| هل يكفى أن تقرأ أو تسمع أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، وهو يؤكد أن مياه النيل «مقدسة» لتطمئن بالاً على أمنك المائى؟ خاصة فى ظل الرفض الذى تواجهه مصر من دول مبادرة حوض النيل لاستمرار حصة مصر كما هى، ورفض دول المنبع مجتمعة للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التى تحكم حوض النيل منذ عشرينيات القرن الماضى؟ هل تثق فى الأداء السياسى للإدارة المصرية للخروج من هذه الأزمة بكل المكاسب الممكنة؟ سواء الحفاظ على حقوق مصر التاريخية فى مياه النهر، وفى نفس الوقت إظهار قدر من التفهم لمطالب دول المنبع، وإحساسها النفسى بالغبن، وتقديم مبادرات لخلق حالة من التعويض لهذه الدول؟ لك أن تعرف أن الضامن الوحيد لحقوق مصر فى مياه النهر هو إطار قانونى يتمثل فى معاهدتين الأولى تعود لعام ١٩٢٩ وقعتها مصر مع بريطانيا باعتبارها دولة الاحتلال الوصية على دول المنبع فى ذلك الوقت، والثانية اتفاق مصرى سودانى فى عام ١٩٥٩ عقب استقلال السودان عن مصر.. وفى كلتا الاتفاقيتين كان القرار الوطنى لدول المنبع غائباً.. وعقب استقلال هذه الدول تمسكت مصر بمبدأ التوارث الدولى وعدم المساس بحدود ولا اتفاقيات عهد الاستعمار ما لم يتم التوافق على معاهدات بديلة، وفى الوقت نفسه تمسكت هذه الدول بأن لها حقوقاً فى المياه التى تجرى وتنبع من أراضيها، وأنها غير ملزمة باتفاقيات والتزامات الحقبة الاستعمارية. طوال ٤٠ عاماً أو يزيد وتلك المطالب تتصاعد وتظهر وتطفو، تتدخل فيها أطراف خارجية، وتستخدم للاستهلاك المحلى وإثارة النعرات الوطنية فى تلك الدول.. وطوال هذه المدة أيضاً لم تستطع مصر التحرك لمعالجة هذه الحالة من الاحتقان بإجراءات سياسية تتناسب مع أهمية الملف وتأثيره المباشر على الأمن القومى، وتركت وزراء الرى المتتابعين طوال هذه الفترة حلقة التواصل الوحيدة بين مصر وهذه الدول، وهم مع كفاءتهم الفنية من يديرون هذا الملف طوال هذه السنوات ويركزون على التعويضات الفنية فى صورة تمويل مشروعات رى وتوليد كهرباء. الغريب أن منطقة بهذه الأهمية للأمن القومى المصرى تراها غائبة عن دوائر العلاقات الخارجية والاستراتيجية التى تتحرك مصر فى إطارها وتحاول بناءها، فمتى كانت آخر مرة زار فيها رئيس جمهورية مصرى إحدى دول حوض النيل السفلية فى غير اجتماعات منظمة الوحدة الأفريقية التقليدية؟.. هذا الغياب نفسه والتكاسل عن بناء علاقات استراتيجية بمعناها الكامل مع شركائنا فى النهر دليل واضح على أن دائرة حوض النيل غائبة ومتراجعة فى اهتمامات وأولويات السياسة الخارجية المصرية، والمفترض أن تكون هذه المنطقة جزءاً أصيلاً من الحركة المصرية لا يقل فى أهميته عن محيطها العربى بل يزيد. يحتاج بناء علاقات صحية مع دول حوض النيل إلى دور أهم من وزير الرى.. وأبعد من تصريحات وزير الخارجية، يحتاج إلى قيادة تتعامل مع هذا الملف كما تتعامل مع ملف السلام فى الشرق الأوسط بنفس درجة الأهمية والتركيز إن لم يكن أكثر.. أنت تواجه حكومات تشعر بالغبن وتراك تستأثر بثلثى إيراد النهر من المياه بينما تتدفق هذه المياه من أمامهم.. صحيح أن اعتمادهم على نهر النيل فى مواردهم المائية أقل، إلا أن مرحلة كالتى نعيش فيها يتعزز فيها اليقين بأن المياه جزء من الثروات القومية، وحالة الفقر الذى تعانى منه هذه الدول إلى جانب التدخلات الخارجية تجعل جميعها هذا الملف هو الأكثر سخونة أمام الإدارة المصرية والأولى بالتركيز والاهتمام والتحرك الرئاسى، خاصة أن حالة الحكومات التى تشعر بالغبن تنتقل لشعوبها باحساس كبير بالاحتقان والغضب. أنت فى حاجة إذن إلى استراتيجية شاملة لا تتوقف على الدعم الفنى فى مجال الرى والموارد المائية، وتستهدف خلق حالة من الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع هذه الدول وربطها بمصر بعلاقات تعاون وصداقة ومصالح مباشرة يشعر بها المواطن قبل حكومته وتمثل فى جانب منها قدراً من التعويض ونوعاً من التفهم المصرى للاحتياجات التنموية لهذه الدول، وضماناً أكثر أهمية لحقوق مصر التاريخية فى مياه النهر وما يمكن أن تحققه من زيادة فى مواردها من خلال مشروعات الاستفادة من المياه المهدرة. تستطيع أن تبنى جامعات ومدارس فى كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وبورندى.. وفروعاً لجامعة الأزهر هناك.. وأن تتوسع فى المنح التعليمية لطلاب هذه الدول، وأن تمنحهم امتيازات فى الإقامات والسياحة والعلاج.. وأن تحفز رجال الأعمال وهم غالبية أعضاء أمانة السياسات على الاستثمار فى دول الحوض وأن تمنحهم تسهيلات ائتمانية لإقامة مشروعات كبيرة فى هذه الدول تستوعب قوى عاملة وتساعد فى رفع معدلات النمو.. تستطيع أن تبنى مدناً وتجمعات سكانية.. وأن تقدم خبرات تدريبية فى مجالات الأمن والتسليح والإدارة.. تستطيع أن تكون حاضراً فى السياسة والاقتصاد والتعليم والفنون بحركة دؤوب ومستوى تمثيل سياسى هائل وقادر على دفع عجلة هذا «الاستحواذ» المفترض على هذه المنطقة لإبعادها عن استقطابات الأطراف الخارجية وإخماد حالة الاحتقانات الداخلية، بنفوذ متزايد واحترام واضح وشراكة حقيقية ومخلصة. ستقول إن فاتورة ذلك باهظة.. لكنها على المستوى البعيد لن تكون أكثر فداحة من استمرار التوتر والعشوائية فى إدارة أهم ملفات أمننا القومى، وأكثرها تهديداً للحياة.. والتكاسل فى بناء مشروع متكامل لضبط إيقاع المنطقة الجاهزة دائماً للفوران سيجعل هناك احتمالاً قائماً دائماً بأن نصحو من نومنا لنقول: «النيل مجاشى»! |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 22 يونيو 2009
حتى لا نقول: «النيل مجاشى»
الاثنين، 15 يونيو 2009
منْ كان منكم بلا «شماعة»
| ربما كنا الشعب الوحيد الذى يمتلك، باستمرار، «شماعات» يعلق عليها أخطاءه.. أنت تعرف هذا وربما تجد مبررات فى بعض الأحيان لأخطاء تبدو غير واضحة الأسباب تتحمل التفسيرات والتأويلات.. تستطيع أن تجد من يقول لك إن النكسة كانت خطأ كبيراً وعظيماً على المستويين السياسى والعسكرى، وسوء تقدير بالغ للموقف، لكنك تجد من يحدثك عن الفخ الذى نصبته القوى الغربية لعبدالناصر، وتجد من يكاد يقسم بأن النكسة كانت ستقع لا محالة سواء كان عبدالناصر فى الحكم أو غيره، وكأن الهزيمة مسألة قدرية لا يليق أن نلقى بمسؤوليتها على الزعيم الذى تحملها بالفعل واعترف بها فى خطابه. يقولون لك إن معاوية بن أبى سفيان «صحابى جليل» يلحقون اسمه بـ«رضى الله عنه».. وبعضهم يقول «سيدنا».. كان الرجل مقرباً من الرسول الكريم وأحد كتاب الوحى وحفظة القرآن، وهذا يكفى لمنحه هذه الهالة الروحانية.. لكن حديثهم عن معاوية الصحابى يستغل للدفاع عن معاوية الحاكم والسياسى، الذى شرّع التوريث فى الدولة الإسلامية لأول مرة، وأسقط أهم مبادئ الحكم الإسلامى وهو «الشورى»، وأسقط لغة الحوار فى مقابل لغة القوة، ودخل فى مواجهة مع من هو أكرم بالمعيار الروحانى «على بن ابى طالب ونجلاه الحسن والحسين» انتهت بمصرع الثلاثة تباعاً، وحصل على بيعة النخبة لابنه يزيد بالسيف، وأول من استخدم المال فى السياسة، وصنع أجهزة «العسس» لملاحقة المعارضين.. ببساطة يُستخدم معاوية الصحابى «شماعة» لتبرير أخطاء معاوية السياسى والحاكم المستبد. يحدثونك عن أحمد عرابى الذى كاد ينتصر على جيش الإمبراطورية البريطانية ويمنع احتلالاً بريطانياً لمصر دام عقوداً طويلة، لكن خديعة ديليسبس أحبطت جهوده، ذهب الرجل ليغلق القناة فقال له ديليسبس إن القوات الغازية لن تستطيع استغلال المجرى الملاحى الدولى لأن القانون يمنع.. هذا ما روته الكتب المدرسية دون أن تشير إلى أن هذا الزعيم المناضل أخطأ خطأ مصيرياً، وسقط بسذاجة مفرطة فى خداع لا يليق بقائد عسكرى ولا بمشروع سياسى يؤهل نفسه لقيادة وطن فى لحظة تاريخية فارقة. تعيش فى وطن يمر بأزمة تلو أخرى.. ومأزق وراء مأزق.. تخسر شركة فيغير رئيس مجلس إدارتها سكرتيرته.. وتحدث كارثة أمنية فيقيل وزير الداخلية مأمور قسم المنطقة التى وقعت فيها الكارثة.. يرسب حزب فى الانتخابات فيغير زعيمه رئيس تحرير جريدة الحزب.. يتورط معارض فى فضائح أخلاقية وجنائية فيتهم النظام بتلفيق الاتهامات للقضاء عليه.. تتراجع دولة بكل مقوماتها اقتصادياً وسياسياً فتتزايد التعديلات الوزارية ويتبدل الوزراء. حتى فى مباريات كرة القدم.. يحاول نقاد ورياضيون يمتلكون من رجاحة العقل ما يكفى لـ«منطقة» الأمور.. إقناعك أننا خسرنا مباراتنا مع الجزائر بسبب وجبة «كسكسى» تناولها اللاعبون قبل المباراة وأثرت على الفريق، وأن إدارة اتحاد الكرة الجزائرى رتبت وجبة «الكسكسى» مع سبق الإصرار والترصد، للتأثير على أداء الفريق المصرى.. لم يقل أحد إننا كنا الأسوأ، ولا نستحق الفوز.. مع مراعاة أن المباراة شاهدها الجميع ولمسوا من خلال مشاهداتهم كل ما يجعل فوز الجزائريين منطقياً ولازماً.. لكنه فشل ومكابرة فى الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية.. وكل فشل عندنا تلزمه «شماعة».. فمن كان منكم بلا شماعة فليسارع بتجهيز واحدة. |
الاثنين، 8 يونيو 2009
لا تنتظروا أوباما المصرى
٨/ ٦/ ٢٠٠٩ |
| أنت منبهر بما جرى تحت قبة جامعة القاهرة، منبهر برشاقة الرجل وحضور ذهنه، منبهر بخطابه وتسامحه وتصالحه، بلغته ووضوحه واتزانه، بقصته وتاريخه وصعوده، أنت منبهر بكل شىء.. وهذا حقك، لكنك إذا عدت إلى عدة أشهر ماضية، ستجد أن الانبهار الحقيقى يجب ألا يكون بـ«أوباما» بقدر ما يجب أن يكون بـ«كفاءة» الشعب الأمريكى ونخبته، الذين دفعوا أوباما إلى صدارة المشهد فى توقيت حاسم، ولحظة فارقة. عاشت الولايات المتحدة ٨ سنوات لن تنساها فى تاريخها مع الإدارة السابقة، التى هبطت بسمعة الولايات المتحدة إلى أدنى مراحلها، وهبطت بشعبيتها إلى آخر مستوياتها، وزادت من كراهية الأمريكيين فى العالم كله، وتجاوزت كل الخطوط الأخلاقية التى بنت عليها الولايات المتحدة سمعتها فى العالم وفى أذهان الشعوب، كمجتمع للحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان، فتحولت إلى إدارة حرب فى الخارج، ونظام بوليسى فى الداخل، وأفرطت فى تصنيف الأعداء، وزيادة قوائمهم.. وفى النهاية دخلت بالمجتمع فى حائط صلب، اسمه «الأزمة المالية». فى تلك اللحظة الفارقة.. كان أمام الولايات المتحدة كشعب «خياران»، إما مواصلة الانحدار، أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولم تكن الرغبة فى التغيير قراراً لأوباما أو غيره، لكنه كان اختيار مجتمع حى تقوده نخبة عالية الكفاءة، أدركت طبيعة المحنة الأخلاقية التى سقطت فيها البلاد، والمطلوب بالتحديد لعبورها. لم يكن أوباما على الإطلاق أهم أسود فى تاريخ الولايات المتحدة ولا أكثرهم موهبة.. لكنه كان الاختيار المناسب فى هذه اللحظة بالتحديد لاستعادة كل ما فقدته الولايات المتحدة، وهو اختيار ينم عن ذكاء وحيوية النخبة التى دفعت به، وينم عن تفهم المجتمع الذى منحه تأييده فى صناديق الاقتراع. مهدت سياسات جورج بوش لأوباما طريقه للبيت الأبيض.. ووضعته الاختيار الوحيد أمام تلك النخبة التى لا تشغلها عن المصالح الحقيقية للبلاد أى أهواء، فهو أسود.. والولايات المتحدة تواجه اتهامات بالتمييز، ومن أصول إسلامية.. والولايات المتحدة تواجه اتهامات بالعداء للإسلام والمسلمين، وأستاذ قانون.. وانتهاكات حقوق الإنسان تلطخ سمعة وثوب البلاد، وفى النهاية قصة كفاح ونجاح تجسد الحلم الأمريكى بكل عناصره، وتعيد الاعتبار لهذا الحلم القائم على مجتمع الفرص العادلة والمتكافئة ودعم المبادرات الشخصية. أنت أمام حالة انبهار فى جميع الأحوال.. ولا يمكن أن تغفل مواهب الرجل وقدراته على الأداء، بما عزز اختياره المصيرى لهذه المهمة، لكن ما يستحق القدر الأكبر من هذا الانبهار، هو ذلك المجتمع الكفء والحيوى، وتلك النخبة التى تملك بوصلة حقيقية لوضع بلادها، فتقودها فى الاتجاه الصحيح، والنتيجة واضحة وظاهرة، حيث ربح رهانهم على أوباما، واستعادت الولايات المتحدة فى عدة أشهر ما فقدته من سمعتها ووضعها الأخلاقى فى ٨ سنوات. أنت أيضاً، إلى جانب انبهارك، تحلم حلماً، المؤكد أنه مشروع، بأن يأتى أوباما المصرى ليمد يده للجميع بتصالح ملائكى، ويعيد استكشاف مكامن القوة الناعمة بحيويته.. وأنا أفترض معك أن هذا الأوباما موجود لأن مصر ولّادة كما تعرف.. لكن هل نمتلك نخبة قادرة على الدفع به لأداء الدور المصيرى المطلوب منه والذى تأخر كثيراً، هل نملك الوعى الذى يجعل صناديق الاقتراع تنحاز للحلم، هل نملك هذا المجتمع الكفء والحيوى الذى يعرف ماذا يريد وكيف يتصرف فى اللحظات الحاسمة ليعيد الأمور إلى نصابها برشد؟! لدينا أوباميون كثيرون خارج دائرة الضوء، لكننا نفتقد التربة الخصبة.. وحتى نستصلح تربتنا ونمهدها ونغير ما بأنفسنا .. لا تنتظروا أوباما المصرى.. على الأقل فى المدى القريب. |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)