الأربعاء، 29 فبراير 2012

أوقفوا التفاهة من المنبع


يلومك البعض حين تقترب من قضايا مثل «إطلاق ضباط الشرطة للحاهم»، يقولون إن الإعلام لديه إصرار على شغل الناس بتوافه الأمور، وهو الذى يسلط الأضواء على وقائع أقل أهمية بكثير من التحديات التى تشغل مصر، لكن هؤلاء فى الأصل لا يلومون نوابا محترمين فى مجلس الشعب لأنهم يتركون التحديات التى تواجهها مصر ويقدمون طلبات الإحاطة والاستجوابات لوزير الداخلية لمعارضته إطلاق الضباط للحاهم، النواب الذين يهدرون وقت المجلس والجلسات التى يدفع ثمنها دافع الضرائب للمطالبة بحجب المواقع، أو مناقشة تكفير كاتب «سعودى» وكأن لديهم «فائض من التكفير» للتصدير.

وإذا حدثتك اليوم عن النائب الذى طالب بمنع تدريس اللغة الإنجليزية، باعتبار أن ذلك مخطط خارجى لتعليم أبنائنا لغات «الكفرة»، ربما تلومنى غدا وتتهمنى بالاصطياد وكأنى أختلق الواقعة، أو تتهم الإعلام كله بالتركيز على المسائل التافهة، أيضا دون أن تلوم النائب باعتباره هو الذى يعيش فى التفاهة إلى أقصى مدى.

من الذى يصرف المجتمع عن قضاياه الحقيقية؟ الإعلام أم النواب والسياسيون ورجال الدولة؟ الأخبار لا تصنعها وسائل الإعلام، لكنها تحدث هناك فى دوائر الحكم والتفاعل، وعندما تحدث يقينا ليس من حقك أن تلوم ناقلها أو المعلق عليها، أو المدقق فيها حتى لو حاول تفسيرها بمنطق مغاير أو وضعها على ميزات تحليل غير منظور.

البعض يقول لك إن الصحف تشغل المجتمع بنائب يعتبر اللغة الإنجليزية مؤامرة ويطالب بمنع تدريسها، وكأن رأى النائب هو رأى عام وليس فرديا، لكن الحقيقة إن رأى النائب ليس رأيا فرديا، فهو عضو منتخب من الشارع، ولديه مؤيدون، كما أنه عضو فى حزب والمفترض أن كثيرا من ثقافته ورؤاه ومواقفه متسقة على الأقل مع منهج الحزب، الصحف إذن لن تشغل الرأى العام بالتوافه إذا لم يفعل النواب، لكن ليس من حق أحد أن يلوم صحيفة ركزت على هذه الواقعة طالما أنها حدثت، ولا بحثت خلفها فاتهمت النائب بأنه ينال من كل مدرسى اللغة الإنجليزية ويتهمهم فى وطنيتهم، لأن هذا هو مستوى تفكير نواب فى البرلمان.

عندما يكون لديك كل يوم واقعة، تعكس طريقة تفكير نائب، أو أنماط انحيازاته، أو ترتيب أولوياته، فأنت فى النهاية تستطيع بعد وقت أن تحكم على عدد كبير من النواب، وأن تحدد مدى ثقتك فى مجلس الشعب.

حتى الآن على سبيل المثال لم يطرح البرلمان حوارا حول سياسات التعليم، أو سياسات الصحة، حتى يتحدث عنها الإعلام ويشارك فى هذا الحوار ويعكسه ويسلط الأضواء عليه، وبعض الآراء داخله لا تتسم إلا بالسذاجة والغشم السياسى مع التأكيد على حسن النية، وهو أمر يوجب على رئيس المجلس أن يجهز برنامجا تدريبيا شاملا للنواب سواء فى إعداد البيانات، وقراءة الموازنة أو مخاطبة الإعلام أو حتى دورات فى التفكير والتخطيط وإدارة الوقت ليس هناك عيب فى ذلك لكن العيب أن تكتشف كل يوم أن برلمانك لم يفعل إلا قليلا من الأفعال الجادة وكثيرا من التفاهات والسخافات، أوقفوا التفاهة من المنبع إذن ولا تلوموا الإعلام..!

الثلاثاء، 28 فبراير 2012

فى جدل اللحية


بأى منطق تساند ضباط وأفراد الشرطة الذين يريدون إطلاق لحاهم، بتجاوز لكل قواعد الشرطة المستقرة فى مصر طوال قرون، هل بمنطق شرعى.. اللحية سنة ولا يجب معاقبة من يحاول أن يقتدى بهذه السنة، أم بمنطق حقوقى.. المظهر حق من حقوق الإنسان ولا يجوز إجبار مواطن على شكل فى الزى أو المظهر، أم بمنطق سياسى.. أغلبية تحاول أن تثبت بالمظهر حضورها فى مؤسسات الدولة السيادية.

تعال إذن لنناقش كل منطق فى إطار وضعية الشرطة الخاصة، إذا كان حكمك على الأمور بمنطق شرعى، أريدك أن تعرف أن طالب الثانوية العامة الذى ذهب لمكتب تنسيق كلية الشرطة ليقدم أوراقه لأنه يريد أن يكون جزءا من هذه المؤسسة، قبل بالضرورة شروطها فى الزى والمظهر والحياة، ومحاولته الإخلال بذلك النظام هو خيانة للعهد، لأن هذ الشكل الذى استقرت عليه الشرطة طوال تاريخها لضباط بلا لحية وبشكل فيه قدر من الانضباط المظهرى، كان جزءا من الصورة النمطية التى سعيت خلفها وأنت تحاول العمل فى الشرطة، ومجرد قبولك الالتحاق وفق هذه القواعد، هو قبول لعهد وعقد ونظام، إلى جانب سقوطه فى شبهات نفاق الأغلبية السياسية واستغلال ظرف سياسى لشغل الناس عن مطالبهم بإصلاح الداخلية وهيكلة الشرطة إلى أشياء تتعلق بالمظاهر والقشور.

لكن هل اللحية عنوان التدين، هل تستطيع أن تقطع بأن النائب الملتحى ممدوح إسماعيل مثلا باعتباره داعما للضباط الملتحين، أكثر تدينا من النواب محمد سعد الكتاتنى أو محمد البلتاجى؟ هل يعنى ذلك أن الضابط الملتحى هو بالضرورة أكثر إيمانا والتزاما وإسلاما من الضابط غير الملتحى.

اللحية سنة إذن وهى إضافة لذلك حرية شخصية، لكن هل إطالة الشعر عند الرجال حرام؟ لا يوجد ما يقطع بذلك، على العكس كل ما تورده كتب السيرة يشير إلى أن الصحابة كان أغلبهم شعرهم طويل حتى الأكتاف، هل تقبل أن يقابلك الآن ضابط شرطة شعره طويل، هى أيضا ليست حراما وهى أيضا حرية شخصية، كيف ستتعامل مع ضابط يريد أن يطلق شعره ليصل لكتفيه، هل بمعايير الشرع أم بالمعايير الحقوقية، أم ستضطر لإعمال قواعد الشرطة ونظامها.  إذا كنت ترى فى المسألة بعدا حقوقيا يتعلق بالحريات الشخصية، هل تقبل أن يرتدى ضابط مسيحى سلسلة يتدلى منها الصليب، أم ستضره لإطلاق لحيته رياء حتى لا يكون مختلفا عن زملائه ويتعامل معه الناس بفرز طائفى؟ هل تقبل بضابط شعره طويل، أو آخر بنصف لحية «سكسوكة»، أو ثالث بـ«سوالف طويلة» حتى غمازتيه، كل هذه حريات شخصية، وكل هذه أشياء لا تستطيع القطع بتحريمها فإلى أى شىء ستستند القواعد الشرعية أم المعايير الحقوقية أم النظام الداخلى لمؤسسة الشرطة؟!.  يخطئ كثير من النواب بدعمهم لهذا التمرد الشكلى لدى بعض ضباط الشرطة، من مصلحتى ومصلحة المجتمع أن تكون ضابطا متدينا، لكننى أريد أن أرى تدينك فى سلوكك ومعاملاتك وأدائك المهنى قبل أن أراه فى شكلك ولحيتك، أما أن تكون معركتك على الشكل فقط فهذه هى المراءاة بعينها أو هكذا أظن.

الاثنين، 27 فبراير 2012

العوَّا ليس ظل الله


عندما قرأت ما قاله الدكتور محمد سليم العوا فى الغربية، لم أصدق نفسى. القانونى البارز المتعمق فى شئون الشريعة الإسلامية والمرشح المحتمل للرئاسة  قال فى إشارة للانتخابات البرلمانية الأخيرة إن «75%» من المصريين قالوا «نعم لله»، هذا هو النص تحديدا الذى نشرته جريدة الشروق، أمس، والحق أقول لك إننى قلت لنفسى: «ربما فهم مراسل الشروق خطأ»، لكننى وجدت العبارة بنصها فى تغطية «بوابة الأهرام» لذات المحاضرة التى ألقاها العوا فى الغربية، إلى جانب عدد آخر من المواقع والصحف.

قالها العوا إذن بوضوح، فإذا كنت من الذين صوتوا للتيارات الإسلامية فقد قلت «نعم لله» أنت لم تصوت تأييداً لفهم الإخوان للإسلام، أو لرؤية السلفيين للشريعة، أو لمفهوم حزب الوسط عن الإسلام الحضارى، لكنك قلت نعم لله، والذين لم يقربوا هذه الأحزاب قالوا لله «لا».

بجملة واحدة وضع الدكتور العوا 25% من المصريين المعارضين لسياسات بعض الأحزاب وكأنهم فى خصومة مع «الله»، أو كأن الانتخابات كانت استفتاء على الإيمان به جل جلاله، أو كأنه ــ تعالى جل شأنه عما يصفون ــ كان مرشحا فى الانتخابات الأخيرة.

لن أحلل معك قول الرجل، لن أقول إنه تقريبا رمى عددا لا بأس به من المصريين  الذين اختاروا  أحزابا أخرى بـ«الكفر»،  ليس لأنهم فى حزب الشيطان ويعارضون الله، لكن لأنهم يعارضون فهم الآخرين لشرع الله، ويعتقدون ولهم الحق فى ذلك كما تكفله لهم شريعة الله أن لهم فهما مغايرا لا ينتقص من إيمانهم شىء.

 لن أعتبر معك ما قاله الرجل تجرؤا على الحق تبارك وتعالى، وإنزالا لجلاله من عليائه واستخدام اسمه القدوس فى توازنات ومواءمات السياسة التى يتغير ويتبدل فيها العوا كل يوم كما يغير ملابسه، لكننى فقط أذكر المرشح المحترم وأذكرك أن الداعية محمد حسين يعقوب قال عقب الاستفتاء على التعديلات الدستورية إن الناس قالت «نعم للدين» رغم أن الدين لم يكن إحدى المواد التى استفتت عليها الجماهير وما إلى ذلك من أحاديث حول «غزوة الصناديق» والتى قال عنها يعقوب بعد ذلك إنها كانت «هزار».

لكن ماذا قال العوا عن يعقوب والأرشيف حاضر كرقيب وعتيد؟ قال بالنص: «هذا كلام باطل ولا يليق ولا يصح أن يقال هذا الكلام، فالصناديق لم تكن غزوة، وليس بيننا وبين من قالوا لا للتعديلات حرب على الدين، وتبرير يعقوب لما قاله بأنه نكتة هو كلام سخيف، لأن الأمر يتعلق بالعقل والفطنة، ولا يجوز لأحد أن يدافع عن هذا الكلام، وعلى الشيخ يعقوب أن يعتذر».

ومثلما حكم العوا بنفسه على الشيخ يعقوب بالاعتذار، فمطلوب منه اليوم أن يعتذر، فهو ليس ظل الله فى الأرض ولا متحدثا باسمه، ولم يكن يليق بالرجل الذى أفتى  بجواز ترشح القبطى والمرأة للرئاسة، أن يقحم الله جل جلاله فى منافسة انتخابية لا خلاف فيها على توحيده والإيمان والتسليم له، لكن الخلاف على من يستخدم آيات الله اليوم لنصرة اليمين، ويستخدم ذات الآيات غدا لنصرة اليسار، ولا نعرف ماذا سيفعل غدا بذات الآيات ولنصرة من؟.. «سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ».

الأحد، 26 فبراير 2012

من يكتب التاريخ؟


على هامش أزمة إنجازات مبارك فى كتاب التاريخ المدرسى، تتفجر أسئلة ليست هامشية حول مناهج التاريخ التى ندرسها، وخضوعها لنظام الحكم القائم ونظرته لنفسه وللآخرين وانحيازاته وخصوماته.

هل أنت منزعج أن كتاب التاريخ المدرسى مازال يتحدث عن مبارك حتى بعد خلعه، أم أنك منزعج فقط أنه يتحدث عن إنجازاته دون سلبياته، أم لأن ما يطرحه الكتاب من إنجازات فيه قولان لأن أغلبها إنجازات من وجهة نظر عين منحازة لمبارك وليست عينا موضوعية.

أيا كان سبب انزعاجك لابد أن تعرف أن مبارك حكم هذا البلد 30 عاما، لا يليق أن تطالب بإخراجه من التاريخ، لأنك ترتكب جرما فى حق الأجيال الجديدة حين تسقط من عمر وطنهم ومجتمعهم 30 عاما، ولا يليق كذلك أن تكون دروس التاريخ بعد الثورة التى ستتناول عهد مبارك كلها هجوما وانتقادا حتى ترضى بذلك، لكن ما يجب أن تتمسك به هو أن تكون هناك معايير واضحة وعلمية لكتابة التاريخ الذى تدرسه الأجيال لا ينحاز لوجهات نظر على حساب الأخرى، يعتمد على كثير من الوثائق وقليل من التحليل، دون إسهاب فى الرأى.

لكن دعك من مبارك فقد صار ماضيا وكثير من تاريخه مسجل بالصوت والصورة، والشهادات حوله حية لأنه تاريخ عشناه، ولم نسمع عنه، لكن تعال لتنظر إلى التاريخ كمادة دراسية، كيف تبقى طوال الوقت مرهونة بنظام الحكم فتفرط فى تأييده وإسباغ الفضائل عليه وعندما يسقط تضطر للتوارى خجلا من اسمه، هل ستستمر هذه السياسة، وكيف ستترجم سيطرة الأغلبية الإسلامية سياسيا على كتب التاريخ، هل سيدرس التلاميذ تاريخ الإخوان المسلمين كما يروونه لأنفسهم وأعضائهم وشبابهم ويصدر فى كتبهم، أم كما يرويه خصومهم، أم أن هناك حلا علميا مهنيا موضوعيا بين هذا وذاك، هل سيُقدم حسن البنا للتلاميذ فى ثياب القديسين والمصلحين كما تقدم جمال عبدالناصر وسعد زغلول وأنور السادات وللغرابة مبارك دون جوانب سلبية، وإذا تغيرت الأغلبية فى انتخابات لاحقة هل سيتراجع كتاب التاريخ المدرسى عن مديحه لرموز أغلبية سابقة لصالح رموز أغلبية جديدة.

ماذا ستقول كتب التاريخ المدرسية فى ظل أغلبية إسلامية عن المواجهات المسلحة بين الدولة والجماعات الإسلامية، كيف ستصف العمليات التى نفذتها هذه الجماعات ضد الشرطة والمدنيين ورموز الدولة، هل تعتبرها عمليات إرهابية، أم خلافات سياسية كان السلاح فيها هو لغة الحوار، هل ستبرئ الجماعات منها وتظهرها كضحية اضطرت لرفع السلاح أمام الدولة الظالمة، أم ستقدمها باعتبارها إحدى خطايا التفكير وتلومها وتشير لمراجعاتها فى هذا الشأن؟

من يكتب التاريخ؟ هذا هو السؤال الذى لابد أن تفتحه واقعة درس إنجازات مبارك، لأن المؤكد أن من كتب هذا الدرس «مباركى» بفعل القناعة أو بفعل نفاق السلطة، لكن إذا تركنا تاريخ عبدالناصر يكتبه الناصريون، وتاريخ السادات يكتبه الساداتيون، وتاريخ الإخوان يكتبه الإخوان، وتاريخ اليسار يكتبه اليساريون، وتاريخ الجماعات الإسلامية يكتبه أمراء الجهاد المسلح، فهل سيكون بين أيدينا كتاب دراسى للتاريخ يصلح ليتدارسه الأجيال.

إصلاح مناهج التاريخ فى المدارس، وإعادة صياغة المعايير العلمية التى تقوم عليها هى بداية للقضاء على جذور النفاق فى هذا البلد، واستعادة كرامة من هضم التاريخ حقهم ووضع كل فى قدره بنجاحاته وأخطائه على السواء.

السبت، 25 فبراير 2012

معركة المستقبـل


الثورة كفكرة هى صراع بين الماضى والمستقبل، الماضى ليس فقط وجوه الماضى ولكن ثقافته وطريقة تفكيره، والماضى ليس فقط حاكما بقدر ما هو مفردات واقع سياسى كامل توزعت فيه الأدوار على نخبة كاملة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فصارت كلها جزءا من منظومة الماضى الثقافية والسياسية.

لكن الذى سقط هو واجهة هذا الماضى ليس إلا، فبينما بقيت بقية المفردات كما هى مسيطرة على المشهد، بعضها أعاد تموضعه، من مساحة المعارضة إلى مساحة السلطة، وبعضه مازال يراوح مكانه يقترب من السلطة ويبتعد وفق حسابات لا تخص المستقبل فى شىء.

لديك ثقافة «أبوية» قامت عليها الثورة، لم تكن فقط فى نظام حكم وإدارة، لكنها كانت فى كل شىء، لديك شباب ناهض فى الحركة الإسلامية لديه مفهوم مختلف حول الدولة والمواطنة عن شيوخه، وكان لديه مبادرة مختلفة فى الفعل ورد الفعل، كان أكثر إقداما وأكثر وضوحا وأكثر قبولا للآخر، وأكثر تمردا على السلطة الأبوية داخل تنظيماته، لذلك أنقذ هذه التنظيمات بتمرده وانحيازه للشارع فى لحظة فارقة، لأنه حسب الحسبة بمعايير المستقبل بينما كان المشايخ والقادة يحسبون الحسبة بمعايير الماضى.

أيضا كان شباب الأقباط إلى جوار شباب الحركة الإسلامية، غير مكترثين بسلطة أبوية تقايض بهم الدولة وتنحاز للسلطة أى سلطة، كان التفكير أيضا بمعايير المستقبل وهذا المستقبل لن يأتى إلا بالتخلص من هذه الثقافة التى أدمنت عبادة السلطة أى سلطة، والتعامل معها بحذر واستجداء، والاختلاف معها كذلك بقلق وحساب، هذا المستقبل لن يأتى دون انفتاح على المجتمع ودون ممارسة المواطنة بالأمر الواقع وليس استجداءها فى قوانين وتشريعات.

ولم تكن الأحزاب القائمة فى عهد مبارك سوى جزء من مفردات الماضى بواجهاتها وطرائق تفكيرها، وهى أيضا سقطت أمام مبادرات المستقبل، وأمام تمرد شبابها وانحيازهم للغد، تذكر أن كل القوى السياسية مجتمعة قدمت طلبا لوزير الداخلية فى 2009 من أجل تنظيم مسيرة تضم عشرات الأشخاص تذهب على قصر عابدين لتسليم مطلب بإلغاء الطوارئ، وعندما رفض العادلى عاد كل رئيس حزب إلى مكتبه محترما أن السلطة رفضت الإذن له بالخروج عن السيناريو المألوف.

لكن ما الذى حدث بعد ذلك؟ عادت الثقافة الأبوية أشد قوة وعنفا وسيطرة، صنع حزب المستقبل الإنجاز، وسلمه لحزب الماضى الذى أعاد إنتاج استقطابات مبارك، وفتنه وتصنيفاته، فأنهى حالة التصالح والقبول المجتمعى التى صنعها الشباب فى الميدان بين كل الأطراف، غذى خطاب الكراهية، وأجهض كل تفكير خارج صندوق التصنيفات التقليدية، وفضل أن يفكر للمستقبل أناس ينتمون للماضى.

ستبقى المعركة قائمة إذن بين الماضى والمستقبل، وحين تختفى كل مفردات وواجهات المشهد القديم بسلطته ومعارضته ويحسم الشباب كل فى موقعه المواجهة لصالح المستقبل، وقتها سأقول لك إن الثورة نجحت والوطن تجددت دماؤه وصار يجرى خلف الغد بأدواته وثقافته وانحيازاته ومشروعه أيضا.

الخميس، 23 فبراير 2012

مصير مبارك المعلوم


حدد القاضى أحمد رفعت موعد النطق بالحكم فى قضية مبارك، تعرف قطعا أن القاضى يحاكم مبارك على 3 اتهامات أساسية، أغلبها حول الأيام أو السنوات الأخيرة فى حكمه.

لا يحاكم القاضى 30 عاما من حكم مبارك، الأرجح أنه مواطن مثلى ومثلك، لديه من اليقين أكثر من الأوراق التى أمامه، لكن ضميره كقاضٍ يمنعه من التغول على ما تقوله الأوراق انحيازا ليقينه، قد يفعل ذلك عندما تكون المسافة بين الأوراق ويقينه قصيرة جدا يستخدمه كمرجح عندما تكون شعرة الشك ضيقة جدا، لكنه لا يبنى عليه الحكم إجمالا.

سيأتى حكم القاضى إذن منسجما مع ما لديه من أوراق ودلائل قاطعة، من حق الحكم أن يصدمك إذا جاء مغايرا لما تتوقع لكنه يجب ألا يغضبك أو يدفعك للنيل من القاضى ونزاهته، قد تعود إلى أصل القضية وتبحث خلف المتسبب فى تقديمها للمحكمة بهذا الشكل، ستتهم النيابة، والنيابة كما تعرف اتهمت أجهزة رسمية فى الدولة بالتقصير وعدم التعاون معها فى جمع الأدلة، ظلت الحقيقة غائبة طوال عام مضى لأننا لم نكن نملك برلمانا منتخبا، لكننا الآن نملكه كما تعرف.

هل تعرف فعلا أن نوابا قدموا طلبات إحاطة واستجوابات لوزير الداخلية بسبب منعه الضباط من «إطلاق اللحى» ولم يفكر أحد منهم حتى هذه اللحظة أن يستند لما قالته النيابة فى حق عدم تعاون الداخلية ويطالب بالتحقيق مع الأجهزة التى رفضت تقديم الدلائل ضد مبارك وأعوانه، هل تعرف أن نوابا تصدرت قائمة أولوياتهم «منع المواقع الإباحية» وهو حق قطعا، لكن أحدا لم يطلب حتى الآن إلزام الجهات الرسمية بالتحقيق فى مئات الآلاف من المقاطع المصورة التى وثقت للثورة وأظهرت ضباطا يقتلون ويطلقون الرصاص بعشوائية.

دعك من كل ذلك وعد معى إلى فريد الديب محامى مبارك، وتذكر أنه دفع فى إحدى مرافعاته ببطلان محاكمة مبارك أمام محكمة الجنايات لعدم اختصاصها ولائيا، موضحا أن المادة 85 من دستور 1971 نص على أن مجلس الشعب له الحق فى محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة الخيانة العظمى، أو أى جريمة أخرى بشرط أغلبية ثلثى البرلمان، وتكون نظر القضية أمام محكمة خاصة، وتشكل من 12 عضوا نصفهم من أعضاء مجلس الشعب، والنصف الآخر من أقدم المستشارين فى الهيئات القضائية، ويتولى النائب العام المرافعة أمام هذه القضية، ويكون مقره محكمة النقض.

دعك من الجدل حول ما قاله الديب، لكن هل فكر نائب فى تفعيل ذلك، والاستناد إلى محامى مبارك فى تشكيل هذه المحكمة الخاصة، والاستناد إلى مئات الوقائع التى يمكن من خلالها محاكمته سياسيا، لم يحدث حتى الآن إلا كثير من الكلام وقليل من الفعل، والأغلبية تستخدم حضورها لكسر زياد العليمى ومعاقبته على خطأ لسانى، فيما لم تحاول حتى هذه اللحظة أن تتصدى لأى مهمة قد يكون من ورائها إغضاب للمجلس العسكرى.

وفق ما تعرف عن القضية فمصير مبارك معلوم.. وعندما يصدر الحكم ليس من حقك أن تتوجه لمؤسسة القضاء باللوم، لكن تذكر أن «برلمانك المنتخب» منشغل بهوامش القضايا ويتصدر فى «التوافه»، وكان بين يديه من الإجراءات ما يكفى، لكنه لم يفعل جهلا أو تخاذلا أو تواطؤا. 

الأربعاء، 22 فبراير 2012

اختبار الأخلاق


لا أومن بفصل السياسة عن الأخلاق، حتى لو كان السياسيون بتباينات قناعاتهم وتدينهم، يعتبرون أن قليلا من سوء الخلق، سواء الكذب أو الافتراء على الخصوم، لا ضير منه فى منافسة سياسية، وقطعا أخطأ النائب زياد العليمى، المسألة لم تكن لها علاقة بحقه المكفول فى النقد، لكن الخطأ الحقيقى أنه لم يستوعب الفارق بين كونه نائبا فى البرلمان وثائرا فى الميدان، ويمارس مهامه الجديدة كنائب بذات آليات الثائر الميدانى، وما قد يقبل من ثائر فى مظاهرة، لا يليق أن يقبل من نائب فى البرلمان.

لكن هل موقف الأغلبية من النائب يمكن اعتباره موقفا أخلاقيا أم سياسيا؟ هل تناصر الأغلبية الأخلاق إلى الدرجة التى ترفض فيها صيغة اعتذار من النائب جرى التوافق حولها، وأيدها رموز من داخل الأغلبية ذاتها بينهم الدكتور محمد البلتاجى.

هل غضبت الأغلبية من أجل كرامة مواطن اسمه محمد حسين طنطاوى وكرامة مواطن اسمه محمد حسان، رغم أن أصحاب الضرر لم يصدر منهما أى إشارة حول القضية، هل هذا تطوع من الأغلبية أم محاولة لكسر خصم سياسى مستفيدين من زخم أنصار شيخ له حضور ومكانة، ومؤسسة عسكرية فى حالة خصومة سياسية أصلا مع النائب.

هل هذا موقف أخلاقى أم سياسى يتسم بكل ما فى السياسة من انتهازية؟ إذا كانت الأغلبية غضبت من أجل الأخلاق فلابد أن تدرك أن مواطنا اسمه محمد البرادعى جرى اتهامه بالخيانة والعمالة تحت القبة، واكتفى رئيس المجلس بحذف الكلمة من المضبطة، الأخلاق إذن لا تتجزأ وإذا كان المجلس سيدافع عن كرامة المواطنين فلابد أن يضمن مسارا أخلاقيا للجميع يحمى الجميع ويتصدى للجميع، لكن أن يكون التصدى بألف مكيال، وحق السباب مكفول لأشخاص بعينهم فقط وللهجوم على أشخاص بعينهم فقط، فهذا يحول الأغلبية إلى قوم إذا «شٌتم فيهم القوى هاجوا وأعلنوا الحرب.. وإذا شُتم فيهم الضعيف صمتوا ورضوا».

هو إذن ليس موقفا أخلاقيا، الأخلاق لا تتجزأ كما تعرف، ولا تقبل القسمة، والنائب مرهف المشاعر الذى يستاء من شتيمة شخص، لابد أن يشعر بذات الاستياء من شتيمة أى شخص دون تمييز، أيضا النائب الذى شتم المشير يتساوى مع النائب الذى شتم البرادعى، كلاهما أخرج خصومته السياسية فى شتائم تمثل سبا، لكن تصدير الموقف باعتباره انتصارا للأخلاق فيما هو خاضع لأهواء وانحيازات سياسية صرفة فهذه هى الجريمة التى ترتكبها الأغلبية لأنها تكذب علينا أيضا حين تحاول إقناعنا بأنها تهدر وقت المجلس فى وقت مازالت حقوق الشهداء فيه مهدرة، ومازال الفاسدون لم يحاسبوا، ومازال المصريون يئنون تحت وطأة الفقر والحاجة وذل الطوابير، من أجل الانتصار للأخلاق.

هذا إذن مجلس تندر فيه الأخلاق، بأغلبيته وأقليته، بنواب السلطة الجديدة والنواب المحسوبين على الثورة، الكل سقط فى اختبار الأخلاق إلا من عصم ربى وهم قليل جدا، أو هكذا أظن..!

الثلاثاء، 21 فبراير 2012

المستقبل المحتمل


يعتقد البعض أن المعركة الرئاسية الأرجح أنها محسومة بين الوجوه المعلنة حتى الآن والتى حازت جميعها لقب «المرشح المحتمل» من ناحية هؤلاء يمارسون الدعاية طوال أشهر طويلة مضت، بعضهم مثل حمدين صباحى بدأ حملته الرئاسية قبل قيام الثورة بأشهر، حين انخرط مؤيدوه فى حملات لجمع توقيعات لطرحه كمرشح شعبى فى مواجهة شبح التوريث، ومن ناحية أخرى، الوقت لا يسمح لمرشح جديد بطرح نفسه وتكوين زخم حاشد حوله، طالما أنه غير مرتكز على قوى سياسية لديها حضور فى الشارع، فيعوض ما فاته من دعاية بقبول وشهرة وانتشار القوى السياسية التى ستعلن دعمه.

فى معركة الرئاسة لديك ملاحظة أساسية، أن جميع المرشحين يخوضون المنافسة من باب الاستقلال، حتى لو حصل بعضهم على تأييد بعض القوى والأحزاب، الوسط مستمر فى تأييده العوا، والكرامة بالقطع خلف مؤسسه حمدين صباحى، وقطاعات من الهيئات السلفية تقف خلف حازم صلاح أبوإسماعيل، وشباب الخارجين من الإخوان فى «التيار المصرى أو النهضة» يقفون خلف عبدالمنعم أبوالفتوح، والأحزاب الأساسية التى اختبرت حظوظها فى الشارع فى الانتخابات البرلمانية لا تملك حتى الآن مرشحين مباشرين وتعلن فى كل مناسبة أنه لن يكون لها مرشحون سواء الإخوان أو حزب النور أو حتى الوفد الذى جاء ثالثا.

لن تعكس المنافسة إذن طبيعة الخريطة السياسية فى الشارع، حتى هذه اللحظة هى معركة بعيدة عن الاستقطاب الرئيسى الذى ساد فى انتخابات البرلمان على أسس طائفية، وهى بعيدة كذلك عن رؤى الأحزاب وبرامجهم، هى معركة حول أشخاص كل منهم يرتكز على سيرة ذاتية، وأفكار معلنة، وانحيازات ليست منتظمة أيديولوجيا، لكنها تمتاز بالمرونة.

بين هؤلاء هناك 3 مرشحين تبدو مواقفهم ثابتة تماما ويتحركون بقدر واسع من الاستقلال بعيدا عن القوى السياسية الرئيسية وكذلك المجلس العسكرى، هم بوضوح أبوالفتوح وأبوإسماعيل وصباحى، وهؤلاء لم تنلهم بذات القدر ما نال غيرهم من هجوم وحملات مرتبطة بالتاريخ الشخصى للمرشح أو بمواقفه الرئيسية.

لكن كل ذلك لا يمنع أن يتقدم مرشح جديد، وأن نفاجأ به يوم 10 مارس المقبل وقد تقدم بأوراقه، وهو هنا سيستفيد من نقطتين أساسيتين، أولا أنه سيغازل القوى والكتل التى لم تحسم أمرها من أحد المرشحين المحتملين، وفى الوقت نفسه سيستفيد من حالة من الضبابية فى الاختيار لدى قطاعات كثيرة، ربما تجد ضالته فيه وهى واقعة فى حيرة «نختار مين» وفى الوقت نفسه لديها ملل من الوجوه المطروحة، وثانيا تعرض المرشحون المحتملون كما قلت بفعل طول مدة طرحهم على الرأى العام إلى مدفع النقد والتفتيش فى المواقف والسيرة الذاتية لفترة طويلة جدا أثرت بالسلب على البعض، وهبطت بالبعض من أعلى مراحل التأييد إلى أدناها، وهذه ميزة جديدة أمام مرشح بكر لن يقف أمام المدفع إلا عدة أشهر.

إذا كان لدينا مرشحون محتملون، فلن تتضح معالم السباق قبل أن يغلق باب الترشح فى الأسبوع الأول من أبريل، ووقتها سنعرف الفارق بين المحتمل والمتيقن، وقبل ذلك كل شىء محتمل. 

الاثنين، 20 فبراير 2012

شماعة الإعلام


ذهبت اللجنة البرلمانية إلى العامرية، ثم عادت غاضبة على «الإعلام» وحملته مسئولية الأزمة، وتضامن معها كتاب ومعلقون آخرون، وقالت اللجنة إنها اكتشفت أنه لا يوجد «تهجير» حدث.

يبدو لك لوهلة من بيان اللجنة أن الإعلام أوجد الأزمة من العدم، رغم أن بيان اللجنة ذاته أعلن بكل فخر عن عودة 5 أسر، فما معنى عودة الأسر التى أعلنت عنها اللجنة، ألا تعنى أن تلك الأسر غادرت منازلها وديارها، هل الفرق إذن فى المصطلح تهجير أو تفريق أو إبعاد، أم أن هناك إجراء حدث متجاوزا للقانون ولقيم العدل.

اللجنة تتهم الإعلام وكأنه اختلق واقعة تعترف ذاتها فى سطور بيانها بأنها حدثت حتى لو حاولت أن تخفف من الكلمات وتنفى التهجير، وتعترف بالإبعاد، ثم تفخر بأنها اتفقت على إعادة 5 أسر فيما أيدت حكم اللجنة العرفية باستمرار «إبعاد أو تهجير أو تفريق» 3 أسر أخرى تشكل عائلة المتهم الرئيسى فى واقعة «مقطع الفيديو»، الذى لم يشاهده أحد ولم تستطع النيابة أن تستدل على السيدة التى قيل إنها كانت سببا فى الأزمة.

لكن هناك سؤالا مبدئيا يستحق أن توجهه للجنة وأعضائها من نواب يمثلون كل التيارات، لماذا ذهبتم إلى العامرية؟ هل ذهبتم لتقصى الحقيقة، أم لإعادة الاعتبار للقانون وإقامة العدل، أم ذهبتم لتشكيل لجنة «عرفية» جديدة؟

الحقيقة أن اللجنة مثلت درجة أخرى من درجات «المحكمة العرفية» لم تذهب لتبحث عن القانون الضائع كما هو مفترض فى لجنة تمثل البرلمان صاحب القوانين وحارسها، لم تحاول أن تصل إلى حل قانونى، لكنها بحثت خلف حل سياسى جعلها فقط «تُحسن» الشروط التى جاء عليها الحكم العرفى الأول فتعيد العائلات التى ليست طرفا فى الخصومة إلى ديارها، ثم تبقى 3 أسر خارج القرية، وهو كما قلت لك إجراء سياسى وليس قانونيا، فالقانون كما تعرف يعلق كل جريمة فى عنق مرتكبها، فلا يضار أب بجريمة ابنه، ولا تعاقب أم بخطيئة ولدها، ولا تشرد عائلة لأن أحد أفرادها سرق أو قتل أو حتى انتهك الحرمات.

قد تجد ما فعلته اللجنة مُرضى «سياسيا» فى واقعة العامرية تحديدا، خاصة أن الأسر الثلاث التى مازالت مبعدة ربما تجد خطورة على أمنها وسط مشاعر الاحتقان لو عادت، لكن اللجنة لم تضمن لنا على الأقل عدم تكرار ذلك، البرلمان كله لم يضمن لنا ألا تخضع مصائر الناس مستقبلا للتوافقات العرفية بعيدا عن القانون، وهو إن لم يفعل ذلك سيجد نفسه مطالب بإرسال لجنة كل فترة فى منطقة مختلفة لتصدق على الأحكام العرفية وتشرعنها الجائرة وتواصل إهدار القانون.

الإعلام إذن لا يصنع الفتن ولا يخلقها من العدم.. الذى يصنع الفتن هو تراخى كل مسئول عن تحمل مسئولياته، وعدم وضع المنازعات ذات الأطراف الطائفية، فى موضعها القانونى البحت الذى يجعلها أزمات شخصية، وأخطاء أفراد، يتكفل القانون بعلاجها، وليست معركة بين طوائف وخصومة بلا تمييز مع كل المغايرين فى العقيدة.

التغييب المتعمد للقانون هو الذى يصنع الفتنة، ويسمح باشتعالها، وما حدث فى العامرية كان «تهجيرا كما قال الإعلام.. أو تفريق كما قال البرلمان.. أو إبعاد وخروج كما قال المجلس العرفى» والثلاثة مرادفات تعكس ذات الواقع.. فلا تعلقوا كل شىء على شماعة الإعلام.

الأحد، 19 فبراير 2012

مواجهة التوافق بالتوافق


هل يكفى أن يتفق المجلس العسكرى والإخوان على مرشح رئاسى حتى يصبح مرشحا توافقيا؟ الحقيقة قطعا أنه لا يكفى، يمكن أن يكون توافقيا يخص من توافقوا عليه، لكن المصريين لم ينتفضوا فى ثورة كان أهم أهدافها الحصول على حق الديمقراطية التنافسية لتتوافق قوى فى النهاية على مرشح وتقدمه كأنه شكل جديد من أشكال التزكية أو الاستفتاء.

لكن دعك من المبادئ المطلقة وتعال إلى منطقة المصالح، بكل تأكيد من حق العسكر والإخوان السعى خلف مرشح يقرب بينهما ولا يباعد، ويخفف هواجس كل طرف من الآخر، ويطمئن كل طرف على ما يريده فى هذه المرحلة، للإخوان طموح وللعسكر أيضا، وكلاهما يعرف أنه فى حاجة للآخر فى هذه المرحلة على الأقل، وأن القضاء على بذور الصدام أو حتى تأجيله إلى أمد هدف سياسى يستحق السعى وراءه، الإخوان لديهم رغبة فى استكمال مشروعهم، والعسكر لديهم رغبة فى عدم الخروج الكامل، فلديهم من ناحية إحساس بالوكالة عن هذه البلاد باعتبارهم أصل «الوطنية» ولديهم براجماتيا مصالح حقيقية للحماية.

يصلح التوافق إذن كمهدئ أو مؤجل للصدامات، وكحل وسط بين أطراف ترى أنها وحدها من تملك مبادرة الفعل فى المجتمع، وهذا يذهب بنا مباشرة إلى قوى الثورة، التى تعتقد أنها جزء رئيسى من المعادلة، وللحق تبرهن بين حين وآخر على وجودها فى الشارع بقوة وإبهار، لكنها حتى هذه اللحظة لم تبرهن على قدرتها على أن تكون رقما صعبا فى نتائج صناديق الاقتراع، وباتساع هذه القوى تجد أن بعض الأطراف الليبرالية أقرب للعسكر والإخوان، كما بعض أطراف اليسار، لكن الكتلة الباقية التى بدأت تعتبر العسكر خصما وتنقل الإخوان من مربع الثورة إلى مربع السلطة، وتعترض الآن على محاولات الطرفين التوافق، لا تبذل جهدا مناسبا وعمليا لمواجهة هذا التوافق بتوافق مضاد، رغم قدرتها مجتمعة على تحقيق توافق تمثيلى لكل المجتمع فبينها إسلاميون ديمقراطيون ينظرون للحالة المصرية الوطنية بخصوصية أكثر من الإسلاميين التقليديين، وليبراليون متصالحون مع المشروع الإسلامى الحضارى كإطار عام وليس كأيدلوجية، ويسار يشكل وقودا حركيا لهذه القوى، ولديه ذات التصالح، فإذا كان هناك «مرشح توافقى» إخوانى عسكرى، فلا يوجد مرشح توافقى منتمٍ للثورة أو مدعوم من قواها الباقية، كيف تلوم من يسعى فيما أنت تتحرك وسط مجموعات ليست موحدة، لديك مرشحان رئيسيان محسوبان على الثورة هما عبدالمنعم أبوالفتوح، وحمدين صباحى، ومرشحون محتملون يخرجون من عباءات اليسار وتحالف الثورة مستمرة وأوساط العمال والنقابات مثل أبوالعز الحريرى وخالد على، والحقيقة أن هذه القوى التى تملأ الكون ضجيجا عليها أن تحاول أن تبنى مشروعا سياسيا على الأرض لمواجهة حالة التوافق على صناعة النظام البديل الذى يمزج بين ملامح إخوانية وثقافة مباركية ومفاصل عسكرية، بتوافق مضاد على مشروع رئاسى ثورى موحد، وسط قناعة أن معركة الرئاسة ليست مثل البرلمان فى تكتيكاتها، وجميع الاحتمالات فيها مفتوحة وواردة، ولا أحد يملك نتائجها فى «الكونترول».

وبدون هذا التوحد ستخرج المنافسة «شكلانية» أقرب إلى انتخابات الرئاسة الأولى فى 2005، فسيكون لديك بدل مبارك «مرشح رسمى» مدعوم من السلطة «العسكر والإخوان والمتحالفون معهم»، وستبقى قوى الثورة الديمقراطية تهدر الفرص فى استغراق متكرر فى الحديث دون عمل سياسى ممنهج وقادر على المنافسة وفق قواعد اللعبة على الأقل.

السبت، 18 فبراير 2012

الديمقراطية التوافقية


البعض ينتقد فكرة الرئيس التوافقى الذى تبحث عنه جماعة الإخوان المسلمين وبعض القوى وربما معهم المجلس العسكرى، شخصيا لا أومن بشىء اسمه «الديمقراطية التوافقية» هذا مصطلح مطاط لم يظهر إلا مع بدء العملية السياسية فى العراق بعد الاحتلال، ولم ينته بالعراق إلا وهو غارق فى مستنقع الطائفية، ويقيد نظامه السياسى بهذه الطائفية إلى أمد بعيد، الديمقراطية لا تحتاج إلى مزيد من التعريفات لتخرجنا من مضمونها وجوهرها ونحن لم نهضم بعد لبنتها الأساسية، الديمقراطية هى مجموعة قيم وليست فقط مجرد ممارسة انتخابية تنتهى بإعلان نتائج صناديق الاقتراع، هى حكم الأغلبية المستمد إرادة أغلبية الشعب، لكنها فى الوقت نفسه هى حماية حقوق الأقلية دون أن تستطيع الأغلبية بكل ما لها أن تنال من حق مواطن واحد أو حريته أو تمتعه بالمساواة دون النظر للونه أو دينه أو عرقه أو جنسه.

والتفويض الذى تمنحه الديمقراطية للأغلبية ليس تفويضا مطلقا يسمح لها بتغيير التراكيب الأساسية للمجتمع، لكنه تفويض بالإدارة فحسب، وهو تفويض مؤقت بمدة زمنية سواء كانت المدة الرئاسية أو الدورة البرلمانية، وفى المجتمعات الديمقراطية يظل مبدأ تداول السلطة حاكم وشديد الاحتمال، مما يعزز فكرة التفويض بالإدارة من ناحية، ويحول الإدارات الحكومية إلى أجهزة مهنية محترفة لتنفيذ السياسات المدعومة من الشارع أيا كان الحزب الحاكم الذى يقوم عليها، لذلك لا يخضع الموظفون الكبار فى الدول الديمقراطية للتغيير عقب كل انتخابات، أو على طريقة أحزاب القصر أيام الملك التى كانت تقصى الموظفين وتعين الموالين لها، ثم يأتى حزب آخر بعد فترة وجيزة ليفعل العكس.

الأصل إذن أن أطراف العملية السياسية طالما التزمت بمعايير وقيم الديمقراطية فى شموليتها، فلن يحتاج المجتمع إذن إلى أى شكل من أشكال التوافق، ولن نضطر للبحث عن رئيس توافقى وبرلمان توافقى وحكومة توافقية، فالمخاوف من انفراد طرف سياسى بالإدارة لن يكون لها وجود مكثف كذلك فى مناخ ديمقراطى حقيقى يحمى حقوق الأغلبية والأقلية على السواء ويطبق القيم الديمقراطية، ويحمى ثوابت ومكتسبات المجتمع والأفراد، ويصون الحريات العامة وحقوق الإنسان ولا يعود بها للخلف.

لكن عندما يكون المجتمع فى مرحلة بناء يحاول فيها أن يملك هذا المناخ الديمقراطى، فالأصل أن يبنى كل ذلك بالتوافق، وأن يستقر المجتمع على قواعد اللعبة قبل أن يلعب وأن يتوافق على هذه القيم الديمقراطية الشاملة وأن يحصنها من الانقلاب عليها، وإذا كان الوقت قد تجاوز ولم يكتب الدستور الذى يحدد هذه القواعد قبل بداية العملية السياسية التى قطعت أول أشواطها بالانتخابات البرلمانية، فالأرجح أن نصحح هذا الخطأ فى انتخابات الرئاسة، وأن يتولى الرئيس مع البرلمان بأغلبيته الجديدة، صناعة هذا المناخ العادل، الذى يعبر بنا من حالة البحث عن التوافق، إلا حالة الدخول فى التنافس الشريف دون مخاوف أو فزاعات.

لكن من يتوافق على الرئيس، هل يكفى رضا الإخوان والمجلس العسكرى، لاعتبار المرشح توافقيا؟ وأين قوى الثورة من معادلة التوافق تلك؟ غدا نستكمل..  


الخميس، 16 فبراير 2012

من يملك الإجابة؟


لا أستطيع أن أجزم لك بمستقبل مصر، ولا تستطيع أنت ولا يستطيع أى مواطن، لا أحد فينا يدعى أنه يضطلع على الغيب، أو يزعم مهما دقق فى التفاصيل واستنتج التحليلات أن لديه رؤية محددة للمستقبل كيف سيكون، هل سيتحقق الأمل فى الوطن العادل لجميع مواطنيه، أم ستحدث انتكاسات، أو مواجهات، أو حتى فوضى كأحد السيناريوهات التى يروج لها البعض؟.

لكن المشير ليس مواطنا عاديا مثلى ومثلك، أو مثل نائب مستجد فى مجلس الشعب مازال يدرس خريطة المكان ويحفظ الطريق اليومى داخل القاعة إلى مقعده، المشير هو القائد العام ليس فقط للقوات المسلحة وهى المؤسسة التى خرجت من الثورة رابحة ومتماسكة ومحتفظة بصلابتها، وإنما هو القائد العام للبلاد، هو أكثر من يملك معلومات فى هذا البلد بحكم موقعه، وأكثر من يملك خبرات على المستويين السياسى والإقليمى بحكم وجوده كواحد من أقدم قادة الجيوش فى المنطقة، وحضوره طوال عقدين من الزمان فى قلب الدولة المصرية سواء داخل مجلس الوزراء أو فى دوائر صنع القرار، وعلاقاته الدولية بحكم موقعه، وإشرافه المباشر بعد الثورة على السلطة التنفيذية وعلى أجهزة المعلومات والمخابرات داخل المؤسسة العسكرية وخارجها، يجعلك تجزم بأنه يعرف أكثر من الجميع، وإذا كان لأحد أن تكون له قدرة على قراءة مستقبل بلاده، فربما كان المشير بحكم كل ماسبق الأقدر على الرؤية والاستنتاج والترويج للمستقبل.

لكن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية مارتن ديمبسى سأله عن المستقبل، فرد عليه المشير بأنه لا يملك إجابة فى الوقت الحالى، لم يسأله القائد الأمريكى، هل سيقفز معدل النمو أم سيتراجع، هل ستدخل مصر النادى النووى أم ستبقى تحارب من أجل أرض الضبعة، هل سينتهى الفقر أم سيتزايد عدد المصريين الواقعين أسفل خطه؟ لم يسأله أسئلة تتطلب تنجيما أو أملا كبيرا فقط سأله: «هل ستنعزل مصر.. وتقيد حكم الفرد أمل لا؟» لكن المشير لا يملك إجابة، وأنت تملك آمالا ولا تملك إجابات قاطعة، فمن يملك الإجابات إذن، إذا كنا نتحدث عن بديهيات بعضها ناضل من أجلها المصريون لعقود وحصلوا على قدر كبير منه فيما يتعلق بالحريات الشخصية.

لا أعرف إذا كان المشير قد تحدث مع القائد الأمريكى بتلقائية وصراحة أم أراد تخويف واشنطن من المستقبل فى مصر، لكن الواقع أن ما سربه الأمريكيون فى هذا الصدد، أثار مخاوفى ليس فقط لأن المشير لا يملك إجابة عن المستقبل، بما يعنى أن المؤسسة التى تولت عملية التحول والتنمية السياسية لا تملك رؤية حول وضع مصر من العالم وحرية أفراد الشعب، لكن الأخطر أن الرجل التى تتركز السلطات فى يديه والمعلومات والقدرة على الفعل أيضا ليس مطمئنا حتى الآن بما يكفى لما تم قطعه من شوط فى المسار الديمقراطى، ولا يملك إجابات عن المستقبل، فإذا كان هو لا يملك الإجابة.. أين نجدها؟

الأربعاء، 15 فبراير 2012

فوق الدولة والقانون


حسب المنشور فى جريدة «التحرير» أعرب عبدالمنعم عبدالمقصود محامى جماعة الإخوان، رفضه رقابة من الجهاز المركزى للمحاسبات على أموال الجماعة، الجماعة إذن ليست حزبا لأن القانون يسمح لجهاز المحاسبات برقابة أموال الأحزاب، والجماعة أيضا ليست جمعية، لأن الجهاز أيضا يراقب أموال الجمعيات وميزانياتها، ماذا تكون إذا؟.

قال المحامى والنائب صبحى صالح: «اعتبروها جمعية أو جماعة أو حتى مركز شباب، المهم أن لها وضعا قانونيا»، والحقيقة أن ما نعرفه أن أى كيان له وضع قانونى فى هذا البلد لابد أن يخضع لرقابة القانون ولسلطة الدولة وأجهزة المحاسبات فى متابعة الميزانيات وربما، لكن محامى الجماعة يرفض. ما يعنينى هو أن تقارن بين اللغة التى ترفض المحاسبة أو الاقتراب لوضع الجماعة أو ميزانياتها واخضعها للشفافية المفترضة التى نطالب بها حتى الجيش وميزانياته، وبين لغة سابقة قبل أشهر حين قال خيرت الشاطر نائب المرشد العام، إن الجماعة تريد تعديل قانون الجمعيات الأهلية بما يتناسب مع وضع الجماعة الحالى، وذلك فى سؤال لـ«الشروق».

وقبل أسابيع من ذلك قال د.أحمد أبوبركة المستشار القانونى لحزب الإخوان ذات الكلام، وقال إن قانون الجمعيات الحالى لا يناسبنا وسنسعى لتعديله، وهو كذلك ذات الموقف الذى اتخذه د.رشاد البيومى نائب المرشد الثانى فى حوار مع «الشروق» أيضا.

وقبل ذلك بأشهر كان خطاب الإخوان أكثر اختلافا ويتحدث عن أن الجماعة لن تكون فوق القانون وستخضع له ولكل ما تكفله الدولة من أدوات رقابة، ما الذى تغير فى مواقف الجماعة من الرغبة فى تقنين الأوضاع وحتى الرد بصلف أنها لا تحتاج أصلا لتقنين، وأن أموالها لن تخضع لأى رقابة، هل هو زهو أن السلطة التشريعية صارت فى أيديهم، فماذا سيحدث حين تجتمع السلطات كلها؟، هل سيفرضون على المصريين كيانا أعلى من الدولة والقانون اسمه الجماعة أو المرشد العام، خاصة حين تربط ذلك بتصريحاتهم حول علو موقع المرشد على موقع الرئيس؟

ستجد أنك أمام محاولة واضحة إما لإقرار وضع قانونى خاص للجماعة يجعلها فوق الدولة والقانون، إما بتفصيل القانون عبر «الترزية الجدد» كما قال الشاطر، أو بفرض العمل دون غطاء قانونى أو رقابة كما قال عبدالمقصود لتطبيق نموذج «ولاية الفقيه» عمليا ولو بشكل غير مكتوب ومقنن، عندما تكون لديك حكومة من الإخوان تتبع مرشدا أعلى يقود جماعة مستقلة وكأنها دولة داخل الدولة وأعلى منها.

سيقولون لك إن هناك وضعا قانونيا ولا يوجد قرار للحل، وبفرض ذلك هل لم يتعدل قانون الجمعيات لأكثر من مرة منذ أيام الملك وحتى الآن، بما يلزم الجماعة أيضا بتصحيح أوضاعها وفقا للتعديلات؟ هذه أسئلة مشروعة قطعا وتحتاج إجابات من قيادات حزب الحرية والعدالة، ولا علاقة لها بمكايدات سياسية بقدر ما لها علاقة بالمواقف الأخلاقية من نخبة جديدة جاءت بمشروع قائم على إعادة الاعتبار للقانون، ولا يجب أن تكون أول من ينتهكه بعنف يجعل التفريق بينها وبين النخبة التى سبقتها فى الحكم ليس إلا فى الشكل دون المضمون، ولاحظ أن هناك معركة للمجتمع كله مع محاولات «منسوبة» للقوات المسلحة، للحصول على وضع خاص فى الدستور، وإبقاء ميزانياتها خارج رقابة الدولة، فإذا كنا نرفض جميعا ومعنا الإخوان أن يكون الجيش فوق الدولة.. هل نقبل ذلك للجماعة؟!

الاثنين، 13 فبراير 2012

عار.. لا مزيد


لا تحاول أن تنظر إلى ورقة التقويم على حائط منزلك لتتأكد أنك تعيش فى عام 2012، حتى لو عرفت أن عدة أسر مصرية صدر حكم عرفى برعاية رسمية، بتهجيرها من منازلها، وبيع ممتلكاتها، وإخراجها من قريتها عقابا لها على «خطأ» أحد أفرادها.

المؤكد أنك تعيش فى 2012، لكنك لابد أن تسأل الدولة «المجلس العسكرى والحكومة ووزارة الداخلية» إذا كانت مقتنعة مثلك بهذه البديهية أنهم يعيشون فى 2012، وأن تسأل البرلمان بأغلبيته وأقليته، بإسلامييه ويسارييه وليبرالييه إذا كان لدى أحدهم شكوك فى حقيقة الزمن، حتى لو كان لدى البعض منهم هوى وحنين لماضٍ عزيز، فحتى هذا الماضى لا يشبه ما جرى بقرية النهضة بعامرية الإسكندرية، هى أشياء تشبه «الجاهلية» التى جاءت رسالة الإسلام لتخرج الناس منها، وربما تحتاج لقدر من الاعتذار للجاهلية.

مواطن مصرى مسيحى أقام علاقة مع مواطنة مصرية مسلمة، فتشكلت لجنة عرفية بعيدا عن القانون، وبحضور ممثلى الدولة وأجهزتها الأمنية، وممثلين عن الأحزاب السياسية النافذة فى المنطقة، وحكمت اللجنة العرفية فى «دولة القانون» بتهجير ما بين 5 إلى 8 أسر من القرية وتشكيل لجنة لبيع ممتلكاتهم، ومنعهم مجددا من العودة للقرية.

أريدك فقط أن تسأل من أصدروا هذا الحكم ومن تكفلوا برعايته، إلى أى سند فى القانون جاء إذا كان له سند قانونى، وإلى أى سند فى الشرع جاء إذا كان له سند شرعى، وإلى أى سند فى الإنسانية جاء إذا كان له سند إنسانى، إلى أى شريعة سماوية أو أرضية، إلى أى مذهب دينى أو قانونى أو فلسفى، هم يسمونه حكما عرفيا، وأنا أريدك أن تعرف لأى عرف يستند هذا الحكم، خاصة عندما تعرف أن الشرطة التى من المفترض أن تعمل القانون وتنفذه قبلت هذه الصيغة وأجبرت الأسر المسيحية على قبولها تحت تحت زعم أن أحدا لن يستطيع ضمان أمنهم لو لم يقبلوا.

الدولة تتخلى عن مواطنيها بنذالة منقطعة النظير، والمجتمع يتخلى عن أخلاقه ودينه وإنسانيته، برضا يجعله يقبل بعقاب جماعى لم نسمع عنه فى التاريخ الحديث إلا مع الجرائم العنصرية والإدعاءات النازية والصهيونية، أهل: «لا تزر وازرة وزر أخرى» يعاقبون عائلات بأكملها بسبب خطأ شخص، فيما يتصدرون فى قضايا قتل المتظاهرين، مطالبين بقبول الدية والعفو.

دعك من الدولة وتعال للبرلمان المنتخب الذى أقسم على حماية الشعب «كل الشعب» حتى لو أضاف البعض على القسم «بما لا يخالف شرع الله» أو قال آخرون «وحماية أهداف الثورة» إلى كل برلمانى إسلامى يؤمن أنه جاء ليقيم شرع الله، أقم شرع الله فى العامرية، وإلى كل ليبرالى يدعو للمسئولية الفردية، وإلى كل يسارى يدعو للعدالة.. أين شرع الله وأين العدالة فى العامرية؟

إلى كل من يناضلون من أجل شرعية البرلمان ودولة القانون، ألا ترون فى الجلسات العرفية إسقاط للبرلمان والقانون أم أنكم تكيلون بمكيالين مثل كل الطائفيين والنازيين والعنصريين.

ما جرى بالإسكندرية عار على القانون إن جاء باسمه وعلى الإسلام إن استند إليه، وعلى الأخلاق لو احتج بها، وعلى تاريخ مصر وحضارتها وثقافتها، عار على بلد بدأ فيه الإسلام بقول عمر بن الخطاب «إضرب ابن الأكرمين».. وعلا فيه قول الحق: «لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى».. هو أقرب للتقوى.

الضحك مبقالهوش (جلال)


كنت أظنك تمزح حين قلت إنك كما ظهرت فجأة ستختفى فجأة، هل تعرف أن المشكلة الحقيقية أن الجميع كان يظنك تمزح، لم يأخذ أحدا ما تكتبه على محمل الجد، وعندما بدأوا يتلمسون كل الجد بين الضحكات، وكل الحزن بين النكات، وكل الوجع داخل القفشات، كنت تحقق وعدك وتختفى فجأة. 

أعرف أنك غادرت اعتراضا.. مارست عصيانك واحتجاجك بطريقتك، أرادوك مهرجا يبدأون معك اصطباحة الصباح، يضحكون حتى الثمالة، ثم ينتظرون الصباح التالى دون أن يتدبر أحدهم فكرة أو معنى، دون أن يستشعر أحد خطرا أو ينتبه، وأنت يالقدرتك على العبث، مارست معهم كل فنون التسويق، قبلت بدور المهرج أغرقتهم بالنكات والقفشات حتى تعودوا عليها، ثم حرمتهم من كل ذلك فجأة، فاضطروا فى يومين فقط بعد إعلان نبأ رحيلك لمراجعة سطورك واكتشاف معانيها وتدبر الحكمة فيها.

غدا يقرأونك أكثر يا عم «جلال» يعودون إلى مواطن الحكمة فيما كنت تقول، حرمتهم من المهرج وتركت لهم المفكر، عرفوا أخيرا أنهم حين حصروك فى صندوق اسمه «الكاتب الساخر» لا ينتظرون منك بضاعة سوى الضحك، إنك أنت الذى حاصرتهم بالسخرية فأضحكتهم على أنفسهم، وعلمتهم أن السخرية ليست متعة فى حد ذاتها، ليست فعلا ينتهى بالقهقهة وكأنك صاحب «غرزة» يملؤها الدخان المغموس بروائح المزاج، لكنها السخرية من النفس التى تحفز على التفكير لإصلاحها، السخرية من الوطن بهدف استعادته، الضحك على مجريات الأحداث فيما هى تحفر فى القلب جراحا لا تندمل، نقد ذاتى كما يسمونه فى كتب السياسة ولا حل قبل العبور من بوابته، هل يجرى جراح جراحة دون تشخيص.

يقولون إن الكلمة الطيبة صدقة، والبسمة فى وجه أخيك صدقة، وكلمة الحق صدقة، ألهذا إذن غادرت مطمئنا، لكنك إذا شعرت بالإطمئنان لأبديتك، هل اطمأننت على الوطن قبل مغادرتك؟ وقد تركته فى لحظة الخطف التى يقاوم فيها ليعود كما ينبغى أن يكون وطنا لجميع أبنائه يُبنى على العدل، ويكون العدل أيدلوجيته وشريعته ومرجعيته ومشروعه القومى.

نعرف أن كل مخاوفك لم تكن «تخاريف» لكنها رؤية أعمق مما كنا نظن، ورصد دقيق لما جرى من تجريف للإنسان، لأخلاقه وثقافته ووعيه وإرادته وإحساسه بالحياة، ذهبت الضحكة وجاءت الفكرة، «الضحك مبقالهوش جلال ياجدع» لكن حكمتك باقية لمن أراد أن يتدبر.. «ستصير اليوم فكرة، لا سَيْفَ يحملُها إلى الأرضِ اليبابِ، ولا كتابَ.. كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من تفَتُّح عُشْبَةٍ».

هل أقصى الموت محمود درويش أو صلاح جاهين حتى ينجح مع جلال عامر؟!

الأحد، 12 فبراير 2012

الشارع الحى


لا يمكن أن تقرأ أو تسمع بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى صدر وأذيع مساء أمس الأول، وعشية الإضراب دون أن تجزم بأن الإضراب نجح قبل أن يبدأ، لا أعرف ما جرى أمس، أكتب هذه السطور صباحا، لكن سواء خلت الشوارع من المارة بفعل الإضراب أو بفعل الإجازة، سواء احتشد الناس فى المسيرات أم لا، فقد نجحت الدعوة، وكل ما جرى خلال الأسبوع الماضى من حوارات زاعقة وبيانات وتصريحات وفتاوى دينية واحتشاد بين كل المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية السياسية منها والحزبية والدينية، هو دليل على نجاح الدعوة، ودخول الزخم السياسى فى مصر إلى مرحلة أعمق تكفل حماية الديمقراطية بكل معانيها، واستبعاد أى رهان على موت السياسة وموت الشارع مستقبلا.

أنت أمام صراع إرادات يملك الشارع منه نصيبا حقيقيا، فى اللحظة التى أعادت فيه بعض الأطراف الميدانية الفاعلة تموضعها فصارت بحكم الواقع الانتخابى أقرب للسلطة منها إلى الشارع الثورى، ظن البعض أن هذا الشارع فقد قدرته على التأثير بخسارة قوى لا يستهان بها انضمت بشكل شبه رسمى إلى السلطة بمجرد أن صارت لها أغلبية برلمانية تخشى عليها، وطموحا مشروعا فى مواصلة طريق الحكم ترجو بلوغه دون عقبات.

لكن الشارع الثورى بقى حيا وقويا وقادرا على انتزاع التنازلات من العسكر كما كان طوال العام الماضى، هذا الشارع هو الذى يفرض حتى هذه اللحظة أبجديات استكمال الثورة، ولولاه لانتهى الأمر إلى اعتبار أن الثورة قامت وانتهت وحققت انجازها الأول والأخير والوحيد بتنحى الرئيس السابق.

لديك مجتمع كله يتحدث عن الإضراب والعصيان سواء من جانب من يؤيدونه أو من يعارضونه، هذا فى حد ذاته ترويج للمعنى والمصطلح والآلية حتى لو رأى البعض أن هذا الوقت ليس أوانه، كما أن لديك مساحة اتفاق هائلة بين كل القوى السياسية التى أيدت الإضراب أو التى عارضته بشدة، إن الثورة مازالت فى حاجة إلى استكمال، وأن أهدافها لم يتحقق منها سوى بعض المظاهر دون نفاذ لجوهر الأهداف التى التف حولها المصريون، وعندما يتعرف رافضو الإضراب على أن الثورة فى حاجة لاستكمال، فهم يقدمون مشروعية سياسية حقيقية لهذا الإضراب حتى دون أن يشاركوا فيه، مجرد أن تختلف مع الآلية أو الوسيلة أو التوقيت ولا تختلف مع الهدف، فأنت فى صف من يسعى لهذا الهدف حتى دون دعم مباشر.

طرف وحيد لا يعتقد أن الثورة فى حاجة إلى استكمال، هو المجلس العسكرى، الذى يظن أن إجراءاته هى غاية الكمال وغاية النجاح أيضا، وهذا يعكس لك الأزمة التى يعيشها المجلس العسكرى الآن بفعل نشاط الشارع الثورى، والذى جعله المختلف الدائم حتى لو اقتربت منه بعض القوى أحيانا فى بعض مواقف، لكن الإجمال من وراء ذلك أن المجلس العسكرى سياسيا صار فى ضفة بينما غالبية المجتمع بمن أضرب بالأمس ومن رفض فى ضفة أخرى.

نجح الإضراب قبل أن يبدأ.. لأنه أظهر مساحات الاتفاق، وأكد من جديد أن الثورة مستمرة، كما أكد أن الشارع سيبقى حارسا، وهذه رسالة لأى سلطة تكتفى بظواهر الأشياء ولا تقترب من جوهر مطالبه الحقيقية.

الجمعة، 3 فبراير 2012

عن (المشير) أنه قال


«مش عايزين الشعب يسكت ويسيب الناس دى تعمل كده.. أنا بسأل الشعب ساكت عليهم ليه»، هذا ما قاله المشير طنطاوى القائد العام الذى يتولى المسئولية السياسية الأولى فى البلاد عقب مجزرة بورسعيد.

لا أعرف إن كان هذا الكلام قد صدر من المشير عفويا أو بترتيب، لكن المؤكد أن أيا من الاحتمالين يوحى بكارثة، وقبل أن أسهب معك فى ذلك، حاول أن تسأل نفسك سؤالا واحدا باعتبارك من الشعب: ماذا يريد منك المشير؟ وفيما يطلب مشاركتك، ومن هؤلاء الذى يتهمك بأنك «ساكت عليهم»؟

لا يمكن أن تقرأ ما قيل لو افترضت أنه حديث عفوى غير مخطط أو معد مسبقا أو تدخل مستشارون فى توجيهه، سوى أن قائد البلاد تم عزله تماما عن حقيقة الأحداث وطبيعتها، فجاء حديثه أقل من المشاعر الواجبة، وأبعد عن التعاطف المستحق، وأدنى من مستوى خطاب يوجه للأمة فى لحظة كارثية ملطخة بالدم.

قليل من البحث الذى كان من المفترض أن يقدم عليه أى مستشار للمشير خلال الساعات التى فصلت بين اندلاع الأحداث وبين وصول الطائرات العسكرية باللاعبين للقاهرة، كانت ستضع أمامه أن لا أحد يصدق أن ما جرى له علاقة كاملة بالكرة وتشاحناتها، خصوصا أنه من المفترض أن الجمهور البورسعيدى فرح بانتصار فريقه، لكن هناك حديثا متزايدا عن مخطط، واتهاما مباشرا للمجلس العسكرى بتحريض الناس للمطالبة ببقائه عبر تخويفهم من الفوضى، هذا ما يتردد فعلا، فهل كان من اللائق أن يخرج المشير عقب كل ذلك ليخاطب الشعب ويقول له: «إنت ساكت عليهم ليه؟» إذا كان المشير لا يقصد ولم يتابع الأحداث وردود الأفعال عليها بدقة أو لديه مستشارون لم يفعلوا فقد أعطت جملته تأكيدا على ما تردد، فلا يوجد فيها سوى تحريض حقيقى للجماهير بأن تتصدى لأطراف مجهولة حتى المجلس العسكرى نفسه لم يحددها طوال عام، لكنه يتركها لذهنية كل مواطن وكل جماعة، لكن وأنت تتابع حملة الهجوم الممنهج على الثورة والثوار، ستعرف إلى أين يصب هذا التحريض؟

المشير يحرض على حرب أهلية بين الناس، هذه مضامين المفردات التى استخدمها، حتى لو كانت تلك ليست نواياه، وعندما تكون هذه الدعوة مع إبقاء «العدو» مجهولا، أو تركه لاجتهاد كل «مواطن شريف» وتفسيره الخاص، فذلك معناه تأسيسا لفوضى حقيقية يصبح فيها كل الشعب عدوا لكل الشعب، وفى النهاية لا يبقى لنا سوى أن نخرج بالملايين بعد يأس لنطالب باستمرار العسكر، وهو أمر واقع فعلا من جماعات «الأغلبية الصامتة» التى تهدد بالتظاهر حال قيام المجلس العسكرى بتسليم السلطة.

لديك الآن شارع ثورى يتباعد عن البرلمان بفعل فاعل، ويبدو الطرفان وكأنهما أعداء، ولديك انشقاق هائل بين مكونات قوى الثورة، وبين القوى السياسية بعضها لبعض، واستقطابات حادة قسمت المجتمع إلى وحدات وجيتوهات سياسية ودينية ورياضية، ثم غمرت ذلك بانفلات أمنى واستعداء لجماهير الكرة بحشودها وطبائعها المتعصبة على بعضها، وينتهى الأمر بدعوة المشير الشعب ألا يسكت «الآخر»، فلا يسكت الأهلاوى على الزملكاوى، ولا الإسلامى على الليبرالى، ولا المسلم على المسيحى.

هذا تحليل لو كان حديث المشير عفويا وغير مقصود، فما بالك لو حديثه كان مقصودا ومتناغما مع ما جرى من أحداث تبدو ممنهجة وبعيدة كل البعد عن مجرد مباراة كرة قدم؟!.  

الأربعاء، 1 فبراير 2012

جودة نقل السلطة


هل تريد «سرعة» نقل السلطة.. أم «جودة» نقل السلطة.. أم كلتيهما معـًا؟

الأرجح أنك تفضل الاثنتين معا ــ السرعة مع الجودة ــ، لكن الجدل الذى يتنازع البلاد حاليا بين أطراف مختلفة يتحدث كثيرا عن السرعة دون الجودة، الأطراف التى تعتقد أن خروج المجلس العسكرى فى حد ذاته هدف، والأطراف التى تعمل على بقاء المجلس العسكرى أطول فترة ممكنة باعتباره أيضا هدفا فى حد ذاته.

أطراف الأزمة كلها يدورون حول استقطاب أساسى حول سرعة نقل السلطة، لديك ميدان كطرف ثورى لم يعد يثق فى العسكر، وأمامه عام كامل من الممارسات والسياسات التى أفشلت المرحلة الانتقالية، وفرغت الثورة من مضمونها، وعمقت الخلافات والاستقطابات بين الأطراف السياسية، وهذا الطرف الثورى لا يفكر فى «الجودة» بقدر ما يفكر فى التخلص من إدارة العسكر التى لن تأتى من ورائها لا سرعة ولا جودة.

المجلس العسكرى أيضا لا يطرح بقاءه واستمراره حتى يونيو بأى مسار إصلاحى، لا يقدم مشروعا لتحسين جودة نقل سلطة بتصويب المسارات السياسية الخاطئة التى بدأ بها، لكنه يبدو منشغلا بوضعه وقضيته، متشبثا بإعلان دستورى يخرقه ألف مرة، ويصر الآن على أن يكتب الدستور على عينه وفى ظل سلطته قبل انتخاب الرئيس، بمعنى أنه يظهر كمن يقايض بآخر مراحل تسليم السلطة لضمان الدستور الضامن لوضعه.

هناك طرف مدنى كذلك يعتقد أن مواءمات العسكر ومقايضاته ووجوده أثناء كتابة الدستور كقوة سياسية كبيرة، أحد ضمانات مدنية الدولة، ربما يروج لهم العسكر ذلك، وهؤلاء إلى جانب أنهم يتخلون أخلاقيا عن مبدأ ديمقراطى، ينخدعون بسذاجة، لأن التهديد الذى واجهته «مدنية الدولة» بدأ مع العسكر واستمر معهم حتى بات واقعا.

الأغلبية البرلمانية كذلك غير مكترثة لا بسرعة النقل، ولا بجودته، هؤلاء مشغولون أكثر بحماية مكتسباتهم والبناء عليها، وهذا حقهم المشروع قطعا، فلم يحصلوا على هذه المكتسبات بليل أو عبر انقلاب أو سطو، لكن الأغلبية وهى تتحرك متحفظة خشية جرح الوفاق مع العسكرى أو فقد الشارع الثورى، تبدو كمن يسير على حبل مشدود، وتعتقد أن المهم أن يحدث التسليم، فإذا كان بطيئا فقد صبروا 30 عاما ولا ضير من الصبر عدة أشهر أخرى، وإذا كان مفتقرا للجودة التى تتناغم فى حده الأدنى مع الإعلان الدستورى الذى يلزم بانتخاب الرئيس قبل الدستور فلا ضير كذلك، فكل المسارات تصب فى النهاية عند تسلمهم هذه السلطة دون سواهم.

لكن اللافت أنه للمرة الأولى يستند الشارع الثورى على نصوص دستورية مصنوعة فى مطبخ العسكر والإخوان معا وهى مواد الإعلان الدستورى، لذلك فالمعركة هذه المرة شرعية بمعايير الخصوم قبل المعايير الأخلاقية الثورية، فمثلما انتهت إرادة الشعب بجلب أغلبية برلمانية من الواجب احترامها، فقد اختارت إرادة الشعب فى استفتاء مارس أن يأتى الرئيس قبل الدستور، لكن العسكر والإخوان يرفضان اليوم صنع أيديهم.

انتخاب الرئيس قبل الدستور بداية استعادة الجودة، واسألوا فى ذلك طارق البشرى، هى ليست معركة حول المدنية لكنها معركة على الديمقراطية التى لا تستقيم فى وجود عسكر لديهم مطامع «فئوية» فى الدستور، وانحياز الأغلبية ضد ذلك هو انحياز فى الأصل ضد جوهر الديمقراطية.