الثورة كفكرة هى صراع بين الماضى والمستقبل، الماضى ليس فقط وجوه الماضى ولكن ثقافته وطريقة تفكيره، والماضى ليس فقط حاكما بقدر ما هو مفردات واقع سياسى كامل توزعت فيه الأدوار على نخبة كاملة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فصارت كلها جزءا من منظومة الماضى الثقافية والسياسية.
لكن الذى سقط هو واجهة هذا الماضى ليس إلا، فبينما بقيت بقية المفردات كما هى مسيطرة على المشهد، بعضها أعاد تموضعه، من مساحة المعارضة إلى مساحة السلطة، وبعضه مازال يراوح مكانه يقترب من السلطة ويبتعد وفق حسابات لا تخص المستقبل فى شىء.
لديك ثقافة «أبوية» قامت عليها الثورة، لم تكن فقط فى نظام حكم وإدارة، لكنها كانت فى كل شىء، لديك شباب ناهض فى الحركة الإسلامية لديه مفهوم مختلف حول الدولة والمواطنة عن شيوخه، وكان لديه مبادرة مختلفة فى الفعل ورد الفعل، كان أكثر إقداما وأكثر وضوحا وأكثر قبولا للآخر، وأكثر تمردا على السلطة الأبوية داخل تنظيماته، لذلك أنقذ هذه التنظيمات بتمرده وانحيازه للشارع فى لحظة فارقة، لأنه حسب الحسبة بمعايير المستقبل بينما كان المشايخ والقادة يحسبون الحسبة بمعايير الماضى.
أيضا كان شباب الأقباط إلى جوار شباب الحركة الإسلامية، غير مكترثين بسلطة أبوية تقايض بهم الدولة وتنحاز للسلطة أى سلطة، كان التفكير أيضا بمعايير المستقبل وهذا المستقبل لن يأتى إلا بالتخلص من هذه الثقافة التى أدمنت عبادة السلطة أى سلطة، والتعامل معها بحذر واستجداء، والاختلاف معها كذلك بقلق وحساب، هذا المستقبل لن يأتى دون انفتاح على المجتمع ودون ممارسة المواطنة بالأمر الواقع وليس استجداءها فى قوانين وتشريعات.
ولم تكن الأحزاب القائمة فى عهد مبارك سوى جزء من مفردات الماضى بواجهاتها وطرائق تفكيرها، وهى أيضا سقطت أمام مبادرات المستقبل، وأمام تمرد شبابها وانحيازهم للغد، تذكر أن كل القوى السياسية مجتمعة قدمت طلبا لوزير الداخلية فى 2009 من أجل تنظيم مسيرة تضم عشرات الأشخاص تذهب على قصر عابدين لتسليم مطلب بإلغاء الطوارئ، وعندما رفض العادلى عاد كل رئيس حزب إلى مكتبه محترما أن السلطة رفضت الإذن له بالخروج عن السيناريو المألوف.
لكن ما الذى حدث بعد ذلك؟ عادت الثقافة الأبوية أشد قوة وعنفا وسيطرة، صنع حزب المستقبل الإنجاز، وسلمه لحزب الماضى الذى أعاد إنتاج استقطابات مبارك، وفتنه وتصنيفاته، فأنهى حالة التصالح والقبول المجتمعى التى صنعها الشباب فى الميدان بين كل الأطراف، غذى خطاب الكراهية، وأجهض كل تفكير خارج صندوق التصنيفات التقليدية، وفضل أن يفكر للمستقبل أناس ينتمون للماضى.
ستبقى المعركة قائمة إذن بين الماضى والمستقبل، وحين تختفى كل مفردات وواجهات المشهد القديم بسلطته ومعارضته ويحسم الشباب كل فى موقعه المواجهة لصالح المستقبل، وقتها سأقول لك إن الثورة نجحت والوطن تجددت دماؤه وصار يجرى خلف الغد بأدواته وثقافته وانحيازاته ومشروعه أيضا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق