بعد عام على الثورة، لا تستطيع أن تقول إنها نجحت، كما لا تستطيع قطعا أن تقول إنها فشلت، تستطيع أن تحصر المكاسب والخسائر وأن تقارن بين ما تحقق وما لم يتحقق وتعتبره فى الطريق إلى هذا التحقق.
هذه طريقة ربما تريحك وتخرجك من أسر الانحيازات، وتظهرك فى ثوب محايد يرى الواقع بعيون تستطيع إدراك الأبيض والأسود، دون أن تركز على لون وتتجاهل الآخر.
لكن هؤلاء الذى يستغرقون فى الحساب بالأرقام للوقوف فى المنتصف، وإقناعك أنهم مع الثورة ومع المجلس العسكرى فى ذات الوقت، يتفهمون مبررات القوى الثورية الغاضبة لأن هناك ما لم يتحقق بعد، كما يلتمسون العذر للمجلس العسكرى لأن هناك ما تحقق فعلا، يفوتهم أن المناخ جزء من المكسب السياسى الذى تحقق بعد الثورة، لكن تمت خسارته بفعل فاعل يوما بعد يوم.
الفوارق بين اللحظة التى آلت فيها الثورة المصرية لنجاح جزئى بالخلاص من مبارك وإجباره على التنحى، واللحظة التى يستعد فيها المصريون للاحتفال بالذكرى الأولى يكاد يكون شاسعا، سواء فى الروح المجتمعية ذاتها، أو حتى فى الإيمان بالثورة وأهدافها ومبادئها.
تستطيع أن تختلف على المجلس العسكرى، ارتكب أخطاء وله حسنات، لكنك لا يجب أن تغفل وأنت تعدد له الحسنات لتلتمس له العذر فيما بعد، أنه مارس وبمنهجية واضحة وعبر وصل الأحداث ببعضها سياسات لا يمكن أن تراها إلا وتجزم أنها تستهدف تكفير الناس بالثورة، وتكفيرهم بالثوار، وتشويه كل كيان أو شخص أو فكرة أو شكل رفض الانضواء تحت لواء خططه ومفهومه عن مستقبل الدولة والمجتمع.
نجح المجلس العسكرى فى أن يحاكم الثورة، وأن يدفع الناس ليتساءلوا ماذا تحقق لنا من ورائها، وماذا تأثر فى حياتنا ومعيشتنا، رغم أنه الذى يحكم، وهو المسئول عن تحقيق الأهداف العاجلة للثورة سواء تلك التى لها علاقة بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل والثروة عبر ضبط الأجور، وإقرار الضرائب التصاعدية، أو ما يتعلق بتصحيح أخطاء الماضى الأمنية، واستعادة حقوق الشهداء وأموال المصريين.
حاول العسكر ضبط فوران الثورة فى إطار خطة إصلاح، والفارق كبير كما تعرف بين الإصلاح الذى يبقى على ذات النظام بوجوه جديدة وبذات الآليات والثقافات وأنماط الانحياز، وبين الثورة التى تعيد التأسيس مستهدفة هذه الأنماط والثقافات والانحيازات التى ثار عليها الناس.
الخسارة الكبرى للثورة هى أنها خسرت مناخها وزخمها بفعل فاعل كما قلت لك، والاحتفالات الكرنفالية بذكراها الأولى بينما لم تكتمل أهدافها بعد، هو جزء من محاولات تفريغها من مضمونها، وإسدال ستار حولها، وكأنها حدث عابر فى تاريخ مصر، ومضى وقته وربما نجده بعد وقت فى الكتب المدرسية مثل سائر الثورات التى قامت وجرى الانقسام حولها.. فانتهت دون إنجاز كامل على الأرض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق