الأحد، 14 مايو 2006

ضربوا «عمرو» وكسروا الكاميرا: «أي حركة هانصور في المليان»

كان صباح الخميس الماضي نهارا عاديا ـ بالنسبة لنا علي الأقل كمحررين في «المصري اليوم»، حتي لو كانت القاهرة في هذا الصباح قد عاشت أجواء الحرب، وسقطت في قبضة حظر تجوال غير معلن، فتأديبية القضاة التي انعقدت في ذلك الصباح في وسط العاصمة، رغم أهميتها التي تمثلت في حالة الاستنفار الأمني غير المسبوق والترقب الشعبي،
كانت تمثل لنا مجرد عمل، فتجربتنا في هذه الجريدة التي بدأت قبل عامين، وانطلقت في لحظة موازية، لانطلاق قطار الإصلاح والتغيير، علمتنا ألا نتعجب من حدث مهما كانت درجة سخونته، وأن نتعامل معه بمهنية واحتراف كاملين، وكل غايتنا أن نترجم جهودنا لننقل لقارئي الجريدة في كل مكان، حقيقة ما يجري في شوارع القاهرة، وأن نقدم لمواطن عجز عن الوصول لمقر عمله في ذلك اليوم تفسيرا واضحا، لهذه الحشود والمتاريس التي منعته من بلوغ عمله وطوال عامين مضيا من عمر الجريدة كانت،
وكان محرروها ومصوروها كل يوم في ميدان، في مظاهرة، في محاكمة، وسط أحداث ساخنة لم يفعلوا أكثر من نقلها، كما هي دون تهويل أو تهوين، إيماناً بحق القارئ في المعرفة.

لكن صباح الخميس الماضي اختلف فجأة، جاء خبر إلي غرفة الديسك المركزي التي أعمل فيها، أن الأمن يحاصر المنطقة، ويغلق وسط القاهرة، ويمنع الاقتراب، ويستهدف الصحفيين، وظل الأمر عاديا، فقد عودتنا الأخبار علي ذلك، وكم من صحفي ومراسل تعرضوا للضرب والإهانة في أحداث سابقة، ومظاهرات أشد شراسة.


لكن الخبر التالي أحدث اختلافا لا يمكن تجاوزه أو اختصاره في أنه أمر عادي، «ضربوا عمرو عبدالله وكسروا الكاميرا» وتأكد الخبر من أكثر من مصدر، ونقلته وكالات أنباء، وتأكد أكثر بعد أن وصل عمرو إلي مقر الجريدة عائدا من «ميدان المعركة».


واجه عمرو واقعا مغايرا، قالوا له قبل التحاقه بالعمل الصحفي إن الصحافة سلطة رابعة، وصدق الشاب الساذج هذه المقولة وهو يتجه إلي وسط القاهرة حاملا العدسة، ونسي أن سلطة العدل نفسها تهان وتنتهك، ويعتدي عليها.


وحدثوه عن القانون حديثا مطولا، وصدمه أن رجالاً مهمتهم حفظ القانون، وحمايته وتنفيذه، يسبون أباه وأمه، ويضربونه، ويكسرون سلاحه «الكاميرا».
كانت الصدمة واضحة تماما علي وجهه، وكان التساؤل يقفز من عينيه «ماذا فعلت؟» فقط كنت أؤدي واجبي؟.


لم يدرك عمرو أن القضاة المحالين للتحقيق كانوا أيضا يؤدون واجبهم، وأن الضابط والجنود الستة الذين سقطوا من فوق كوبري أكتوبر، كانوا أيضاً في طريقهم لأداء واجبهم، وأن آلافاً غيرهم ممن ذهبوا للتظاهر السلمي «المكفول قانونا ودستورا» لدعم القضاة والتضامن معهم، كانوا أيضاً يؤدون واجبهم، لكن ما تأكد منه أن قوات الأمن التي احتلت وسط العاصمة لم تكن أبداً تؤدي واجبها، ولم تلتزم بأي قانون، وتجاوزت الغرض من وجودها في التأمين الهادئ والسلمي للمنطقة.


كنا في «المصري اليوم» ننظر إلي الاعتداءات الأمنية علي المواطنين «متظاهرين- قضاة - صحفيين» نظرة احترافية نعمل علي رصدها وتحليلها، وتناول تداعياتها، كنا محايدين ننظر إلي الحدث نظرة عابر السبيل لجنازة تمر أمامه، ولا يمت بصلة للمتوفي، ويكتفي بالشهادة وقول «إن لله وإنا إليه راجعون»، وعندما يعود إلي ذويه ينقل لهم ما رأي.


لكن الاعتداء علي عمرو عبدالله جعلنا نشعر أن عصا الأمن المركزي وصلت إلي رؤوسنا، وطالت أجسادنا، وكان السؤال الذي راج بيننا، إذا كان النظام رفع عصاه في وجه المتظاهرين لمنعهم من التظاهر، وشهر أسلحة التلفيق للإصلاحيين لكبح جهودهم، ونصب المحاكم التأديبية للقضاة لمنعهم من قول كلمتهم، وفصل القوانين والتشريعات لإعادة المجتمع إلي جوار الحائط، فماذا يريد من رفع عصاه في وجه «المصري اليوم»،

 هل يتصور أن عهداً ــ كانت تقع فيه الأحداث أمام أعيننا في قلب القاهرة، ثم نعود لنفتش عن أخبارها في صحف قومية أو قنوات تليفزيونية فلا نجدها، يمكن أن يعود؟!
ندرك تماما في «المصري اليوم» أنه لا أزمة بيننا وبين النظام، ولا عداء أو تحفز، أو «تلكيك» مثلما قد يكون موجودا في بعض الصحف الغربية والمعارضة.


لكن الأزمة الحقيقية أن البعض من أركان هذا النظام لا يدرك الفرق بين الاستقلال والتبعية، ولم يعتد أن يتعامل مع مؤسسة تنحاز لمهنتها ولقارئها، ولا تتلقي أوامر من أحد، ولا تكتب ما يملي عليها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق