الثلاثاء، 31 يناير 2012

المشير يصل أخيرًا


كعادة السلطة فى مصر، أى سلطة تصل متأخرة، بالأمس وصل المشير متأخرا جدا، قال جملة ليست عابرة: لا أستطيع أن أقول إن هناك مصريا خائنا، لكنهم «مش فاهمين»، لا يعترف المشير فقط بحسن نوايا معارضيه، وأنهم على الأقل مختلفون معه سياسيا ولديهم وجهات نظر تصطدم بوجهة نظره ورؤى المجلس العسكرى الذى يرأسه، لكنه يردم على عام كامل من التخوين المباشر الذى مارسه جنرالاته ضد الثوار والميدان بجماعاته وأطرافه.

ارفع من مضبطة العام الماضى كل اتهامات التخوين والتخريب والربط المباشر بين الثوار والأجندات الأجنبية المعادية، ثم انظر إلى المشهد ككل، لتكتشف أنه صار أقل توترا وأقل عنفا، لك أن تنظر إلى جندى القوات المسلحة الذى كان موجودا عند ماسبيرو وقت «مذبحة الدهس» أو عند محمد محمود وقت «مذبحة الفقع» أو عند مجلس الوزراء وقت «مذبحة التعرية» وما سبق ذلك فى العباسية أو غيرها، كان ذلك الجندى يعتقد من حديث قادته أن هؤلاء المحتشدين فى الشوارع خونة وكفرة، وعملاء للأعداء، فكان العنف المفرط والوحشى الذى واجه به الثائرين دون أن يهتز له جفن وهو يقتل ويدهس ويسحل ويُعرى النساء، معتقدا أنه يفعل ذلك باسم الدين والوطن.

قلت لك إن المشير كغيره من الحكام وصل متأخرا عاما كاملا، وأراد أمس الأول أن يبدأ من نقطة البناء، إن ما ترونه من تنازعات وتجاذبات هى وجهات نظر متباينة، من حقه أن يعتبر معارضيه ومخالفيه «مش فاهمين» طالما أنه معتقد برؤى محددة ومؤمن بحسن نواياه، وبحسن نوايا الأطراف الأخرى التى ليست خائنة على الإطلاق كما قرر، لكن ليس من حقه أن يردم بذلك على عام مضى، أو يعتقد أن القتل الذى حدث خلال عهده فى مواقع مختلفة وأغلبه موثق تليفزيونيا كان أيضا وجهات نظر، الموت ليس وجهات نظر، وإذا كان من حقك أن تقول إن معارضيك ليسوا خونة لكن مش فاهمين، فليس من حق أحد أن يدعى أن رجالك الذين أُزهقت الأرواح على أيديهم ليسوا «قتلة» ولكن «مش فاهمين».

جزء من التوتر الحالى الذى يسيطر على المشهد راجع فى البدء لأداء المجلس العسكرى ولغته فى التعامل مع الميدان والثورة وعن الثورة، هو أول من تحدث عن التخوين، وأول من وجه الاتهامات بالعمالة، وادعى فى كل مرة أنه يمتلك المعلومات وسيثبت اتهاماته ولم يفعل شيئا طوال عام مضى، ولم يقدم دليلا واحدا على ادعاءاته.. ورغم كل ذلك فالمؤكد أنها كارثة على المستوى السياسى أن يصل القائد متأخرا، لكن ذلك يهون أمام كارثة أكبر هى ألا يصل على الإطلاق.


 جملة اعتراضية

بما أننا لسنا خونة لكننا قد نكون «مش فاهمين».. نتمنى من المشير أن يفهمنا، كيف سلم السلطات التشريعية لمجلس الشعب المنتخب، وكيف أصدر قانون الرئاسة بمرسوم بعد انعقاد البرلمان؟!.. أليس من حق الجميع إذن أن يكونوا «مش فاهمين»؟!

الاثنين، 30 يناير 2012

الإخوان الجدد


ليس من اللائق مطلقا أن يحاول البعض مهما كانت درجة اختلافه مع جماعة الإخوان المسلمين أن ينكر أنها كانت شريكة فى الثورة، دعك من ارتباك قادتها المسجل على صفحات الصحف والمواقع يومى 24 يناير و25، لكن شبابها الذين كانوا أكثر حماسة وصدقا وإيمانا لا يليق بمنصف إنكارهم.

على الجانب الآخر ليس من اللائق أن تصدر الجماعة، بيانا يكاد ينسب الثورة للإخوان، ويقطع أن المصريين ما كان لهم أن يثوروا أو يشموا ريح الثورة لولا وجود الإخوان.

حاولت الجماعة الرد على حملة هجوم عنيف فيها من المبررات الوجيهة والمزايدات أيضا، فلجأت إلى المزايدة دون أن ترد بهدوء على كثير من المبررات الوجيهة التى بنا عليها الكثير من الثوار العقلاء موقفهم الجديد من الجماعة التى رأوها تعمل منفردة وتتبنى انحيازات لا تليق بطرف ثورى كان جزءا من الثورة.

لكن ذلك لا يمنع أن المواجهة التى حدثت فى الميدان بين شباب الثورة وشباب الجماعة، وتطورها لشجار واعتداء بدنى، يجب ألا يفرح بها خصوم الإخوان، ويجب أيضا ألا يتركها عقلاء الميدان للمرور والتراكم بما يجعلها بداية لمواجهات فى الشارع بين التيارات السياسية.

هذا فى حد ذاته تطور خطير إذا لم يواجه بإدانة قاطعة ورفض وتعهد بعدم التكرار، ربما ينقل حالة الاشتباك السياسى الذى من المفترض أن يدور فى سياق تبادل الأفكار وتبادل النقد أيضا مع قسوته، لتصبح تبادلا للكمات والضربات فى الشوارع، بما يمهد لخلق فوضى حقيقية أو حروب شوارع أهلية لن يستفيد منها إلا بقايا الاستبداد.

تستطيع ببساطة أن تقول وهذا حق إن الإخوان يسعون لبلوغ ذات المحطة التى يسعى خلفها الثوار لكن من طريق آخر، ربما يعتقدون أنه أقل خطورة أو أقل زحاما أو أكثر تنظيما، وأن تتبادل معهم النقد فى هذا الإطار، لكنك لابد أن تفهم الفارق الكبير والجوهرى بين الإخوان فى 25 يناير 2011، والإخوان الجدد بحكم الموقع السياسى فى 25 يناير 2012، وأن تفهم سلوك الإخوان من منطلق هذا الفارق الكبير، فقبل عام كانت الجماعة طرفا فى تحرك ثورى يبحث خلف أهداف وطنية عامة، وبعد عام صار لدى الجماعة مكسب سياسى كبير وخاص بها دون باقى قوى الثورة، وصار أحد المحددات التى تدافع عنها، وهذا ينعكس فى حالة التوتر التى تنتابهم كلما سمعوا هتافا عن الثورة المستمرة، وكأن استمرار الثورة يعنى بالضرورة استهداف مكتسباتهم.

صارت للجماعة مكتسبات تسعى لحمايتها، وطموح مشروع مرتكز على هذه المكتسبات تسعى للبناء عليه، مثلها مثل المجلس العسكرى الذى يحاول أن يدافع عن وضعه ومكتسباته، لذلك تتحرك بعد عام من الثورة فى إطار مصالح التنظيم أولا.

هذه هى الأزمة وهذا هو الاختبار الحقيقى الذى تواجهه الجماعة وستبقى تواجهه كلما تمكنت من الحصول على المزيد من كعكة السلطة، الوطن أم التنظيم؟، وقطعا سيكون خطأ فادح لو استمرت بسياسة التنظيم أولا، وسيكون خطأ أكثر فداحة لو اعتقدت أن مصالح التنظيم هى بالضرورة مصالح الوطن، فتحتكر مفهوم المصلحة مرة أخرى مثلما كانت تفعل كل الأنظمة السابقة!

الإخوان الجدد


ليس من اللائق مطلقا أن يحاول البعض مهما كانت درجة اختلافه مع جماعة الإخوان المسلمين أن ينكر أنها كانت شريكة فى الثورة، دعك من ارتباك قادتها المسجل على صفحات الصحف والمواقع يومى 24 يناير و25، لكن شبابها الذين كانوا أكثر حماسة وصدقا وإيمانا لا يليق بمنصف إنكارهم.

على الجانب الآخر ليس من اللائق أن تصدر الجماعة، بيانا يكاد ينسب الثورة للإخوان، ويقطع أن المصريين ما كان لهم أن يثوروا أو يشموا ريح الثورة لولا وجود الإخوان.

حاولت الجماعة الرد على حملة هجوم عنيف فيها من المبررات الوجيهة والمزايدات أيضا، فلجأت إلى المزايدة دون أن ترد بهدوء على كثير من المبررات الوجيهة التى بنا عليها الكثير من الثوار العقلاء موقفهم الجديد من الجماعة التى رأوها تعمل منفردة وتتبنى انحيازات لا تليق بطرف ثورى كان جزءا من الثورة.

لكن ذلك لا يمنع أن المواجهة التى حدثت فى الميدان بين شباب الثورة وشباب الجماعة، وتطورها لشجار واعتداء بدنى، يجب ألا يفرح بها خصوم الإخوان، ويجب أيضا ألا يتركها عقلاء الميدان للمرور والتراكم بما يجعلها بداية لمواجهات فى الشارع بين التيارات السياسية.

هذا فى حد ذاته تطور خطير إذا لم يواجه بإدانة قاطعة ورفض وتعهد بعدم التكرار، ربما ينقل حالة الاشتباك السياسى الذى من المفترض أن يدور فى سياق تبادل الأفكار وتبادل النقد أيضا مع قسوته، لتصبح تبادلا للكمات والضربات فى الشوارع، بما يمهد لخلق فوضى حقيقية أو حروب شوارع أهلية لن يستفيد منها إلا بقايا الاستبداد.

تستطيع ببساطة أن تقول وهذا حق إن الإخوان يسعون لبلوغ ذات المحطة التى يسعى خلفها الثوار لكن من طريق آخر، ربما يعتقدون أنه أقل خطورة أو أقل زحاما أو أكثر تنظيما، وأن تتبادل معهم النقد فى هذا الإطار، لكنك لابد أن تفهم الفارق الكبير والجوهرى بين الإخوان فى 25 يناير 2011، والإخوان الجدد بحكم الموقع السياسى فى 25 يناير 2012، وأن تفهم سلوك الإخوان من منطلق هذا الفارق الكبير، فقبل عام كانت الجماعة طرفا فى تحرك ثورى يبحث خلف أهداف وطنية عامة، وبعد عام صار لدى الجماعة مكسب سياسى كبير وخاص بها دون باقى قوى الثورة، وصار أحد المحددات التى تدافع عنها، وهذا ينعكس فى حالة التوتر التى تنتابهم كلما سمعوا هتافا عن الثورة المستمرة، وكأن استمرار الثورة يعنى بالضرورة استهداف مكتسباتهم.

صارت للجماعة مكتسبات تسعى لحمايتها، وطموح مشروع مرتكز على هذه المكتسبات تسعى للبناء عليه، مثلها مثل المجلس العسكرى الذى يحاول أن يدافع عن وضعه ومكتسباته، لذلك تتحرك بعد عام من الثورة فى إطار مصالح التنظيم أولا.

هذه هى الأزمة وهذا هو الاختبار الحقيقى الذى تواجهه الجماعة وستبقى تواجهه كلما تمكنت من الحصول على المزيد من كعكة السلطة، الوطن أم التنظيم؟، وقطعا سيكون خطأ فادح لو استمرت بسياسة التنظيم أولا، وسيكون خطأ أكثر فداحة لو اعتقدت أن مصالح التنظيم هى بالضرورة مصالح الوطن، فتحتكر مفهوم المصلحة مرة أخرى مثلما كانت تفعل كل الأنظمة السابقة!

الأحد، 29 يناير 2012

أعلى من الرئيس


هل هناك من هو أعلى من رئيس الجمهورية سياسيا أو وظيفيا فى الدول الديمقراطية الرئاسية؟ وهل هناك من هو أعلى من رئيس الحكومة سياسيا ووظيفيا فى الدول الديمقراطية البرلمانية؟ هذه أسئلة ربما لها إجابات بديهية، لكن البعض من قيادات الإخوان المسلمين يصر دائما على إخراجها من بديهيتها وتحويلها إلى «لوغاريتم سياسى» جديد.  قبل أسابيع كما تعرف قال محمد بديع مرشد الإخوان إن «منصب المرشد أعلى من منصب الرئيس من حيث الأمانة والمسئولية»، ويومها اعتبر البعض أن من يتوقفون أمام هذا المعنى يتصيدون للرجل، الذى قصد غير ما تم فهمه، رغم وضوح المعنى فى الجملة التى ترفع رأس «جماعة فى الوطن» ليكون على رأس كل الوطن، رغم أن كل الوطن لم يشارك فى اختياره، وإنما هو اختيار أعضاء جماعته فحسب.  لكن المتحدث باسم الإخوان محمود غزلان، وهو قيادى بارز فى الجماعة ومكتب إرشادها، قال مثل ذلك بالأمس حين تصدى لدعوة الشيخ يوسف القرضاوى، الذى حاول فيها ترويج عبدالمنعم أبوالفتوح كمرشح رئاسى داعيا الإخوان لدعمه، قال غزلان وبوضوح، إن جماعته فيها كوادر وقيادات تصلح لمنصب الرئيس وما هو أعلى منه. المسألة إذن أبعد من سوء الفهم، وأعمق من الجمل والكلمات العابرة، والأرجح أنها تعبر عن فهم حقيقى على الأقل عند مشايخ الإخوان أو بالتعبير السياسى «الحرس القديم» والذى ينتمى له بديع وغزلان وأغلب أعضاء مكتب الإرشاد، وهؤلاء لديهم مفهومهم الخاص للدولة الوطنية ربما باعتبارها جزءا من كيان أكبر، وهو فى جميع الأحوال وباعتراف شباب وجيل الوسط فى الجماعة أنفسهم، مفهوم تجاوزه الزمن، لذا فإن المشروع السياسى للحزب الخارج من رحم الجماعة يتعامل بمنطق مختلف فى إطار الدولة الوطنية وخصوصيتها.

لكن الممارسة أثبتت أن الحزب هو الجماعة والجماعة هى الحزب، وما كانوا يقولونه عن الانفصال بينهما، وأن الجماعة لأعضائها بينما الحزب لكل المصريين مسألة فيها حديث يطول، فكل قرارات الحزب وانحيازاته ومواقفه تصدر من مكتب الإرشاد، وبعد العرض على مجلس شورى الجماعة، أى أن الكلمة العليا خارج مؤسسات الحزب، وبعيدا عن النواب الذين انتخبهم الشعب، وفى يد أشخاص غير منتخبين إلا من زملائهم داخل الجماعة.

هذا نمط يرضى المنخرطين فى الحزب والجماعة ربما لا يحق لنا التدخل فيه، لكن هل من حق حزب أو جماعة، أن تفرض مفهومها على شكل الدولة المستقر والمتفق عليه، بخلق كيانات فوق الدولة وفوق ممثليها المنتخبين، قطعا ليس من حقها لكن ما يصدر عن الجماعة يذهب لذلك، رغم أن ما يصدر عن الحزب قد ينفى ذلك، لكن عندما يكون القرار فى يد تنظيم غامض وغير خاضع لأى شكل قانونى، بمعنى أنه خارج الدولة من الأصل، يكون القلق مشروعا وواجبا، خاصة أنك تعرف أن أول مشروع لحزب إخوانى صدر فى عهد مهدى عاكف زمن مبارك، دعا لمرجعية دينية تعلو مؤسسات الدولة، وتعرف أيضا أن الدولة الجمهورية الرئاسية الوحيدة التى تملك موقعا سياسيا أعلى من الرئيس هى دولة «المرشد» الدينية فى إيران..!

الأحد، 22 يناير 2012

أن يكون برلمانا.. وأن يُنسب للثورة


هل سيحضر المشير طنطاوى الجلسة الأولى لمجلس الشعب، لمجرد افتتاحه كأى رئيس جمهورية، يخطب فيصفق له النواب، ثم يحولون خطابه إلى لجنة مشتركة من عدة لجان لدراسته باعتباره منهجا للعمل الوطنى فى المرحلة المقبلة، أم ليسلم بوصفه رئيس المجلس العسكرى سلطة التشريع والرقابة على الحكومة للبرلمان الجديد القادم بإرادة الجماهير.

النية من وراء حضور المشير، سواء كان سيحضر الجلسة الإجرائية أو التالية لها، المسألة لم تحسم بعد، هى التى ستحدد عدة أشياء قد تجعلك تفهم ما أنت مقبل عليه من خطوات، الرجل الذى تولى مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلطة التشريع والرقابة إلى جانب سلطات رئيس الجمهورية، مطالب نظريا ودستوريا وإجرائيا بتسليم البرلمان المنتخب سلطاته وصلاحياته كاملة، هذا هو الاختبار الحقيقى الذى يمكن أن تعتقد أن المشروع السياسى المصرى يمر به حاليا.

هذا على المستوى النظرى والدستورى كما قلت لك، لكن على المستوى السياسى لا يبدو أن ذلك سيحدث، تعرف أن السياسة على الأقل حين تحدث التفاهمات بين قواها الأساسية ومحركيها المفصليين لا تكترث كثيرا بالمسائل الإجرائية، وربما الدستورية أيضا، ولك فى التعامل مع الإعلان الدستورى المثل فى هذا الانتهاك حين تتطلب السياسة انتهاكه، والاحترام حين تفرض ضروراتها أيضا احترامه.

لديك قوى سياسية رئيسية قد تجد نظريا أن من مصلحتها ممارسة حقها الكامل فى إدارة البرلمان وتسلم كامل صلاحياته، لكن الكتل الأساسية منها لا تجد سياسيا أى ضرورة لذلك، وتفضل الاستمرار فى السير على قضبان المجلس العسكرى، ربما كجزء من سياسة محايلته حتى يستكمل باقى استحقاقاته، أو لأنها تتوجس من أن أطراف أخرى تحاول أن تدفعها فى اتجاه المطالبة بصلاحيات كاملة للبرلمان فتصطدم بالمجلس العسكرى وتخرج خاسرة، أو لأن تفاهمات حقيقية حدثت مع المجلس جعلت مصالح الطرفين «الأغلبية البرلمانية والمجلس العسكرى» واحدة ومتطابقة، وهو ما يبدو ظاهرا من تناغم مواقفهما من قضايا تسليم السلطة أو حتى اتفاقهما على مبدأ الاحتفال الشكلى بذكرى الثورة دون تقييم حقيقى يتوجب لوم الأطراف التى عطلت مسيرة الثورة وضيعت عاما كاملا من عمرها دون تحقيق شىء يذكر على مستوى حقوق الشهداء أو المعيشة، ووسط تنكيل غير مسبوق بالحريات والحركات الحقوقية وإفراط فى المحاكمات العسكرية للمدنيين، ومجازر فى حق المتظاهرين انتهت جميعها دون متهمين حقيقيين يمكن محاسبتهم.

لكن رغم كل شىء فالبرلمان الذى سيجتمع غدا فى شكله الجديد هو تعبير حقيقى عن حدوث تغيير جوهرى أطاح بأغلبية وجاء بأخرى، وانتهى به الأمر إلى تمثيل أكثر من 23 حزبا كان من الصعب دخولهم البرلمان قبل الثورة، لكن هؤلاء جاءوا بدماء الشهداء، ولا تستطيع أن تزعم أنه برلمان الثورة قبل أن ترى منه انحيازا حقيقيا لهذه الثورة ولأهدافها الأساسية، وأول انحياز هو أن يتمسك البرلمان بسلطاته وصلاحياته، وأن يتسلمها من المشير يوم خطابه كاملة غير منقوصة، وبدون ذلك لا يمكن أن يكون برلمان، ولا يمكن أن ينتسب للثورة.

السبت، 21 يناير 2012

على سُنة الشهداء


رغم طغيان «الفلكولور» على المزاج الدينى المصرى إلا أن هناك قواعد فقهية تعتقد فى أن كثيرا من الطقوس المصرية فى احتفالات المولد النبوى الشريف مثلا نوع من «البدع»، خاصة تلك التى تختزل مناسبة عظيمة كمولد الرسول الكريم، فى «عروسة وحصان حلاوة»، جزء من هذه القواعد الفقهية يستند إلى أن أفضل الاحتفال بالشخص هو إحياء أهدافه والتحلى بصفاته والمضى فى تحقيق أحلامه، والاحتفال بمولد الرسول عليه صلاة الله وسلامه، لابد أن يمتد لإحياء سنته، والاقتداء بحسن معاملاته، ومقاصد منهجه فى الحياة، الذى يوازن بين التيسير فى الدنيا، والفلاح فى الآخرة.

لا يمكن اختزال الاحتفال بالمولد النبوى فى «الحلوى»، كما لا يجب اختزال مولد المسيح عليه السلام فى «شجرة الكريسماس» دون تدبر فى دعوة المسيح ذاتها، وأن تسأل نفسك ما الذى تحقق منها وما الذى نفتقده فى ممارساتنا من تعاليمه.

الأمر نفسه ينسحب على الثورة، كيف تسمح للبعض أن يختزل الثورة فى احتفال وأشعار وأغانى، وأن يجرك إلى احتفالات صاخبة وهدايا وفقرات فنية وأهازيج، دون أن يقترب بك من جوهر هذه الثورة وما تحقق من أهدافها وما لم يتحقق ومن المسئول عن عدم تحققه.

الشهداء كالرسل والأنبياء لهم رسالة ومنهج وُسنة مع فارق التشبيه لم يموتوا بين خيط الصواب وخيط الخطأ، لكن هناك قيما بعينها قصدوها، ومطالب واضحة رفعوها، وهدفا يخصك ويخصنى ويخص كل المصريين سعوا خلفه وبذلوا من أجله الروح والدم، واحتفالك بصنيعتهم دون أن تقتدى بـ«سنتهم» وأن تفتش عما تحقق من أحلامهم، وأن تحاسب من تكاسلوا فى حق دمائهم، ومن أفرغوا مشروعهم الرائد من مضمونه حتى مر عليه عام كامل فانتهى إلى لا شىء.. «لا عيش تحقق ولا حرية ولا عدالة اجتماعية».

هؤلاء الذين يحاولون إغراقك فى الاحتفالات والكرنفالات وكأن الثورة انتهت وحققت كل ما هو مطلوب منها، يريدون أن يجعلوك كالمسلم الذى لا يعرف عن سنة نبيه شيئا ولا يقتدى به، لكنه يشترى الحلوى فى المولد ويهادى الآخرين بها، أو كمسيحى لا يطبق من تعاليم المسيح شيئا فى معاملاته، ويسارع لتعليق الأمنيات على شجرة الكريسماس.

الثورة ليست «حصان حلاوة» نأكله بعد الاحتفال، ولا شجرة كريسماس تذبل ويتضاءل وهجها بعد أيام، الثورة كتاب وسنة ومنهج، ولأجل ذلك كان الدم وكانت التضحيات، والاحتفال بها لا يكون إلا بإحياء هذه السنة، والسعى خلف ما لم يتحقق ومحاسبة المتباطئين والمتواطئين، احتفل بالثورة بتجهيز إجابة شافية لأولئك الذين هم «أحياء عند ربهم يرزقون» حين تجد علامة الاستفهام تطل من عين كل واحد فيهم، تبحث عن دمه وعن هدفه وعن الحلم الذى أخلص له من أجلك ومن أجل أبنائك.

الذين يريدون صرفك عن عقيدتك الوطنية بـ«البدع»، يريدونك أن تحتفل بهدف سجله فريقك فى الشوط الأول بصخب وتأكد من انتصاره وكأن المباراة انتهت، فتنسى الشوط الثانى.. و«صفارة الحكم».

على سُنة الشهداء


رغم طغيان «الفلكولور» على المزاج الدينى المصرى إلا أن هناك قواعد فقهية تعتقد فى أن كثيرا من الطقوس المصرية فى احتفالات المولد النبوى الشريف مثلا نوع من «البدع»، خاصة تلك التى تختزل مناسبة عظيمة كمولد الرسول الكريم، فى «عروسة وحصان حلاوة»، جزء من هذه القواعد الفقهية يستند إلى أن أفضل الاحتفال بالشخص هو إحياء أهدافه والتحلى بصفاته والمضى فى تحقيق أحلامه، والاحتفال بمولد الرسول عليه صلاة الله وسلامه، لابد أن يمتد لإحياء سنته، والاقتداء بحسن معاملاته، ومقاصد منهجه فى الحياة، الذى يوازن بين التيسير فى الدنيا، والفلاح فى الآخرة.

لا يمكن اختزال الاحتفال بالمولد النبوى فى «الحلوى»، كما لا يجب اختزال مولد المسيح عليه السلام فى «شجرة الكريسماس» دون تدبر فى دعوة المسيح ذاتها، وأن تسأل نفسك ما الذى تحقق منها وما الذى نفتقده فى ممارساتنا من تعاليمه.

الأمر نفسه ينسحب على الثورة، كيف تسمح للبعض أن يختزل الثورة فى احتفال وأشعار وأغانى، وأن يجرك إلى احتفالات صاخبة وهدايا وفقرات فنية وأهازيج، دون أن يقترب بك من جوهر هذه الثورة وما تحقق من أهدافها وما لم يتحقق ومن المسئول عن عدم تحققه.

الشهداء كالرسل والأنبياء لهم رسالة ومنهج وُسنة مع فارق التشبيه لم يموتوا بين خيط الصواب وخيط الخطأ، لكن هناك قيما بعينها قصدوها، ومطالب واضحة رفعوها، وهدفا يخصك ويخصنى ويخص كل المصريين سعوا خلفه وبذلوا من أجله الروح والدم، واحتفالك بصنيعتهم دون أن تقتدى بـ«سنتهم» وأن تفتش عما تحقق من أحلامهم، وأن تحاسب من تكاسلوا فى حق دمائهم، ومن أفرغوا مشروعهم الرائد من مضمونه حتى مر عليه عام كامل فانتهى إلى لا شىء.. «لا عيش تحقق ولا حرية ولا عدالة اجتماعية».

هؤلاء الذين يحاولون إغراقك فى الاحتفالات والكرنفالات وكأن الثورة انتهت وحققت كل ما هو مطلوب منها، يريدون أن يجعلوك كالمسلم الذى لا يعرف عن سنة نبيه شيئا ولا يقتدى به، لكنه يشترى الحلوى فى المولد ويهادى الآخرين بها، أو كمسيحى لا يطبق من تعاليم المسيح شيئا فى معاملاته، ويسارع لتعليق الأمنيات على شجرة الكريسماس.

الثورة ليست «حصان حلاوة» نأكله بعد الاحتفال، ولا شجرة كريسماس تذبل ويتضاءل وهجها بعد أيام، الثورة كتاب وسنة ومنهج، ولأجل ذلك كان الدم وكانت التضحيات، والاحتفال بها لا يكون إلا بإحياء هذه السنة، والسعى خلف ما لم يتحقق ومحاسبة المتباطئين والمتواطئين، احتفل بالثورة بتجهيز إجابة شافية لأولئك الذين هم «أحياء عند ربهم يرزقون» حين تجد علامة الاستفهام تطل من عين كل واحد فيهم، تبحث عن دمه وعن هدفه وعن الحلم الذى أخلص له من أجلك ومن أجل أبنائك.

الذين يريدون صرفك عن عقيدتك الوطنية بـ«البدع»، يريدونك أن تحتفل بهدف سجله فريقك فى الشوط الأول بصخب وتأكد من انتصاره وكأن المباراة انتهت، فتنسى الشوط الثانى.. و«صفارة الحكم».

الخميس، 19 يناير 2012

بفعل فاعل


بعد عام على الثورة، لا تستطيع أن تقول إنها نجحت، كما لا تستطيع قطعا أن تقول إنها فشلت، تستطيع أن تحصر المكاسب والخسائر وأن تقارن بين ما تحقق وما لم يتحقق وتعتبره فى الطريق إلى هذا التحقق.

هذه طريقة ربما تريحك وتخرجك من أسر الانحيازات، وتظهرك فى ثوب محايد يرى الواقع بعيون تستطيع إدراك الأبيض والأسود، دون أن تركز على لون وتتجاهل الآخر.

لكن هؤلاء الذى يستغرقون فى الحساب بالأرقام للوقوف فى المنتصف، وإقناعك أنهم مع الثورة ومع المجلس العسكرى فى ذات الوقت، يتفهمون مبررات القوى الثورية الغاضبة لأن هناك ما لم يتحقق بعد، كما يلتمسون العذر للمجلس العسكرى لأن هناك ما تحقق فعلا، يفوتهم أن المناخ جزء من المكسب السياسى الذى تحقق بعد الثورة، لكن تمت خسارته بفعل فاعل يوما بعد يوم.

الفوارق بين اللحظة التى آلت فيها الثورة المصرية لنجاح جزئى بالخلاص من مبارك وإجباره على التنحى، واللحظة التى يستعد فيها المصريون للاحتفال بالذكرى الأولى يكاد يكون شاسعا، سواء فى الروح المجتمعية ذاتها، أو حتى فى الإيمان بالثورة وأهدافها ومبادئها.

تستطيع أن تختلف على المجلس العسكرى، ارتكب أخطاء وله حسنات، لكنك لا يجب أن تغفل وأنت تعدد له الحسنات لتلتمس له العذر فيما بعد، أنه مارس وبمنهجية واضحة وعبر وصل الأحداث ببعضها سياسات لا يمكن أن تراها إلا وتجزم أنها تستهدف تكفير الناس بالثورة، وتكفيرهم بالثوار، وتشويه كل كيان أو شخص أو فكرة أو شكل رفض الانضواء تحت لواء خططه ومفهومه عن مستقبل الدولة والمجتمع.

نجح المجلس العسكرى فى أن يحاكم الثورة، وأن يدفع الناس ليتساءلوا ماذا تحقق لنا من ورائها، وماذا تأثر فى حياتنا ومعيشتنا، رغم أنه الذى يحكم، وهو المسئول عن تحقيق الأهداف العاجلة للثورة سواء تلك التى لها علاقة بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل والثروة عبر ضبط الأجور، وإقرار الضرائب التصاعدية، أو ما يتعلق بتصحيح أخطاء الماضى الأمنية، واستعادة حقوق الشهداء وأموال المصريين.

حاول العسكر ضبط فوران الثورة فى إطار خطة إصلاح، والفارق كبير كما تعرف بين الإصلاح الذى يبقى على ذات النظام بوجوه جديدة وبذات الآليات والثقافات وأنماط الانحياز، وبين الثورة التى تعيد التأسيس مستهدفة هذه الأنماط والثقافات والانحيازات التى ثار عليها الناس.

الخسارة الكبرى للثورة هى أنها خسرت مناخها وزخمها بفعل فاعل كما قلت لك، والاحتفالات الكرنفالية بذكراها الأولى بينما لم تكتمل أهدافها بعد، هو جزء من محاولات تفريغها من مضمونها، وإسدال ستار حولها، وكأنها حدث عابر فى تاريخ مصر، ومضى وقته وربما نجده بعد وقت فى الكتب المدرسية مثل سائر الثورات التى قامت وجرى الانقسام حولها.. فانتهت دون إنجاز كامل على الأرض.  

الأربعاء، 18 يناير 2012

اختبار 25 يناير


تتعامل الدولة المصرية فى شكلها الباقى وبوجوهها الحاكمة مع 25 يناير المقبل باعتباره اختبارا حقيقيا، وتنظر لما يتم الإعداد له من قبل القوى الثورية باعتباره تهديدا واضحا لها ولسيطرتها، أنت الآن أمام فريقين كل منهما يعمل فى اتجاه يحاول أن يعيد عقارب التقويم عاما كاملا للخلف، لديك قوى ثورية مر عليها عام 2011 بمزيد من الإحباط رغم نجاحها فى تنحية الرئيس السابق، وقدرتها على الضغط حتى أودع قفص الاتهام مع نفر من أركان حكمه.

لكن النظام الذى لم يبنه مبارك بقدر ما ورثه حاول أن يبقى ويتشبث بالحياة ويكاد ينجح فيما اجتهد من أجله، ونجح فى لحظة ملتبسة أن يقنع الجماهير بأن الثورة نجحت حين تلا عمر سليمان خطاب التنحى المقتضب، وأن تلك هى نهاية «الفيلم السعيدة» التى يجب أن تصفق معها الجماهير وتغادر قاعة السينما سعيدة بما رأت وسمعت.

هل قامت الثورة من أجل إسقاط شخص اسمه مبارك، أو لأن الثوار كانوا يكرهون جمال مبارك، أو تستفزهم «أحزمة» أحمد عز العريضة التى كان يزين بها خصره، قطعا أنت تعرف أن ذلك غير حقيقى فلم تقم الثورة لإسقاط الأشخاص ولا حتى لإسقاط النظام بكل أركانه وفقط، لكنها امتلكت مشروعا شاملا يتخطى حدود الإصلاح السياسى، وهذا المشروع يكاد يتبخر اليوم وبعد مرور عام على هذه الثورة، ربما لأن «ربان السفينة» بتعبير البرادعى أراد ذلك، أو لأن القوى السياسية تنازعت وتطلعت لمعارك جانبية للظفر بمقاعد برلمانية بلا صلاحيات حقيقية، أو لأن قوى الثورة نفسها كانت رومانسية أكثر من اللازم، فلم تستطع أن تترجم أفكارها وتوحدها وتمثيلها العريض لكل الفضاء السياسى من إسلامييه لليبرالييه ليسارييه، فى مشروع حركة يستجيب لتحديات الواقع فى الوقت الذى يتمسك فيه بطموحات المشروع الشامل للتغيير.

أنت فى لحظة يسمونها فى لعبة «الدومينو» «القفلة»، وهى اللحظة التى تتعقد فيها المنافسة، وتجد «الجيم» يقف عند نقطة لا فائز فيها ولا خاسر، لا أنت قادر على استكمال اللعب، ولا مقاومة هذا الشلل سوى بهدم «الطاولة» وإعادة رص قطع الدومينو من جديد.

لديك دولة بتحالفاتها القديمة مع بقايا النظام السابق، وتحالفاتها الجديدة مع نظام جديد يتشكل، تخوض حربا تشويهية كبيرة ضد الثورة ورموزها وخطابها، وهى حرب ممنهجة بامتياز، يقابلها حشد للنزول يوم 25 يناير لتجديد الثورة، وتأكيد سيرورتها، أو حتى لإطلاق واحدة جديدة تتجاوز أخطاء الماضى.

هذه المرة أمامك لاعبان كلاهما يحمل خبراته خلف ظهره، لاعب فجر ثورة نجحت فى جزء منها، ولاعب احتوى ثورة وفرغها من داخلها ونجح فى جزء منها، هذه المرة لست أمام شباب مغامر «على باب الله» ونظام متعجرف خلف وهم قوته، أنت أمام طرفين كلاهما يملك الخبرة الميدانية فى مجاله، أحدهما يملك مصالح مع الماضى يستميت للدفاع عنها، والآخر يملك مصالح مع المستقبل يستميت لبلوغها.

● عن نجيب محفوظ عن الشيخ عبدربه التائه أنه سُئل: كيف تنتهى هذه المحنة، فقال: إن خرجنا سالمين فهى الرحمة.. وإن خرجنا هالكين فهو العدل!

اختبار 25 يناير


تتعامل الدولة المصرية فى شكلها الباقى وبوجوهها الحاكمة مع 25 يناير المقبل باعتباره اختبارا حقيقيا، وتنظر لما يتم الإعداد له من قبل القوى الثورية باعتباره تهديدا واضحا لها ولسيطرتها، أنت الآن أمام فريقين كل منهما يعمل فى اتجاه يحاول أن يعيد عقارب التقويم عاما كاملا للخلف، لديك قوى ثورية مر عليها عام 2011 بمزيد من الإحباط رغم نجاحها فى تنحية الرئيس السابق، وقدرتها على الضغط حتى أودع قفص الاتهام مع نفر من أركان حكمه.

لكن النظام الذى لم يبنه مبارك بقدر ما ورثه حاول أن يبقى ويتشبث بالحياة ويكاد ينجح فيما اجتهد من أجله، ونجح فى لحظة ملتبسة أن يقنع الجماهير بأن الثورة نجحت حين تلا عمر سليمان خطاب التنحى المقتضب، وأن تلك هى نهاية «الفيلم السعيدة» التى يجب أن تصفق معها الجماهير وتغادر قاعة السينما سعيدة بما رأت وسمعت.

هل قامت الثورة من أجل إسقاط شخص اسمه مبارك، أو لأن الثوار كانوا يكرهون جمال مبارك، أو تستفزهم «أحزمة» أحمد عز العريضة التى كان يزين بها خصره، قطعا أنت تعرف أن ذلك غير حقيقى فلم تقم الثورة لإسقاط الأشخاص ولا حتى لإسقاط النظام بكل أركانه وفقط، لكنها امتلكت مشروعا شاملا يتخطى حدود الإصلاح السياسى، وهذا المشروع يكاد يتبخر اليوم وبعد مرور عام على هذه الثورة، ربما لأن «ربان السفينة» بتعبير البرادعى أراد ذلك، أو لأن القوى السياسية تنازعت وتطلعت لمعارك جانبية للظفر بمقاعد برلمانية بلا صلاحيات حقيقية، أو لأن قوى الثورة نفسها كانت رومانسية أكثر من اللازم، فلم تستطع أن تترجم أفكارها وتوحدها وتمثيلها العريض لكل الفضاء السياسى من إسلامييه لليبرالييه ليسارييه، فى مشروع حركة يستجيب لتحديات الواقع فى الوقت الذى يتمسك فيه بطموحات المشروع الشامل للتغيير.

أنت فى لحظة يسمونها فى لعبة «الدومينو» «القفلة»، وهى اللحظة التى تتعقد فيها المنافسة، وتجد «الجيم» يقف عند نقطة لا فائز فيها ولا خاسر، لا أنت قادر على استكمال اللعب، ولا مقاومة هذا الشلل سوى بهدم «الطاولة» وإعادة رص قطع الدومينو من جديد.

لديك دولة بتحالفاتها القديمة مع بقايا النظام السابق، وتحالفاتها الجديدة مع نظام جديد يتشكل، تخوض حربا تشويهية كبيرة ضد الثورة ورموزها وخطابها، وهى حرب ممنهجة بامتياز، يقابلها حشد للنزول يوم 25 يناير لتجديد الثورة، وتأكيد سيرورتها، أو حتى لإطلاق واحدة جديدة تتجاوز أخطاء الماضى.

هذه المرة أمامك لاعبان كلاهما يحمل خبراته خلف ظهره، لاعب فجر ثورة نجحت فى جزء منها، ولاعب احتوى ثورة وفرغها من داخلها ونجح فى جزء منها، هذه المرة لست أمام شباب مغامر «على باب الله» ونظام متعجرف خلف وهم قوته، أنت أمام طرفين كلاهما يملك الخبرة الميدانية فى مجاله، أحدهما يملك مصالح مع الماضى يستميت للدفاع عنها، والآخر يملك مصالح مع المستقبل يستميت لبلوغها.

● عن نجيب محفوظ عن الشيخ عبدربه التائه أنه سُئل: كيف تنتهى هذه المحنة، فقال: إن خرجنا سالمين فهى الرحمة.. وإن خرجنا هالكين فهو العدل!

الثلاثاء، 17 يناير 2012

غنيم (الثورة)


كان البرادعى مرشح قوى الثورة، قد يكون لدى الكثير تحفظات على أدائه والفرص التى جاءته وأضاعها لقيادة التيار الثورى بكفاءة تمكنه من التنافس والحضور، لكن الرجل كان حاضراً فى صناعة التغيير والتبشير به والترويج له، ودفع أثماناً حقيقية بسبب ذلك قبل الثورة وبعدها، لكنه لم يستطع أن يوحد قوى الثورة، وأن يصوغ معها مشروعاً سياسياً قادراً على المنافسة بقواعد اللعبة التى تم فرضها على الجميع، وهى مسألة تم تداركها فى الانتخابات البرلمانية فى اللحظات الأخيرة، ونجحت قوائم «الثورة مستمرة» رغم ضيق الوقت والإمكانات فى تحقيق نتائج جيدة كانت ستكون أفضل بكل تأكيد لو توحدت كل قوى الثورة من البداية وجرى التخطيط لها فى إطار مشروع سياسى يستجيب للواقع الممكن قبل المفترض.

لكن قوى الثورة فقدت مرشحها الذى إن تحفظ البعض على أدائه، فلا أحد يتحفظ على ولائه لمشروع هذه الثورة وأهدافها، وأمام هذه القوى حسبما هو متاح ويطرح أن تنقل تأييدها لمرشح من اثنين إما عبدالمنعم أبوالفتوح بما يمثله من حالة تصالحية بين القوى السياسية، وحمدين صباحى بما يمثله من حضور فى قلب المعارضة المصرية، لكن الأرجح أن هذه القوى لابد أن تبدأ معركة الرئاسة هذه المرة مبكراً ولا تقع فى ذات الخطأ الذى وقعت فيه مع الانتخابات البرلمانية، ولابد أن تنافس وفق آليات الواقع بالتوازى مع نضالها فى الميادين لتصحيح مسار الثورة، وهذا يحتاج أولاً التوافق على اسم مرشح يجمع ولا يفرق، وفى هذا المجال لا أجد أسطع من اسم الدكتور محمد غنيم للتوافق حوله، فهو من قلب عملية صناعة التغيير فى مصر طوال سنوات سبقت الثورة، وهو أحد آباء قوى الثورة الفاعلين فى الشارع بحيوية تفتقدها كل التيارات المدنية والثورية، وهو مؤسس فى الجمعية الوطنية للتغيير، وصاحب أداء إدارى مجرب عبر مشروعه الرائد فى إدارة مركز الكلى بالمنصورة، هو فى فكر اليسار يمثل العدالة الاجتماعية بامتياز، فهو صاحب ترجمة لمبدأ العلاج المجانى المتميز للجميع، وهو فى الفكر الإسلامى يمثل بامتياز مفهوم الإسلام المقاصدى الذى يبحث عما ينفع الناس، والإسلام الأخلاقى الذى يرفع من قيمة حسن المعاملات، وهو ترجمة لأمل الوحدة الوطنية بمعناها الحقيقى وبروح طبيب لا يميز بين مريض مسلم ومريض مسيحى، وهو منتم للمشروع الديمقراطى بآلياته وقناعاته وقيمه، وخاض معركة ناجحة بقائمة «الثورة مستمرة» فى المنصورة، وصاحب رؤية إدارية حازمة وذات كفاءة وإنجاز.

الثورة تحتاج نموذج «غنيم» وحماسه وإيمانه ومهنيته وأداءه غير المترفع على الجماهير.

هو إذن مرشح من قلب الشارع وأوجاعه وآلامه، ومن قلب المعارضة التى واجهت مبارك لسنوات، ومن قلب قوى الثورة التى صنعت التغيير، ومن قلب مشروع تصحيح مسار الثورة وحماية أهدافها وتعظيم مكتسباتها، لديه الدأب على العمل فى الشارع، خلفه تاريخ ومواقف وطنية ومهنية وإنسانية تصد أى ادعاءات، أو تكفير، وفرصة للتوافق الحقيقى على مرشح من داخل الوجع ومن قلب الحلم.

الاثنين، 16 يناير 2012

بين (الفردوس) و(ريح الجنة)


جزء من خلفيات سحب البرادعى لترشيحه المعلن للرئاسة، أفهمه فى ضوء ما كتبته هنا خلال اليومين الماضيين، حول عقدة «وضع الجيش فى الدولة» أو ضمانات الجيش فى الدولة بوصف آخر، قبل الثورة كان بناء الدولة المصرية له عمود فقرى رئيسى هو القوات المسلحة، ليس فقط لأنها درع الوطن وحاميته كما هو معروف ومتفق عليه، ولكن لأن دورها السياسى لم ينقطع طوال 60 عاما بشكل أو بآخر، فمن ناحية كانت تقدم فى كل مرة رأس الدولة المنتمى لها وظيفيا وعقيديا، وتقدم لهذه الدولة قياداتها فى أغلب المواقع، وعندما كان رأس الدولة بكل صلاحياته المطلقة فى الدساتير المتعاقبة منذ يوليو 52، جزء منها فلم يكن هناك أى هاجس لدى هذه المؤسسة يدفعها لمحاولة «دسترة» وضعها، لأنها بحكم الواقع هى الرقم الصعب فى المعادلة السياسية.

لكن بعد الثورة يحاول المصريون إلى جانب الحفاظ على عمودهم الفقرى كدرع وحامى للوطن، إنشاء مسار سياسى مدنى يوازى هذا العمود الفقرى، ويرتكز عليه الوطن داخليا وخارجيا، عبر دستور حديث يستوعب كل أبناء الوطن، وآلية ديمقراطية تضمن مشاركة الجميع فى القرار، لننتهى إلى وطن للجميع كما نتمنى.

لكن أمام معادلة المدنى والعسكرى، قفز لغم «وضع الجيش» ودارت حوله تفاهمات وتوافقات وتنازعات أيضا، لكن الراجح أن هذا الجدل انتهى بتوافق مع القوى الأساسية الرابحة فى الانتخابات البرلمانية على نزع فتيل هذا اللغم، ولو بتنازل الشعب عن جزء مهم فى أحلامه بحياة مدنية كاملة يخضع فيها الجميع لمساءلة الشعب ورقابته عبر برلمانه المنتخب، ويدخل فيها الجميع تحت مظلة الدستور، وتدخل القوات المسلحة داخل هذا الدستور تحت مظلة السلطة التنفيذية، بوضع يحميها من التسييس ويبقيها جهازا وطنيا مهنيا محايدا فى السياسة وملكا لشعبه كل شعبه، وتحت رهن الشرعية الدستورية بمعناها المرتكز على إدارة الجماهير.

للرسول الكريم حديث شريف يقول فيه: «إذا سألتم الله الجنة فأسألوه الفردوس»، ومع الفارق فى التشبيه قطعا، سقطت القوى السياسية بين تيارين أحدهما يطلب «الفردوس» بمعنى إلحاحه على بلوغ «الديمقراطية» كما ينبغى أن تكون، والثانى تيار لا يقبل فقط بـ«الجنة» لكنه قد يقبل بـ«ريحها» ويسعى لتدريج قد يمر بمراحل من المكابدة قبل بلوغها.

البرادعى من فريق الفردوس، الذى لا يقبل أنصاف الحلول وقد كان من قبل سقوط مبارك واضحا فى خطابه، وكان يتمنى البناء «على نظافة» بعد الثورة ويعرف تماما أنه لا يمكن قيام حياة ديمقراطية سليمة فى حضور مؤسسة عسكرية فى قلب الجدل السياسى، لذلك انقطعت الصلات بينه وبين العسكر، ولم يطرح يوما أنه توافق معهم على شىء خارج أفكاره المعلنة، وربما كان إحساسه بابتعاد البلاد عن «الفردوس الديمقراطى» والقبول بـ«ريح الجنة» أحد أسباب ترجله، وليس كلها قطعا.

قد يكون كلا الطرفين على صواب من يطلب الفردوس ومن يرضى بقليل من ريح الجنة كخطوة بديلة للصدام، أحدهما مسار أخلاقى للنهاية، والثانى مسار برجماتى يرجو بلوغ ذات النهاية التى يرجوها الأخلاقيون بأسلوب مختلف ومتدرج.. لكن المسار الثانى سيبقى طوال الوقت مهددا ومعرضا للانتكاس، وفى تواريخنا الانتكاس يعنى أجيال وأجيال ومساحة كبيرة من عمر الزمن..!

الأحد، 15 يناير 2012

صفقة (مائدة الطعام)


لا توجد فى مصر أزمة سياسية أعمق من مسألة «وضع الجيش»، كل ما يثار حولك من زوابع ومشاحنات على عناوين أخرى، هى أشياء تخرج من رحم هذه الأزمة لتعود إليها، لا تحتاج نفاذا فى الكواليس لتعرف أن هناك من أعضاء المجلس العسكرى من يفكر فى البقاء، أو على الأقل ينزع إلى ضمان حضور قوى فى الدولة الجديدة بما يجعل موازين القوى كما هى، ولا تحتاج نفاذا فى الكواليس لتعرف أن هناك قوى سياسية تشجع على ذلك وتريده، إما لكسب مساحة مفترضة أثبتت الانتخابات أنها غير مترجمة فى الشارع، أو نكاية فى آخرين، أو حتى التصرف بحسن نية بالغ، تحت اعتقاد أن الجيش وحده هو من يستطيع ضمان مدنية الدولة ودستورها الحاكم.

الحديث المتزايد عن الصفقات، وعن الخروج الآمن ومثل هذه الأشياء دليل آخر على أن المعركة هى معركة إرادات، يملك فيها المجلس العسكرى أوراق ضغط حقيقية وقوية، فأولا هو الذى يمسك بالسلطة فعليا، وثانيا لديه بحكم الأمر الواقع الذى لا يمكن نفيه شعبية فى الشارع، على الأقل وسط جماعات «الاستقرار» وما أكثرهم فى مصر، وهى شعبية يلوح بها فى كل مأزق، من تلويحه بإجراء استفتاء على البقاء، وحتى ما سربه لكارتر فى لقائه الأخير بهم بأن الاستفتاءات ستكون حاضرة.

لكن القوى السياسية تملك الشرعية الجديدة، التى جاءتها عبر صناديق الاقتراع مجتمعة بإسلامييها وليبرالييها، لكن قدرة المجلس العسكرى على انتهاج سياسات أدت إلى تفتيت هذه القوى، وأبعدت بين الشارع وبين تأسيس تيار رئيسى مصرى متنوع قادر على مجابهته بندية، جعلت هذه الشرعية الديمقراطية تنضوى باتفاق أو دون اتفاق تحت مظلة الإرادة العسكرية المباشرة.

فرض العسكر إرادتهم حين قالوا إن البرلمان الجديد سيكون بلا صلاحيات ولن يشكل الحكومة، ورغم ما ساد الأجواء من جدل ورفض إلا أن التحالفات السياسية انتهت إلى التنازع على رئاسات اللجان فى البرلمان الجديد، دون الحكومة التى خفت الحديث عنها بإعلان الإخوان تأييد حكومة الجنزورى.

كذلك يتجه العسكر إلى فرض إرادتهم فى مسألة إعداد الدستور قبل الرئيس، فوجودهم فى قلب المعادلة أثناء وضع الدستور يختلف قطعا عن إعداده بعد تسليم السلطة لرئيس مدنى بعد البرلمان، وانتهى الأمر إلى أن القوى السياسية جميعها ضحت بالإعلان الدستورى الواضح فى هذا المجال، وقبلت تغيير خريطته لإنفاذ إرادة العسكر، وربما قبلت مشاركته فى التوافق على شخص الرئيس القادم.

بقيت معركة وحيدة وحاكمة هى وضع الجيش فى الدستور الجديد، ورؤية العسكر فيها واضحة وموجودة فى مواد «وثيقة السلمى» التى تخطئ كثيرا لو اعتقدت أنها ماتت.

يجهز العسكر مائدة الحكم، لمن يشتهى طعمه منذ عشرات السنوات، وبعد أن يشاهد الطعام ويقترب منه ويفتح فمه، ستوضع أمامه الشروط ليوقعها، وسيوقعها لأن البديل هو نضال ربما يبعده تماما عن حدود المائدة.. وقاكم الله شر الجوع «الكافر».

السبت، 14 يناير 2012

لوغاريتمية الجيش


يقول قادة المجلس العسكرى إنهم سيسلمون السلطة كاملة، ويضمنهم رئيس الوزراء، ورئيس المجلس الاستشارى، ومرشحون للرئاسة، لكن شباب الثورة لديهم شكوك فى هذه النوايا، وجيمى كارتر قالها قبل يومين واضحة إنه يتشكك فى تسليم الجيش لكل السلطة، وقبل هذا وذاك كانت «وثيقة السلمى» والرجل نفسه على السلمى خرج ليؤكد أن المادتين 9 و10 فى هذه الوثيقة وضعهما الجيش بنفسه لضمان وضع خاص له فى الدولة الجديدة وحصانة تمنع عنه المساءلة والمحاسبة والمراقبة، وأمام كل ذلك خرجت من مكتب الإرشاد أصوات تتحدث عن منح الجيش وضعا خاصا أو تتحدث عن ترتيبات حصانة وخروج آمن.

وبين هذا وذاك تقف القوى السياسية مرتبكة وعاجزة، لكن بعضها يلح فى تعزيز الدعوات نحو بقاء الجيش فى قلب المعادلة السياسية، وهناك توافق على ذلك تبدو من بين السطور الخارجة من أفواه قيادات الأغلبية الجديدة، وحديث عن خروج تدريجى للجيش يستغرق عشر سنوات، يبدأ فيه العسكرى مشاركا فى السلطة حتى ولو ومن وراء ستار، وصاحب كلمة فصل فى مسألة الدستور، وتنتهى بعد عشر سنوات بالخروج الكامل حين تكون مجموعة المجلس العسكرى قد تأمنت تماما، وتكون القوة الجديدة نجحت فى فرض مشروعها الذى قد يمتد لاحقا للجيش.

الإخوان أغلبية برلمانية جاءت باختيار شعبى نزيه، لكنها لا تحاول أن تستفيد من هذا التفويض، تفضل ألا تخوض معركة مع الجيش وكأنها تعرف أن الصناديق لن تحميها، وما حصلت عليه من أصوات جزء منه يرجع لشعبية الجيش نفسه، وربما رضاه عنها، لكنها تخون الديمقراطية وتخون إرادة الجماهير حين لا تتمسك بتشكيل الحكومة الديمقراطية، وحين تقرر دعم حكومة الجنزورى، فى إذعان واضح للعسكرى الذى عبر عن ذلك فى تصريحات الملا، التى تم نفيها لكن أثبتت الأيام صحتها.

حزب النور الذى حصل على نصيب لا بأس به ربما ما زال ينطلق من أدبياته التى تعتبر العسكرى ولى الأمر، أو الإمام المؤقت، ويتحرك بمحاذاة مواقفه، لكن المصيبة الأكثر فى «القوى المدنية» التى تتعامل اليوم مع الجيش وكأنه الضامن الوحيد والباقى لمدنية الدولة، فتدعم حتى ولو من أسفل السطور بقاءه أو وجوده كصاحب «فيتو» سياسى حتى بعد تسليم السلطة، وهيمنته على وضع الدستور، وهذه خيانة أخرى للديمقراطية.

من المسئول إذن عن هذا الوضع؟ كل القوى السياسية مجتمعة «الليبراليون واليسار» الذين فشلوا فى مجابهة الإسلاميين فى الشارع فتحركوا باتجاه ضرب كرسى فى كلوب الديمقراطية، والإسلاميين الذين خاضوا انتخابات ديمقراطية وفق معايير ليبرالية ودستور مدنى، فأفزعوا الجميع بتصريحاتهم المتربصة بالدولة المدنية، ودفعوا قطاعات كثيرة للارتماء فى حضن الجيش والتشبث به باعتباره آخر ضامن للدولة المدنية، وهو ارتماء منح الجيش إحساسا بعدم صعوبة فرض إرادته بوضوح، فاضطر الإسلاميين لتقديم التنازلات له حفاظا على مكاسبهم الانتخابية، وكنوع من التقية فى انتظار التمكين.

لا تصدق إذن أحاديث التحالفات والإستقطابات والأغلبية وغيرها، المعركة الأساسية على الجيش ومع الجيش، هذه كلمة السر فى الأزمة السياسية وحلها كان يحتاج توحدا مدنيا عاما يمنح للمواطن قبل غيره الثقة بأن هذه القوى السياسية قادرة على خوض معاركه، وعندما ثبت أمامه أنها قوى عاجزة عن التوافق والمستقبل معها ضبابى، دخل الجيش لملء هذا الفراغ باعتباره عنوان الاستقرار التقليدى، والأرجح أنه الطرف الوحيد الذى يملك هدفا محددا ويسعى إليه بوضوح ودون إفصاح.  

الجمعة، 13 يناير 2012

استفت قلبك


يروى عن الإمام الحسن البصرى أن رجلا من أهل العراق ذهب إليه عشية موت الحجاج بن يوسف الثقفى، حاكم العراق فى ذلك الوقت، وذراع الخليفة الأموى القوية، وسفاح الدولة الأموية بلا منازع، وصاحب مذبحة المدينة، وقاتل عبدالله بن الزبير، والمجرم الذى قذف الحرم المكى بالمنجنيق.

أقبل الرجل على الإمام، وسأله: يا إمام: «قلت لصاحبى فور سماعى نبأ موت الحجاج إنه فى النار، ولما عارضنى بدعوى عدم الاطلاع على الغيب أقسمت (طلاقا بائنا) بأن الحجاج فى النار.. فماذا أفعل بيمينى، وما موقف زواجى شرعا؟».

فكر الإمام كثيرا فى الأمر، وكانت الحيرة تستبد به.. الرجل أقسم طلاقا على زوجته، ومطلوب أن يتأكد من مصير الحجاج، إن كان فى النار يكون اليمين صحيحا، وإذا كان فى الجنة يقع اليمين وتصبح زوجته «طالقا»، وفجأة وجدها الإمام وكأن وحيا أتاه من السماء وقال للرجل: «اذهب يا هذا فوالله لو دخل الحجاج الجنة.. ما ضرك أن تلقى الله زانيا».

لم يكن الحسن البصرى قاضيا أو إماما معزولا عن مجتمعه، كان جزءا منه، مندمجا فيه ويعرف أزماته ومشاكله وآلامه، يعرف المصلحين والمتجبرين، يعرف المفسدين والناصحين، يعرف قساة القلب والصالحين، لذلك لم يتعامل مع أزمة الرجل الذى لاذ به بتجرد، ولم يخضع أقواله لقانون الإفتاء الشرعى الصارم، لم يطبق عليه قاعدة «١ + ١ يساوى ٢» لم يقل له أقسمت يمينا صعبا أداءه وإظهار صدقه من كذبه. وفى النهاية أصدر حكما متوافقا مع القانون «نصا وروحا» ويحل مشكلة الرجل ويحمى زوجته، ويستشعر حقيقة مجتمعية عليها إجماع كامل من الرأى العام، وهو إجماع لمسه الإمام الحسن البصرى بنفسه، وعاشه وتعايش معه، وشاهده بعينيه، وأحسه بقلبه.

المؤكد إذن أن من ينظرون للمخلوع وكأنه برىء من أى مسئولية عن قتل المتظاهرين وعن ثلاثين عا.ما من الإفساد والتجريف والانهيار، لديهم أزمة حقيقية قبل أن تكون فى عقولهم التى ترفض حتى المسائل الحسابية الصارمة، وتحاول أن تلتمس للرجل عذرا بأنه حسب ادعائهم كان لا يعرف، دون أن يفهموا أن هذه جريمة فى حد ذاتها تستوجب إدانته، لديهم أزمة حقيقية أيضا فى ضمائرهم وأخلاقهم، التى تجعلهم ينحازون لباطل واضح.

قد تكون أوراق القضية مختلفة عن الواقع، من حق القضاة أن يحكموا بما لديهم من أوراق، لكن للرأى العام حسابات أخرى، ولعقلى وعقلك حسابات أخرى، فالمسألة فيما يخص المخلوع لا تتعلق فقط ببضعة أيام قتل فيها المتظاهرون، لكنها تتعلق بثلاثين عاما كل مصرى عاش خلالها كان شاهدا على سبب من أسباب الإدانة.

المؤكد أن هؤلاء المدافعين عن مبارك ينتظرون ما تصدره المحاكم من أحكام، لكنهم لا يعرفون أن فى قضايا الشعوب لا تصلح أحكام القضاة فى رد اعتبار من سقط أمام الشعب، ودلائل إدانته مرسومة على الأجساد وفى جراحات الصدور، والمؤكد أنهم لم يستوعبوا كل ما سبق، وإلا لفعلوا مثل الحسن البصرى، واستفتوا قلوبهم فوجدوا اليقين.

الخميس، 12 يناير 2012

«العوا» و«البشرى»


لم يتحدث د.محمد سليم العوا عن الإعلان الدستورى هذه المرة، ولا عن إرادة الجماهير التى أعلنت عنها فى استفتاء مارس، لم يتحدث عن الإرادة الشعبية التى يجب احترامها كما كان يفعل قبل شهور مضت.

العوا أفصح عن رأيه فى وضع الدستور قبل إجراء انتخابات الرئاسة، وقال إن الأحزاب والقوى والمجلس الاستشارى الذى يتمتع بعضويته متفقون على ذلك، دون أن يعود ليشهر فى وجوههم سيف الإعلان الدستورى كما كان يفعل عند معركة «الدستور أولا أم البرلمان».

والعوا هنا هو مجرد نموذج لكل من أثاروا الدنيا قبل شهور فى اتجاه التباكى على الإعلان الدستورى، والدفاع عن إرادة الجماهير التى عبرت عنها فى صناديق الاستفتاء، وعندما جاءت لحظة مختلفة على هواهم أو على هوى توافقاتهم مع العسكرى أو غيره، لم يتحدث أحد لا على الإعلان ولا الاستفتاء، ولا خريطة الطريق التى ارتضتها الجماهير، ويقولون إن الإعلان الدستورى خرج معبرا عنها.

لا أعرف كيف ينسى الناس مواقفهم بهذه السرعة، وكيف يتحولون من نصير للإعلان، إلى محقر له، وينسى كل منهم أن لديه رقيبا إلكترونيا اسمه «يوتيوب» مسجل عليه تسفيه واتهام وتخوين لكل من فكر فى تعديل مسار خريطة الطريق بالتصادم مع الإعلان الدستورى، ووقتها كانت ذات الأسئلة مطروحة، كيف ننتخب برلمانا لم تحدد صلاحياته فى دستور، وكان العوا والذين معه يدبجون التفاسير الدستورية والقانونية للرد على هذه «المزاعم» كما كانوا يروجون، واليوم يعود الذين رفضوا السؤال عن البرلمان لطرحه كما هو على الرئاسة ويقولون كيف ننتخب رئيس لم تحدد صلاحياته فى دستور جديد، متناسين إن إعلانهم الدستورى الذى ألهبوا به ظهور المعارضين يقول ذلك، ويستند أيضا إلى كثير من التبريرات الدستورية والقانونية، التى فصلها المستشار طارق البشرى مؤخرا، سواء من وجود الصلاحيات التى تمكن أى رئيس من مزاولة مهامه قبل الدستور، أو من فلسفة الإعلان نفسه التى تسعى لوضع الدستور فى ظل حكم مدنى ديمقراطى بعيدا عن تأثيرات العسكر.

بقى البشرى على رأيه كما هو لم يغيره، واجه به من دعوا إلى الدستور أولا قبل البرلمان، ويواجه به اليوم من يدعون للدستور أولا قبل الرئيس، وفى كلتا الحالتين استند إلى ذات الأسانيد لم يبدلها، وإلى ذات الاحترام للإعلان الدستورى والإرادة الشعبية، لكن الغرابة أن صديقه العوا كان أشد المدافعين عن البشرى قبل شهور، وأشد المختلفين معه اليوم، رغم عدم تغير أى من المعطيات التى بنى كل منهما مواقفه عليها.

ربما كان الفارق أن طارق البشرى قانونى، ويتحدث من هذا المنطلق فيستند إلى قاعدة ثابتة لا تتغير لأنها مكتوبة وكان يعتقد أنها تملك شرعية للبقاء والاستقرار، لذلك تبدو مواقفه ثابتة وتفسيراته محددة لا ترقص بين مد السياسة وجزرها، لكن العوا وهو القانونى أيضا مرشح رئاسى، يبنى مواقفه على السياسة وأحكامها وليس على النصوص القانونية وإلزامها، وعندما تصطدم النصوص بالتوافقات والتفاهمات مع العسكر والإخوان وباقى القوى، يتبدل الخطاب فورا، ويصبح ما كان حقا بالأمس باطلا اليوم.

«العوا» و«البشرى»


لم يتحدث د.محمد سليم العوا عن الإعلان الدستورى هذه المرة، ولا عن إرادة الجماهير التى أعلنت عنها فى استفتاء مارس، لم يتحدث عن الإرادة الشعبية التى يجب احترامها كما كان يفعل قبل شهور مضت.

العوا أفصح عن رأيه فى وضع الدستور قبل إجراء انتخابات الرئاسة، وقال إن الأحزاب والقوى والمجلس الاستشارى الذى يتمتع بعضويته متفقون على ذلك، دون أن يعود ليشهر فى وجوههم سيف الإعلان الدستورى كما كان يفعل عند معركة «الدستور أولا أم البرلمان».

والعوا هنا هو مجرد نموذج لكل من أثاروا الدنيا قبل شهور فى اتجاه التباكى على الإعلان الدستورى، والدفاع عن إرادة الجماهير التى عبرت عنها فى صناديق الاستفتاء، وعندما جاءت لحظة مختلفة على هواهم أو على هوى توافقاتهم مع العسكرى أو غيره، لم يتحدث أحد لا على الإعلان ولا الاستفتاء، ولا خريطة الطريق التى ارتضتها الجماهير، ويقولون إن الإعلان الدستورى خرج معبرا عنها.

لا أعرف كيف ينسى الناس مواقفهم بهذه السرعة، وكيف يتحولون من نصير للإعلان، إلى محقر له، وينسى كل منهم أن لديه رقيبا إلكترونيا اسمه «يوتيوب» مسجل عليه تسفيه واتهام وتخوين لكل من فكر فى تعديل مسار خريطة الطريق بالتصادم مع الإعلان الدستورى، ووقتها كانت ذات الأسئلة مطروحة، كيف ننتخب برلمانا لم تحدد صلاحياته فى دستور، وكان العوا والذين معه يدبجون التفاسير الدستورية والقانونية للرد على هذه «المزاعم» كما كانوا يروجون، واليوم يعود الذين رفضوا السؤال عن البرلمان لطرحه كما هو على الرئاسة ويقولون كيف ننتخب رئيس لم تحدد صلاحياته فى دستور جديد، متناسين إن إعلانهم الدستورى الذى ألهبوا به ظهور المعارضين يقول ذلك، ويستند أيضا إلى كثير من التبريرات الدستورية والقانونية، التى فصلها المستشار طارق البشرى مؤخرا، سواء من وجود الصلاحيات التى تمكن أى رئيس من مزاولة مهامه قبل الدستور، أو من فلسفة الإعلان نفسه التى تسعى لوضع الدستور فى ظل حكم مدنى ديمقراطى بعيدا عن تأثيرات العسكر.

بقى البشرى على رأيه كما هو لم يغيره، واجه به من دعوا إلى الدستور أولا قبل البرلمان، ويواجه به اليوم من يدعون للدستور أولا قبل الرئيس، وفى كلتا الحالتين استند إلى ذات الأسانيد لم يبدلها، وإلى ذات الاحترام للإعلان الدستورى والإرادة الشعبية، لكن الغرابة أن صديقه العوا كان أشد المدافعين عن البشرى قبل شهور، وأشد المختلفين معه اليوم، رغم عدم تغير أى من المعطيات التى بنى كل منهما مواقفه عليها.

ربما كان الفارق أن طارق البشرى قانونى، ويتحدث من هذا المنطلق فيستند إلى قاعدة ثابتة لا تتغير لأنها مكتوبة وكان يعتقد أنها تملك شرعية للبقاء والاستقرار، لذلك تبدو مواقفه ثابتة وتفسيراته محددة لا ترقص بين مد السياسة وجزرها، لكن العوا وهو القانونى أيضا مرشح رئاسى، يبنى مواقفه على السياسة وأحكامها وليس على النصوص القانونية وإلزامها، وعندما تصطدم النصوص بالتوافقات والتفاهمات مع العسكر والإخوان وباقى القوى، يتبدل الخطاب فورا، ويصبح ما كان حقا بالأمس باطلا اليوم.

الثلاثاء، 10 يناير 2012

تجفيف منابع المناوئة


لا يمكن أن تقرأ المشهد السياسى فيما يخص ملف الحريات تحديدا، بمعزل عن مواقف الإخوان، هذه رؤية نقدية باتت طبيعية مع تحول هذا التيار إلى محور حاكم فى المعادلة السياسية يتطلع للانفراد بالأمر، أو على الأقل التفاهم مع القوة الوحيدة الباقية على الأرض حاليا وهى المجلس العسكرى.

والواقع يشير إلى أن التفاهم بين العسكر والإخوان بات أقرب، لكن هل انتهى الطرفان من رسم الصيغة النهائية لمستقبل البلاد فى إطار ترويكا ثنائية تجمعهما فقط بشكل معلن أو غير معلن؟ هذه أشياء تجيب عنها الوقائع، وربما تقرأها بوضوح فى أداء المجلس العسكرى وتصريحات الإسلاميين التى تقترب منه أو تدافع عنه أو تلتزم الصمت الحيادى، وهى أشياء تصب فى طريق تمهيد الطريق أمام سلطة منفردة تعمل دون مناوأة من أحد ووسط قليل من المعارضة والضجيج.

أى سلطة «عسكرية إسلامية» مشتركة ستجد نفسها أمام مجموعة من التحديات الأساسية، أولها طبعا القوى المدنية «الليبرالية واليسارية» وهؤلاء حصدوا ثمار فشلهم وتكفلت بهم الصناديق، وثانى التحديات هم الأقباط الذين خرجوا من حضن الكنيسة وتطلعوا لممارسة مواطنتهم بشكل كامل، وهؤلاء جرى تخويفهم بخطاب سلفى متشدد يجعلهم يفكرون فى الهجرة كحل أسهل من التفكير فى المقاومة والنضال، وكسر إرادتهم فى مذبحة ماسبيرو، والإمعان فى كسر هذه الإرادة بمحاكمة الضحايا، وتكريم المعتدين كنسيا فى ليلة احتفال وكأن الدماء جفت والحقوق عادت.

وثالث التحديات هم شباب الثورة.. يبقى الميدان مؤرقا لأى سلطة، وهؤلاء تكفلت بهم إجراءات متعددة بدءا من المحاكمات العسكرية، وحتى البطش والسحل والقتل، إلى الخطاب التحريضى التشويهى الذى تعرض له كل متظاهر سلمى إلى جانب فتاوى سلفية تهدد بأن فض المظاهرات فى ظل نظام إسلامى سيستند لشرعية ربانية قبل قانونية، بمعنى أن المتظاهر مخرب فى عرف العسكر، وسيتحول إلى كافر أو عدو للدين فى عهد المشايخ.

ورابع تحديات المجتمع المدنى وفى القلب منه الحركة الحقوقية النشطة التى كانت فى قلب المواجهة ضد النظام السابق طوال عشرات السنوات، وللغرابة فى صدارة المدافعين عن حقوق وحريات الإسلاميين فى زمن التنكيل بهم، وتعرضت لهجمة شرسة بإجراءات رسمية عنيفة وغطاء تأييد إسلامى واسع يرفع لواء القانون، لكنه لا يرد حين يسأل أحد ما هو موقع جماعاتكم وجمعياتكم وتمويلاتكم من القانون؟

وخامس التحديات الصحافة التى أفصح قادة الإخوان عن نواياهم لإلغاء امتيازاتها الدستورية، التى تعتبرها سلطة رابعة وظهرا شعبيا مستقلا، وما قد يلحق ذلك من التنكيل القانونى بحرية الصحافة والرأى.

هل يريد المشير والمرشد إذن تجفيف منابع المناوئة والمعارضة، قبل إعلان صفقتهما، لبناء نظام سياسى «فردى» جديد ولو فى إطار يبدو ديمقراطيا، لكن بعد تفريغ الحقوق والحريات من مضمونهما، وبعد القضاء على الحركة الحقوقية، وإسكات الصحافة والإعلام، وتشويه شباب الثورة، وتخويف الأقباط، وتكفير المعارضة الليبرالية واليسارية؟

حتى لو كان لديك شكوك فى هذا التحليل وهذا حقك قطعا، وأنا أيضا أتمنى أن أكون مخطئا، لكن المؤكد أن كل ذلك يجرى فعلا على الأرض فى ذات التوقيت وبتناغم واضح فى المواقف.. فهل هذه مجرد مصادفات؟!

الاثنين، 9 يناير 2012

قميص عثمان


سينتهى الاستقطاب الذى خلفته الانتخابات البرلمانية على الهوية الدينية، ليبدأ استقطاب جديد على الدستور والرئيس أيهما يأتى قبل الآخر، ستسمع نفس المفردات السابقة التى بدأت منذ بدء شق المجتمع المصرى، أو على الأقل قواه الفاعلة التى كانت متوحدة وتمتلك رؤية واحدة لأهداف مشتركة حين كانت فى قلب ميدان التحرير، وتحويلها إلى كانتونات ومعسكرات يكفر بعضها بعضا ويخون بعضها بعضا ويسفه بعضها من بعض.

الجدل كما هو بعناوينه، الصلاحيات، الإعلان الدستورى، العسكر، الديمقراطية، لكن الغرابة أن تموضع الأطراف الفاعلة يتغير بين وقت وآخر، فحين كانت المعركة عنوانها الدستور أولا قبل الانتخابات، كان الإعلان الدستورى يشهر فى وجوه المطالبين بالدستور وكأنه «قميص عثمان» وكان الجميع يستدعى الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وتجد فى المعسكر الداعم لفكرة الانتخابات أولا من يتباكى على إرادة الشعب ويطالب باحترامها واحترام التعديلات الدستورى وخريطة الطريق التى أقرها الإعلان الدستورى.

اليوم الموقف مختلف القوى التى دعت إلى الانتخابات أولا قبل البرلمان، تدعو الآن إلى الدستور أولا قبل الرئيس، لا تتحدث عن الإعلان الدستورى ولا خريطة الطريق ولا إرادة الشعب التى عبر عنها فى الاستفتاء، فقط تحدثك عن الصلاحيات، وتقول كيف ننتخب رئيسا قبل دستور يحدد صلاحياته، وللغرابة أن هذا السؤال كان مطروحا قبل أشهر بصيغة كيف ننتخب برلمانا دون دستور يحدد صلاحياته، لكن وقتها كانت التبريرات القانونية والدستورية تأتى من كل حدب وصوب.

القوى الإسلامية تعتقد أن تأجيل انتخاب الرئيس سيسمح لها بخوض معركة الدستور مستفيدة من أغلبيتها دون مناوئة من رئيس لا تضمنه ولا تطمئن لصلاحياته الواردة فى الإعلان الدستورى، كما أنها فى لحظة تاريخية وهذا حقها براجماتيا لا تريد أن تدخل فى معركة مع العسكر، وتقبل بأن يوضع الدستور برعايتهم قبل عودتهم لثكناتهم تخفيفا من مخاوفهم التى وصلت إلى حد إعلان قيادات إسلامية التفاهم حول حصانة العسكر ووضعهم الخاص.

لكن القوى الليبرالية ليست بعيدة كذلك عن هذا السلوك الانتهازى، فهى تعتقد الآن بعد فشلها مع الشارع أن الجيش هو الضامن لمدنية الدولة، لذلك تدعم سيناريو تدخله فى وضع الدستور، وحتى ولو كان هذا موقفها الثابت منذ معركة الدستور أم الانتخابات، إلا أنه يطرح هذه المرة فى لحظة قلق من أغلبية الإسلاميين تكاد تصل إلى الرغبة فى الانقلاب على النتائج الديمقراطية أو التربص بها.

كان الحديث فى البدء عن دستور توافقى يسبق أية آليات ديمقراطية لنقل السلطة سواء كانت رئاسة أو برلمان، لكن سيف الإرادة الشعبية والاستفتاء كان يشهر بعنف وخريطة الإعلان الدستورى التى كانت «مقدسة» كان يتم التباكى عليها، اليوم يعود المقدس ليصبح غير مقدس، وتنتهك الخرائط والإرادات الشعبية من جميع الأطراف، الجميع يرفع «قميص عثمان» حين يحتاجه، ويلقى به فى أقرب سلة غسيل حين لا يحتاجه.

ربما لا يمكن قياس السياسة بالأخلاق وهى المتغير الدائم المرتبط بالمصالح والمواقف الطارئة، لكن ليس معنى ذلك أن تتبخر الأخلاق إلى هذه الدرجة التى تسقط فيها أوراق التوت عن الجميع..!

الأحد، 8 يناير 2012

الثورة مستمرة


تستطيع أن تقرأ بعناية ما حدث ليلة عيد الميلاد، ربما تجد إجابات حقيقية لعلامات استفهام كثيرة تشتعل فى رأسك، الأرجح أن فى مقدمتها السؤال الحاكم: هل نجحت الثورة؟

قبل أن أجيبك على هذا السؤال سأعود معك إلى ليلة عيد الميلاد، الاحتفال المركزى فى كاتدرائية العباسية، واحتفالات الكنائس المختلفة فى ربوع مصر، ربما تجد مشهدا يبدو رومانسيا تظهر فيه صور الشيخ عماد عفت شهيد أحداث «مجلس الوزراء» إلى جوار مينا دانيال شهيد «ماسبيرو» ومعهما الشاب السلفى سيد بلال، والشابة مريم فكرى شهيدى كنيسة القديسين، الأول ذهب مُعذبا بتهمتها، والثانية راحت فى قلب التفجير مع غيرها.

هذا مشهد لافت، وخروجه من داخل الكنيسة تأكيد على أن قضية الظلم والاضطهاد لم تكن يوما مسألة دينية أو طائفية، ربما تمثل الطائفية إحدى صورها المقيتة، لكن الاستبداد كما قال المتندرون المصريون «موحد الأديان».

وفى مقابل ذلك كان التيار الرئيسى فى حركة الإسلام الأيدلوجى حاضرا فى القداس، أنت فى لحظة تعاطى حقيقية مع الواقع السياسى، أنت فى لحظة يمارس فيها فصيل من الإسلاميين الفصل بين الدين والسياسة بكل تجلياتها، فأمام فتاوى غامرة تتحدث عن الاختلافات العقائدية، وحرمة حضور الطقوس، كان سياسيون محترفون ينتمون للتيار الإسلامى يخالفون ذلك، لأنهم ببساطة اختاروا السياسة، وفى اللحظة التى اختاروا فيها ذلك بات لزاما عليهم التعاطى مع المجتمع كمصريين يتواصلون مع كل المصريين، ويؤمنون أن مقاصد الدين أبعد نظرا من فهم المتشددين، وأن صحة الأوطان فى ذاتها فضيلة دينية تُقدم على غيرها.

فى تلك الليلة أيضا كان واضحا أمامك كيف يفكر الجنرالات؟ يكفى أن تشاهد اللواء حمدى بدين قائد الشرطة العسكرية ضمن وفد المجلس العسكرى الذى ذهب لتقديم التهنئة وحضور القداس، لتعرف أن الجنرالات غير مكترثين بالرأى العام، قد يكون بدين فى نظرهم برىء ويؤدى واجبه بكفاءة، لكنه وسط جموع الأقباط يمثل اتهاما واضحا وجرح لم يندمل، هو متهم فى أحداث ماسبيرو التى راح ضحيتها زينة من شباب مصر الأقباط، واختياره فى هذا الوفد إذا كان غير مقصود فهو يدل على كفاءة سياسية متردية وفشل فى التفكير بالمنطق السياسى، وإذا كانت مقصودة فهى تعبر عن استفزاز غير مبرر واستعلاء استبدادى لم يعد يجدى مع شعوب عرفت طريقها للحرية.

فى تلك الليلة كذلك كان البطريرك كما كان طوال عشرات السنوات، يميل للسلطة وكأنها المظلة الوحيدة للحماية، يحاول احتواء الجموع ليفرض عليهم عزلا إراديا عن المجتمع، يتفاوض باسمهم ويقايض، يزرع فى داخلهم عُقد الاضطهاد حتى يتقهقروا خلف أسوار كنيسته بلا مقاومة أو تأوه معلن، لكن خطابه المرحب بالعسكر، ووجود بدين وأصحابه، لم يردع الشعب الذى رأى الحق حقا وواصل اتباعه، فخرج الهتاف داخل الكاتدرائية مقاطعا ثناءات ومديح البطريرك، ليسمع الجنرالات المطالبات بسقوطهم، وليعلو شعار: «جوه كنيسة أو فى الأزهر.. يسقط يسقط حكم العسكر».

أعود معك إلى السؤال المتقدم: هل نجحت الثورة؟ والحقيقة أننى لا أملك القطع بإجابة.. لكن ما أستطيع قوله أن ليلة عيد الميلاد أثبتت أنها مستمرة.

السبت، 7 يناير 2012

البشير يعظ


لابد أن تصدق الرئيس السودانى عمر حسن البشير عندما يقول إن مسيرة الربيع العربى بدأت من السودان، الرجل كان يرد على من يبشرون بربيع سودانى فيباغتهم بأن هذا الربيع جاء فى السودان أولا، أنا شخصيا أصدق البشير، وأعرف أن الربيع السودانى جاء لكنه مضى سريعا، قد يعتقد البشير أن ربيع بلاده جاء فى اللحظة التى استولى فيها على السلطة لكننى أعتقد أنه انتهى عندما جاء إلى السلطة.

ولمن لا يذكر فقد قامت فى السودان «ثورة شعبية» فى مارس من عام 1985، على غرار ما جرى فى ميادين التحرير فى العالم العربى خلال العام المنصرم، ونجحت انتفاضة الطلبة والعمال والنشطاء السياسيين باختلاف مكوناتهم فى إسقاط الرئيس الأسبق جعفر نميرى، ويومها وقفت القوات المسلحة السودانية موقفا حقيقيا «منحازا للشعب وثورته» وتولى سوار الذهب قيادة مرحلة انتقالية استغرقت عاما واحدا تم خلاله انتخاب جمعية تأسيسية أعدت الدستور، وأجريت الانتخابات وفق الدستور الجديد، وتشكلت حكومة ديمقراطية منتخبة وتسلم المدنيون السلطة، لكن الديمقراطية لم تستمر إلا 3 سنوات حين انقلب عليها البشير ورفاقه، ومعهم منظر التيار الإسلامى الأبرز فى السودان الشيخ حسن الترابى.

بدأ الربيع العربى فى السودان إذن وهذه حقيقة تاريخية يجب ألا تجادل فيها، فقط عليك أن تصحح للبشير معلوماته ومحاولاته لتأويل التاريخ وتطويعه، لأن المؤسف أن هذا الربيع أجهض فى السودان أيضا حين انقلب العسكر على الديمقراطية، واختطفوها فى اتجاه حكم سلطوى شمولى ديكورى، انتهى به عام الثورات العربية المنصرم والسودان سودانين بسبب العجز عن إدارة التنوع فى الوطن الواحد.

لكن ما يفتحه الرئيس السودانى من حديث لا يخلو من وجاهه، ودروس للاستفادة منها، فكما نجح الشعب السودانى فى الإطاحة بنميرى فى انتفاضة شعبية، لحقت به الشعوب العربية حتى لو كان بعد 25 عاما، وكما نجح السودانيون فى إدارة مرحلة انتقالية فى غضون عام، نجحت تونس والأرجح أن مصر ستنجح مهما كانت الفاتورة والمرارات، لكن يبقى أن نفهم أن الثورات ليست مجرد خلع نظام قديم وانتخاب جديد، لكن الأهم فى مسيرتها هى قدرتها على حماية الديمقراطية، وحراسة المكتسبات التى خرجت من أجلها الجماهير، وحماية الديمقراطية قيمة ثابتة تتضمن تمكين التيار المنتخب من تحمل مسئولياته، وفق آليات المحاسبة والتداول، وتحصين النظام السياسى الديمقراطى من أى انقلابات تهدف لإعادة عجلة الديمقراطية للوراء، سواء من مؤسسة عسكرية أو حتى من قوى مدنية أو دينية تعتقد أن بلوغها مقاعد السلطة يعنى هدم السلم وإعادة التاريخ للوراء.

حماية الديمقراطية لضمان استمرارها وبقائها أصعب من امتلاكها، وبناء نظام ديمقراطى تنافسى متكافئ لجميع مواطنيه أصعب أيضا من إسقاط نظام سلطوى استبدادى، وإلا فإن السودان سيبقى مثالا فى انتصاراته وانتكاساته أيضا، وسيكون البشير وقتها سعيدا بأنه صار فى غفلة من التاريخ نموذجا وقدوة.. ولله فى خلقه شئون..!

الجمعة، 6 يناير 2012

الدولة المتواطئة


لا أعرف كيف يجب أن تتعامل النيابة العامة مع من يرفض التعاون معها، لست عارفا بالقانون للدرجة التى أقطع فيها بالحل، لكن المؤكد والذى لا يحتاج لقطع أو تخصص أنها تملك الكثير غير الشكوى فى المرافعات العامة.

والواقع أن اتهام النيابة لأجهزة الدولة الأمنية مجتمعة بعدم التعاون معها «تقصيرا أو تواطؤا» فى قضية مبارك وشركاه، يجب ألا يقف عند حدود هذه المعلومة الخطيرة التى طرحها ممثل الادعاء أمام المحكمة، لكنه يجب أن يذهب مباشرة إلى مدى قدرة النيابة على إجبار من يرفض التعاون على تحمل مسئولياته الوظيفية وتقديم ما عنده، والأسانيد القانونية لذلك، كذلك حق النيابة فى تحريك الإجراءات القضائية اللازمة لمعاقبة ومحاكمة هؤلاء الممتنعين، ولماذا لم تستخدم هذه الآليات، ولماذا اعتمدت على نفسها فى جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، وما هو دور الحكومة التى كانت قائمة فى ذلك الوقت فى هذا التقصير أو التواطؤ الذى لا يهدف سوى طمس معالم القضية وإخفاء أدلتها وتفريغها من مضمونها.

عليك أيضا أن تربط بين هذا الأداء الرسمى الذى رصدته النيابة فى مؤسستين أمنيتين كبيرتين هما وزارة الداخلية وهيئة الأمن القومى، وبين إجمالى المشهد فى هذه المحاكمة، من التحية العسكرية التى تؤدى لحبيب العادلى، والمعاملة الفندقية التى يلقاها مبارك ونجلاه وأعوانهم فى سجن طرة، والحركة المستقلة التى يتحركون بها دون كلابشات أو مظاهر اتهام واضحة، حتى لدى من حصل منهم على أحكام ولبس بدلة المحكومين الزرقاء.

هناك دور غامض إذن لعبه أحمد شفيق رئيس الحكومة الأسبق، والمرشح الرئاسى حاليا، بحكم المسئولية كان رئيسا للحكومة فى آخر عهد مبارك وفى بداية عهد المجلس العسكرى، وقعت فى عهده وعهد وزير داخليته محمود وجدى موقعة الجمل، واتهمت النيابة داخليته بعدم التعاون معها لطمس أدلة القضية، و«ماعت» فى عهده قضايا الأموال المهربة والحد الأقصى للأجور وإجراءات العدالة الانتقالية، وخرجت فى عهده بقايا النظام المنحل لتحاول استرجاع نفوذها، وبقيت أمانة السياسات فى الحكم بوزراء غارقين فى الولاء لأدائها ونفوذها وأنماط انحيازاتها، وأضاعت على الدولة شهورا فى التملص والوقوف فى المحل.

اليوم علينا أن نسأل المرشح الرئاسى أحمد شفيق عن دوره فى الاتهام الرسمى الذى وجهته النيابة لحكومته ممثلة فى وزير الداخلية وأن يجيب علينا بوصفه مرشحا للرئاسة كان فى قلب الحكم حين وقعت موقعة الجمل وتعامل مع الرأى العام وكأنه كان «بايت بره» وجاءت النيابة لتتهمه بتعمد إخفاء الحقائق كذلك، وهو مسئول سياسيا على الأقل عن ذلك، ولو قال «كنت بايت بره» فكيف تضمن ألا يظل على حالته تلك لو أصبح رئيسا حقيقيا وليس مرشحا محتملا.

كذلك يبقى سؤال مباشر للمجلس العسكرى باعتباره «رئيس الجمهورية» وتتبع له الحكومة بوزير داخليتها، وهيئة الأمن القومى أيضا، لماذا لم يتعاون مرءوسوك أيها المجلس الحاكم مع النيابة العامة، وما هو الإجراء الذى من المفترض أن تتخذه بعد أن وجهت النيابة هذا الاتهام لـ«الدولة» التى ترأسها، هل أنت مع القانون أم ضده؟ مع المحاكمات العادلة أم ضدها؟ تريد الحق أم الديكور، انحيازاتك للمستقبل أم مازالت كما هى فى الماضى؟!

الخميس، 5 يناير 2012

براءة مبارك


هل كان المستشار مصطفى سليمان المحامى العام الأول لنيابات استئناف القاهرة، يخاطب هيئة المحكمة التى تنظر قضية «مبارك وشركاه» أم يخاطب الرأى العام؟

هل كان الرجل الذى يمثل الإدعاء يتحدث فى قاعة محكمة أم فى قلب ميدان التحرير؟

هل يحاكم مبارك وفق أوراق القضية الرسمية، لأنه سعى لتوريث السلطة لابنه، أو خضع لرغبات زوجته، أو خذل الشعب وأصر على الاحتفاظ بالحكم أو عصف بمصالح الجماهير وترك بطانته تحكم أو أهان نفسه وماضيه؟

هل يحاكم العادلى وفق الأوراق الرسمية للقضية لأنه كرس جهود وزارة الداخلية لإنجاح مشروع التوريث، أو حول الشرطة من حامية للشعب إلى خادمة للنظام؟

قطعا كنت أتمنى مثلك أن يحاكم مبارك والعادلى على كل هذه الاتهامات وأكثر، وأن تكون هناك محاكمة سياسية حقيقية لكل جرائم الإفساد السياسى التى حدثت فى عهد الرئيس المخلوع، لكنك كما تعرف أن الرجل الذى يأتى للقفص عبر طائرته ويدخله ممدا على سريره، يحاكم بسبب 3 اتهامات رئيسية الأولى هى قتل المتظاهرين، والثانية هى التربح، والثالثة هى الفساد فى تصدير الغاز، لكن النيابة فى محاكمة القرن قالت كثيرا من الكلام السياسى وقليلا من الكلام القانونى، أفرطت فى الشعارات والجمل الساخنة التى تدغدغ مشاعر الجماهير والبسطاء، ولم تقترب إلا نادرا من المحاور الأساسية للقضية الموجودة فى الأوراق أمام رئيس المحكمة.

أستطيع أن أقول لك وأنت سعيد بهذه المرافعة ويقشعر بدنك من كل كلمة حماسية فيها، إن كل هذا الحديث لا يعنى للمستشار أحمد رفعت قاضى المحكمة أى شىء، والمؤكد أنه لا يجب أن يعنيه، وأنه إذا كانت النيابة خاطبت الرأى العام بالشعارات التى لا علاقة مباشرة لها بالقضية وفنياتها ووقائعها، فى الوقت الذى كان يجب فيه أن تخاطب هيئة المحكمة بالقرائن والأدلة وتأكيد الاتهام، منحت محامو مبارك وشركاه فرصة لأخذ نفس عميق، والأرجح أنها جعلت المخلوع ومن معه فى القفص يتنفسون الصعداء، وربما يجهزون من الآن للاحتفال بالبراءة.

هذه السطور لا تهدف إلى إحباطك بعد تفاؤل مزيف حصلت عليه من مرافعة حماسية تصفها الصحف بالتاريخية، والحقيقة أن تاريخيتها ليست فى روعة خطابها، ولكن فى خواء ما استندت عليه ويخص تفصيلات القضية بالمقارنة بأهمية القضية وتاريخيتها الحقيقية.

وهذه السطور كذلك ليست تدخلا فى عمل النيابة لأن المؤكد أنها لم تقم بعملها حتى يمكن التدخل فيه، من فضلك عد واقرأ نص المرافعة وفتش بين السطور والكلمات وحاول أن تضبط عدد الكلمات التى تخص القضية لتكتشف الحقيقة المذهلة، أنه إما أن النيابة لم تقم بعملها، أو لا توجد قضية من الأساس.

عندما تغيب الكفاءة يغيب العدل أيضا لو تعلمون.