الجمعة، 30 نوفمبر 2012

خنزير الحاخام


يخيركم الرئيس مرسى و«أهله وعشيرته»، بين الدستور أو الديكتاتور، قالها لكم عصام العريان صريحة أمس: «الشعب أمامه خياران إما أن يوافق على الدستور ويلغى الإعلان الدستورى.. وإما أن يرفض الدستور ويستمر الاعلان الدستورى».

بالتوازى مع الاحتجاجات التى خرجت ضد الإعلان الدستورى الذى خرج من ضمن ما خرج ليقنعك أن الجمعية التأسيسية تحتاج إلى مد أجل لشهرين لتنتهى من مشروع الدستور أنهت بالأمس «بضع التأسيسية» مشروع الدستور لتسلمه للرئيس يوم الأحد على الأغلب.

«بضع التأسيسية» الذى يصوت على الدستور فى غياب أكثر من ثلثها، وحديث العريان والذين معه من أهله وعشيرته له معنى واحد قد يفسر لك الموقف والهدف من إصدار هذا الإعلان الكارثى.

يضع لك الرئيس وأهله وعشيرته «الخنزير» فى المنزل، يحكى لك التراث اليهودى أن رجلا ذهب إلى الحاخام ليشكو ضيق منزله، فوضع له الأخير خنزيرا فى المنزل من باب «الإجراءات المؤقتة»، ومرت الأيام والخنزير يعيث فى المنزل حتى تحول هدف الرجل من توسيع منزله إلى التخلص من الخنزير.

يحتاج الرئيس وأهله وعشيرته إلى فزاعة مثل «خنزير الحاخام» فى كل اختبار انتخابى يخوضونه، فى استفتاء مارس لم تكن هناك فزاعة، لكن الجماعة أوهمت الناس أن هناك اتجاها لإسقاط الشريعة من الدستور، وحفزت الناس للخروج دفاعا عن الشريعة التى لم تكن مطروحة فى الاستفتاء، ذهبت بالذين قالوا نعم إلى الجنة وألقت الذين قالوا لا فى النار، عوجت مسار المرحلة الانتقالية، وثبت فى نهاية الرحلة أنها المستفيد الوحيد من كل ما حدث خلال الـ18 شهرا.

وفى انتخابات الرئاسة كان شبح عودة النظام السابق هو الفزاعة الكبرى، أحمد شفيق أمامكم بكل ما يمثله، اقبلوا الدواء المر واعصروا الليمون، وخذوا من التعهدات والضمانات ما تشاءون، لم تشفع التعهدات ولا الضمانات لكن محمد مرسى مر إلى مقعد الرئاسة بأصوات من يخشون شبح شفيق، وليسوا من يؤيدونه اقتناعا.

لم يكن التصويت فى استفتاء مارس تصويتا حرا لأنه جرى فيه خداع للناخبين حول المعركة لتنازع طائفى لا معنى له، ووضع أمام الناخبين أهدافا مغايرة تماما لما هو موجود فى بطاقة التصويت، ولم يكن التصويت فى انتخابات الرئاسة فى جولة الإعادة حرا لأنه وضع ملايين الناخبين فى اختيار مر، فاختار أكثر من خمسة ملايين منهم أحمد شفيق لأنهم يخشون الإخوان ومشروعهم، وانتخب عدد مشابه محمد مرسى لأنهم يخشون عودة النظام القديم ورموزه، فيما سبق انتخب المصريون خوفا ولم ينتخبوا حرية، واليوم يطرح عليك محمد مرسى الدستور فى استفتاء وأنت مكبل الإرادة أيضا، وضع أمامك شبح الديكتاتور، وخلق أمام عينيك أزمة عاصفة تهدد بفوضى كاسحة وشلل عارم وصراع من الصعب إعادة ضبط فورانه، حتى تجد الملاذ الوحيد فى الاستقرار هو تمرير الدستور.

للمرة الثالثة يتجه المصريون للصناديق دون إرادة حقيقية تسمح لهم بالتفكير والاقتناع واتخاذ القرار، كل مرة يقبلون على دواء مر، انتخاب مرسى للخلاص من شفيق، والموافقة على الدستور للخلاص من صلاحيات الديكتاتور.

استغل رئيس الجمهورية موقعه ونفوذه للتأثير على الناخبين وتكبيل إرادتهم ومصادرتها لصالح خيار وحيد، ما سبق لم يكن انتخابا حرا، وما سيأتى لن يكون استفتاء حرا، لأن الحرية والخوف لا يجتمعان.

الخميس، 29 نوفمبر 2012

وصلت الرسالة


حتى لو ادعى المحيطون بالرئيس أنها لم تصل، وحاولوا التقليل من شأن ما حدث مواصلين تضليل أنصارهم قبل الرأى العام، فقد وصلت الرسالة.
لا يهم إن خرج الطهطاوى ليقول إن النظام لن يتراجع قيد أنملة، الناس اختبرت هذا العناد وتعلمت كيف تتعامل معه، وامتلكت الخبرات الكافية للصمود أمامه، لكن المدهش أن السلطة الجديدة هى التى لم تستوعب أى درس ولم تراكم أى خبرة، تتصرف كما كان يتصرف من سبقها، حتى وصل الأمر إلى استخدام ذات العبارات والجمل والأوصاف مع تبدل المواقع.

كان نظام مبارك يصف ميدان التحرير بأنه لا يمثل شيئا، أعداده محدودة وتأثيره لا قيمة له، كما كان يلقى التوصيف على كل الميدان بأنه من الإخوان، حاول أن يختزل معنى ثورة تحرك الشعب كله فى مجرد خصومة بين نظام مستبد وجماعة تريد أن تأخذ مواقعه فى السلطة لتواصل مسيرة استبداد جديدة بذات الروح والنظرة والممارسة لكن بتغليفها بمفردات دينية وسياسية فارغة المضمون.

لم أندهش حين كان كل المراقبين المحسوبين على الإخوان ينظرون للميدان باعتباره تجمعا لـ«الفلول»، هم تلاميذ غير نجباء فى مدرسة نظام مبارك، ولا حتى فى وصفهم للحشود الغفيرة بنظرة التاجر البخيل الذى يختزل الألف فى عشرة والمائة ألف فى عشرة آلاف، لم أندهش حين سمعت بعضهم يتحدث عن القلة المندسة والأجندات الخارجية، والتمويل.

لم أندهش حتى من فكرة من يطرحون تسيير مظاهرات ومسيرات موازية لتأييد الرئيس.. يا ربى هو ذات النظام بذات الحماقة، يرفض الاعتراف بالأزمة، ويتعالى فى الحل، تأخذه العزة بالإثم فيركب حصان عناده، يلجأ لمسيرات موازية تسبح بحمده، لا فرق بين حزب وطنى كان يحشد التابعين بالوجبات والمصروف اليومى، وبين مكتب إرشاد يأمر فيطاع، يحرك الجماهير لتؤيد، ويحركها لتعارض، يأخذها لتحتفل بقرارات لم تصدر ولم تعلن ولم يعرفها أحد، وعندما ستتراجع السلطة سيحركها للإشادة بحكمة الرئيس وشجاعته فى التراجع القادم لا محالة.

هذه الميادين بالأمس خرجت دون حشود مصحوبة بالفتاوى تؤثم من لا يحضر، دون أوامر عليا، هذه حشود تفكر باستقلال وتختار معاركها باختيارها وقناعاتها لا باختيار الأوصياء، لكن زخم الأمس لم تصنعه الحشود بقدر ما صنعته المعركة العادلة، هذه معركة عادلة بامتياز، حتى أولئك المحيطين بالرئيس فى قصره يعلمون ذلك وأغلبهم واقع فى الحرج، الرئيس نفسه أفعاله تناقض برنامجه وما هو مسجل عليه من تعهدات لصالح الديمقراطية واستقلال القضاء.

عناد الطهطاوى لن يحل الأزمة.. وتضليل ياسر على لن يقضى على الاحتقان، لا حل سوى التراجع عن العبث بالقضاء، إذا لم تمنحه مزيداً من الاستقلال فلا يجب أن تسمح بأن تحرمه من ميزة كانت لديه فى عصر الاستبداد الأول.

ختام: خرج ياسر على ببيان للشعب يقول إن أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وافقوا على بيان الرئيس وضماناته، وخرج القضاة ينفون ذلك وعلى رأسهم رئيس المجلس، وأعلنت عموميات النقض والاستئناف تعليق العمل مع الغالبية العظمى من القضاة، هذا فقط نموذج للتضليل.. هل تنتظر من مؤسسة عنيدة وكاذبة ومضللة لا ترى إلا «الأهل والعشيرة» ولا تستمع إلا إليهم أى رجاء فى حل؟

وصلت الرسالة.. وإذا لم تصل للمعاندين الجدد، فقد وصلت لشعب اختبر نفسه واكتشف أنه مازال قادرا على إدهاش المستبدين.  

الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

كلهم فى الجرم سواء


وقت كل أزمة سياسية فادحة من تلك التى يدخلنا فيها نظام مرسى، تجد أصواتا تدفع نحو تحريض على هدم المعبد، واستدعاء الجيش مرة أخرى للتدخل فى السياسة، هؤلاء يريدون حسم الصراع السياسى بإهدار مبدأ أصيل من مبادئ الدولة المدنية الحديثة، وكسر قيمة عظمى من قيم الديمقراطية، ولا يمكن أن تتعامل معهم إلا بذات القدر من الإدانة الذى تواجه به من يحاولون كسر استقلال القضاء.
لا فارق نهائيا بين من يحاول أن يزين للجيش أن يتدخل فى السياسة، وبين من يزين للرئيس أن يتدخل فى شئون السلطة القضائية، فإذا كانت الدولة الحديثة القائمة على القيم الديمقراطية لا تقبل وصاية عسكرية، فهى أيضا تملك عمودا واحدا لقيامها هو القضاء المستقل، ولا يملك راشد لديه إيمان حقيقى بدولة العدل والمساواة والحرية إلا أن يدين أى انقلاب على هذه القيم، سواء كان يذهب لإعادة الجيش إلى المشهد وصيا على السياسة، أو إقحام الرئيس ليتدخل فى القضاء وصيا عليه، وفى موقع يعلو على القانون والمحاسبة. 
لا تحدثنى عن الأوضاع المؤقتة والنوايا الحسنة، لأن هناك من سيقول لك إن مطالبته بعودة الجيش استثناء ولفترة مؤقتة، والهدف منها أيضا حماية الثورة.

سترد بأن الثورة قامت من أجل إبعاد الجيش وهتفت بسقوط العسكر، وسيرد آخر بأن الثورة كذلك قامت من أجل قضاء مستقل وطالبت بذلك وهتفت.

هل تعرف الآن أن كل الانقلابيين ملة واحدة، وأن من يسعى للعسكر ومن يسعى للديكتاتور المحصن كلاهما وجهان لعملة واحدة رديئة لا تؤمن بالديمقراطية ولا قيمها، وتقول ما لا تفعل وتخالف كل ما تقول وتظهر من وعود وتعهدات.




هل النائب العام الذى عينه مبارك كان مستقلا؟ وهل النائب العام الذى عينه محمد مرسى مستقل؟

المقارنة ربما تكون غير منصفة لأن أداء الثانى لم يختبر بعد، لكن من حيث الشكل كلاهما اختيار رئيس الجمهورية الذى يمثل رأس السلطة التنفيذية، وكلاهما غير قابل للعزل، الأول لأن القانون كان يضمن له مؤبدا، ذلك والثانى لأن التعديلات ضمنت له ذلك مرحليا.

ستقول إن الثانى من تيار استقلال القضاء، لكن رموز تيار استقلال القضاء الذين طالبوا مرارا بأن يكون المجلس الأعلى للقضاء هو الجهة التى تختار النائب العام، قبلوا تعيينه من الرئيس، كما قبلوا انتهاك استقلال القضاء والدستور بحرمان المواطنين من حق التقاضى، والتدخل فى أعمال جهات قضائية لمنعها من نظر قضايا بعينها.

قبل أشهر كنت أدين تلويح بعض القوى بالانقلاب العسكرى وتحريضها عليه، ليس لأننى منحاز للإخوان لكن لأننى منحاز للمبدأ، وقتها كنت فى الجانب الذى تقف فيه الجماعة والسلفيين، ولم يكن ذلك بفارق، واليوم أنحاز أيضا لمبدأ، ولا يهم إن كنت أقف فى جانب يقف فيه أحمد الزند أو حتى أحمد شفيق، عندما تختار المبدأ لا تهتم بمن حولك ولا تبنى انحيازاتك لأن «سين» فى هذا المعسكر أو«صاد» فى ذاك المعسكر.

يعرف الرجال بالحق، وليس بالهوى الحزبى، فهؤلاء كلهم فى الجرم سواء، أنصار وصاية العسكر وأنصار وصاية الديكتاتور، كلاهما ينتهك أسس الدولة الحديثة، لا فرق بين جيش يتدخل فى السياسة وحاكم يتدخل فى القضاء.

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012

المؤامرة التى فى عقولكم


يعتقد الرئيس وأولئك الذين أيدوا قراراته قبل أن تصدر، وأولئك الذين يتحفظون على مواد فى قراراته لكنهم يقدرون أسباب إصدارها من وجهة نظرهم، إن هناك مؤامرة تجرى لزعزعة الاستقرار فى البلد، الرئيس وهو يلقى عليك بفزاعة المتآمرين الجدد على قلب نظام الحكم، اعترف بقصد أو بدون قصد، أنه يتجسس على شعبه، يأتيه كلام من يتكلمون، ويعرف ما يجريه أولئك العابثون فى «الضلمة»، هذه نقطة دعها قليلا أو إلى حين.
لكن أولئك الذين يعرفون أن هناك مؤامرة، وأولئك الذين ينقلون تسجيلات المؤامرة بعد تجسس عليهم، وأولئك الذين يطلعون الرئيس على ما يجرى فى «الضلمة»، لا يقولون له إنه رأس الدولة المسئول عن الأجهزة الأمنية كلها، والذى يملك تحريكها لجمع الأدلة، أن يقدم ما لديه للقضاء ويكشف بوضوح عن المتورطين فى هذه المؤامرة بدلا من سياسة «التلسين» التى لا تليق برئيس دولة.

لكن الرئيس ومؤيديه ومن يقدرون حسن نواياه، يفضلون أن يعاقب الشعب كله، بتنصيب ديكتاتور مستبد عليه، وبحرمانه من حقوقه فى التقاضى، وبإهدار ضماناته فى قضاء مستقل كان من المنتظر أن يعزز الرئيس استقلاله بالشكل الكامل، لا أن ينزع منه ما اكتسبه خلال نضال السنوات السابقة.

يعاقب الشعب كله لأن هناك بضعة أفراد ــ حسب زعم الرئيس الذى لم يقدم عليه دلائل بعد يتآمرون على الدولة والحكم والاستقرار.

ما أشبه الليلة بالبارحة، لكل سلطة جماعتها المحظورة، وعدوها الذى تخترعه، والمشكلة أن السلطة الجديدة تحاول أن تنسى أو تتناسى مواقفها السابقة حين كانت فى صفوف المعارضة، تنسى نضالها وشعاراتها، وينسى المنتسبون لها من بين من كانوا أعضاء فى تيار استقلال القضاء، وصاروا معاول لهدم القضاء كل ما مضى من نضال من أجل عيون السلطة وبريقها، وكأن معارضتهم السابقة لمبارك لم تكن من أجل استقلال القضاء بل كانت من أجل وجودهم خارج السلطة.

كم مرة حوكم الإخوان بتهمة محاولة قلب نظام الحكم وخرجوا ساخرين من التهمة ومعناها، لكن ذلك لم يمنعهم من توجيهها لرفاق النضال، كم مرة لجأ مبارك لإجراءات استثنائية لمواجهة الجماعة، وكم مرة أدانت الجماعة وشركاؤها فى المعارضة فى ذلك الوقت هذه الإجراءات، لكن «ترزية القوانين الجدد» مازالوا على درب من كانوا قبلهم لا فرق بين مفيد شهاب وأحمد مكى، ولا بين آمال عثمان وفتحى سرور وباكينام الشرقاوى وفؤاد جاد الله، كل الترزية فى خدمة النظام يزينون له أفعاله، يفصلون له القوانين والتعديلات، ليحقق مآربه.

خدعوك فقالوا: نحن فى ظروف استثنائية، فيما جاء الرئيس منتخبا بسياق قانونى ودستورى وليس استثنائيا، خدعوك فقالوا: مجلس قيادة ثورة يوليو حصن قراراته ضد طعن القضاء، ألا يرى هؤلاء الفارق بين حكم منتخب جاء وفقا لأحكام الدستور والقانون وأقسم على احترامهما، وبين حكم جاء بالدبابات والمدفعية منتزعا الحكم انتزاعا من الملكية البائدة، خدعوك فقالوا كثيرا، ومن ضمن ما خدعوك به أن هناك أناسا يخططون لمؤامرة فى «الضلمة» وحتى يقدموا دليلا لـ«قضاء مستقل»، قل لهم إن المؤامرة فى عقولكم.  

الاثنين، 26 نوفمبر 2012

النموذج الخامنئى


مرة ثالثة ورابعة وخامسة أذكرك بهذه القصة الحقيقية:
( كان الصحفى الإيرانى «هوشانج أسدى» يبلغ من العمر 26 عاما، بينما كان «على خامنئى» يبلغ من العمر 37 عاما حين التقى الاثنان فى زنزانة من زنازين الشاه، قبل قيام الثورة الشعبية التى شاركت فيها كل القوى السياسية فى إيران بعدة أعوام والتى تحولت بعد سيطرة التيار الدينى على زمامها إلى «ثورة إسلامية».

لم يكن هوشانج يعرف أن زميله فى الزنزانة سيكون يوما ما المرشد الأعلى فى إيران، وصاحب الأمر والنهى والولاية، لكنهما، حسبما جاء فى مذكراته التى عنونها بـ«رسائل إلى معذبى»، ونشرت تفاصيلها فى وقت سابق صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، كانا يحلمان بالعدل وسط سياسات التعذيب والتنكيل التى تعرضا لها فى عهد الشاه.

كان الأول «شيوعى» والثانى «إسلامى»، لكن كليهما جمعت بينهما المعارضة للقمع والاستبداد، والتطلع إلى حرية تحمى كرامة الإنسان، تشاركا الزنزانة والسيجارة والحياة، تصادقا وتبادلا الحكايات، وعندما حان موعد الفراق وصدر قرار بترحيل «هوشانج» من سجنه، تعانقا فى لحظات الوداع وبكيا، وقال له «خامنئى»: «فى ظل حكومة إسلامية لن يذرف برىء دمعة».

كان «خامنئى» فى وقتها يعى ما يقوله تماما ويؤمن به، فنظرة واحدة لسطور «هوشانج» عن رفيقه فى السجن وعن تقواه وورعه ورقته وقبوله للآخر باعتباره إنسانا يصبو للعدل تكفى لتخرج بهذا الاستنتاج، لكن الصديقين افترقا، وغادرا السجن، وقامت الثورة الإسلامية فى إيران، وتشكلت الحكومة التى كان يحلم بها ويروج لها «خامنئى»، ويقول إن بريئا لن يذرف دمعة فى ظلها، لكن سنوات قليلة مضت كان «خامنئى» يصعد فى سلم السلطة الجديدة، وكان «هوشانج» يعود إلى الزنزانة ذاتها، لم يتغير منها سوى أنها صارت انفرادية دون صحبة الشيخ التقى، وتغير السجان من حكم الشاه إلى حكم «الملالى»، وتبدل الجلاد من «السافاك» إلى الحرس الثورى.

كان «هوشانج» شابا يتوق للحرية، يشعر بوطنية عميقة، مغرما بالأدب، كان يظن أن العالم يمكن أن يتغير، لذلك وقف إلى جوار الثورة الإيرانية وهو يؤمن بشدة بأن الديكتاتورية ستنتهى إلى الأبد، لكنه فجأة وجد نفسه فى جحيم الزنازين والتعذيب.. معذبه ظن أنه يمثل الله على الأرض، ورآه جاسوسا وخائنا وتجسيدا للفساد والشر، حتى يجعل تعذيبه «حلالا».

تخطئ لو أخذت هذه القصة على أنها شأن إيرانى، فالمسألة أكثر عمقا من ذلك، ومتكررة، خاصة فى شعوب ثقافة الحريات فيها ليست أكثر من شعارات، فلا تصدق داعيا لـ«الحرية والعدالة» إلا بعد أن تشاهد تجربته فى السلطة، لأن هذه اللعينة «السلطة» كما قال «هوشانج» غيرت الشيخ التقى الورع الذى كان يبكى أثناء الصلاة، وجعلته قائدا فى نظام لم يتورع عن استخدام كل أساليب القمع التى سبق وتعرض لها وقاومها، فى التنكيل بمعارضيه.

أذكرك فقط  بهذه السطور بعد أن أصدر رئيس الجمهورية المنتخب وفق آليات الدستور والقانون قرارات تعصف بالدستور والقانون وتضعه فى مكانة اكثر استبدادا من تلك التى يجلس عليها الولى الفقيه فى إيران.. اربط ذلك بالبلاغات المتواترة التى تتهم رفاق النضال والميدان والثورة بالتخطيط لقلب نظام الحكم.

لكل خامنئى صورتان واحدة وهو فى المعارضة المستضعفة والثانية فى السلطة المستعفية، ولكل خامنئى رفيق مثل هوشانج يراه بعين المعارض المستضعف وطنيا وشريفا ومناضلا، لكنه يتحول إلى خائن وعميل ومتآمر، بعين الديكتاتور المتمكن.

الأحد، 25 نوفمبر 2012

حكم بيننا اسمه الدستور


ظل الإعلان الدستورى الصادر عقب الاستفتاء فى مارس 2011 ومازال حتى الآن هو دستور المرحلة المؤقت حتى إعداد الدستور الجديد، وفق قواعده وأحكامه أجريت الانتخابات الرئاسية التى انتهت بتولى محمد مرسى موقع الرئاسة.
أقسم الرئيس على احترام الدستور ــ الذى هو فى هذه الحالة الإعلان الدستورى، وفق أحكام المادة 30، ويشدد الدستور المؤقت على أن أهم مهام رئيس الجمهورية هى احترام الدستور والقانون إلى جانب مهام أخرى.. راجع المادة 25.

تنص المادة 21 من الدستور المؤقت على أن «التقاضى حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعى.. ويحظر النص فى القوانين على تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء».

انظر لهذه الفقرة مرة أخرى بتركيز، أقسم الرئيس «المؤمن» بالله العظيم، على احترام دستور ينص على أن التقاضى حق مصون، ويحظر تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء.

أنا فقط أعرض عليك الشىء الوحيد الذى يجب أن نحتكم إليه إذا اختلفنا، فنحن فى النهاية بشر لكل منا أهواؤه، ووجود هذه الوثيقة كحكم بين الجميع هى الأساس الذى قبله محمد مرسى وقبل خوض الانتخابات على أساسه، وأقسم على احترامه.

والأهم من ذلك المادة 47 التى تقول «القضاة مستقلون وغير قابلين للعزل وينظم القانون مساءلتهم تأديبيا ولا سلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى القضايا أو فى شئون العدالة».

عندما تنتهى من قراءة هذه المواد أرجو أن تقرأ بهدوء الإعلان الصادر عن رئيس الجمهورية، وتسأل نفسك بهدوء أيضا: هل خالف الرئيس الدستور المؤقت الذى أقسم عليه؟

ينص الدستور المؤقت على أن حق التقاضى مصون، لكن الرئيس حرمك من مقاضاته، حتى لو كنت مواطنا عاديا غير مسيس وتريد أن تطعن على قرار جمهورى بنزع ملكية أرضك لمنفعة عامة، أو قرار جمهورى بتعيينك أو بإخراجك للمعاش، أو حتى بتنظيم تعويضات مدنية تقليدية.

ينص الدستور المؤقت على حظر النص على تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء، لكن رئيس الجمهورية حصن كل قراراته السابقة واللاحقة من رقابة القضاء.

ينص الدستور المؤقت أن القضاة لا سلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل فى القضايا، لكن رئيس الجمهورية أصدر إعلانا يمنح فيه لنفسه حق التدخل فى أعمال السلطة القضائية، فأصدر لها أمرا علويا أن تمتنع عن نظر قضايا بعينها، كما منعها من نظر أى قضايا تكون مبنية على طعن فى أى قرار يصدره.

بهدوء شديد كما قلت هل ترى أن الرئيس حنث بقسمه، أو على الأقل خالف الدستور أم أنك لا ترى أى مخالفات دستورية فيما فعله، إذا كان بيننا وثيقة دستورية تحكم بيننا فقد خالف الرئيس الدستور والقانون والقسم، هذا ليس رأيا لكنه إقرار واقع وحديث بالمعلومات.

الشعب مدعو للثورة على أى رئيس يخالف الدستور والقانون، أنا لا أحرضك على الثورة فأنا مجرد كاتب يقول رأيه، ولست ناشطا سياسيا ولا زعيما له أنصار وجماهير، لكن الذى يحرضك هو محمد مرسى شخصيا، الذى قال ذلك بالحرف، ويمكنك أن تسمعه وتراه بنفسك في الفيديو التالي:


السبت، 24 نوفمبر 2012

من خليهم يتسلوا.. إلى موتوا بغيظكم



خدعوك فقالوا.. انتخب محمد مرسى حتى نأتى برئيس نستطيع معارضته، وقال إن أخطأت فقومونى، لكنك اكتشفت بعد أن تمكن المتمكن أو ظن ذلك، إنك لا تستطيع مقاضاته، وأنه سلب منك حق التقاضى، فأى معارضة تبقى، وهو لم يترك لك غير «البعبعة الكلامية إلى حين».

خدعوك فقالوا.. إن الاستبداد حتى لو قيل إنه مؤقت، يمكن أن يصنع حرية أو ديمقراطية أو دولة وطنية دستورية حديثة، إن الإجراءات الاستثنائية التى اكتوى بنارها الحكام الجدد يمكن أن تصنع وطن العدل المرجو، إلا إذا كان وطن العدل الذى فى ذهنهم هو الوطن الذى يعدل معهم ويستبد بالآخرين.

خدعوك فقالوا.. إن كل من يعارضون هذا الانقلاب فلول ومن أعداء الثورة، وبالتالى صار الجميع فلولا إلا هم، وصارت الثورة هى الجماعة والجماعة هى الثورة، وصار طارق البشرى وعبدالمنعم أبوالفتوح ووائل غنيم وحمدين صباحى وخالد على وكمال خليل وجورج إسحاق وكمال أبوعيطة ومحمد غنيم ومحمد أبوالغار وحمدى قنديل وغيرهم، فلولا هم وأحمد الزند وتوفيق عكاشة وأحمد شفيق سواء بسواء.

خدعوك فقالوا إن للرئيس فريقا رئاسيا مستشارين ومساعدين كل منهم دبج آلاف المقالات والأحاديث حول الديمقراطية وسيادة القانون وقيم المحاسبة والمساءلة، بعضهم تعلمنا منهم كيف ندافع عن المستقبل بالدفاع عن الديمقراطية، واجهنا معهم من أرادوا الانقلاب على الديمقراطية والتربص بها لأنها جاءت بنتائج لا تعجبهم، لكن هؤلاء صمتوا واختفوا، ولم يخرج منهم أحد ليدافع عن انقلاب فيما كتبه ومقالاته تفضح تحوله.

خدعوك فقالوا إن للرئيس مساعد لشئون التحول الديمقراطى، فيما الرئيس يصنع التحول الديكتاتورى، خدعوك فقالوا إن حول الرئيس قضاة استقلال، فيما هم راضون عن وضعه فوق سلطة القانون، ومؤيدون لمصادرته حق التقاضى وتدخله فى سير أعمال المحاكم.

خدعوك فقالوا إن مؤسسة الرئاسة صاحبة القرار، فيما كان مكتب الإرشاد يحشد أتباعه لتأييد قرارات لم تصدر، يهتفون تأييدا لقرارات لم يعلن عنها، فيما كان واضحا أنه أعلن عنها لمن هم أهم وأعلى من الشعب، ولمن هم أكثر قربا وثقة من المساعدين والمستشارين فى قصر الرئاسة. خدعوك فقالوا إن الرئيس المنتخب من حقه لأنه منتخب أن ينصب نفسه ديكتاتورا، وأن يهدم كل الإطار القانونى والدستورى والديمقراطى الذى صعد من خلاله إلى موقعه، وأقسم على احترامه 3 مرات فى 3 مواقع مختلفة.

خدعوك فقالوا.. لا نريد دستورا تحت حكم العسكر حتى لا يتدخلوا فى مساره، فصار لدينا دستور يكتب تحت حكم ديكتاتورى، ورئيس يختار صلاحياته بنفسه، ويحصن كل ما يصدر عنه من المحاسبة والمساءلة والطعن.

خدعوك فقالوا فألغيت عقلك، فرحت بإقالة نائب عام فاسد، لتشارك فى تأسيس نظام حكم أكثر استبدادا من كل سابقيه.

دسوا لك السم فى العسل لتمرير ديكتاتور ادعى دراويشه أنه امتداد لخلفاء سابقين، ونسوا أنه ما من خليفة معتبر فى التاريخ حرم الناس من حقهم فى مقاضاته.

