لها من مكانة.. أم أن المسألة ليست أكثر من مشروع سياسى للاستهلاك المحلى، برؤية شخصانية تستهدف الاحتفاظ بالكرسى فحسب. |
الاثنين، 20 أبريل 2009
اسألوا عائداً من الموت
| لو كنت مكان د. حاتم الجبلى وزير الصحة لطبعت المقال البديع الذى كتبه الزميل والصديق العزيز مصباح قطب فى مجلة روزاليوسف، ووزعته على كل أعضاء مجلس الشعب ومجمع البحوث الإسلامية ومنظمات المجتمع المدنى، وهو المقال الذى يحكى فيه مصباح قصة عودته للحياة بعد أن قام بزرع كبد فى لندن قبل سنوات، بعد أن لحق به كبد عجوز إنجليزى وهو فى النزع الأخير، ويكاد يرى عمره يذبل ويسقط من شجرة الحياة السقوط الأخير. على هؤلاء الذين يماطلون فى إنجاز مشروع زراعة الأعضاء أن يعرفوا قصة مصباح ومعاناته مع المرض ومعاناة بناته وزوجته، فهى معاناة ستفيدهم عند اتخاذ القرار، خاصة حين يعرفون أن مصباح رغم كل معاناته وألمه وجد فى النهاية بصيص أمل، وعثر على رحمة من ربه تنتظره فى لندن فى جسد عجوز إنجليزى، فما بالهم بآلاف لم تهيأ لهم فرصة مثل تلك التى حصل عليها مصباح، وانصهرت أجسادهم قطرة قطرة حتى تلاشت إلى لا شىء. على هؤلاء الذين يماطلون فى إنجاز مشروع زراعة الأعضاء، أن يعقدوا جلسات استماع لمرضى يتألمون، يجلسون أمامهم كالهياكل العظمية وعظامهم تنفذ من اللحم، ووجوههم غادرتها «الدموية» منذ حين. عليهم أن يعقدوا جلسات استماع لأمهات افترست أبناؤهن فيروسات الكبد، وافترست قلوبهن الأحزان، عليهم الاستماع إلى نساء ترملن فى عز الصبا، وشاهدن الأب والزوج والضنى يذهبون جميعاً ببطء، يضمرون شيئاً فشيئاً كشمعة تحترق فى ليلة ظلماء، تنسحب أرواحهم ببطء حتى يغيبهم الموت الغيبة الأبدية. عليهم أن يستمعوا كذلك لأولئك الذين سُرقت أعضاؤهم دون أن يدروا أو أجبرهم العوز على القبول ببيعها بثمن بخس. لم يأثم مصباح قطب حين تشبث بالحياة، لم يكفر حين تمسك بالفرصة، ولم يخرج من الملة حين رفض الاستسلام وانتظار الموت تحت دعوى «قسمته ونصيبه كده» كان يعرف أن نصيبه على قدر سعيه، وفى سعيه الحثيث نحو الحياة إيمان واسع برحمة الله. لست مفتياً أو متخصصاً لكن ما أفهمه وتؤيده الفطرة أن الدين لم يقل لنا أن نرى الموت قادماً ونستسلم له دون مقاومة، لم يقل لنا أن نكرم الموتى ونُهين ونعذب الأحياء.. لم يقل لنا أن نبخل على مريض يصرخ من الألم، أو نحرم شابا فى ريعان الصبا من فرصة الحياة. لك أن تتخيل أن دولة مستقرة فى عراقة مصر، تملك أكبر مؤسسة إسلامية وسطية فى العالم اسمها الأزهر، وأقدم تجربة برلمانية فى المنطقة، عاجزة عن إنجاز مشروع قانون محترم لزراعة الأعضاء، بضوابط واضحة وصارمة وعادلة تمنح الجميع الفرصة فى الحياة على قدم المساواة دون تمييز بين أوضاعهم المادية أو الوظيفية، كما أنها فى الوقت نفسه تفشل فى مكافحة فيروسات الكبد وعدواها التى تنتشر بين المصريين مثل نار فى حطب، دولة يهدد الموت ١٠ ملايين من مواطنيها فيغمض لها جفن، وتنام مطمئنة وكأن شيئاً لم يكن. يقولون إن القانون سيفتح الباب لتجارة الأعضاء، وسيحول مصر إلى سوق إقليمية للأعضاء البشرية، وكأنها ليست كذلك بالفعل حالياً وقبل صدور القانون، وكأننا فقدنا الثقة فى أنفسنا ونزاهتنا وقدرتنا على وضع ضمانات تكفل سد الثغرات أمام السماسرة، هؤلاء السماسرة الذين يعيقون صدور هذا القانون لأن سوقهم بدونه أكثر رحابة واتساعاً. قليل من العقل يكفى لإنجاز كل شىء، وإدراك أن من حقنا أن نعيش طالما منحنا الله العمر، ومن حقنا أن نتشبث بالحياة، طالما دعانا الله ألا نيأس من رحمته، ومن واجبنا أن نردد مع مصباح قطب: «دعوا القانون يمر» ضعوا فيه من الضوابط ما تشاؤون.. لكن تذكروا أن الإله الواحد الذى تتحدثون عنه اسمه الرحمن الرحيم». |
الاثنين، 13 أبريل 2009
فى مقاعد المتفرجين
| هل بدأت الحرب بين إسرائيل وإيران؟ لا أسأل هذا السؤال فقط بسبب ما تردد من أنباء حول إغراق إسرائيل لسفينة إيرانية فى البحر الأحمر كانت تحمل أسلحة إلى حركة حماس، فهى أنباء لم تتأكد بعد من مصادر رسمية، رغم أنها فى الوقت نفسه لم يتم نفيها أو التعليق عليها رسمياً، لكننى أطرح هذا السؤال بمناسبة ما جرى ويجرى فى موريتانيا حالياً، ونحن أمامه إما متفرجون نعلم ونراقب من بعيد، أو مغيبون لا ندرى بما يحدث حولنا. تطوعت موريتانيا قبل سنوات وتبادلت علاقات كاملة مع إسرائيل فى وقت كانت تسعى فيه لاستثمار هذا الاعتراف بإسرائيل، ووضعها كواحدة من ثلاث دول عربية فقط تقيم علاقات كاملة مع تل أبيب فى الحصول على مساعدات غربية، وبعد إحباط تجربة «ولد فال» الديمقراطية الموريتانية الرائعة على يد العسكر، عاد الحكام الجدد فى نواكشوط، وقطعوا العلاقات مع إسرائيل. وكما ردد من أقاموا هذه العلاقات أحاديث ناعمة عن السلام، ردد من قطعوها أحاديث حماسية حول القومية والتضامن العربى. لكن ما تكشف بعد ذلك يشير إلى وصول الصراع الإيرانى- الإسرائيلى إلى الملعب الموريتانى، حيث حصل النظام الموريتانى الجديد على عشرة ملايين دولار فور اتخاذه قرار قطع العلاقات مع إسرائيل، إلى جانب وعد بمليارى دولار كمساعدات تسدد خلال عامين. المفارقة أيضاً أن إسرائيل قبل خروجها من موريتانيا كانت تبنى مستشفى فى قلب العاصمة الموريتانية، وفرغت تقريباً من بنائه وبقى على التجهيزات الطبية، وعقب قطع العلاقات حلت إيران محل إسرائيل فى كل شىء، وبدأت تجهيز المستشفى طبياً، وتحول اسمه من مستشفى الصداقة الموريتانية الإسرائيلية إلى مستشفى الصداقة الموريتانية الإيرانية. هكذا تسير لعبة القط والفأر بين طهران وتل أبيب، وهى لعبة مسرحها مفتوح فى كل العالم، تطرد تل أبيب طهران من منطقة، وتعود طهران لطرد تل أبيب من منطقة أخرى، وفى هذه اللعبة تنشط الأجهزة الاستخباراتية والدبلوماسية، إلى جانب دفاتر الشيكات، وما معركة نواكشوط إلّا مواجهة بسيطة بين الجانبين تضاف إلى المواجهات الأشد عنفاً فى قطاع غزة، وجنوب لبنان، والعراق، والسودان. لن أردد لك كلاماً مكرراً حول تراجع الدور المصرى، الأمر الذى جعله يقف متفرجاً على صراع كهذا يدور حوله، وأحياناً تحت أنفه كما يحدث فى السودان وفى غزة، فإذا لم يكن الدور المصرى فى حالة تراجع، فهو على الأقل ليس فى وعى كامل، وإلا ما ترك مواقعه الأساسية رهن تجاذب بين قوى إقليمية، ورضى أن يكون غير أحد أطرافها الفاعلة. وقعت مصر بين شقى رحى وهى تتابع التنافس الإيرانى- الإسرائيلى على النفوذ فى المنطقة، ويتجلى المأزق المصرى فى أنه اختصر تعريف الأمن القومى فى إطار الحدود، فلم تعد لديه الرغبة ولا الإرادة ولا المقومات لممارسة دور مستقل وواضح يحافظ على مواقع النفوذ ويحفظها من الاستقطابات بين المحاور الإقليمية المتنازعة. لذلك تبدو وكأنها تخدم المشروع الإسرائيلى حين تتحرك ضد التغلغل الإيرانى، فتفقد من جهة مصداقية فى الشارع، وتفسح لإسرائيل من جهة أخرى مساحة أوسع من الحركة، وتبدو بالعكس حين تتحرك ضد الطموحات الإسرائيلية فى المنطقة فتستفيد إيران من تحركاتها المضادة لإسرائيل بشكل مباشر. كيف خرجنا من الملعب إلى مقاعد المتفرجين؟ ولماذا أصبحنا عاجزين عن ملء الفراغات التى تحدث فى المنطقة، ونتركها فريسة سهلة للاستقطابات الإقليمية؟. تلك أسئلة يجب ألا نمل عن طرحها وانتظار إجاباتها، ليس بهدف إحراج أحد، أو تحميل هذا التراجع لشخص أو مؤسسة بعينها، وإنما القصد من ورائه إعادة استنهاض مكامن قوتنا، واستغلالها بالشكل الأمثل لتحقيق أهداف لا تخدم أحداً، وتصب فى المقام الأول والأخير فى مصالحنا العليا التى لا اختلاف عليها، والهدف الأبعد من ذلك هو إعادة صياغة مفهوم الأمن القومى المصرى، وتسليح منظومته متعددة الأطراف بمقومات القوة والفاعلية والتأثير والحيوية، وصولاً لبلوغ حالة القيادة الحقيقية التى تنبغى وتليق بمصر. |
الاثنين، 6 أبريل 2009
الأخطر من ليبرمان
| أعرف أنك مثلى ومثل الملايين تعودت أن تجرفك العناوين الكبيرة وتدفعك لتبنى رؤاك وتتخذ مواقفك، اعتماداً على بؤر الضوء التى تسلطها أجهزة الإعلام على مناطق بعينها، لذلك ربما صدقت أن مفكراً وباحثاً مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم كان سبباً مباشراً فى اقتطاع ٢٠٠ مليون دولار من المعونة الأمريكية لمصر، وتسير فى موقفك هذا خلف آلة إعلامية ذات تأثير تسير خلف ظواهر الأشياء دون أن تحاول النفاذ إلى عمقها لتستقصى الحقيقة. نفس الشىء فعله الإعلام مع أفيجدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» ووزير الخارجية الإسرائيلى الجديد. تحول الرجل إلى بعبع، وتمادت وسائل الإعلام المحلية فى إظهار عدائه لمصر وتضخيم تصريحاته المسيئة، والتخويف من وضعه الجديد فى الحكومة الإسرائيلية كوزير للخارجية. لك أن تعرف أولاً أن ليبرمان ما هو إلا زعيم شعبوى، يبنى مواقفه الديماجوجية ــ مثله مثل كل الديماجوجيين العرب ــ على إلهاب مشاعر الجماهير التى تنساق غالباً وراء عواطفها دون إعمال للعقل وتستجيب لكل من يداعب مشاعرها القومية بخطابات حماسية مباشرة وتصعيدية، ربما لا تحمل من ورائها أى فكر سياسى أو أيديولوجية، وإنما خطابا يربح فى الشارع يتم استغلاله لتحقيق مكسب سياسى، تماماً كما تفعل بعض التنظيمات الدينية السياسية فى العالم العربى. الأخطر من ليبرمان هم أولئك الذين يبنون أيديولوجيتهم الفكرية على العداء المباشر مع مصر، ويعملون فى صمت ودون ضجيج لخدمة مشروعهم السياسى، ومن بين هؤلاء دعنى أعرفك على يوفال شتاينتس وهو وزير «ليكودى» مهم فى الحكومة الإسرائيلية الجديدة تولى مؤخراً حقيبة المالية، وهى وزارة سيادية مهمة ومركزية فى إسرائيل. شغل شتاينتس عدة مواقع فى الكنيست الإسرائيلى أبرزها رئاسة لجنة الدفاع والأمن القومى، والأخطر منها رئاسة وفد الكنيست فى لجنة الحوار الاستراتيجى مع الكونجرس الأمريكى. نجح شتاينتس فى بناء شبكة علاقات واسعة مع أعضاء الكونجرس خاصة أولئك الذين يضمرون عداءً لمصر، وبدأب شديد تعود على أن يقدم تقارير معادية لمصر إلى أعضاء الكونجرس كان أخطرها تقريرا شرح فيه حالة المجتمع المصرى ومدى استفادته من المعونة الأمريكية، وقال فى تقريره إن ٣٠ عاماً من المعونات الأمريكية لمصر يذهب معظمها إلى الإنفاق العسكرى، وأضاف: إذا كانت مصر وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل، ولا توجد تهديدات عسكرية مباشرة تواجهها من حدودها الغربية حيث ليبيا، أو الجنوبية حيث السودان، أو الشرقية حيث السعودية، فلمن تستعد بهذه القدرات العسكرية الفائقة؟ وأجاب شتاينتس على نفسه بقوله: إذا كان النظام يزعم وجود خطر هائل من الإسلاميين فلديه شرطة قوية جداً ويمكن مواصلة دعمها، لكن الإدارة الحاكمة فى مصر تغفل الجوانب التنموية التى تستهدفها فى الأصل المعونة الأمريكية حتى يشعر الشعب المصرى بثمار السلام وتحسن العلاقات مع أمريكا، وتركز على تعزيز قدراتها العسكرية، لذلك فهى تستحق حرمانها من هذه المعونة دون أن يكون فى ذلك أى نوع من العقاب للشعب المصرى. نجح شتاينتس بالتعاون مع أصدقائه فى الكونجرس وعلى رأسهم السيناتور توم لانتوس فى تمرير مشروع القانون الذى أدى إلى خصم ٢٠٠ مليون دولار من المعونة الأمريكية لمصر، وهو إجراء تمهيدى ربما يلحق به المزيد بعد مشروع سيناتور نيويورك أنتونى وينر الذى يطالب بحظر تقديم أى مساعدات عسكرية لمصر، وتحويلها إلى مساعدات اقتصادية مباشرة ومشروطة. لم يكن سعد الدين إبراهيم إذن السبب المباشر فى اقتطاع جزء من المعونة، ولن يكون سبباً فى المزيد، ولا يمكن أن يكون ليبرمان هو الأشد خطورة فى إسرائيل بخطابه الشعبوى الاستهلاكى، فى الوقت الذى يوجد فيه رجل مثل شتاينتس يعمل فى صمت وبأيديولوجية ثابتة وواعية ومؤثرة، ويحقق لإسرائيل أهدافاً غاية فى الأهمية فى صراعها الاستراتيجى مع مصر. |
الاثنين، 30 مارس 2009
أن تكون «عصريًا» فى مدينة عصرية
| فوجئت عقب نشر مقالى فى هذا المكان الأسبوع الماضى، حول أحمد جودة عامل الكهرباء الذى فقد حياته أثناء عمله فى مشروع مدينتى، وما طرحته فى هذا المقال حول ظاهرة «الموت بلاثمن»- بعدة ردود أفعال جميعها مشروع. أولاً: هالنى أن يتحرك أناس لا يعرفون الشاب الذى لقى مصرعه بعد سقوطه من الطابق الرابع لإحدى العمارات فى مدينتى، ويتطوعوا لطلب مساعدة طفلته اليتيمة، وأرملته دون أن يصدر أى رد فعل من المسؤولين عن تشغيله، الذين لفظ الرجل أنفاسه وهو يؤدى عمله لديهم. ثانياً: هالنى أيضاً أن أعرف أن أحمد جودة لم يكن الأول، وأن عدد الحوادث التى تقع فى مثل هذ المشروعات العقارية كثير، وأغلبها لعمال غير مؤمَّن عليهم لا يتبعون الشركة الأم مالكة المشروع، وإنما يتبعون مقاولين صغارًا، لا يؤمِّنون على عمالهم ولو لفترات مؤقتة، ولا يتخذون تدابير الأمن الصناعى اللازمة لحماية حياتهم، ولا يقدمون لهم الدعم الكافى والمفروض حين تقع الإصابة فى مكان العمل أو تحدث الوفاة. ثالثاً: اعتبر آخرون أننى أُحمّل حادثاً فردياً ما لا ينبغى لأصنع من وراء ذلك قضية كبيرة بمستوى اسم الشركة مالكة المشروع وصاحبها، وتباهى آخرون فى إبراز فضل هذه الشركة وعدد العمال الذين تقوم بتوظيفهم فى مشروعاتها المتنوعة والضخمة.. وهو قطعاً ما لا أستطيع إنكاره، فيما تطرف البعض باتهامى بتقديم خطاب طبقى ضد الأثرياء عموماً. رابعاً: تلقيت اتصالاً هاتفياً من واحد من كبار رجال الأعمال فى مصر وتناقشنا حول ما كتبت، لم نختلف فى مضمون الرسالة وهى حقوق العمال، وإنما عاب علىَّ- حسب رأيه- حدةً فى الكتابة، وإحراجاً لشركة تمر بمحنة منبثقة من محنة صاحبها.. رجل الأعمال المرموق اتفق معى فى نفس الوقت على ضرورة مراعاة الجوانب التأمينية فى القطاع الخاص بما يكفى، مؤكداً أن العاملين فى منزله وسائقه الخاص مؤمَّن عليهم، وقال بالحرف: «ناس منهم أرزاقهم مرتبطة بى بشكل مباشر.. طب لو جرالى حاجة يروحوا فين». وفى كل ذلك يجدر بى أن أقول لك قولاً واضحاً: عندما تستأجر سباكاً أو كهربائياً ليؤدى لك عملًا ما ثم يحدث له حادث يؤدى إلى إصابته أو موته، فأنت مطالب أخلاقياً قبل أى حديث عن قواعد وقوانين العمل بأن تقدم له كل ما تقدر عليه من دعم، على الأقل تنقله إلى أقرب مستشفى وبطريقة أولاد البلد «تعزم عليه» بسداد فاتورة المستشفى. دقّق قليلاً فى كلمة رجل الأعمال المرموق، الذى يتحسب لمستقبل خادمته وسائقه الخاص، إذا حدث له مكروه- لا قدر الله- فما بالك بحدوث هذا المكروه للعامل نفسه فى شكل إصابة معجزة عن العمل أو وفاة. ما قاله الرجل هو تلخيص مباشر لما استهدفته من مقال الأسبوع الماضى، فلا خلاف على أن «مدينتى» مشروع كبير واستثماراته ضخمة ويستوعب عددا ضخما من العاملين، ويفتح بيوت آلاف المصريين، مثله مثل كل مشروعات الشركة التى لا خلاف أيضاً على أنها مؤسسة كبيرة تقود قطاعاً حيوياً فى الاقتصاد المصرى، وتستحق أن تبقى وتفصل بين أدائها وما يواجهه بعض أصحابها من محن وأزمات، لكن كما أنها مؤسسة كبيرة وعصرية، وتبنى مشروعات كبيرة وعصرية أيضاً، فلابد أن يكون تعاملها مع عمالها وموظفيها عصرياً كذلك، لا بد أن تكون العصرية فى كل شىء داخل «مدينتى».. وأن تتوافر قواعد السلامة المهنية والأمن الصناعى كاملة، وأن يتوافر التأمين اللائق للعمال ضد الحوادث وإصابات العمل والوفيات، وهو تأمين يمكن أن يكون «مؤقتاً» على قدر مدة المشروع بالنسبة للعمالة المرتبطة بمشروع معين أو مرحلة فيه. ستقول الشركة إن العمال يتبعون مقاولين هم المسؤولون عنهم، وهنا أيضاً لا بد أن يكون اختيار الشركة للمقاولين المتعاملين معها «عصرياً» كذلك.. باستبعاد من يستهينون بالعمال وأرواحهم، وبفرض شروط تأمينية على المقاولين نظير دخول العمال التابعين لهم إلى مواقع الشركة.. لا بد أن تتأكد الشركة «العصرية» أن مقاوليها يستخدمون قواعد «عصرية» فى تشغيل العمال، ولا يستغلون حاجتهم وعوزهم لدفعهم للتنازل عن أبسط حقوقهم وحقوق أبنائهم. قد تجد فيما أقول هجوماً، لكنك لو نظرت إليه من زاوية مختلفة فربما رأيته نصيحة.. تصب فى النهاية فى صالح هذه الشركة الكبيرة وغيرها من الشركات الكبرى.. التى يبقى بينها وبين صورة كاملة العصرية رتوش بسيطة لن تكلفها كثيرا من المال ولا كثيرا من الجهد.. ليس أكثر من ثقافة تحترم آدمية العمال.. تغرسها فى مديريها وكبار موظفيها.. وتفرضها على مقاوليها أيضاً، لتكون بالفعل شركة عصرية تبنى مدينة عصرية على أرض مصرية. |
الخميس، 26 مارس 2009
ناصر ٢٠١٠ ..
|
معالجة فانتازية لأول مواجهة
كروية بين مصر وإسرائيل
|
|
(١)
- المطابع:
آلاف النسخ من الصحف اليومية
تتدفق على ماكينة الطباعة، بينما العمال ينقلون النسخ إلى سيارات التوزيع، أبرز
حدث فى صحف اليوم هو القرارات الجديدة للاتحاد الدولى لكرة القدم، وهى القرارات
التى تصدرت عناوين جميع الصحف بلا استثناء، «الفيفا يقترب من الإفلاس»، «هل يلغى
الفيفا كأس العالم بسبب الأزمة المالية؟»
- زيورخ – مقر الفيفا:
جوزيف بلاتر فى مؤتمر صحفى يعلن:
إجراءات لمواجهة الأزمة تبدأ بإلغاء كأس العالم للقارات للمنتخبات والأندية،
وإلغاء بعض بطولات الناشئين، ويتعهد بإقامة بطولة كأس العالم فى موعدها المحدد
صيف ٢٠١٠ بجنوب أفريقيا، لكن مع إجراء تعديلات فى المنافسات المؤهلة تهدف إلى
تقليص عدد الفرق المشاركة فى البطولة من ٢٤ فريقاً إلى ١٦ فريقًا، فى إطار
التقشف اللازم لضغط المصروفات بشكل استثنائى حتى تنتهى الأزمة.
- القاهرة – الجبلاية:
اجتماع طارئ لمجلس إدارة
الاتحاد المصرى لكرة القدم لتدارس الموقف بعد تعديل نظام التأهل فى المجموعات،
والتشديد على الجهاز الفنى للمنتخب الوطنى بضرورة اجتياز المباراة الفاصلة فى
المجموعة ضد منتخب الجزائر، وذلك لتصدر المجموعة حتى لا يدخل الفريق فى حسبة
برما ويضطر لانتظار أحسن الخاسرين فى آسيا وبعد اجتيازه ملاقاة أحسن الخاسرين فى
أوروبا قبل التأهل لكأس العالم.
- استاد القاهرة:
مدرب المنتخب الوطنى محاط بالصحفيين
على هامش التدريب الأخير للفريق قبل السفر إلى العاصمة الجزائرية لخوض اللقاء
الفاصل، التعادل فقط يكفى لتصدر مصر للمجموعة والتأهل لكأس العالم بعد غياب ٢٠
عاماً، ولا فرصة أمام الجزائر إلا فى الفوز.. صحفى يسأل عن موقف ناصر نورالدين
النجم المحترف وأسباب استبعاده من تشكيلة المنتخب، يرد المدرب بشكل حاسم: «لن
يعود للمنتخب.. وسنصل لكأس العالم بدونه».. الجماهير القليلة التى تشاهد
التدريبات فى المدرجات تهتف لناصر وتهاجم المدرب وتطالبه بإعادته للمنتخب وتجاوز
الخلافات الشخصية من أجل مصلحة مصر.. والمدرب لا يكترث.. «حمامة» كبير المشجعين
يصرخ مستنكراً: «عندك أحسن لعّيب فى العالم ومش عاوز تجيبه.. حرام عليك يا
كابتن».
(٢)
- المقهى:
كاد قلب «حمامة» يتوقف من الفرحة فى
نفس اللحظة التى شاهد فيها ناصر نورالدين يسدد ضربة الجزاء الأخيرة فى الفريق
الإسبانى، معلناً فوز فريقه الألمانى ببطولة دورى أبطال أوروبا.
- المطار:
فى صباح يوم تال كانت الجماهير تقف
أمام صالة الوصول فى مطار القاهرة، مستقبلة ناصر الذى يأتى إلى القاهرة فى إجازة
قصيرة.. الاتحاد الأوروبى يرشحه للفوز بلقب أفضل لاعب فى أوروبا.. والجماهير
المحتشدة تهتف له فور ظهوره خارجاً من المطار، يقف لتحيتهم.. يشتمون مدرب
المنتخب فينهرهم ويخطب فيهم: أنا تحت أمر الكابتن فى أى وقت.. بس دلوقتى كلنا
لازم نقف جنب منتخبنا بكرة وهو بيلعب المباراة المصيرية فى الجزائر.
- منزل ناصر:
الأسرة مجتمعة أمام شاشة التليفزيون
العملاقة، ناصر وشقيقه وأمه، تبدو صورة والد ناصر الراحل فى المواجهة أعلى شاشة
التليفزيون - كان صحفياً ومات فى الاجتياح الإسرائيلى لبيروت عام ١٩٨٢ حيث كان
يعمل مراسلاً لإحدى الوكالات - يشاهد ناصر وعائلته مباراة كرة القدم بين مصر
والجزائر، يبدو ناصر كمن يشارك فى المباراة من فرط الحماس.
- فوتومونتاج - شوارع القاهرة:
آلاف المشجعين على المقاهى يتابعون
المباراة، والوجوم على وجوههم، صوت المعلق الحماسى يعلن نهاية المباراة، ويبدو
من خلال شاشة أحد التليفزيونات، لاعبو الجزائر وهم يحتفلون، بينما تظهر دموع فى
عيون اللاعبين المصريين.
- الجبلاية:
«يادى المصيبة» يتحدث رئيس الاتحاد
المصرى لكرة القدم لزملائه فى مجلس إدارة اتحاد الكرة، ويضيف: دخلنا فى لعبة
سخيفة بعد أن كنا قاب قوسين من بلوغ كأس العالم.. صوت جماهير غاضبة يأتى من
ناحية الشباك تطالب بإقالة المدرب، وتدعو ناصر للعودة إلى المنتخب، يتحدث رئيس
الاتحاد لرفاقه: مفيش فايدة ناصر لازم يرجع.. والمدرب لازم يسمع كلامنا المرة
دى.
- استاد القاهرة:
ناصر والمدرب يطوفان ملعب التدريب
وكل منهما يمسك يد الآخر، يحييان الجماهير، والجماهير ترد لهما التحية، و«حمامة»
يبدو فى المدرجات يقود الجماهير، يهتف ويردون عليه: «زند ف زند.. هنروح طشقند»..
وفى نهاية يوم التدريب يعقد المدرب مؤتمراً صحفياً يعلن فيه استعداد الفريق
للسفر إلى العاصمة الأوزبكية طشقند لملاقاة منتخب أوزبكستان أفضل الثوانى فى
المجموعات الآسيوية.
- طشقند - ملعب كرة القدم الرئيسى:
مباراة شديدة السخونة بين
الفريقين.. المنتخب الأوزبكى ضاغط طوال الوقت والمنتخب المصرى ينفذ هجمات مرتدة
فى غاية الخطورة.
- القاهرة - مقهى شعبى:
«حمامة» والجماهير المحتشدة
فى المقهى ينتفضون فرحاً وهم يهتفون الهتاف التقليدى: «جوووووووون» ويغنون باسم
ناصر الذى سجل هدفاً مباغتاً فى وقت قاتل أنهى المباراة لصالح الفريق المصرى
بهدف مقابل لا شىء.
(٣)
- القاهرة:
مانشيتات الصحف تعلن بدء توغل
إسرائيلى جديد فى قطاع غزة.. وصور المذابح تتصدر الصفحات الأولى، فيما يبدو ناصر
والمدرب وزملاؤهم فى المنتخب فى أحد المستشفيات يتبرعون بدم تحت لافتات نصرة غزة
والتضامن معها، واللاعبون يرتدون تى شيرتات بيضاء مكتوباً عليها «كلنا غزة».
- فوتومونتاج:
- منزل ناصر: أمه وشقيقه وعدد من أقاربه
يشاهدون قناة «الجزيرة» ويتابعون مشاهد العنف فى غزة وجنازات الضحايا.
- المقهى: حمامة والذين معه من جماهير
الكرة يتابعون نفس المشاهد بدرجة الحزن والوجوم نفسها.
- مسجد الفتح:الشيخ سعيد مجتمع مع عدد من إخوانه
فى الجماعة ويتحدث إليهم: «لا حل إلا فى المخاطرة عند الحدود ومحاولة دخول غزة
عبر أحد الأنفاق.. لابد من صنع شىء أكثر من التبرعات.. ودخول المواجهة المباشرة
مع العدو».
- استاد القاهرة: فرحة طاغية فى الملعب، وتهليل
فى المقاهى وأمام الشاشات العملاقة فى الميادين، الجميع يهتف باسم ناصر، الذى رفعته
الجماهير فى الملعب وطافت به، بعد تسجيله ثلاثة أهداف حاسمة أنهى بها مباراة
العودة، مع أوزبكستان واقترب بمصر من الوصول إلى كأس العالم فى انتظار المحطة
الأخيرة.
- المقهى:
حوار ساخن بين الرواد حول الفريق
الذى ستواجهه مصر فى المباراة الفاصلة والنهائية للوصول إلى كأس العالم، مجموعة
«الثوالث» الأوروبية تتصدرها الدنمارك وتلاحقها اليونان على بطاقة التأهل
لملاقاة مصر، وربما السويد التى تبتعد عن اليونان بفارق نقطة واحدة، وإسرائيل
التى تأتى رابعاً وتبتعد عن السويد بفارق نقطة واحدة أيضاً.
حمامة: يا نهار إسود.. ده رديف
أوروبا كلهم فرق جامدة.
مشجع١: هنعمل إيه، كل مرة يحطونا فى
مواقف بايخة.. لو كنا عدينا الجزائر كان زمانا مرتاحين من الهم ده كله.
مشجع٢: متهيألى هترسا على الدنمارك
أو اليونان.
مشجع٣: يبقى مفيش فايدة.. دول
فريقين أبطال أوروبا ياجدع.
حمامة - بينما ينظر إلى التليفزيون
متابعاً نشرة أخبار تذيع أنباء اعتداءات وحشية فى غزة-: وليه متكونش إسرائيل.
تمتقع وجوه الحاضرين قبل أن يجيب
أحدهم بثقة.
مشجع٤: لا لا.. ده احتمال بعيد قوى،
دى إسرائيل محتاجة معجزة علشان تعدى، لازم السويد تكسب الدنمارك ٢/صفر، وإسرائيل
تكسب اليونان ٤/صفر.. وده مستحيل طبعاً.. دى حتى هتلاعب اليونان فى أثينا.
(٤)
- القاهرة - غرفة نوم السيد وزير
الداخلية:
يرن جرس الهاتف بعنف بينما يصحو
وزير الداخلية مغالباً نعاسه، يرفع سماعة الهاتف وينصت فى اهتمام، ويظهر فزع على
وجهه لا يليق بصرامته المعتادة كوزير للداخلية، ويرد بعنف: عارف يا سيادة اللوا
لو كنت بتهزر أو كلامك ده مش مؤكد أنا هاعمل فيك إيه؟.. يعنى إيه اللى بتقوله ده
حقيقى؟
- منزل ناصر:
أم ناصر وشقيقه يجلسان مذهولين أمام
شاشة تليفزيون يخرج منها صوت لمذيع رياضى يرطن بلهجة غير عربية.
- المبنى الأوليمبى باستاد القاهرة:
الفريق المصرى لكرة القدم
بكامل نجومه فى إحدى القاعات يتابعون شاشة كبيرة لنفس المباراة.. وعلامات الصدمة
على وجه الجميع.
- الجبلاية:
رئيس اتحاد الكرة ممسكاً رأسه وهو
يكاد يلطم:«يا نهار إسود .. يا نهار إسود».
- المقهى:
حمامة على المقهى يصرخ وسط الذاهلين
والمصدومين: «مؤامراااااااااااااة.. والنعمة الناس دى كلها قابضة».
- مسجد الفتح:
الشيخ سعيد للمجتمعين حوله: «الحمد
لله يا إخوانى المجاهدين.. سيأتينا العدو وسيوفر علينا عناء السفر إليه.. أبشروا
بشهادة قريبة».
- المطابع:
سير ماكينة الطباعة يدور وتبدو
مانشيتات الصحف واضحة: «صدمة: الطريق إلى حلم المونديال يبدأ من تل أبيب».. «أول
مواجهة كروية بين مصر وإسرائيل. «هل ضغطت أمريكا على اليونان لتخسر أمام إسرائيل
٥/ صفر لتقابل مصر؟».
(٥)
- لاظوغلى:
اجتماع أمنى عالى المستوى..
أحد اللواءات لوزير الداخلية:
«دى مجرد مباراة يافندم زى غيرها.. ده ماتشاتنا مع الجزائر والمغرب وتونس أسوأ
منها»..
يرد الوزير بعنف: «إنت عندك قصور فى
حسك الأمنى وتقديرك للمواقف يا سيادة اللوا، لازم تتخيل ماتش بين مصر وإسرائيل،
١٠٠ ألف متفرج فى استاد القاهرة شايفين العلم الإسرائيلى بيترفع قدامهم، والسلام
الوطنى الإسرائيلى بيتعزف، تسيطر عليهم إزاى، تسيطر على البلد كلها إزاى، خصوصاً
إن غزة بتنضرب دلوقتى والمظاهرات علشانها مبتهداش».. ينظر لضباطه الكبار: «عاوز
حركة سريعة وطوارئ وخطة واضحة».
- الجبلاية:
اجتماع لمجلس إدارة إتحاد الكرة،
رئيس الاتحاد لأحد الأعضاء:
«يا نهار إسود.. ننسحب.. يانهار إسود.. علشان الفيفا تشطبنا للأبد.. غير الكلام
بتاع معاداة السامية والحركات دى.. يانهار إسود»..
يرد العضو: «خلاص يبقى نلعب الماتش
وأمرنا لله»..
يرد رئيس الاتحاد: «يا نهار إسود..
نلعب الماتش.. وافرض اتغلبنا.. يا نهار إسود.. نتغلب من إسرائيل.. ده إحنا
هنتعلّق من رجلينا على باب الاستاد.. يانهار إسود».
- منزل ناصر - غرفته:
يجلس ناصر منطوياً فى غرفته.. تدخل
عليه أمه بصينية الطعام.. تضعها فى الغرفة ثم تخرج فى صمت.. وتعود بعد فترة
لترفعها كما هى فى صمت، بينما تنظر أمه لصورة زوجها الراحل على الحائط.. وينظر
ناصر لدمعتها الصامتة التى تنسرق منها وهى تنظر للصورة.
- فوتومونتاج:
- مظاهرات حاشدة فى جميع المحافظات
تندد بما يحدث فى غزة وتطالب برفض إجراء المباراتين الفاصلتين.
- المقهى: الصدمة لا تزال واضحة على
ملامح حمامة وزملائه فى رابطة المشجعين، حمامة يهتف: «انسحاب لأ.. ما صدقنا نبقى
قريبين من كاس العالم.. كده لسه هنستنى ٤ سنين تانى».
- دار الإفتاء: فتوى رسمية: «لا حرج فى
المنافسات الرياضية مع اليهود.. الرسول اشترى معهم وباع».. وفتوى مضادة:
«إسرائيل دولة احتلال تقتل إخواننا المسلمين.. اللعب معهم جريمة وإثم شديد».
- جريدة: كاتب كبير يكتب عن المؤامرة التى
أوقعت مصر مع إسرائيل ويرصدها، زاعماً أن جوزيف بلاتر متورط فيها وأن كل شىء تم
بسيناريو متفق عليه منذ أعلن بلاتر تعديل قرعة التصفيات.. ويتهم اللوبى الصهيونى
العالمى بالسيطرة على الفيفا وتوجيهه لخدمة مصالح إسرائيل.
- تل أبيب: إسرائيل تحتفى بالمباراة، ومتحدث
باسم حكومتها يعلن أن جميع أعضاء الحكومة سيسافرون إلى القاهرة بصحبة فريقها
لمشاهدة مبارة الذهاب.. ويأملون بالمثل فى لقاء العودة بتل أبيب، ويعرب عن أمله
فى أن تذيب المباراتان الجليد بين الشعبين.
(٦)
- فوتومونتاج:
حملات مداهمات واعتقالات فى مختلف
المدن، تستهدف نشطاء إسلاميين ويساريين ومن فئات متنوعة.
- لاظوغلى - الاجتماع الأمنى:
- اللواء يشرح لوزير الداخلية:
«بنينا خطتنا على عاملين.. الأول التحفظ على كل الناشطين اللى ممكن يندسوا وسط
جماهير الكرة ويثيروا الشغب، إلى جانب خطباء المساجد وأعضاء الجماعات اللى
بيروّجوا خطاب متطرف، وده نجحنا فيه بنسبة كبيرة.. والتانى: طلبنا نلعب المباراة
فى استاد أسوان، لأن أسوان مدينة صغيرة وسهل التحكم فيها والسيطرة
عليها، وثانياً طلبنا من الحزب الوطنى يرشح لنا ٤٠ ألف من كوادره يحضروا
المباراة ويحفّظهم الشعارات المناسبة اللى مفيهاش تجاوز»..
يهز الوزير رأسه بارتياح شديد
لكن اللواء يستدرك: «بس إسرائيل
رفضت موضوع أسوان ده وأصرت إن المباراة تتلعب فى استاد القاهرة»...
الوزير بغضب: «ليه التحكمات دى.. من
حقنا نلعب فى الملعب اللى يعجبنا»..
يرد اللواء: «عاوزين العاصمة»..
يرد لواء ثان: «بسيطة مشروع تعديل
دستورى سريع فى مجلس الشعب ونخلى أسوان العاصمة»..
يرد اللواء الأول قاطعاً النقاش:
«إسرائيل بعتت للخارجية وهددت لو المباراة الأولى اتلعبت بره القاهرة.. هتخلينا
نلعب مباراة العودة بره تل أبيب»..
يرد الوزير: «وإيه يعنى؟»
يجيب اللواء: «فى القدس
يافندم»..
يبلع الوزير ريقه ويتنهد فى يأس.
- منزل ناصر:
- ناصر وأمه يتواجهان لأول مرة..
تقترب منه وتسأله: «المفروض إنت
لاعب محترف فى أوروبا.. يعنى كان فيه احتمالات كتير تقابل فرق إسرائيلية»..
يرد ناصر: «كان فيه اتفاق جنتلمان
مش معلن بينى وبين النادى إنى ملعبش الماتشات دى وهما يقولوا السبب اللى
يناسبهم.. مرة يقولوا مصاب.. ومرة موفرينه.. ومرة فى أجازة»..
تقول أمه: «طب إنت عاوز تلعب الماتش
ده»..
ينظر لعينيها ثم ينهار بكاءً -
بينما يتذكر مشاهد له (فلاش باك) وهو طفل يلعب مع أبيه -: «لأ مش عاوز ألعب»..
يتدخل شقيقه فى الحوار: «خلاص اعمل
إن جاتلك إصابة»..
تنهره أمه: «عيب.. ابنى مايهربش
ولازم يتحمل نتيجة قراره ويدافع عنه».
- مانشيتات:
صحف تكشف انقطاع ناصر عن التدريبات
وتتزايد التكهنات حول رفضه لعب المبارة.. ولاعبو الفريق ينقسمون بين مؤيد للعب
المباراة ورافض لها.
- منزل ناصر:
- رئيس الاتحاد والمدرب يزوران ناصر
ويحاولان إقناعه بالانتظام فى التدريبات والاستعدادات للمبارة، بينما يخبرهم
ناصر أنه حسم أمره ولن يلعب هذه المباراة لأسباب أخلاقية..
يرد رئيس الاتحاد: «أخلاقية مين..
يا نهار إسود، يابنى حرام عليك تسيبنا فى ظرف زى ده إحنا هنلاعب إسرائيل يرضيك
نخسر منهم».
- رئيس الحزب المعارض يزور ناصر
ويعرض عليه تنظيم مظاهرات لتأييد موقفه وفضح الضغوط التى تمارس عليه ليلعب
مباراة غير مقتنع بها.. وناصر يرفض: «ماليش فى السياسة».
- رئيس الجماعة الدينية يزور ناصر
ويدعوه للقاء إيمانى لأداء صلاة الحاجة لتثبيته على موقفه الوطنى وناصر يرفض:
«لو على الصلاة هصليها هنا لوحدى.. ولو على التثبيت أنا متثبت لوحدى، كفاية أفتح
التليفزيون أشوف نشرة الأخبار، أو أبص لصورة أبويا على الحيطة».
ــ رئيس النادى الألمانى يصل إلى
القاهرة فى زيارة خاطفة ويزور ناصر محاولاً إقناعه بلعب المبارة إنقاذاً لسمعته
الرياضية الدولية.. ويذكره بمستقبله وجائزة أحسن لاعب.. لكن ناصر يتمسك برفضه.
- التليفزيون يعرض صوراً لصحف
إسرائيلية وألمانية تشن حملة على ناصر وتتهمه بمعاداة السامية والنازية.. ويعلن
أن إسرائيل احتجت رسمياً.
- وزارة الخارجية:
- وزير الخارجية يستدعى ناصر ويدير
معه حواراً تفاوضياً:
« ياابنى إحنا بينا وبينهم معاهدة..
ومعادتش فيه حرب، يعنى ده ماتش عادى»..
يرد ناصر: «أنا مفيش بينى وبينهم أى
معاهدات.. ممضيتش معاهم حاجة.. دى معاهدة بينكم وبينهم»..
يحاول الوزير كظم غيظه: «إحنا إيه
وإنت إيه.. إحنا بنمثلك»..
يرد ناصر: «مقدرش أقف فى ملعب وأشوف
علمهم قدامى وأسمع نشيدهم، وأسلم على الكابتن بتاعهم ويدينى العلم بتاعهم..
مقدرش ماشوفش الدم فى إيده»..
الوزير: «دم إيه يا ابنى.. دى كورة..
إنت إزاى كنت عايش فى أوروبا وتفكيرك كده»..
يرد ناصر: «دول قتلوا أبويا ولسه
بيقتلوا لحد النهارده»..
الوزير: «يابنى اللى هيلعبوا معاك
فى الملعب مقتلوش حد.. دول بتوع كورة زيك.. يا ابنى ١+١=٢، ومصر+ إسرائيل =
سلام»..
يرد ناصر: «بالنسبة لى١+١=/=٢»..
ينتهى اللقاء دون جدوى.. ناصر يخرج
بينما الوزير يهدده: «دى خيانة وطنية.. ولازم تندم عليها».
(٧)
- ملعب التدريب - غرفة الملابس:
- اللواء يجلس مع أعضاء الفريق يشحذ
عزيمتهم ويحثهم على ضرورة التركيز والفوز بالمباراة ويطمئنهم أن ناصر سيكون
معهم.. ثم يختلى بالمدرب لدقائق.. يخرج بعدها المدرب ورئيس الاتحاد إلى مؤتمر
صحفى:
«نحن جنود فى هذا الوطن سنلبى نداءه
وسنبقى نبذل أرواحنا لندافع عن اسمه وسمعته مهما كلفنا ذلك»..
يسأل الصحفيون عن ناصر..
يرد رئيس الاتحاد: «اللى حصل منه
مالوش غير اسم واحد.. خيانة.. ده خان بلده فى اللحظة اللى هيا محتاجاله فيها».
- الشارع - أمام منزل ناصر:
مظاهرتان متضادتان الأولى يقودها
حمامة تهاجم ناصر وتسبه وتتهمه بالخيانة والتآمر واتهامات له بالحصول على رشاوى
من إسرائيل مقابل الامتناع عن اللعب حتى تضمن الفوز.. والمظاهرة الثانية مؤيدة
لناصر وتحيى صموده ونضاله ويظهر فيها عدد من النشطاء السياسيين المعارضين.
- مانشيتات:
حملة ساخنة فى عدد من الصحف تتهم
ناصر بالخيانة.. وبرامج توك شو تستعرض ماضيه ومواقفه وتحصل على شهادات تطعن فى
علاقاته بأهله وأصدقائه.
- زيورخ:
الاتحاد الأوروبى يعلن سحب ترشيح
ناصر لجائزة أفضل لاعب.. والنادى الألمانى يدرس إنهاء عقده.. والاتحاد الدولى
يهدد بتغريمه وشطبه.
- لاظوغلى:
اجتماع لقيادات أمنية بحضور رئيس
اتحاد الكرة:
اللواء لوزير الداخلية: «سيتم فرض
حظر تجوال غير معلن طوال يوم المباراة.. بمعنى هنخوف الناس من الخروج بوسائل غير
مباشرة.. هنشترى كل تذاكر المباراة ومش هنسيب تذكرة واحدة تتباع بعيد عن عنينا..
الحزب الوطنى هيمدنا بـ٤٠ ألف مشجع.. وهنكمل بعساكر من عندنا»..
الوزير يسأل: «والمحافظات؟»..
يجيب اللواء: «متأمنة يافندم»..
يرد الوزير: «الحمد لله.. كده مفيش
مشكلة.. ياه ده كابوس.. ده أصعب موقف أنا واجهته أو هاواجهه فى حياتى».. يتدخل
رئيس الاتحاد بخوف: «معاليك الكابوس لسه موجود.. ناصر مش عاوز يلعب.. وده أحسن
لعّيب فى العالم وتقريباً نص الفرقة غير إنه عامل حالة إحباط عند
باقىاللعيّبة»..
يرد الوزير: «جرى إيه هو إحنا هنشيل
كل مصيبة فى البلد..أهو ده اللى ناقص.. مطلوب مننا نخلى اللعّيبة يلعبوا كمان»..
يرد رئيس الاتحاد: «أنا آسف سيادتك،
بس كده فيه احتمال كبير نخسر الماتش.. ودى هتبقى كارثة.. يا نهار إسود نخسر من
إسرائيل.. دى البلد هتبقى فوضى.. ولا فوضى ٧٧»
يعلق الوزير بتأمل: «كل حاجة دلوقتى
بقت بتعمل فوضى النت وحفلات الأغانى والسينمات.. والكورة والسياسة.. آه أنا
السبب عرضوا عليا أمسك المجالس المتخصصة.. رفضت ليه بس».
(٨)
- منزل ناصر:
الأسرة مجتمعة بينما يدق جرس
التليفون.. يرد ناصر.. يمتقع وجهه.. يحاول الرد ويفشل.. يستمع دون أن ينطق.. يضع
السماعة.. يتبادل مع أهله النظرات..
يسأله شقيقه: «هوه؟»..
يومئ ناصر بالإيجاب.. تضرب الأم على
صدرها صارخة: «يا مصيبتى.. وبعدين»..
يرد ناصر: «ولا قبلين.. كده كده
مستقبلى فى الكورة انتهى.. هما عاوزينى ألعب كأنى مكنة ملهاش مشاعر.. ناس كتير
من زمايلى ممكن يلعبوا ماتش زى ده أحسن منى لكن أنا لأ.. ليه مش عاوزين يفهموا..
ترد أمه: «والحل؟».
- فوتومونتاج - شوارع القاهرة: باعة الصحف يملأون الدنيا صخباً:
«اقرا الخبر.. اعتزال ناصر نورالدين.. ناصر يعتزل».
- أمام منزل ناصر: آلاف الجماهير تحتشد أمام المنزل
تطالب ناصر بالرجوع عن قرار الاعتزال..
وتهتف له: «يا ناصر يا حبيبنا..
إوعى تمشى وتسيبنا».. وائتلاف قوى المعارضة يندد بالضغوط التى تمارسها الدولة
على ناصر لإجباره على لعب المباراة.. والجماعة الدينية تدعو أنصارها إلى جمع
توقيعات تأييد لناصر، وتندد بالحكومة العميلة لليهود والصليبيين.
- لاظوغلى: وزير الداخلية مخاطباً ضباطه
الكبار بعنف: «الواد ده هيلعب بينا ولا إيه.. الواد ده لو ملعبش الماتش كلكم
هتطلعوا معاش فى يوم واحد».. ثم يستدرك: «وأنا تانى يوم بعديكم».
- كوبرى الجامعة: مظاهرة محدودة بعشرات الأشخاص
يقودها يحيى شقيق ناصر..
يستقبلها ضابط كبير: «اللى بتعملوه
ده غلط خصوصاً دلوقتى»..
يرد يحيى: «ده حقنا الدستورى»..
يعود الضابط: «يا ابنى من حقك تبوس
مراتك براحتك.. لكن لما تبوسها فى الشارع يبقى فعل فاضح وساعتها من حقى أحبسك..
الحقوق مش مفتوحة على البحرى كده.. والهتافات بتاعتكم دى لوحدها قضية.. وإحنا عندنا
طوارئ»..
يرد يحيى: «إذا كان الطوارئ بيمنع
الهتاف.. فأكيد ما بيمنعش الغُنا».. ثم يغنى ويغنون خلفه: «خلّى السلاح صاحى
صاحى صاحى.. لو نامت الدنيا صاحى مع سلاحى.. سلاحى فى إيديا نهار وليل صاحى..
ينادى يا ثوار.. عدونا غدار.. خلّى السلاح صاحى»..
- تحدث اشتباكات عنيفة بين الشرطة
والمتظاهرين.
- منزل ناصر: حديث حاد بين اللواء وناصر يبدو
فيه ناصر الطرف المنكسر وينهيه اللواء متوعداً:
«أخوك عنده ١٧ قضية لابساه.. أهيفها
مقاومة السلطات.. لكن كل ده ممكن يتسوى، وأخوك يرجعلك بمجرد ما نسمع صفارة الحكم
بنهاية الماتش».
- فوتومونتاج: جنود الأمن المركزى فى معسكراتهم
يتدربون.. ولاعبو الفريق فى الملعب يواصلون التدريبات.. وتمرينات على إطلاق
النار فى الصحراء بين مجموعة الشيخ سعيد.. وناصر يجرى تدريبات «سويدى» فى حديقة
منزله.. والشيخ سعيد يظهر مرتدياً ملابس عمال استاد القاهرة.. ويعمل فى جمع
الكرات من خلف المرمى.
إظلاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااام
|
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)