| لم يقل المستشار ممدوح مرعي وزير العدل جديداً حين تطرق للتعيينات بالنيابة والقضاء، ووصفها بأنها «مهزلة بكل المقاييس» واعترف بوجود مجاملات ومخالفات صارخة في هذه التعيينات صارت حقيقة وواقعاً، بقدر ما كانت تصريحاته اعترافاً صريحاً وشجاعاً من المسؤول الحكومي المكلف بـ «إدارة العدل»، بدخول فيروس «الواسطة» إلي حصن القضاء الشامخ، وتهديده بالنخر في احترامه وهيبته ومصداقيته، مثلما فعل هذا الفيروس اللعين في معظم مؤسسات الدولة وأجهزتها. وتضمنت تصريحات مرعي أيضاً اعتذاراً رسمياً من الوزير ـ القاضي قبل المسؤول ـ للكاتب الكبير والشاعر الرقيق فاروق جويدة بعد عام تقريباً علي أزمته الشهيرة مع مجلس القضاء الأعلي بسبب مقال كتبه جودة في نفس القضية، ونقل فيه غضب واحتجاج وشكاوي عدد من الشبان المستبعدين من التعيينات القضائية، رغم تفوقهم في كليات الحقوق، لصالح عدد من أبناء وأقارب القضاة من الراسبين في كليات الحقوق والناجحين من الدور الثاني أو الحاصلين علي تقدير مقبول، وآخرين ممن قضوا في الكلية ٨ و٩ سنوات في محاولة للحصول علي الليسانس. حمل جويدة في مقاله الشهير صوت الناس وشكاواهم وألقي الضوء علي انتقال أمراض «عدم اللياقة الاجتماعية» إلي مؤسسة القضاء، وكأن اللياقة الاجتماعية لا تكتمل لخريج الحقوق المتفوق إلا لو كان قريباً لأحد المستشارين، وبالتالي يخرج آلاف الشباب من خريجي الحقوق خارج السياق بدعوي أنهم غير لائقين اجتماعياً. وضاق صدر مجلس القضاء الأعلي وقتها بقلم جويدة، وحرك ضده اتهاماً بـ «سب وإهانة القضاء»، وأجرت معه النيابة العامة تحقيقاً استمر ست ساعات كاملة كانت سبباً في أزمة صحية كبيرة ألمت بالشاعر والكاتب الكبير. ربما كان من حق القاضي أن يتطلع إلي أن يجلس ابنه علي منصة القضاء، لكن ليس من حقه أن يفرض علي المنصة شاباً فاشلاً عجز عن الحصول علي مؤهله الجامعي بتقدير مناسب، ليتحول الأمر إلي توريث لا يدرك خطورة التركة التي ستؤول للوريث في هذه الحالة، والذي سيكون مسؤولاً عن تحقيق العدل في الوقت الذي انتهك فيه بنفسه كل قيم العدل والمساواة والإنصاف من أجل الوصول إلي موقعه القضائي غير المستحق. ورغم أن الجدل حول ذلك مستمر منذ أزمة جويدة وحتي الآن، فإن مجلس القضاء الأعلي والهيئات القضائية مازالوا رافضين الإجابة عن سؤال تردد كثيراً مفاده: لماذا الإصرار علي قبول الدفعات التكميلية بتقدير «مقبول ودور ثان» من كل عام، وكأن خريجي الحقوق من الحاصلين علي تقديرات مرتفعة لا يعانون من بطالة سببها الرئيسي هو تفشي المحسوبية والمجاملات في جميع مؤسسات الدولة، ولا أدري لماذا تهدر الهيئات القضائية القيم التي استقرت عليها جميع الأنظمة القضائية في العالم، والتي حرصت علي أن يكون التعيين في هذا المنصب الرفيع مقصوراً علي خريجي كليات الحقوق من الأوائل والمتفوقين، وفي ذلك تأكيد لسيادة القانون وهيبة المنصب وقدسيته. بين يدي بيان موقع من خمسين قاضياً وعضو نيابة عامة يمثلون ما يسمي «جبهة القضاة وأعضاء النيابة» ويلقي البيان ـ المعنون بـ: «التوريث في جهاز القضاء المصري» ـ بالمسؤولية علي مجلس القضاء الأعلي بتشكيله الحالي الذي نص عليه قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢، وجعله المختص بنظر كل ما يتعلق بتعيين وترقية ونقل وندب وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة، واعتبر البيان أن الثقة التقليدية العامة المستقرة في القائمين علي تطبيق رسالة العدل مستها بعض الشوائب بسبب التحلل من التقاليد والخروج عن الضوابط السليمة في اختيار رجال القضاء. وأكد البيان أنه كان يتعين علي مجلس القضاء الأعلي أن يضع ضوابط وقواعد عامة مجردة وموضوعية وثابتة ومستقرة ولها صفة الدوام في اختيار «معاوني النيابة» باعتبارهم الرافد الأصلي الذي يمد سلك القضاء برجاله، لدعم مستقبل القضاء والاحتفاظ بالثقة التي ظل علي مدار السنين يتمتع بها، وتعجب البيان من سماح مجلس القضاء الأعلي في الأعوام الماضية بقبول الحاصلين علي تقدير «مقبول» بسبب الوساطة والمحسوبية ومجاملة الأبناء علي حساب من اجتهدوا وتفوقوا ونالوا التقديرات المرتفعة. واعتبر البيان أن مصطلح «الدفعات التكميلية» حيلة مبتكرة لحبك الشكل القانوني لقبول الراسبين، مشيراً إلي تعيين ست دفعات أصلية وتكميلية خلال سنة لخريجي أعوام ٢٠٠٢ و٢٠٠٣ و٢٠٠٤، وتم الإعلان عن قبول تعيين الدفعة الأصلية لخريجي ٢٠٠٥ هذا العام، إضافة إلي إعلان «داخلي» خلف أبواب دار القضاء العالي المغلقة ـ وليس في الصحف كما ينص القانون ـ عن دفعة تكميلية خلال شهر أكتوبر الماضي، واستمر الإعلان في سرية تامة لمدة أربعة أيام فقط. وقال البيان بالنص: «قبول الدفعات التكميلية شابه العديد من القصور، ويكفي أن تعلم أن من بيدهم مقاليد الأمور في المجلس قبلوا «أبناءهم» الناجحين بـ «الكاد» وفي دور أكتوبر «الدور الثاني» الخاص بالملاحق، وأن هناك من تم قبولهم رغم حصولهم علي تقدير مقبول واستمرارهم في كلية الحقوق لمدة ٨ أعوام كاملة حتي الحصول علي الليسانس». أعرف قضاة يجبرون أبناءهم علي الالتحاق بكليات الحقوق ضماناً للوظيفة، وبعضهم يجبر بناته علي دخول الحقوق أيضاً علي أمل تعيين المرأة في درجات القضاء مستقبلاً، أو توفير وظيفة لهن في النيابة الإدارية، وأعرف أيضاً أبناء قضاة في كليات الحقوق يتعاملون مع زملائهم من الطلاب الكادحين والمتفوقين، علي اعتبار أن وظيفتهم في النيابة محسومة وفي الانتظار. لكنني لا أعرف كيف يمكن أن أثق في حكم قاض أعلم أنه جلس علي المنصة مجاملة لعمه أو خاله أو والده، وأعرف أيضاً أنه تخرج في كلية الحقوق بالكاد، بينما زملاؤه المتفوقون في الشارع لمجرد أنهم لا يملكون هذا العم أو ذاك الخال. لا أهدف من هذه السطور التشهير بمؤسسة القضاء أو برجالها، وإنما أرجو أن يكون فتح هذا الملف بداية لتنظيف ثوب القضاء الشامخ حفاظاً علي هيبته وقدسيته وضماناً لاستمرار الثقة المطلقة التي جعلت المصريين مؤمنين دائماً بأن القضاء حصنهم الأخير، وربما الوحيد. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 11 ديسمبر 2006
اعتذار رسمي لـ «فاروق جويدة»
السبت، 17 يونيو 2006
سيناريو التوريث القديم
وفي الوقت الذي تعلم فيه معاوية من طريقة اغتيال سلفه، وابتدع «مقصورة» في المسجد يحميها الحراس عند صلاته، كرس أيضا جهوده لتحقيق الاستقرار وتخفيف نار الفتنة، والسيطرة علي الاضطرابات، وبدأ بـ«التصالح مع رموز المعارضة» في ذلك الوقت، وعلي رأسهم الإمام الحسن الذي قبل ببيعته.
وركز معاوية علي تعزيز قدراته الأمنية علي الصعيد الداخلي، وظهر البصاصون علي عهده، وفرض حالة أشبه بـ«الطوارئ» طوال مدة حكمه التي قاربت ٢٠ عاما، وضيق علي التحركات والتجمعات، خصوصا للنشطاء السياسيين في ذلك الوقت، وكانت الحجة في تبرير «الطوارئ» أن البلاد في صراع مع الدولة البيزنطية، ولابد من ضمان أمن الجبهة الداخلية، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
وما إن استقر الأمر لمعاوية وبدأ حكمه يزدهر في عاصمته الجديدة دمشق، حتي بدأت التساؤلات تدور حول مصير الحكم من بعده، خصوصا مع تقدمه في السن، وعندها بدأت فكرة التوريث تلوح في الأفق.
وترجح بعض كتب التاريخ أن فكرة التوريث لم تكن تدور في ذهن معاوية، حتي اقترحها عليه «مستشاره السياسي» القصير المكير، المغيرة بن شعبة، الذي قاد سيناريو التوريث دعاية وتنفيذا.
وانضم آخرون من بطانة معاوية لدعم هذا السيناريو، ومنهم «وزير إعلامه» الضحاك بن قيس الفهري، الذي قال لمعاوية في اجتماع عام: يزيد بن أمير المؤمنين من أفضلنا علما وحلما وأبعدنا رأيا فوله عهدك، واجعله لنا علما بعدك.
ونجحت جهود المغيرة بن شعبة والضحاك بن قيس في إثارة جدل حول الفكرة وبدأ «أمناؤهم» في الأمصار والأقطار يطرحون الفكرة باعتبارها ضمانا للاستقرار، وبدأت أجهزة إعلام الخلافة الرسمية الممثلة في الشعراء الرسميين في الحديث عن شباب يزيد، وحيويته، وأفكاره، وتقواه، وورعه.
وبينما كان يزيد يصرح لشعرائه المقربين ومداحيه وطباليه وزماريه، أنه «ليس لديه النية أو الرغبة في خلافة والده»، كان أعوانه وبطانة والده يسيرون في سيناريو التوريث حتي المدي الأخير، وواجهتهم مشكلتان رئيسيتان: الأولي كيف يحكم يزيد وحوله مئات من القادة العسكريين، الذين قادوا الغزوات والفتوحات، وكان الحل هو وضعه بروتوكوليا علي رأس عدد من الغزوات والسرايا، ومنحه «رتبة استثنائية» وتكليف عدد من «الطبالين» للحديث عن نجاحاته وحكمته وفروسيته.
وكانت المشكلة الثانية هي الصورة النمطية التي كونها الرأي العام عن يزيد، بأنه مجرد شاب ابن الحاكم يعبث ويلهو، ويحب الصيد، وكان الحل في حملة «علاقات عامة» مكثفة تبنتها القصائد والخطب المنبرية الموجهة، والتي زادت في الحديث عن تقواه وورعه وزهده، ومحاولاته مشاركة والده في «إدارة البلاد وتطوير الدواوين ومكافحة الفساد».
وحرص معاوية بمعاونة من بطانته علي أن يظل الحديث عن التوريث جدلا لا ينقطع، ولا يتم تأكيده أو نفيه بشكل قاطع، لضمان عدم ثورة رموز المعارضة القوية، وباتت تلك الجهود أقرب للنجاح بعد وفاة الحسن بن علي، أقرب المرشحين لخلافة معاوية، والذي يتردد أنه مات مسموما بتدبير من الخليفة.
وحتي لا يتهم أحد يزيد بالكذب بعد إعلانه عدم وجود نية أو رغبة لديه في الحكم، فقد دبر المغيرة بن شعبة والضحاك بن قيس خطة لتوافد أعداد كبيرة من المواطنين من جميع الأقطار، أغلبهم من موظفي الدواوين -ربما جاءوا مقابل «وجبة و٢٠ دينارا» ليقفوا أمام دار الخلافة ويطالبوا الخليفة بأخذ البيعة لابنه كولي للعهد، وعندها يبدو يزيد ذلك الشاب الزاهد الذي اضطر لقبول المسؤولية «نزولا علي رغبة الجماهير».
كان معاوية يدرك أن حالة الجدل حول التوريث نجحت في جعل العامة موقنين من حدوثه ومستسلمين له، وكانت المشكلة في رموز المعارضة، خصوصا الحسين بن علي، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمر.
ولعبت بطانة السوء دورا مهما في أن يتخذ معاوية قراره، ويحسم أمره تماما، ويطلق «الأجهزة الأمنية في الشارع لقمع المعارضين»، ويضع رؤوس الحسين، وابن الزبير، وابن عمر تحت حد السيف لأخذ البيعة ليزيد، حتي أصبحت ولايته للعهد مقطوعة ومنهية ونافذة.
وكانت النخبة في هذا الوقت منقسمة إلي ٣ فرق، الأول هو المعارضون للفكرة تماما وهؤلاء تكفل بهم السيف، والثاني هو المؤيدون بحسن نية، والذين باتوا مقتنعين بأن يزيد قادر علي ضمان الاستقرار، وراهنوا علي شبابه وحيويته، وقدرته علي تطوير الدولة وكونه حاكما شابا يتيح فرصة أكبر لنقده وتقويمه، ويجعل الحوار معه أيسر، والفريق الثالث هو بطانة معاوية الذين كانوا يطمحون من نقل الحكم إلي أحد أبناء البيت الأموي، إلي استمرار نفوذهم وبقائهم في مراكز التأثير وصنع القرار.
لكن ظن الجميع خاب، فبمجرد تولي يزيد الحكم أفرط في قمع معارضيه، وأطلق قواته الأمنية لارتكاب المجازر والتنكيل بالمعارضين،
فاقتحم مكة، واستباح المدينة، وأباد آل بيت النبي في مذبحة كربلاء، وقتل الحسين وقطع رأسه، وبذلك خاب ظن المؤيدين بحسن نية، كما خاب أيضا ظن بطانة السوء، الذين حرص يزيد علي الإطاحة بهم ليثبت للجميع أنه هو الذي يحكم، وليؤسس لنفسه بطانة خاصة يأسرها بفضله، بدلا من تلك التي تأسره بفضلها باعتبارها التي ساعدته في الوصول للحكم.
وبينما خسر مروجو السيناريو وداعموه، وخسر حسنو النية كانت الخسارة الأكبر في ترسيخ وتكريس مبدأ التوريث الذي عانت منه الأمة طوال قرون!!
الجمعة، 19 مايو 2006
أفكار ضد الرصاص.. محمود عوض يفتح ملفات «الكتب الخطرة»
في
مجتمعات تتوجس من الحرية يصبح التفكير جريمة، وتتحول الكتابة إلي فعل سيئ
السمعة، ويبدو الكتاب كمسجل خطر، و كاتبه متهمًا مدانًا حتي لو ثبتت
براءته.
وتزداد جريمة الكتاب إفراطا في الجرم كلما اصطدمت بمستقر اجتماعي أو سياسي أو ثقافي أو ديني، ولأن المجتمعات التي تكره الحرية تكرس الاستبداد، و تتوحش فيها السلطات الأربع السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية، وتقاوم كل محاولة أو دعوة للتغيير، منطلقة مما يسميه الكاتب الكبير محمود عوض ـ في كتابه: «أفكارضد الرصاص» الذي صدرت طبعته الخامسة عن دار المعارف مؤخرًا ـ المقاييس الخاصة للسلطة في المجتمع العربي، التي تعتبر فيه أن الخوف صبر.. والجمود عقل.. والتطور جنون.. والتجديد إلحاد.. والحرية كفر.. والتفكير جريمة.. والضعف نعمة.. والجُبن قيمة.. والشجاعة رذيلة.. والصمت حكمة.. والجهل فضيلة.. والتمرد زندقة.. والاختلاف خيانة.. والظلام نور.. والظلم عدل.. والطغيان قوة.. والإرهاب قانون.. والحكم إله.. والمرأة حيوان.. والشعب عبيد.. والتاريخ أسطورة..الماضي مقدس.. والحاضر مقبول.. والمستقبل ملعون. وبدأب باحث مدقق، وعقل صحفي مثقل بالموهبة، وروح مفكر متجدد، يجول بك محمود عوض وسط أوراق وحيثيات ٤ جرائم قتل ـ حسب وصفه، القتيل فيها كتاب، والقاتل سلطة بكل ما تملكه من نفوذ وأسلحة وجبروت. يعيد محمود عوض فتح ملفات عبدالرحمن الكواكبي وقاسم أمين وعلي عبدالرازق وطه حسين، أو علي الأصح ملفات المتهمين، طبائع الاستبداد، وتحرير المرأة، والإسلام وأصول الحكم، وفي الشعر الجاهلي.. وهي ٤ كتب هزت مجتمعاتها بأسلوب جديد في التفكير لا يقدس الماضي، ولا يحترم المستقر.. والتهمة الحقيقية التي واجهتها هذه الكتب هي أنها اصطدمت مباشرة بالسلطة سواء كانت السلطة السياسية المباشرة «الحاكم» أوالسلطة الاجتماعية «المجتمع» أوالسلطة الدينية «الأزهر»، أوالسلطة الثقافية «الجامعة». وفي كتابه الذي تعد طبعته الحالية التاسعة فعليا بعد ٤ طبعات عن دار المعارف، و ٤ طبعات أخري عن دار الشروق، يقدم محمود عوض قراءة جديدة للجرائم الأربع، ويسطر مرافعة رائعة عنها يخلص منها إلي طلب براءة وتقدير وإكبار لموكليه، ويشير بأصابع الاتهام إلي المجرم الحقيقي، السلطة التي قررت إعدام الكتب الأربعة، هي تقصد تحذير آخرين من السير علي دربها. ويقول في بداية مرافعته الموجهة إلي قاض لا يحترم محمود عوض أحدًا في هذا العالم أكثر منه، وهو القارئ، إن جريمة قاسم أمين هي أنه طلب الحرية للمرأة في مواجهة المجتمع المتمثل في الرجل، وجريمة الكواكبي أنه طلب الحرية للشعب في مواجهة السلطان، وجريمة علي عبدالرازق أنه طلب الحرية للدين في مواجهة الملك، وجريمة طه حسين هي أنه طلب الحرية للأدب في مواجهة السياسة.. ولا تمر مرافعة محمود عوض القديرة دون أن يزينها كعادته بكلمات تستحق الانضمام إلي موسوعة المأثور، فيقول: إنني استطيع أن أعطيك قلبي ـ سوف أصبح عاشقًا أعطيك طعامي.. سوف أصبح جائعًا: أعطيك ثروتي.. سوف أصبح فقيرًا.. أعطيك عمري.. سوف أصبح ذكري. ولكنني ـ أبدًا ـ لا استطيع أن أعطيك حريتي، إن حريتي هي دمائي، هي عقلي، هي تفكيري، هي خبز حياتي، لو أعطيتك إياها، فإنني أصبح قطيعًا. حيوانًا. كمًا مهملاً.. شيئًا بلا قيمة، له ماض، ولكن ليس أمامه مستقبل، إن حريتي هي رأيي، هي شجاعتي، هو نبض الحياة في شراييني. رأس في وجه الحائط اسمه قاسم أمين مواليد ديسمبر ١٨٦٣ لأم مصرية وأب من أصل تركي، كان ظهور كتابه «تحرير المرأة» حادثاً بل حادثاً خطيراً ــ علي حد تعبير الدكتور محمد حسين هيكل بعد ذلك بسنوات. ظهر قاسم في مجتمع كان يضع المرأة في أبعد مسافة ممكنة عن الرجل، عن الحياة، ويضع فوق جسدها طبقات فوق طبقات من الملابس، حتي يختفي الأثر الأخير لأنوثتها، وتتلاشي كل الملامح المميزة لجسدها، وسط هاجس يسيطر علي المجتمع بأن الرذيلة تساوي المرأة، والفضيلة في حجبها عن العالم، ومع ذلك لم تنتشر الفضيلة وتتلاشي الرذيلة حسب ما يثبت محمود عوض في مرافعته «كتابه». حاول قاسم أمين أن يعترض علي الحاجز المرتفع السميك الذي يفصل المرأة عن مجتمعه، واعترف في الصفحة الأولي من كتابه بقوله «سيقول قوم إن ما أنشره اليوم بدعة»، حاول الرجل أن يستخدم رأسه لإزالة الحائط الكبير بين المرأة والمجتمع، ودفع الثمن.. تهشم رأسه قبل أن ينجح في فتح ثقب واحد في هذا الحاجز. لم يدعو قاسم إلي السفور والفجور والإباحية كما هاجمه مجتمعه، لم يطلب للمرأة إلا تقليل الفجوة بينها وبين الرجل، ولم يطلب قاسم نزع حجاب المرأة أيضا، بل دعا إلي حجاب شرعي يظهر من خلاله وجه المرأة حتي يمكن التعرف عليها. لكن المرأة في هذا الوقت كانت إحدي التابوهات المحرمة، ومجرد الاقتراب منها يعني الاصطدام بمستقرات اجتماعية راسخة، ويفتح عليها أبواب جهنم، لكنه اختار أن يكون صديقاً مكروهاً ويكشف للمجتمع عيوبه، مما دفع أحمد لطفي السيد للقول: «ما علمت أمراً يخاطر بنفسه ويقف حياته لإحياء أمته بهذه الشجاعة الفائقة كما فعل قاسم». لقد خاطر قاسم أمين بالفعل بحياته وسمعته، وواجه اتهامات بالفسوق والفجور والزندقة والكفر، ولم يجد مناصراً إلا اليسير بينما شعر أن المجتمع كله انبري للرد عليه.. لاتهامه.. لتفسير كتابه تفسيراً تآمرياً، ألقي بحجر في مياه ساكنة، فأصبح مارقاً، مجرماً، منبوذاً. صدق المجتمع أن الصدام بينه وبين قاسم أمين هو صدام بين فضيلة يتمسك بها ورذيلة يدعو لها قاسم، ولذلك اتخذ ضده إجراءات رادعة، عشرات الكتب ترد عليه، الخديو عباس يمنعه من دخول قصر عابدين، يعيش كالمنبوذ حتي أصدقاؤه لزموا الصمت، مواقف رموز مثل سعد زغلول، ومحمد عبده وأحمد لطفي السيد، وطلعت حرب بدت رمادية، حتي الزعيم مصطفي كامل وقف ضده وأفرد صفحات جريدة اللواء لمهاجمته والتشكيك في وطنيته وشرفه، وظل قاسم متمسكاً بآرائه وتمرده وثورته في كتابه الثاني المرأة الجديدة، وبدأ يكرس جهوده في دعم مشروع التعليم، ربما نجح في ترويض العقول الشرسة، ولم يبدأ المجتمع في مراجعة أفكاره عنه إلا بعد موته، لكن المجتمع واصل تكريمه لقاسم أمين، ولم يحول منزله إلي متحف أو مكتبة أو معرض، لكنه تحول إلي «كباريه»!.. يقولها محمود عوض في ختام مرافعته عن قاسم أمين بسخرية مؤلمة. شمعة احترقت من طرفيها اسمه طه حسين.. أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، يوم الأربعاء ٢٠ مارس ١٩٣٢، أصدر مجلس الوزراء قراراً بفصله من خدمة الحكومة، والجريمة أنه تم ضبه متلبساً بالتفكير والدليل «كتاب» أيضاً. والكتاب هو «في الشعر الجاهلي» الذي أصدره الدكتور طه حسين عام ١٩٢٦، ومارس فيه ـ ما يراه المجتمع ـ جريمة التفكير، يطالب فيه بألا نأخذ القديم علي علاتة لمجرد أنه قديم، وأن نخضع كل شيء للتفكير، للشك والفحص والمراجعة حتي نصل للإيمان. ويقول: «إن الكثرة المطلقة فيما نسميه أدبا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي». مسألة أدبية بحتة مكانها الجامعة والمحافل الثقافية، نظرية تستحق الأخذ والعطاء في الرأي، لكنها تحولت في لحظات إلي قضية سياسية وبرلمانية وجنائية ودينية، وتعالت دعوات تقول: إن الرجل يطعن صراحة في القرآن الكريم، حتي أن شيخ الأزهر قدم بلاغا للنيابة، يقول إن الكتاب فيه كذب في القرآن، وطعن علي النبي وعلي نسبه، داعيا إلي تقديمه لمحاكمة عاجلة. وعلي الرغم من أن يستمد أدلته من القرآن، ويقول: إن «القرآن أصدق مرآة للجاهلية.. فليس من اليسير أن نفهم أن الناس أعجبوا بالقرآن حين تليت آياته دون أن تكون بينهم وبينه صلة. وضع طه حسين كتابه بقلب مسلم مؤمن، وعقل مفكر يشك، لكن الأزمة امتدت وزادت اشتعالاً، وكان السبب بسيطا حسب محمود عوض، أن المجتمع لديه أفكار خاصة ومستقرة في الدين والسياسة والثقافة، أفكار كل عضو في المجتمع مطالب بقبولها دون مناقشة أو فحص أو مراجعة، أفكار تصل إلي درجة التقديس، وكان من الطبيعي معاقبة طه حسين عقابا صارما، لأنه فكر في مراجعة هذه الأفكار المستقرة. وتحول الأمر لأزمة برلمانية.. المعارضة تطالب بمصادرة الكتاب وإعدامه، وتكليف النيابة برفع دعوي علي طه حسين، وإلغاء وظيفته في الجامعة، وطالبه آخرون بإعلان أنه مسلم وموحد بالله في شهادة مكتوبة أو بيان، وأصدر مجلس الشيوخ تقريرا عن الكتاب، رغم تعديله بعد ذلك، وحذف فصل منه وتغيير اسمه. واعتبر طه حسين أن السياسة لعبت دورها لأن الملك كان ضد الديمقراطية التي كان يدعو لها. يقول محمود عوض: إن طه حسين اختار لنفسه موقفا وسط كل هذا بأن يقول ما يؤمن به، وإلا أصبح كامرأة تبيع نفسها لمن يدفع أراد أن ينير فاحترق، وأن يبني بيتا للناس بأن يضعهم أمام حقائق جديدة، وأسلوب جديد في التفكير، لكن السياسة نجحت في سحب القضية كلها من ميدانها الأصلي، وجعلوها «دين أم لا دين»، «إيمان أم إلحاد»، في حين أن القضية أساساً هي القضية الأزلية «حرية أم لا حرية». قلم ضد السلطان اسمه عبدالرحمن الكواكبي من مواليد مدينة حلب في الشام عام ١٨٤٨، تعلم اللغة والدين، وأتقن العربية والفارسية والتركية، ودرس الكتب الدينية والتاريخية، وقوانين الدولة العثمانية. وفي وقت كانت الإمبراطورية العثمانية فيه هي رجل أوروبا المريض، كان تساؤل يسيطر علي ذهن الكواكبي عن حال المسلمين، لماذا ضعفوا؟ ولماذا استكانوا؟ ومع إعمال عقله في التفكير بدأ يضع يده علي بعض الإجابات، أهمها الأسباب السياسية،التي لخصها الكواكبي في فقدان المسلمين الحرية بجميع أنواعها، حرية التعليم، والتعبير، والبحث العلمي وأدرك أن المسلم تدهور حاله حينما أصبح مجردا من حريته في القول والعمل، وحينما فقد المجتمع حريته فقد أمله، وبطل عمله، وماتت نفسه، وفسد عقله، واختل قانونه واستولي عليه الفتور واستسلم للاستبداد. وصل الكواكبي إلي ما نعتبره «مربط الفرس» الاستبداد، لكنه لم يصل فقط إلي فكرة فلسفية مطلقة، وإنما بدأ في مواجهتها علي أرض الواقع حيث خاض معركة مع والي حلب، هاجم خلالها بقلمه استبداده وفساده، ورد الوالي بتوريطه في قضية سياسية تستخدمها السلطة منذ الأزل «مناوأة الدولة.. الخيانة العظمي». أفلت الكواكبي من حكم بالإعدام في حلب، هاجر إلي مصر وقضية الاستبداد هي شغله الشاغل، قرر دراستها في أوراق تحمل عنوان «طبائع الاستبداد» ينطلق من خلالها إلي نتيجة مفادها أن الاستبداد السياسي هو أصل الفساد. جمع الكواكبي أفكاره في كتاب أصدره من القاهرة عام ١٩٠٠ يحمل عنوان «طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد، وهي كلمات حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح قد تذهب غدا، بالأوتاد.. محررها هو الرحالة ك». يصطدم الكواكبي مباشرة بالسلطة حيث يعرف الاستبداد بأنه «صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية ولا عقاب». ورغم أنه يؤكد من البداية أنه لا يقصد مستبدا بعينه، ولا حكومة بعينها، إلا أن مجرد تلميحه، جعله وجهًا لوجه في مواجهة السلطان بكل ما يمثله من جبروت، وتهمته كبيرة جدًا، إنه يدعو إلي الحرية، وهذايكفي لكسب غضب السلطان ونقمته. البداية كانت أمرا سلطانيا بمنع تداول الكتاب وحظر، في كل الولايات العثمانية، لكن عقاب السلطان لم يقتصر علي ذلك، كان سريعًا، وحازمًا، وقاسيا، إن العيب في الذات السلطانية لها عقاب واحد، الموت بالسم. حينما يخسر شعب حريته فإنه يدفع لاستعادتها ثمنًا مضاعفًا، ثمن الحرية نفسه، وثمن استعادة الإيمان بها، وقد دفع الكواكبي هذا الثمن،، ومازال ينتظر في مثواه أن نحصد نحن ثماره!. شيخ أمام الطوفاناسمه علي عبدالرازق شاب أزهري يعمل قاضياً شرعياً بمحكمة المنصورة، من عائلة شهيرة وميسورة. كانت ثورة الضباط قد تمكنت في تركيا بزعامة مصطفي كمال أتاتورك، وأصدر برلمانها ليلة ٣ مارس ١٩٢٤ قرارا بإلغاء الخلافة نهائياً، وخلع السلطان عبدالحميد، والتقط القرار في القاهرة الملك فؤاد، وسال لعابه علي لقب «خليفة المسلمين»، وجس نبض بريطانيا وعلماء الأزهر والسياسيين فلم يجد معارضة، وبدأت ترتيبات مبايعته خليفة للمسلمين. وبينما كان الملك وبطانته يسيرون في اتجاه الخلافة، كان الشيخ الشاب علي عبدالرازق ينتهي من كتاب عنوانه «الإسلام وأصول الحكم.. بحث في الخلافة والحكومة الإسلامية» يقول فيه بصراحة أن الخلافة لاسند لها في القرآن والسنة، وأنها ليست ولم تكن حكما من أحكام الدين الإسلامي، ولم يحدث اجماع علي خليفة في كل التاريخ الإسلامي، وقال ما هو أقسي من ذلك: «ليس بنا من حاجة إلي تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، الخلافة كانت ولم تزل نكبة علي الإسلام والمسلمين»، وأن زعامة النبي كانت دينية وانتهت بموته، وليس لأحد أن يخلفه في زعامته، ولا يصح ولا يجوز، وأن الزعامة التي توجد بعد النبي هي زعامة سياسية مدنية ولا علاقة لها بالدين. اصطدم الشيخ عبدالرازق مباشرة بالملك فؤاد بمنتهي الوضوح والجرأة، قام بتعرية الخلافة من قناعها الديني، وفضح أساليب الملوك والسلاطين في استخدام الدين والخلافة لأغراض سياسية. ولم يلبث كتابه أن ظهر للنور حتي كان الجدل بقدر ما كان متوقعاً، هبت عاصفة شديدة عليه، اعتبروا كتابه كفرا صريحا تلزمه التوبة للعودة للإسلام، اعتبروه فاسدا، معتديا، ملحداً «كافرا» فاسقا، واعبتروا أنه ألحق بنفسه عيبا لا يمحي، وعارا لا ينسي، ودنسا لا يطهر، إلا بالتوبة والندم والاستغفار. مشايخ وعلماء الكل يهاجم، والكل في النهاية يسعي لرضا الملك، والملك يتحرك بنفسه، ويأمروا الحكومة بالتصدي للكتاب وكاتبه باعتباره إلحادا وكفرا، وزندقة وخرجت بعد الرغبة الملكية مظاهرات ضد الكاتب والكتاب، وأزمة وزارية، وقرار عاجل بمحاكمة الشيخ علي عبدالرازق أمام هيئة كبار العلماء وحكمت الهيئة بإجماع ٢٤ عالما بإخراج علي عبدالرازق من زمرة العلماء، ومسحوا اسمه من سجلات الأزهر، وطرده من كل وظيفة، وقطع مرتباته في أي جهة، وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة عمومية دينية أو غير دينية. سياسة وانتقام واستبداد واستغلال للإسلام، ورائحة الملك تفوح من الخلف، وتسببت أزمته في انهيار ائتلاف حكومي، وتغيير وزارة دانزروي الشيخ إلي نسيان عجيب بلا وظيفة ولا تقدير ولا رد اعتبار الصداقة معه صارت تهمه، والتضامن جريمة، والكتابة عنه خطيئة. |
الأحد، 14 مايو 2006
ضربوا «عمرو» وكسروا الكاميرا: «أي حركة هانصور في المليان»
كان صباح الخميس الماضي نهارا عاديا ـ
بالنسبة لنا علي الأقل كمحررين في «المصري اليوم»، حتي لو كانت القاهرة في
هذا الصباح قد عاشت أجواء الحرب، وسقطت في قبضة حظر تجوال غير معلن،
فتأديبية القضاة التي انعقدت في ذلك الصباح في وسط العاصمة، رغم أهميتها
التي تمثلت في حالة الاستنفار الأمني غير المسبوق والترقب الشعبي،
كانت تمثل لنا مجرد عمل، فتجربتنا في هذه الجريدة التي بدأت قبل عامين، وانطلقت في لحظة موازية، لانطلاق قطار الإصلاح والتغيير، علمتنا ألا نتعجب من حدث مهما كانت درجة سخونته، وأن نتعامل معه بمهنية واحتراف كاملين، وكل غايتنا أن نترجم جهودنا لننقل لقارئي الجريدة في كل مكان، حقيقة ما يجري في شوارع القاهرة، وأن نقدم لمواطن عجز عن الوصول لمقر عمله في ذلك اليوم تفسيرا واضحا، لهذه الحشود والمتاريس التي منعته من بلوغ عمله وطوال عامين مضيا من عمر الجريدة كانت،
وكان محرروها ومصوروها كل يوم في ميدان، في مظاهرة، في محاكمة، وسط أحداث ساخنة لم يفعلوا أكثر من نقلها، كما هي دون تهويل أو تهوين، إيماناً بحق القارئ في المعرفة.
لكن صباح الخميس الماضي اختلف فجأة، جاء خبر إلي غرفة الديسك المركزي التي أعمل فيها، أن الأمن يحاصر المنطقة، ويغلق وسط القاهرة، ويمنع الاقتراب، ويستهدف الصحفيين، وظل الأمر عاديا، فقد عودتنا الأخبار علي ذلك، وكم من صحفي ومراسل تعرضوا للضرب والإهانة في أحداث سابقة، ومظاهرات أشد شراسة.
لكن الخبر التالي أحدث اختلافا لا يمكن تجاوزه أو اختصاره في أنه أمر عادي، «ضربوا عمرو عبدالله وكسروا الكاميرا» وتأكد الخبر من أكثر من مصدر، ونقلته وكالات أنباء، وتأكد أكثر بعد أن وصل عمرو إلي مقر الجريدة عائدا من «ميدان المعركة».
واجه عمرو واقعا مغايرا، قالوا له قبل التحاقه بالعمل الصحفي إن الصحافة سلطة رابعة، وصدق الشاب الساذج هذه المقولة وهو يتجه إلي وسط القاهرة حاملا العدسة، ونسي أن سلطة العدل نفسها تهان وتنتهك، ويعتدي عليها.
وحدثوه عن القانون حديثا مطولا، وصدمه أن رجالاً مهمتهم حفظ القانون، وحمايته وتنفيذه، يسبون أباه وأمه، ويضربونه، ويكسرون سلاحه «الكاميرا».
كانت الصدمة واضحة تماما علي وجهه، وكان التساؤل يقفز من عينيه «ماذا فعلت؟» فقط كنت أؤدي واجبي؟.
لم يدرك عمرو أن القضاة المحالين للتحقيق كانوا أيضا يؤدون واجبهم، وأن الضابط والجنود الستة الذين سقطوا من فوق كوبري أكتوبر، كانوا أيضاً في طريقهم لأداء واجبهم، وأن آلافاً غيرهم ممن ذهبوا للتظاهر السلمي «المكفول قانونا ودستورا» لدعم القضاة والتضامن معهم، كانوا أيضاً يؤدون واجبهم، لكن ما تأكد منه أن قوات الأمن التي احتلت وسط العاصمة لم تكن أبداً تؤدي واجبها، ولم تلتزم بأي قانون، وتجاوزت الغرض من وجودها في التأمين الهادئ والسلمي للمنطقة.
كنا في «المصري اليوم» ننظر إلي الاعتداءات الأمنية علي المواطنين «متظاهرين- قضاة - صحفيين» نظرة احترافية نعمل علي رصدها وتحليلها، وتناول تداعياتها، كنا محايدين ننظر إلي الحدث نظرة عابر السبيل لجنازة تمر أمامه، ولا يمت بصلة للمتوفي، ويكتفي بالشهادة وقول «إن لله وإنا إليه راجعون»، وعندما يعود إلي ذويه ينقل لهم ما رأي.
لكن الاعتداء علي عمرو عبدالله جعلنا نشعر أن عصا الأمن المركزي وصلت إلي رؤوسنا، وطالت أجسادنا، وكان السؤال الذي راج بيننا، إذا كان النظام رفع عصاه في وجه المتظاهرين لمنعهم من التظاهر، وشهر أسلحة التلفيق للإصلاحيين لكبح جهودهم، ونصب المحاكم التأديبية للقضاة لمنعهم من قول كلمتهم، وفصل القوانين والتشريعات لإعادة المجتمع إلي جوار الحائط، فماذا يريد من رفع عصاه في وجه «المصري اليوم»،
هل يتصور أن عهداً ــ كانت تقع فيه الأحداث أمام أعيننا في قلب القاهرة، ثم نعود لنفتش عن أخبارها في صحف قومية أو قنوات تليفزيونية فلا نجدها، يمكن أن يعود؟!
ندرك تماما في «المصري اليوم» أنه لا أزمة بيننا وبين النظام، ولا عداء أو تحفز، أو «تلكيك» مثلما قد يكون موجودا في بعض الصحف الغربية والمعارضة.
لكن الأزمة الحقيقية أن البعض من أركان هذا النظام لا يدرك الفرق بين الاستقلال والتبعية، ولم يعتد أن يتعامل مع مؤسسة تنحاز لمهنتها ولقارئها، ولا تتلقي أوامر من أحد، ولا تكتب ما يملي عليها.
كانت تمثل لنا مجرد عمل، فتجربتنا في هذه الجريدة التي بدأت قبل عامين، وانطلقت في لحظة موازية، لانطلاق قطار الإصلاح والتغيير، علمتنا ألا نتعجب من حدث مهما كانت درجة سخونته، وأن نتعامل معه بمهنية واحتراف كاملين، وكل غايتنا أن نترجم جهودنا لننقل لقارئي الجريدة في كل مكان، حقيقة ما يجري في شوارع القاهرة، وأن نقدم لمواطن عجز عن الوصول لمقر عمله في ذلك اليوم تفسيرا واضحا، لهذه الحشود والمتاريس التي منعته من بلوغ عمله وطوال عامين مضيا من عمر الجريدة كانت،
وكان محرروها ومصوروها كل يوم في ميدان، في مظاهرة، في محاكمة، وسط أحداث ساخنة لم يفعلوا أكثر من نقلها، كما هي دون تهويل أو تهوين، إيماناً بحق القارئ في المعرفة.
لكن صباح الخميس الماضي اختلف فجأة، جاء خبر إلي غرفة الديسك المركزي التي أعمل فيها، أن الأمن يحاصر المنطقة، ويغلق وسط القاهرة، ويمنع الاقتراب، ويستهدف الصحفيين، وظل الأمر عاديا، فقد عودتنا الأخبار علي ذلك، وكم من صحفي ومراسل تعرضوا للضرب والإهانة في أحداث سابقة، ومظاهرات أشد شراسة.
لكن الخبر التالي أحدث اختلافا لا يمكن تجاوزه أو اختصاره في أنه أمر عادي، «ضربوا عمرو عبدالله وكسروا الكاميرا» وتأكد الخبر من أكثر من مصدر، ونقلته وكالات أنباء، وتأكد أكثر بعد أن وصل عمرو إلي مقر الجريدة عائدا من «ميدان المعركة».
واجه عمرو واقعا مغايرا، قالوا له قبل التحاقه بالعمل الصحفي إن الصحافة سلطة رابعة، وصدق الشاب الساذج هذه المقولة وهو يتجه إلي وسط القاهرة حاملا العدسة، ونسي أن سلطة العدل نفسها تهان وتنتهك، ويعتدي عليها.
وحدثوه عن القانون حديثا مطولا، وصدمه أن رجالاً مهمتهم حفظ القانون، وحمايته وتنفيذه، يسبون أباه وأمه، ويضربونه، ويكسرون سلاحه «الكاميرا».
كانت الصدمة واضحة تماما علي وجهه، وكان التساؤل يقفز من عينيه «ماذا فعلت؟» فقط كنت أؤدي واجبي؟.
لم يدرك عمرو أن القضاة المحالين للتحقيق كانوا أيضا يؤدون واجبهم، وأن الضابط والجنود الستة الذين سقطوا من فوق كوبري أكتوبر، كانوا أيضاً في طريقهم لأداء واجبهم، وأن آلافاً غيرهم ممن ذهبوا للتظاهر السلمي «المكفول قانونا ودستورا» لدعم القضاة والتضامن معهم، كانوا أيضاً يؤدون واجبهم، لكن ما تأكد منه أن قوات الأمن التي احتلت وسط العاصمة لم تكن أبداً تؤدي واجبها، ولم تلتزم بأي قانون، وتجاوزت الغرض من وجودها في التأمين الهادئ والسلمي للمنطقة.
كنا في «المصري اليوم» ننظر إلي الاعتداءات الأمنية علي المواطنين «متظاهرين- قضاة - صحفيين» نظرة احترافية نعمل علي رصدها وتحليلها، وتناول تداعياتها، كنا محايدين ننظر إلي الحدث نظرة عابر السبيل لجنازة تمر أمامه، ولا يمت بصلة للمتوفي، ويكتفي بالشهادة وقول «إن لله وإنا إليه راجعون»، وعندما يعود إلي ذويه ينقل لهم ما رأي.
لكن الاعتداء علي عمرو عبدالله جعلنا نشعر أن عصا الأمن المركزي وصلت إلي رؤوسنا، وطالت أجسادنا، وكان السؤال الذي راج بيننا، إذا كان النظام رفع عصاه في وجه المتظاهرين لمنعهم من التظاهر، وشهر أسلحة التلفيق للإصلاحيين لكبح جهودهم، ونصب المحاكم التأديبية للقضاة لمنعهم من قول كلمتهم، وفصل القوانين والتشريعات لإعادة المجتمع إلي جوار الحائط، فماذا يريد من رفع عصاه في وجه «المصري اليوم»،
هل يتصور أن عهداً ــ كانت تقع فيه الأحداث أمام أعيننا في قلب القاهرة، ثم نعود لنفتش عن أخبارها في صحف قومية أو قنوات تليفزيونية فلا نجدها، يمكن أن يعود؟!
ندرك تماما في «المصري اليوم» أنه لا أزمة بيننا وبين النظام، ولا عداء أو تحفز، أو «تلكيك» مثلما قد يكون موجودا في بعض الصحف الغربية والمعارضة.
لكن الأزمة الحقيقية أن البعض من أركان هذا النظام لا يدرك الفرق بين الاستقلال والتبعية، ولم يعتد أن يتعامل مع مؤسسة تنحاز لمهنتها ولقارئها، ولا تتلقي أوامر من أحد، ولا تكتب ما يملي عليها.
الجمعة، 24 مارس 2006
بـ «العربي الجريح» محمود عوض يواصل مقاومة القهر بالكتابة
يمثل محمود عوض الترجمة الحرفية لكلمة
الكاتب الصحفي الكبير بكل ما تحمل هذه الكلمات الثلاث من معان، ويبدو أمامك
نموذجاً مثالياً للصحفي الذي يعمل عند موهبته فقط، يتسلح بها، ويسلحها
باستمرار بثقافة واسعة ومتنوعة وعميقة، تجعل منه كاتبا موسوعيا، إذا كتب عن
بيان الحكومة اقتنعت أنه مراقب قدير وإذا كتب عن الصراع السياسي، تأكدت من
كونه محللاً من الطراز الأول،
وإذا كتب عن الفن والفنانين تشعر، وكأنك معه، تصدقه وتتيقن من احترامه لك وصدقه معك وتقديره لك. ولأنه نشأ في وقت كان متاحا فقط للمواهب الحقيقية، وفي عصر اتفقنا معه أو اختلفنا، كان يضيف لأي موهبة فقد صعد نجمه دون حساسيات مريضة من صغر سنه، ودون تبريرات واهية حول قلة خبرته، في ذلك العصر كان رؤساء تحرير الصحف في العشرينيات والثلاثينيات، مثل أحمد بهاء الدين وكامل زهيري ومحمد حسنين هيكل،
وكان النجوم الذين غيروا شكل الفن وطريقه علي مثال عبدالحليم حافظ وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي وصلاح چاهين، في هذا الجيل المتفجر بالموهبة، والذي امتد تأثيره إلي الأدب والمسرح، وحتي رجال الدولة الجدد، حيث كان عزيز صدقي ٢٩ عاماً، وهو يؤسس أول وزارة للصناعة بنت ١٠٠% من قدرات مصر الاقتصادية والصناعية التي امتد أثرها وفائدتها حتي الآن. وسط هذا الجيل صعد غير مدعوم من أحد إلا من موهبته، وبين كل هذه القامات والمقامات كان نجما لمؤسسة عريقة هي أخبار اليوم.
وإذا كان محمود عوض قد اختار بعد ذلك، حيث تبدلت الأحوال، وتعرض استقلاله المهني للخطر، فقد فعل ذلك احتراما لموهبته التي تدثر بها وانطلق بها إلي آفاق أرحب جعلته الكاتب العربي الأكثر انتشارا حسب أرقام توزيع كتبه، ومقالاته التي تتهافت عليها الصحف العربية في الشرق والغرب.
أدرك الرجل منذ البداية أن قلمه وموهبته وصدقه واحترامه لقرائه، هي أسلحته ضد أي محاولة للاغتيال المعنوي والحصار، وكان كل هؤلاء عند حسن الظن، ورغم ابتعاده عن العمل المؤسسي منذ سنوات كثيرة، فإنه تحول بنفسه إلي مؤسسة مستقلة، ذات كيان حقيقي يلمسه أي قارئ متابع ومطلع، وأي باحث بين أرفف المكتبات العربية. كتابه الأخير وليس الخاتم، بـ «العربي الجريح» الصادر عن مؤسسة دار المعارف مؤخراً، والذي جمع فيه مقالاته في مجلة الشباب علي مدار خمس سنوات متصلة يمارس فيه محمود عوض هوايته في إدهاشك وإمتاعك بفيض هائل من المعلومات المتنوعة التي تفتح أمامك آفاقاً أرحب، وينطلق بك من الحب إلي الحرب، ويمزج التاريخ بالجغرافيا، ويجول بين الحدائق والحواجز في كل العالم، وبين الشخوص والنجوم في لقطات تبدو أمامك كفيلم تسجيلي كبير تشاهد فيه عبدالحليم وعبدالوهاب وديانا وأنتوني كوين وتشرشل وصباح فخري ومحمد علي فهمي، بتفاعل مميز ممتزج برشاقة في الكتابة، وعمق في المعاني وبساطة في الكلمات، ودقة في العبارات. «المصري اليوم» تعرض للقليل من كل هذا تقديراً لرجل في حجم مدرسة اسمها محمود عوض.
رجال «اليوم السابع».. لا نفرق بين أحد منهم!
تسميها الآلة الدعائية الإسرائيلية «حرب الأيام الستة»، بينما يسميها محللون عسكريون وسياسيون في مصر، أبرزهم مرسي عطا الله رئيس تحرير الأهرام المسائي «حرب السنوات الست»، معتبراً أن ما حدث في ٥ يونيو ١٩٦٧، كان بداية لمعركة احدة انتهت في ٦ أكتوبر ١٩٧٣م، إلا أن محمود عوض بحس إنساني يعتبرها «حرب الأيام السبعة» معتبرا معركة أكتوبر ١٩٧٣، معركة اليوم السابع، والجيش الذي خاض المعركة، وجلب الانتصار جيش اليوم السابع، ورجاله رجال اليوم السابع، ويستند محمود عوض إلي أن كل الأيام، وإن كانت تساوي ٢٤ ساعة، إلا أن حياة الشعوب تصبح فيها بعض الأيام أطول أو أقصر من الأيام الأخري، والفترة من اليوم التالي لهزيمة ٦٧، وحتي اليوم الأخير من حرب أكتوبر هي بذاتها يوم واحد متصل.. إنه اليوم السابع. يسترسل محمود عوض في أكثر من موضع في الحديث عن اليوم السابع جيشه ورجاله ومناخه، عن قناعة بأن أكثر من كتاب لا يمكن أن يعطي هذه اللحظات الفارقة في التاريخ حقها.
ويملك محمود عوض في هذه المسألة ما يسميه «القاموس الخاص»، معتبراً أن الملحمة العسكرية المبدعة التي عزفها «جيش اليوم السابع» في أكتوبر ١٩٧٣، نجحت بعد أن قام علي تنفيذها جيش جديد.. قامت مصر ببنائه مقاتلا مقاتلا، وطوبة طوبة، وسلاحاً بعد سلاح، واعتمدت في بنائه علي جيل يراه محمود عوض العمود الفقري لتلك الحرب، جيل من المتعلمين وخريجي الجامعات الذين أصبح الجيش بكل فروعه يطلبهم بشكل فوري، هذا الجيل يصفه محمود عوض بأنه أول إنتاج متراكم لنهضة كبري بدأت قبلها بسنوات نهضة عنوانها «مجانية التعليم».
ويعتبر أن هذا الجيل أخذ علي عاتقه تحقيق مستحيل هو أن تمتلك مصر جيشاً عصرياً، وهو يري أن الاستحالة هنا طبيعية، لأن مصر تتاح لها فقط ربع ساعة حرية في كل قرن، وإذا لم تستثمر مصر ربع الساعة هذا في بناء جيش، حيث تواجه به أطماع الوحوش الكاسرة في الغابة الدولية، يصبح مصير مصر هو الاضمحلال، حيث يدور تاريخها الدرامي بين القمة والحضيض دون وسط.
ويتلمس محمود عوض في غمار حديثه عن «اليوم السابع» ظاهرة لا تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وتقتحمه، وهي خلط الخاص بالعام، ودفع الأمور إلي الابتعاد عن الأحكام الموضوعية والمهنية الصرفة، ويدفعك حديثه لتذكر يوم قبل ٨ سنوات، حيث احتفلت مصر بمرور ٢٥ عاما علي الاحتفالات بانتصارات أكتوبر، وكانت الاحتفالات هي الأكبر في تاريخنا، وتم فيها توزيع ميداليات وأنواط علي أسماء وأشخاص من شاركوا في الإنجاز، وخلت الأسماء من سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة حتي الأسبوع الأخير من حرب أكتوبر، وكان لاستعباد اسمه مغزي سياسي بالطبع، وله علاقة بموقف الشاذلي من الرئيس السادات.
وعند هذه النقطة يستغل محمود عوض طرح اسم سعد الدين الشاذلي عليه في إحدي الندوات ليؤكد علي مبدأ الفصل بين العام والخاص، فإذا كنا نتحدث عن حرب أكتوبر فالشاذلي أحد أركانها بكل موضوعية، أما إذا تحدثنا عن الشاذلي كسياسي فله مواقفه التي نختلف فيها معه أو نتفق، لكننا لا يجب أن نختلف عليه كعسكري شارك في صنع ملحمة «اليوم السابع» وكان رئيساً لأركان الجيش قبل الحرب بسنتين، وحتي أحيل إلي التقاعد في الأسبوع الأخير من الحرب.
يقولها محمود عوض بوضوح: «سعد الدين الشاذلي بصفته العسكرية هو أحد أعمدة العسكرية المصرية الحديثة، ولو لم يفعل في حياته سوي أنه كان رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية التي بدأت حرب أكتوبر لأصبح هذا يكفيه، ولا نستطيع أن نسحب منه ذلك لأن السياسة تغيرت أو لأن السياسيين يختلفون».
يحاول محمود عوض أن يبتعد بإنجاز النصر الكبير عن ساحة الخلافات السياسية، ويتطرق إلي الحديث عن «رجال اليوم السابع» فهؤلاء الرجال صنعوا جميعا نصر أكتوبر، وإيماننا بهم لابد أن يكون كاملاً، ولا يجب ألا نفرق بين أحد منهم، فهو نصر جيل خالد ضم القائد الأعلي أنور السادات، والقائد العام أحمد إسماعيل، ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي، وقائد القوات الجوية حسني مبارك ورئيس غرفة العمليات محمد عبدالغني الجمسي، وقائد قوات الدفاع الجوي محمد علي فهمي، وآخرين كثيرين في جميع أفرع القوات المسحلة قادة وأفراداً كلهم سواء بسواء، ويلحق بهم كل مدني في موقعه، وكل من ربط الحزام علي بطنه لتوفير ثمن رصاصة للمعركة، وقبل هؤلاء جيل ممن أعادوا تأسيس الجيش عقب محنة ٦٧ الاستثنائية يتصدرهم الرئيس جمال عبدالناصر، والفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب الجيش الذي استشهد في الصف الأمامي للجبهة كأروع مثل لقائد في ميدان المعركة.
وينال المشير محمد علي فهمي قائد ومؤسس سلاح الدفاع الجوي الذي خاض حرب أكتوبر قسطاً وافرا من اهتمام محمود عوض، وهو اهتمام يستحقه، خاصة إذا كان الرجل وسلاحه أبرز عوامل النصر.
بعد أن قرر الرئيس جمال عبدالناصر أن يصبح الدفاع الجوي قيادة مستقلة في القوات المسلحة، اختار محمد علي فهمي مسؤولاً عن تلك القيادة، وكانت بداية تحول خطير غير مسار الصدام في المنطقة كلها، ونجح الرجل في بناء سلاحه تحت ضغط من القصف المعادي، ونجح في الوصول بحائط الصواريخ الشهير إلي أقرب نقطة من قناة السويس، وفي أسبوع واحد سمته إسرائيل أسبوع تساقط الطائرات، أسقطت صواريخ الدفاع الجوي المصرية ١٧ طائرة إسرائيلية، ووضعت مصر أيديها علي تسعة طيارين إسرائيليين أحياء، ووقف وزير الخارجية الإسرائيلي يعترف أن سلاح الطيران الإسرائيلي يتآكل. أما الفريق عبدلمنعم رياض أعلي رأس في العسكرية المصرية وقتها بقدر ما كان يتطلع إلي النصر كان استشهاده بداية للنصر، أو كما يصفه محمود عوض بأنه نهاية البداية.
وحسب وصف العماد مصطفي طلاس وزير الدفاع السوري السابق، فإن استشهاد رياض اخترق حالة البلبلة والانهزامية واليأس التي حاولت إسرائيل فرضها علينا بعد ١٩٦٧، وكان الرجل شعاعاً مضيئاً في الظلام، باعتباره عسكريا محترفاً، ومتبحرًا في العلم العسكري، ويتابع القتال من الخندق الأمامي، وهو يعرف مسبقا أنه في بؤرة الخطر.. أقصي درجات الخطر.
مثل هذا السلوك.. والكلام يرويه محمود عوض علي لسان طلاس، لا يفعله إلا قائد مؤمن بجنوده وضباطه وجيشه وبلده، والأهم إيمانه «بأن إرادة النصر يجب أن تبدأ من الرأس».
كل رجال اليوم السابع كانوا من ماركة «عبدالمنعم رياض»، ولهذا نجحوا في تغيير وجه التاريخ، وكانوا جميعهم قادة ضربوا المثل في كل شيء.
رجال اليوم السابع، أيضا لم يقتصروا علي القادة والجنود بل امتدت قائمتهم إلي كل شعب مصر الذي واجه امتحان عمره بصلابة وإيمان بأن هزيمة يونيو ٦٧ استثناء من التاريخ، ويجب أن تكون هزيمة في جولة وليست في حرب ـ استثناء وليس قاعدة ـ والقاعدة هي أن مصر قوية، وقوتها تبدأ من عقلها وإرادتها وإصرارها علي الإعداد ليوم سابع يكنس تماما «حرب الأيام الستة» هؤلاء الرجال كان فيهم من هو وراء خط النار، وكان فيهم بنفس الأهمية والصلابة والتضحية ونكران الذات، زوجات وأمهات وأباء وأولاد وبنات.
الاستعمار الجديد و«الموسيقي العذبة»
كان الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لينكولن واحدا من أبرز زعماء الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يكرر في خطاباته العامة المعني التالي: «باعتباري محاميا ورجل قانون سابقًا فإنني لا أفهم في الاقتصاد، لكن بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة أعرف أنك كمواطن أمريكي حينما تشتري سلعة مصنوعة في بريطانيا مثلا فإن الذي يستفيد من دولاراتك في هذه الحالة هو عامل بريطاني صنعها وصاحب مصنع بريطاني أنتجها، وخزينة بريطانية أخذت عليها رسومًا، وصاحب سفينة بريطانية نقلها عبر المحيط، أما إذا اشتريت سلعة أمريكية فإن كل المستفيدين هولاء يكونون أمريكيين، و تصبح الضرائب التي يسددونها هي ذاتها التي تقام بها خدمات ومرافق لك ولأولادك».
يستدعي محمود عوض هذه الكلمات من مخزن قراءاته، مقدمًا مثالاً بسيطًا لدور الدولة في حماية نفسها وشعبها من التآكل والتحلل، ويطرح سببين رئيسيين لتآكل الأمم، الأول هو الانسحاب من العصر، والانعزال وراء الأسوار، مستشهدا بنموذج الصين في القرن الـ ١٧، حيث اختارت الانسحاب، واكتشفت أن انسحابها هذا يجعلها أكثر ضعفًا وأقل معرفة بأسباب القوة الجديدة في عالم متغير، فإذا كان علي الصين أن تكسر مرحلة إذلالها يصبح عليها أولا أن تدرس بصرامة وجدية أسباب قوة الآخرين، وتعمل ليل نهار علي اللحاق بركب التقدم، أما السبب الثاني للتآكل فهو الوجه الآخر للانعزال والانسحاب، بما يعني الانفتاح بلا حدود، وفتح كل الأبواب لدخول الوافدين دون اعتبار لآثار ذلك علي حزب الداخل بكل ما يحويه من قيم حضارية واجتماعية، وطاقات إنتاجية. ويعتبر عوض منظمة التجارة العالمية، الذراع الثالثة للاستعمار الجديد بعد صندوق النقد والبنك الدوليين.
المسألة يطرحها في جمل بسيطة: «هم ينتجون ولديهم فائض يبيعونه للآخرين، ونحن مستهلكون ولدينا نقص يجب أن نشتريه من الآخرين، وإذا استمرت المعادلة علي هذا النحو فلا أحد يحتاج إلي احتلالنا.. نحن نصبح قابلين للاحتلال فعلا.. والموسيقي التصويرية رقيقة وعذبة: باسم الحرية افتح سوقك، افتح تجارتك، افتح جيبك، إنها حرية التجارة، وكل حديث عن الحرية يظل ممتعا لأنها ـ من قبل ومن بعد ـ الحلم الأكبر للإنسانية».
من بين هذه الكلمات ندرك الفارق الكبير بين خطبة إبراهام لينكولن، وبين فلسفة واشنطن في قيادة منظمة التجارة العالمية حاليا، بين دعوي حماية المنتج المحلي، والرغبة المحمومة في ترك السوق للمنافسة البحتة، وحتما هي منافسة لصالح الأقوي والأقدم والأكثر إمكانية.
والتفسير واضح في عهد إبراهام لينكولن كانت الولايات المتحدة تبني وحدتها وتبني اقتصادها وطاقاتها الإنتاجية، بينما هي الآن أنجزت كل شيء، ولم يعد يشغلها إلا سؤال واحد: كيف تسوق إنتاجها؟
وهي في سبيل تحقيق ذلك لا تهتم بالوسائل بقدر اهتمامها بالنتائج، ولتحقيق هذا الهدف ترفع شعاراتها حول حرية التجارة، وهي حتي الآن مازالت تضع المئات من القيود المنظورة، وغير المنظورة في أسواقها ضد واردات الآخرين.
والولايات المتحدة في هذا الصدد مثلها مثل أي قوة صناعية تلجأ لنفوذها السياسي والاقتصادي وأحيانا العسكري لفرض إنتاجها، وهي قوة استعمارية تستوعب تماما خبرات من سبقوها في هذا الصدد، ألم تشن بريطانيا حربا مدمرة ضد الصين لفرض منتجاتها، ورغم أن ذلك كان قبل أكثر من ١٥٠ عامًا، إلا أن فلسفة الاستعمار المستتر تحت دعاوي حرية التجارة واحدة.
وتحت هذه الشعارات تتسلل القوي الكبري إلي بلادنا باستعمار جديد.
ويلتمس محمود عوض لأمريكا بعض العذر بطريقة: «لماذا نلوم دولة تحمي شعبها؟»، حيث يؤكد أن اللوم الحقيقي لابد أن يقع علينا في المنطقة، حيث نهدر الفرصة تلو الفرصة، ونهدر الفروق والمميزات التي نتمتع بها في منطقة عربية متصلة، وذات لغة واحدة، وذات تنوع مناخي وإنتاجي يمكن أن يصب في صالح الجموع، بدلا من سياسة العزف المنفرد التي تنتهجها كل دولة.
ويقول محمود عوض: «أمريكا لا تفعل ذلك حبًا في إفقار الآخرين أو إصرارًا علي إضعافهم، لكنها تفعله أساسا لحماية مصالح شعبها، ولو كنا في مكان الأمريكان لفعلنا مثلهم». ويستحضر مقولة لمؤرخ كبير بحجم «آرثر شيلزنجر» الذي كان واحدا من أبرز وألمع مستشاري الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي، حيث كتب مرة معترضا علي نصائح صندوق النقد الدولي للدول النامية، يقول: «لو أن المقاييس التي يطبقها صندوق النقد الدولي حاليا علي الدول النامية، كان قد تم تطبيقها علي الولايات المتحدة في القرن الـ ١٩ فإن نمونا الاقتصادي كان سيستغرق وقتًا أطول بكثير، والآن فإن قيامنا بإلقاء المواعظ علي الدول النامية لتطبق سياسات انكماشية في اقتصادها يضعنا في موقف الغانية العاهرة التي بعد أن جمعت ثروة تسمح لها بالتقاعد بدأت في نصح الآخرين بإغلاق بيوت الدعارة لأنها ضد الفضيلة»!.
حين يقول أغنياء العالم لفقرائه افتحوا أبوابكم وأسواقكم للتجارة الحرة، فهذا يساوي أن تطلب من طفل في الخامسة من عمره الدخول في سباق جري مع بطل أوليمبي، أو تطلب من صناعات ناشئة أن تناطح رأسا برأس صناعات تملك أسواقًا أوسع، ولديها موارد أكثر وعندها عضلات أقوي تنامت وتراكمت لمائتي سنة علي الأقل.
ويلفت عوض إلي أن الاستسلام للروشتات القادمة من الخارج اقتصاديا لن يحقق تنمية ولا يحزنون فالنموذج الغربي الذي بني عليه نهضته لا يصلح للتطبيق في العالم الثالث.
إن التنمية والتوسع الاقتصادي لا ينفصلان عن الأبعاد الاجتماعية، والاستثمار في البشر لا يختلف كثيرا عن الاستثمار في أي منتجات، وهو ما يبدو أن محمود عوض يدعو إليه، حيث تقرأ بين السطور رغبة من جانبه في أن تستغل الدول النامية التوحش الغربي لفتح الأسواق أمام المنتجات، وتطالب أيضا بفتح الأسواق أمام البشر، وأمام العمالة، حيث تمتلك هذه الدول من هذا المنتج ما يسمح لها بالتصدير، ويستحضر هنا مباحثات للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر مع رئيس الوزراء الصيني، حيث طالب الأول الصين بفتح أسواقها وسمواتها وبيوتها أمام المنتجات الأمريكية، والثقافة الأمريكية، والأفلام الأمريكية تحت عنوان فضفاض وجميل اسمه «حقوق الإنسان». لكن رئيس الوزراء الصيني يرد علي كارتر قائلا: لنفترض أن الصينيين بعد فتح الأسواق أمام أمريكا انبهروا بالنموذج الأمريكي، وسعي ١٠% منهم للهجرة إلي أمريكا للعيش والعمل والتعليم هل ستقبلون بهم إيمانا بحقوق الإنسان في الاختيار، وبالطبع لم يرد كارتر.
الخلاصة من جهد محمود عوض في عدة مقالات تقول إنه لابد لنا من أوراق نستطيع الدخول بها إلي العالم، ولا يجب أن نستسلم لشروط الآخر واتفاقاته التي يصوغها ويفند بنودها وفق مصالحه، لابد أن نحمي أنفسنا وشعوبنا وصناعتنا وتجارتنا وقيمنا وثقافتنا، حتي لو تطلب الأمر اتخاذ إجراءات وقيود، فهذا حقنا، فالاتحاد الأوروبي يشترط أن تذيع أي محطة تليفزيونية أو دار عرض سينمائية ٥١% علي الأقل من عروضها إنتاجًا محليًا، ولا يقبل بالضغوط الأمريكية في هذا الشأن، واليابان ترفض استيراد الأرز من الخارج، لأن الأرز محصول قومي ويمثل عند اليابانيين تاريخ وأمن قومي.
درس من سيرة النجوم
القمــة تتســـع لكــل مــوهبـــة
لا تشعر يومًا أنك أقرب إلي عبدالحليم حافظ إلا إذا قرأت عنه لمحمود عوض، الأمر لا يقتصر علي عبدالحليم فقط وإنما يمتد إلي نجوم هذا العصر الذهبي، الذي تفجر بالمواهب والقامات في كل مجال وليس الغناء فقط.
لم يكن محمود عوض يومًا محررًا فنيا، ولكن المواهب الحقيقية في هذا العصر كانت من الذكاء بحيث تلتقط بعضها البعض كمغناطيسات قوية، وهو ما تلمسه بين سطور الكتاب في أكثر من موقع سواء في معرض حديثه عن عبدالحليم أو عبدالوهاب اللذين يركز عليهما من بين جميع الفنانين في ذلك الوقت، وتجد أن كليهما كان يبدو حريصا علي إحاطة نفسه برموز ثقافية وعامة تشكل إضافة لوضع كل منهما كفنان ورجل مجتمع، وهو ما يؤكده محمود عوض نفسه في اقترابه من شخصية عبدالوهاب التي يصفها بأنها «شخصية تليفونية» مشيرا إلي أنه كان يستمد ثقافته ويشكل رؤاه السياسية والاجتماعية من حواراته مع أصدقائه الذين يحرص علي اختيارهم بعناية، ومنهم محمود عوض بالطبع.
وإذا كان الأمر بالنسبة لحليم وعبدالوهاب يصب في خانة دعم النجومية وتقويتها، فقد كانت المسألة بالنسبة لمحمود عوض صداقة حرص عوض طوال تاريخها علي ألا يترك لحسه كصحفي لامع الفرصة للاستفادة من هذه الصداقة مهنيا، ويقول: «إن الصداقة الحميمة يجب أن يكون لها قوانينها الذاتية غير المكتوبة، وهو ما يتقاطع غالبا مع احتياجات تشابك المصالح التي قد تفرضها الصحافة الفنية».
يقترب بك محمود عوض مما يصفه بعبدالحليم «الكائن الإنساني متعدد التضاريس متدفق المشاعر وسريع الانفعال وشديد الاحتراق فعلا وانفعالاً»، ومن خلال قربه من حليم يؤكد أنه لم يكن يوما من الأيام مطرب سلطة، وأن حليم خاض مشوار نجاحه مرتين، الأولي لكي يصل إلي القمة، والثاني لكي يستمر فيها، وفي الأولي وجد عبدالحليم من شاركوه وكانوا جزءا من نجاحه، ويجدد عوض تأكيده علي أن ظاهرة عبدالحليم، لا يمكن تفسيرها أو فهمها دون الالتفات إلي مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي ومن بعدهما بليغ حمدي.
يضعنا محمود عوض أمام حقيقة لمسها بنفسه عن عبدالحليم، فيقول إن الوصول إلي قلوب الناس بلون جديد كان تحديا أمام حليم في ظل وجود أسماء كبيرة وقتها كانت لها قاعدتها الجماهيرية العريضة، وبعيدا عن عبدالوهاب وأم كلثوم، كان هناك فريد الأطرش ومحمد فوزي وعبدالعزيز محمود، وعبدالغني السيد، وهو ما يعني ـ حسب تأكيد عوض، أن عبدالحليم اقتنع من البداية بأن عليه ألا يكون بديلا لأحد أو مزاحما لأحد، لأن القمة تتسع لكل موهبة. درس جديد يقدمه محمود عوض من سيرة عبدالحليم حافظ، يفيد الجميع سواء كانوا فنانين وغير ذلك، ويلخص ظاهرة حليم الفنية في جملة بسيطة مفادها أن صوته القادم من الأعماق يتسلح بالرقة حينما يتيسر، وبالإصرار حين يلزم، وبالشدة حين يحب، وبالصدق في جميع الأحوال.
وبينما كانت الصداقة مع عبدالحليم هي أبرز ملامح محمود عوض، وهي صداقة حرص كلاهما عليها، كان عبدالوهاب أشد حرصا علي صداقة كتلك، حرص ينبع من ذكاء فني ومهني وإنساني جعل عبدالوهاب الذي صعد نجمه مع الملكية، لا تخفت نجوميته مع الثورة، وأبقاه بعيدا عن التقسيمات والتوصيفات الأيديولوجية والسياسية، ومنذ أن تبناه شاعر كبير في حجم أمير الشعراء أحمد شوقي، يبدو أن عبدالوهاب تعلم هذا الدرس الذي أشرنا إليه سابقا وهو حرصه علي الاستفادة من كل المواهب من حوله، وهو الأمر الذي جعله يبدأ تدريجيا في الانسحاب من سوق الغناء، فارضًا نفسه موهبة موسيقية كبيرة، مقتنعا مع نفسه بأن مواهب كبيرة مثل أم كلثوم وعبدالحليم يمكن أن يستفيد هو نفسه منها لتقديم ألحانه، وفرضها.
هذا الذكاء جعل عبدالوهاب الذي وصفه محمود عوض بالشخصية التليفونية ـ كما قلنا ـ يحاول الاستفادة من كل موهبة، وكان محمود عوض نفسه هو أحد هذه المواهب التي استفاد منها. حالة القرب التي وفرتها الصداقة لمحمود عوض مع نجوم هذا الزمان، جعلته شاهد عيان علي كثير من المواقف التي جمعت هؤلاء النجوم، أطرفها ما يمكن أن نعنونه بـ «محاولات انقلاب في المغرب تنقذ عبدالوهاب من مواجهة مع أم كلثوم». ويتلخص الموقف في وجود محمود عوض وسط حشد كبير من النجوم في الرباط، في إطار الاحتفالات بعيد ميلاد الملك الحسن، المعروف عنه ولعه بالفن، وصداقته بالفنانين، حشد الملك الراحل كل نجوم هذا العصر ما عدا أم كلثوم التي لم تكن موجودة ـ وقاد الملك الفرقة الموسيقية بنفسه، وفي إطار هذا الحفل طلب الملك من عبدالوهاب أن يغني بصوته أغنية «ودارت الأيام».
لم يكن أحد يتصور ـ حسب محمود عوض ـ حجم الاضطراب الذي أصاب عبدالوهاب بطلب الملك، لم يستطع الرفض، باعتبار أن أوامر الملك مراسيم ملكية لا يمكن رفضها، وأعطاه الملك يوما كاملا للاستعداد لغناء «دارت الأيام». وحسب ـ محمود عوض ـ لم يكن من صفة عبدالوهاب في أي وقت معارضة السلطة ابتداء من عسكري مرور إلي ملك بحجم ومودة وكرم الملك الحسن، وفي الوقت الذي لم يستطع فيه عبدالوهاب أن يبدي اعتراضه مباشرة، راسما علي وجهه قناع السعادة والامتثال، ظل يردد مع نفسه عبارة «ربنا يستر».
جزع عبدالوهاب كما يفسره محمود عوض لم يكن من الملك، ولا من غيره، كان من أم كلثوم شخصيا.
عبدالوهاب يعرف أن أم كلثوم تفرض علي أي ملحن يعمل معها مهما كان قانونها الخاص أن يلتزم الملحن بألا يردد بصوته في أي مكان الأغنية، وأن تكون هي وحدها المعبر عن الأغنية «غناء وكلمات ولحن».
ومخاوف عبدالوهاب تمثلت فيما يمكن أن يحدث لو عرفت أم كلثوم أن عبدالوهاب غني «دارت الأيام»، وهي حتما ستعرف فالحشد كبير، ولم يعد أمامه وقتها سوي خيارين، أن يغني الأغنية فيسعد الملك وتحاسبه بعد ذلك أم كلثوم، أو لا يغنيها فيحاسبه الملك وترضي أم كلثوم!!.
وكان رد عبدالوهاب قاطعًا لمحمود عوض: «حساب أم كلثوم يوجعني أكثر» وهي كلمة لها مغزاها سواء فيما يتعلق بشخصية أم كلثوم الحازمة مع الجميع، أو عبدالوهاب الذي يحترم تعهداته.
وبينما ظل عبدالوهاب في حيرته شاعرا أنه وقع بين مطرقة أم كلثوم من ناحية وسندان صديقه الملك من ناحية أخري، كانت الأقدار تحيك له مخرجا نظيفا، حيث جرت في ليلة الحيرة تلك محاولة انقلاب مسلحة فاشلة استمرت ٢٠ ساعة كاملة، ونجح الانقلاب في إنقاذ عبدالوهاب من «حساب أم كلثوم»!
وإذا كتب عن الفن والفنانين تشعر، وكأنك معه، تصدقه وتتيقن من احترامه لك وصدقه معك وتقديره لك. ولأنه نشأ في وقت كان متاحا فقط للمواهب الحقيقية، وفي عصر اتفقنا معه أو اختلفنا، كان يضيف لأي موهبة فقد صعد نجمه دون حساسيات مريضة من صغر سنه، ودون تبريرات واهية حول قلة خبرته، في ذلك العصر كان رؤساء تحرير الصحف في العشرينيات والثلاثينيات، مثل أحمد بهاء الدين وكامل زهيري ومحمد حسنين هيكل،
وكان النجوم الذين غيروا شكل الفن وطريقه علي مثال عبدالحليم حافظ وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي وصلاح چاهين، في هذا الجيل المتفجر بالموهبة، والذي امتد تأثيره إلي الأدب والمسرح، وحتي رجال الدولة الجدد، حيث كان عزيز صدقي ٢٩ عاماً، وهو يؤسس أول وزارة للصناعة بنت ١٠٠% من قدرات مصر الاقتصادية والصناعية التي امتد أثرها وفائدتها حتي الآن. وسط هذا الجيل صعد غير مدعوم من أحد إلا من موهبته، وبين كل هذه القامات والمقامات كان نجما لمؤسسة عريقة هي أخبار اليوم.
وإذا كان محمود عوض قد اختار بعد ذلك، حيث تبدلت الأحوال، وتعرض استقلاله المهني للخطر، فقد فعل ذلك احتراما لموهبته التي تدثر بها وانطلق بها إلي آفاق أرحب جعلته الكاتب العربي الأكثر انتشارا حسب أرقام توزيع كتبه، ومقالاته التي تتهافت عليها الصحف العربية في الشرق والغرب.
أدرك الرجل منذ البداية أن قلمه وموهبته وصدقه واحترامه لقرائه، هي أسلحته ضد أي محاولة للاغتيال المعنوي والحصار، وكان كل هؤلاء عند حسن الظن، ورغم ابتعاده عن العمل المؤسسي منذ سنوات كثيرة، فإنه تحول بنفسه إلي مؤسسة مستقلة، ذات كيان حقيقي يلمسه أي قارئ متابع ومطلع، وأي باحث بين أرفف المكتبات العربية. كتابه الأخير وليس الخاتم، بـ «العربي الجريح» الصادر عن مؤسسة دار المعارف مؤخراً، والذي جمع فيه مقالاته في مجلة الشباب علي مدار خمس سنوات متصلة يمارس فيه محمود عوض هوايته في إدهاشك وإمتاعك بفيض هائل من المعلومات المتنوعة التي تفتح أمامك آفاقاً أرحب، وينطلق بك من الحب إلي الحرب، ويمزج التاريخ بالجغرافيا، ويجول بين الحدائق والحواجز في كل العالم، وبين الشخوص والنجوم في لقطات تبدو أمامك كفيلم تسجيلي كبير تشاهد فيه عبدالحليم وعبدالوهاب وديانا وأنتوني كوين وتشرشل وصباح فخري ومحمد علي فهمي، بتفاعل مميز ممتزج برشاقة في الكتابة، وعمق في المعاني وبساطة في الكلمات، ودقة في العبارات. «المصري اليوم» تعرض للقليل من كل هذا تقديراً لرجل في حجم مدرسة اسمها محمود عوض.
رجال «اليوم السابع».. لا نفرق بين أحد منهم!
تسميها الآلة الدعائية الإسرائيلية «حرب الأيام الستة»، بينما يسميها محللون عسكريون وسياسيون في مصر، أبرزهم مرسي عطا الله رئيس تحرير الأهرام المسائي «حرب السنوات الست»، معتبراً أن ما حدث في ٥ يونيو ١٩٦٧، كان بداية لمعركة احدة انتهت في ٦ أكتوبر ١٩٧٣م، إلا أن محمود عوض بحس إنساني يعتبرها «حرب الأيام السبعة» معتبرا معركة أكتوبر ١٩٧٣، معركة اليوم السابع، والجيش الذي خاض المعركة، وجلب الانتصار جيش اليوم السابع، ورجاله رجال اليوم السابع، ويستند محمود عوض إلي أن كل الأيام، وإن كانت تساوي ٢٤ ساعة، إلا أن حياة الشعوب تصبح فيها بعض الأيام أطول أو أقصر من الأيام الأخري، والفترة من اليوم التالي لهزيمة ٦٧، وحتي اليوم الأخير من حرب أكتوبر هي بذاتها يوم واحد متصل.. إنه اليوم السابع. يسترسل محمود عوض في أكثر من موضع في الحديث عن اليوم السابع جيشه ورجاله ومناخه، عن قناعة بأن أكثر من كتاب لا يمكن أن يعطي هذه اللحظات الفارقة في التاريخ حقها.
ويملك محمود عوض في هذه المسألة ما يسميه «القاموس الخاص»، معتبراً أن الملحمة العسكرية المبدعة التي عزفها «جيش اليوم السابع» في أكتوبر ١٩٧٣، نجحت بعد أن قام علي تنفيذها جيش جديد.. قامت مصر ببنائه مقاتلا مقاتلا، وطوبة طوبة، وسلاحاً بعد سلاح، واعتمدت في بنائه علي جيل يراه محمود عوض العمود الفقري لتلك الحرب، جيل من المتعلمين وخريجي الجامعات الذين أصبح الجيش بكل فروعه يطلبهم بشكل فوري، هذا الجيل يصفه محمود عوض بأنه أول إنتاج متراكم لنهضة كبري بدأت قبلها بسنوات نهضة عنوانها «مجانية التعليم».
ويعتبر أن هذا الجيل أخذ علي عاتقه تحقيق مستحيل هو أن تمتلك مصر جيشاً عصرياً، وهو يري أن الاستحالة هنا طبيعية، لأن مصر تتاح لها فقط ربع ساعة حرية في كل قرن، وإذا لم تستثمر مصر ربع الساعة هذا في بناء جيش، حيث تواجه به أطماع الوحوش الكاسرة في الغابة الدولية، يصبح مصير مصر هو الاضمحلال، حيث يدور تاريخها الدرامي بين القمة والحضيض دون وسط.
ويتلمس محمود عوض في غمار حديثه عن «اليوم السابع» ظاهرة لا تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وتقتحمه، وهي خلط الخاص بالعام، ودفع الأمور إلي الابتعاد عن الأحكام الموضوعية والمهنية الصرفة، ويدفعك حديثه لتذكر يوم قبل ٨ سنوات، حيث احتفلت مصر بمرور ٢٥ عاما علي الاحتفالات بانتصارات أكتوبر، وكانت الاحتفالات هي الأكبر في تاريخنا، وتم فيها توزيع ميداليات وأنواط علي أسماء وأشخاص من شاركوا في الإنجاز، وخلت الأسماء من سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة حتي الأسبوع الأخير من حرب أكتوبر، وكان لاستعباد اسمه مغزي سياسي بالطبع، وله علاقة بموقف الشاذلي من الرئيس السادات.
وعند هذه النقطة يستغل محمود عوض طرح اسم سعد الدين الشاذلي عليه في إحدي الندوات ليؤكد علي مبدأ الفصل بين العام والخاص، فإذا كنا نتحدث عن حرب أكتوبر فالشاذلي أحد أركانها بكل موضوعية، أما إذا تحدثنا عن الشاذلي كسياسي فله مواقفه التي نختلف فيها معه أو نتفق، لكننا لا يجب أن نختلف عليه كعسكري شارك في صنع ملحمة «اليوم السابع» وكان رئيساً لأركان الجيش قبل الحرب بسنتين، وحتي أحيل إلي التقاعد في الأسبوع الأخير من الحرب.
يقولها محمود عوض بوضوح: «سعد الدين الشاذلي بصفته العسكرية هو أحد أعمدة العسكرية المصرية الحديثة، ولو لم يفعل في حياته سوي أنه كان رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية التي بدأت حرب أكتوبر لأصبح هذا يكفيه، ولا نستطيع أن نسحب منه ذلك لأن السياسة تغيرت أو لأن السياسيين يختلفون».
يحاول محمود عوض أن يبتعد بإنجاز النصر الكبير عن ساحة الخلافات السياسية، ويتطرق إلي الحديث عن «رجال اليوم السابع» فهؤلاء الرجال صنعوا جميعا نصر أكتوبر، وإيماننا بهم لابد أن يكون كاملاً، ولا يجب ألا نفرق بين أحد منهم، فهو نصر جيل خالد ضم القائد الأعلي أنور السادات، والقائد العام أحمد إسماعيل، ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي، وقائد القوات الجوية حسني مبارك ورئيس غرفة العمليات محمد عبدالغني الجمسي، وقائد قوات الدفاع الجوي محمد علي فهمي، وآخرين كثيرين في جميع أفرع القوات المسحلة قادة وأفراداً كلهم سواء بسواء، ويلحق بهم كل مدني في موقعه، وكل من ربط الحزام علي بطنه لتوفير ثمن رصاصة للمعركة، وقبل هؤلاء جيل ممن أعادوا تأسيس الجيش عقب محنة ٦٧ الاستثنائية يتصدرهم الرئيس جمال عبدالناصر، والفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب الجيش الذي استشهد في الصف الأمامي للجبهة كأروع مثل لقائد في ميدان المعركة.
وينال المشير محمد علي فهمي قائد ومؤسس سلاح الدفاع الجوي الذي خاض حرب أكتوبر قسطاً وافرا من اهتمام محمود عوض، وهو اهتمام يستحقه، خاصة إذا كان الرجل وسلاحه أبرز عوامل النصر.
بعد أن قرر الرئيس جمال عبدالناصر أن يصبح الدفاع الجوي قيادة مستقلة في القوات المسلحة، اختار محمد علي فهمي مسؤولاً عن تلك القيادة، وكانت بداية تحول خطير غير مسار الصدام في المنطقة كلها، ونجح الرجل في بناء سلاحه تحت ضغط من القصف المعادي، ونجح في الوصول بحائط الصواريخ الشهير إلي أقرب نقطة من قناة السويس، وفي أسبوع واحد سمته إسرائيل أسبوع تساقط الطائرات، أسقطت صواريخ الدفاع الجوي المصرية ١٧ طائرة إسرائيلية، ووضعت مصر أيديها علي تسعة طيارين إسرائيليين أحياء، ووقف وزير الخارجية الإسرائيلي يعترف أن سلاح الطيران الإسرائيلي يتآكل. أما الفريق عبدلمنعم رياض أعلي رأس في العسكرية المصرية وقتها بقدر ما كان يتطلع إلي النصر كان استشهاده بداية للنصر، أو كما يصفه محمود عوض بأنه نهاية البداية.
وحسب وصف العماد مصطفي طلاس وزير الدفاع السوري السابق، فإن استشهاد رياض اخترق حالة البلبلة والانهزامية واليأس التي حاولت إسرائيل فرضها علينا بعد ١٩٦٧، وكان الرجل شعاعاً مضيئاً في الظلام، باعتباره عسكريا محترفاً، ومتبحرًا في العلم العسكري، ويتابع القتال من الخندق الأمامي، وهو يعرف مسبقا أنه في بؤرة الخطر.. أقصي درجات الخطر.
مثل هذا السلوك.. والكلام يرويه محمود عوض علي لسان طلاس، لا يفعله إلا قائد مؤمن بجنوده وضباطه وجيشه وبلده، والأهم إيمانه «بأن إرادة النصر يجب أن تبدأ من الرأس».
كل رجال اليوم السابع كانوا من ماركة «عبدالمنعم رياض»، ولهذا نجحوا في تغيير وجه التاريخ، وكانوا جميعهم قادة ضربوا المثل في كل شيء.
رجال اليوم السابع، أيضا لم يقتصروا علي القادة والجنود بل امتدت قائمتهم إلي كل شعب مصر الذي واجه امتحان عمره بصلابة وإيمان بأن هزيمة يونيو ٦٧ استثناء من التاريخ، ويجب أن تكون هزيمة في جولة وليست في حرب ـ استثناء وليس قاعدة ـ والقاعدة هي أن مصر قوية، وقوتها تبدأ من عقلها وإرادتها وإصرارها علي الإعداد ليوم سابع يكنس تماما «حرب الأيام الستة» هؤلاء الرجال كان فيهم من هو وراء خط النار، وكان فيهم بنفس الأهمية والصلابة والتضحية ونكران الذات، زوجات وأمهات وأباء وأولاد وبنات.
الاستعمار الجديد و«الموسيقي العذبة»
كان الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لينكولن واحدا من أبرز زعماء الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يكرر في خطاباته العامة المعني التالي: «باعتباري محاميا ورجل قانون سابقًا فإنني لا أفهم في الاقتصاد، لكن بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة أعرف أنك كمواطن أمريكي حينما تشتري سلعة مصنوعة في بريطانيا مثلا فإن الذي يستفيد من دولاراتك في هذه الحالة هو عامل بريطاني صنعها وصاحب مصنع بريطاني أنتجها، وخزينة بريطانية أخذت عليها رسومًا، وصاحب سفينة بريطانية نقلها عبر المحيط، أما إذا اشتريت سلعة أمريكية فإن كل المستفيدين هولاء يكونون أمريكيين، و تصبح الضرائب التي يسددونها هي ذاتها التي تقام بها خدمات ومرافق لك ولأولادك».
يستدعي محمود عوض هذه الكلمات من مخزن قراءاته، مقدمًا مثالاً بسيطًا لدور الدولة في حماية نفسها وشعبها من التآكل والتحلل، ويطرح سببين رئيسيين لتآكل الأمم، الأول هو الانسحاب من العصر، والانعزال وراء الأسوار، مستشهدا بنموذج الصين في القرن الـ ١٧، حيث اختارت الانسحاب، واكتشفت أن انسحابها هذا يجعلها أكثر ضعفًا وأقل معرفة بأسباب القوة الجديدة في عالم متغير، فإذا كان علي الصين أن تكسر مرحلة إذلالها يصبح عليها أولا أن تدرس بصرامة وجدية أسباب قوة الآخرين، وتعمل ليل نهار علي اللحاق بركب التقدم، أما السبب الثاني للتآكل فهو الوجه الآخر للانعزال والانسحاب، بما يعني الانفتاح بلا حدود، وفتح كل الأبواب لدخول الوافدين دون اعتبار لآثار ذلك علي حزب الداخل بكل ما يحويه من قيم حضارية واجتماعية، وطاقات إنتاجية. ويعتبر عوض منظمة التجارة العالمية، الذراع الثالثة للاستعمار الجديد بعد صندوق النقد والبنك الدوليين.
المسألة يطرحها في جمل بسيطة: «هم ينتجون ولديهم فائض يبيعونه للآخرين، ونحن مستهلكون ولدينا نقص يجب أن نشتريه من الآخرين، وإذا استمرت المعادلة علي هذا النحو فلا أحد يحتاج إلي احتلالنا.. نحن نصبح قابلين للاحتلال فعلا.. والموسيقي التصويرية رقيقة وعذبة: باسم الحرية افتح سوقك، افتح تجارتك، افتح جيبك، إنها حرية التجارة، وكل حديث عن الحرية يظل ممتعا لأنها ـ من قبل ومن بعد ـ الحلم الأكبر للإنسانية».
من بين هذه الكلمات ندرك الفارق الكبير بين خطبة إبراهام لينكولن، وبين فلسفة واشنطن في قيادة منظمة التجارة العالمية حاليا، بين دعوي حماية المنتج المحلي، والرغبة المحمومة في ترك السوق للمنافسة البحتة، وحتما هي منافسة لصالح الأقوي والأقدم والأكثر إمكانية.
والتفسير واضح في عهد إبراهام لينكولن كانت الولايات المتحدة تبني وحدتها وتبني اقتصادها وطاقاتها الإنتاجية، بينما هي الآن أنجزت كل شيء، ولم يعد يشغلها إلا سؤال واحد: كيف تسوق إنتاجها؟
وهي في سبيل تحقيق ذلك لا تهتم بالوسائل بقدر اهتمامها بالنتائج، ولتحقيق هذا الهدف ترفع شعاراتها حول حرية التجارة، وهي حتي الآن مازالت تضع المئات من القيود المنظورة، وغير المنظورة في أسواقها ضد واردات الآخرين.
والولايات المتحدة في هذا الصدد مثلها مثل أي قوة صناعية تلجأ لنفوذها السياسي والاقتصادي وأحيانا العسكري لفرض إنتاجها، وهي قوة استعمارية تستوعب تماما خبرات من سبقوها في هذا الصدد، ألم تشن بريطانيا حربا مدمرة ضد الصين لفرض منتجاتها، ورغم أن ذلك كان قبل أكثر من ١٥٠ عامًا، إلا أن فلسفة الاستعمار المستتر تحت دعاوي حرية التجارة واحدة.
وتحت هذه الشعارات تتسلل القوي الكبري إلي بلادنا باستعمار جديد.
ويلتمس محمود عوض لأمريكا بعض العذر بطريقة: «لماذا نلوم دولة تحمي شعبها؟»، حيث يؤكد أن اللوم الحقيقي لابد أن يقع علينا في المنطقة، حيث نهدر الفرصة تلو الفرصة، ونهدر الفروق والمميزات التي نتمتع بها في منطقة عربية متصلة، وذات لغة واحدة، وذات تنوع مناخي وإنتاجي يمكن أن يصب في صالح الجموع، بدلا من سياسة العزف المنفرد التي تنتهجها كل دولة.
ويقول محمود عوض: «أمريكا لا تفعل ذلك حبًا في إفقار الآخرين أو إصرارًا علي إضعافهم، لكنها تفعله أساسا لحماية مصالح شعبها، ولو كنا في مكان الأمريكان لفعلنا مثلهم». ويستحضر مقولة لمؤرخ كبير بحجم «آرثر شيلزنجر» الذي كان واحدا من أبرز وألمع مستشاري الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي، حيث كتب مرة معترضا علي نصائح صندوق النقد الدولي للدول النامية، يقول: «لو أن المقاييس التي يطبقها صندوق النقد الدولي حاليا علي الدول النامية، كان قد تم تطبيقها علي الولايات المتحدة في القرن الـ ١٩ فإن نمونا الاقتصادي كان سيستغرق وقتًا أطول بكثير، والآن فإن قيامنا بإلقاء المواعظ علي الدول النامية لتطبق سياسات انكماشية في اقتصادها يضعنا في موقف الغانية العاهرة التي بعد أن جمعت ثروة تسمح لها بالتقاعد بدأت في نصح الآخرين بإغلاق بيوت الدعارة لأنها ضد الفضيلة»!.
حين يقول أغنياء العالم لفقرائه افتحوا أبوابكم وأسواقكم للتجارة الحرة، فهذا يساوي أن تطلب من طفل في الخامسة من عمره الدخول في سباق جري مع بطل أوليمبي، أو تطلب من صناعات ناشئة أن تناطح رأسا برأس صناعات تملك أسواقًا أوسع، ولديها موارد أكثر وعندها عضلات أقوي تنامت وتراكمت لمائتي سنة علي الأقل.
ويلفت عوض إلي أن الاستسلام للروشتات القادمة من الخارج اقتصاديا لن يحقق تنمية ولا يحزنون فالنموذج الغربي الذي بني عليه نهضته لا يصلح للتطبيق في العالم الثالث.
إن التنمية والتوسع الاقتصادي لا ينفصلان عن الأبعاد الاجتماعية، والاستثمار في البشر لا يختلف كثيرا عن الاستثمار في أي منتجات، وهو ما يبدو أن محمود عوض يدعو إليه، حيث تقرأ بين السطور رغبة من جانبه في أن تستغل الدول النامية التوحش الغربي لفتح الأسواق أمام المنتجات، وتطالب أيضا بفتح الأسواق أمام البشر، وأمام العمالة، حيث تمتلك هذه الدول من هذا المنتج ما يسمح لها بالتصدير، ويستحضر هنا مباحثات للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر مع رئيس الوزراء الصيني، حيث طالب الأول الصين بفتح أسواقها وسمواتها وبيوتها أمام المنتجات الأمريكية، والثقافة الأمريكية، والأفلام الأمريكية تحت عنوان فضفاض وجميل اسمه «حقوق الإنسان». لكن رئيس الوزراء الصيني يرد علي كارتر قائلا: لنفترض أن الصينيين بعد فتح الأسواق أمام أمريكا انبهروا بالنموذج الأمريكي، وسعي ١٠% منهم للهجرة إلي أمريكا للعيش والعمل والتعليم هل ستقبلون بهم إيمانا بحقوق الإنسان في الاختيار، وبالطبع لم يرد كارتر.
الخلاصة من جهد محمود عوض في عدة مقالات تقول إنه لابد لنا من أوراق نستطيع الدخول بها إلي العالم، ولا يجب أن نستسلم لشروط الآخر واتفاقاته التي يصوغها ويفند بنودها وفق مصالحه، لابد أن نحمي أنفسنا وشعوبنا وصناعتنا وتجارتنا وقيمنا وثقافتنا، حتي لو تطلب الأمر اتخاذ إجراءات وقيود، فهذا حقنا، فالاتحاد الأوروبي يشترط أن تذيع أي محطة تليفزيونية أو دار عرض سينمائية ٥١% علي الأقل من عروضها إنتاجًا محليًا، ولا يقبل بالضغوط الأمريكية في هذا الشأن، واليابان ترفض استيراد الأرز من الخارج، لأن الأرز محصول قومي ويمثل عند اليابانيين تاريخ وأمن قومي.
درس من سيرة النجوم
القمــة تتســـع لكــل مــوهبـــة
لا تشعر يومًا أنك أقرب إلي عبدالحليم حافظ إلا إذا قرأت عنه لمحمود عوض، الأمر لا يقتصر علي عبدالحليم فقط وإنما يمتد إلي نجوم هذا العصر الذهبي، الذي تفجر بالمواهب والقامات في كل مجال وليس الغناء فقط.
لم يكن محمود عوض يومًا محررًا فنيا، ولكن المواهب الحقيقية في هذا العصر كانت من الذكاء بحيث تلتقط بعضها البعض كمغناطيسات قوية، وهو ما تلمسه بين سطور الكتاب في أكثر من موقع سواء في معرض حديثه عن عبدالحليم أو عبدالوهاب اللذين يركز عليهما من بين جميع الفنانين في ذلك الوقت، وتجد أن كليهما كان يبدو حريصا علي إحاطة نفسه برموز ثقافية وعامة تشكل إضافة لوضع كل منهما كفنان ورجل مجتمع، وهو ما يؤكده محمود عوض نفسه في اقترابه من شخصية عبدالوهاب التي يصفها بأنها «شخصية تليفونية» مشيرا إلي أنه كان يستمد ثقافته ويشكل رؤاه السياسية والاجتماعية من حواراته مع أصدقائه الذين يحرص علي اختيارهم بعناية، ومنهم محمود عوض بالطبع.
وإذا كان الأمر بالنسبة لحليم وعبدالوهاب يصب في خانة دعم النجومية وتقويتها، فقد كانت المسألة بالنسبة لمحمود عوض صداقة حرص عوض طوال تاريخها علي ألا يترك لحسه كصحفي لامع الفرصة للاستفادة من هذه الصداقة مهنيا، ويقول: «إن الصداقة الحميمة يجب أن يكون لها قوانينها الذاتية غير المكتوبة، وهو ما يتقاطع غالبا مع احتياجات تشابك المصالح التي قد تفرضها الصحافة الفنية».
يقترب بك محمود عوض مما يصفه بعبدالحليم «الكائن الإنساني متعدد التضاريس متدفق المشاعر وسريع الانفعال وشديد الاحتراق فعلا وانفعالاً»، ومن خلال قربه من حليم يؤكد أنه لم يكن يوما من الأيام مطرب سلطة، وأن حليم خاض مشوار نجاحه مرتين، الأولي لكي يصل إلي القمة، والثاني لكي يستمر فيها، وفي الأولي وجد عبدالحليم من شاركوه وكانوا جزءا من نجاحه، ويجدد عوض تأكيده علي أن ظاهرة عبدالحليم، لا يمكن تفسيرها أو فهمها دون الالتفات إلي مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي ومن بعدهما بليغ حمدي.
يضعنا محمود عوض أمام حقيقة لمسها بنفسه عن عبدالحليم، فيقول إن الوصول إلي قلوب الناس بلون جديد كان تحديا أمام حليم في ظل وجود أسماء كبيرة وقتها كانت لها قاعدتها الجماهيرية العريضة، وبعيدا عن عبدالوهاب وأم كلثوم، كان هناك فريد الأطرش ومحمد فوزي وعبدالعزيز محمود، وعبدالغني السيد، وهو ما يعني ـ حسب تأكيد عوض، أن عبدالحليم اقتنع من البداية بأن عليه ألا يكون بديلا لأحد أو مزاحما لأحد، لأن القمة تتسع لكل موهبة. درس جديد يقدمه محمود عوض من سيرة عبدالحليم حافظ، يفيد الجميع سواء كانوا فنانين وغير ذلك، ويلخص ظاهرة حليم الفنية في جملة بسيطة مفادها أن صوته القادم من الأعماق يتسلح بالرقة حينما يتيسر، وبالإصرار حين يلزم، وبالشدة حين يحب، وبالصدق في جميع الأحوال.
وبينما كانت الصداقة مع عبدالحليم هي أبرز ملامح محمود عوض، وهي صداقة حرص كلاهما عليها، كان عبدالوهاب أشد حرصا علي صداقة كتلك، حرص ينبع من ذكاء فني ومهني وإنساني جعل عبدالوهاب الذي صعد نجمه مع الملكية، لا تخفت نجوميته مع الثورة، وأبقاه بعيدا عن التقسيمات والتوصيفات الأيديولوجية والسياسية، ومنذ أن تبناه شاعر كبير في حجم أمير الشعراء أحمد شوقي، يبدو أن عبدالوهاب تعلم هذا الدرس الذي أشرنا إليه سابقا وهو حرصه علي الاستفادة من كل المواهب من حوله، وهو الأمر الذي جعله يبدأ تدريجيا في الانسحاب من سوق الغناء، فارضًا نفسه موهبة موسيقية كبيرة، مقتنعا مع نفسه بأن مواهب كبيرة مثل أم كلثوم وعبدالحليم يمكن أن يستفيد هو نفسه منها لتقديم ألحانه، وفرضها.
هذا الذكاء جعل عبدالوهاب الذي وصفه محمود عوض بالشخصية التليفونية ـ كما قلنا ـ يحاول الاستفادة من كل موهبة، وكان محمود عوض نفسه هو أحد هذه المواهب التي استفاد منها. حالة القرب التي وفرتها الصداقة لمحمود عوض مع نجوم هذا الزمان، جعلته شاهد عيان علي كثير من المواقف التي جمعت هؤلاء النجوم، أطرفها ما يمكن أن نعنونه بـ «محاولات انقلاب في المغرب تنقذ عبدالوهاب من مواجهة مع أم كلثوم». ويتلخص الموقف في وجود محمود عوض وسط حشد كبير من النجوم في الرباط، في إطار الاحتفالات بعيد ميلاد الملك الحسن، المعروف عنه ولعه بالفن، وصداقته بالفنانين، حشد الملك الراحل كل نجوم هذا العصر ما عدا أم كلثوم التي لم تكن موجودة ـ وقاد الملك الفرقة الموسيقية بنفسه، وفي إطار هذا الحفل طلب الملك من عبدالوهاب أن يغني بصوته أغنية «ودارت الأيام».
لم يكن أحد يتصور ـ حسب محمود عوض ـ حجم الاضطراب الذي أصاب عبدالوهاب بطلب الملك، لم يستطع الرفض، باعتبار أن أوامر الملك مراسيم ملكية لا يمكن رفضها، وأعطاه الملك يوما كاملا للاستعداد لغناء «دارت الأيام». وحسب ـ محمود عوض ـ لم يكن من صفة عبدالوهاب في أي وقت معارضة السلطة ابتداء من عسكري مرور إلي ملك بحجم ومودة وكرم الملك الحسن، وفي الوقت الذي لم يستطع فيه عبدالوهاب أن يبدي اعتراضه مباشرة، راسما علي وجهه قناع السعادة والامتثال، ظل يردد مع نفسه عبارة «ربنا يستر».
جزع عبدالوهاب كما يفسره محمود عوض لم يكن من الملك، ولا من غيره، كان من أم كلثوم شخصيا.
عبدالوهاب يعرف أن أم كلثوم تفرض علي أي ملحن يعمل معها مهما كان قانونها الخاص أن يلتزم الملحن بألا يردد بصوته في أي مكان الأغنية، وأن تكون هي وحدها المعبر عن الأغنية «غناء وكلمات ولحن».
ومخاوف عبدالوهاب تمثلت فيما يمكن أن يحدث لو عرفت أم كلثوم أن عبدالوهاب غني «دارت الأيام»، وهي حتما ستعرف فالحشد كبير، ولم يعد أمامه وقتها سوي خيارين، أن يغني الأغنية فيسعد الملك وتحاسبه بعد ذلك أم كلثوم، أو لا يغنيها فيحاسبه الملك وترضي أم كلثوم!!.
وكان رد عبدالوهاب قاطعًا لمحمود عوض: «حساب أم كلثوم يوجعني أكثر» وهي كلمة لها مغزاها سواء فيما يتعلق بشخصية أم كلثوم الحازمة مع الجميع، أو عبدالوهاب الذي يحترم تعهداته.
وبينما ظل عبدالوهاب في حيرته شاعرا أنه وقع بين مطرقة أم كلثوم من ناحية وسندان صديقه الملك من ناحية أخري، كانت الأقدار تحيك له مخرجا نظيفا، حيث جرت في ليلة الحيرة تلك محاولة انقلاب مسلحة فاشلة استمرت ٢٠ ساعة كاملة، ونجح الانقلاب في إنقاذ عبدالوهاب من «حساب أم كلثوم»!
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)