هل تجد فارقا بين «خليهم يتسلوا» التى ازدرى بها مبارك معارضيه وفى قلبهم الإخوان، وبين «موتوا بغيظكم» التى تزدرى بها الجماعة معارضيها، حتى لو كانوا رفاق ميدان لا يمكن إنكارهم.. ألم أقل لك خدعوك فقالوا؟.. والحقيقة أن الاستبداد ملة واحدة.

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

الرجل الغائب.. والتهدئة المهملة


المفترض أن المستشار محمود مكى نائب رئيس الجمهورية هو المسئول عن إدارة الحوار الوطنى حسب ما أعلن هو نفسه عن صلاحياته ودوره، لكن المؤكد أن الرجل الذى غادر لتمثيل مصر فى قمة إسلامية فى باكستان حاليا، لا علاقة لها بهذا الحوار أو لم يبدأ بعد مزاولته.
منذ تولى مكى موقعه والأزمات بين فرقاء السياسة تتصاعد، لا تقتصر على حدة اللغة وغلظة الاتهامات، وفجاجة التخوين المتبادل، لكنها تمتد إلى إجراءات فى الشارع وعلى مستوى المؤسسات تذهب بما كان يسمى بحالة التوافق الوطنى إلى مسار بعيد تماما عن معنى هذه الكلمة.

لديك مواجهات فى الشارع مازالت دامية ومشتعلة على الأقل حتى لحظة كتابة هذه السطور ظهر أمس، ولديك انفجار فى الجمعية التأسيسية انتهى بانسحابات حقيقية ومؤثرة، ولديك أزمات بين الدولة كدولة وفئات عديدة من المجتمع من الأطباء إلى المعلمين إلى القبائل السيناوية، إلى الإعلام والصحافة، إلى العمال، وأساتذة الجامعات وطلابها، ناهيك عن القوى والحركات السياسية التى كانت شريكة فى الثورة وتفاهمات ما قبل الانتخابات الرئاسية.

وسط كل هذه الأزمات من منكم سمع أو شاهد أو قرأ عن تحرك للمستشار مكى يشير من قريب أو بعيد أن الرجل ضالع فى مهمته الأساسية فى إدارة الحوار الوطنى؟

أطرح هذا السؤال ردا على من يسألون: أين الدولة فى كل هذه الأزمات، لأن المفترض أن فى الدولة مسئول بدرجة نائب للرئيس هذه مهمته وهذه وظيفته، أعلنت الرئاسة ذلك وأعلن هو ذلك مرات كثيرة.

وسط كل هذه الأحداث أيضا نشرت «الشروق» عن أزمات فى قصر الرئاسة إحداها استياء محمود مكى من عدم وجود صلاحيات محددة وعدم تمكينه من ممارسة مهامة المعلنة وتهميشه، لكن الرئاسة نفت ذلك فيما أفعالها وما يصدر عنها، والغياب الواضح لنائب الرئيس فى أوقات كان من المفترض أن يظهر فيها تؤكد ذلك.

وهذا يعيدك كذلك لمحمود مكى الذى لم يمل فى ظهوراته الإعلامية القليلة أن يؤكد على الشفافية وإتاحة المعلومات، لكن وجوده فى مؤسسة الرئاسة يحيط به غموض حقيقى، يجعلنا نصدق أنه مجرد ديكور، قاض مهم وجليل وذو تاريخ واضح مجرد وجوده يعطى إشارات إيجابية عن المؤسسة.

لكن ضع اسم المستشار الجليل على محركات البحث وانتظر النتائج، لتعرف كم مرة تحدث مكى عن أزمة داخلية، وكم تحرك ونشاط قام به، وكم أزمة لها علاقة بالحوار الوطنى اندلعت فيما هو غائب لا حس ولا خبر.

المسألة فى النهاية ليس لها علاقة بشخص مكى أو قبوله أن يكون ديكورا، بقدر ما لها علاقة بسؤال مشروع، من الذى يدير ملف الحوار إذا كان هناك من يديره؟ وأين هو من هذا الإحتقان الدائر فى المجتمع سياسيا واجتماعيا وفى الشارع أيضا، وإذا كانت الدولة استنفرت وهذا واجبها لتحقيق تهدئة فى غزة، فلماذا لا نراها وهذا واجبها أيضا تبذل الجهد لتحقيق تهدئة فى الداخل بضمانات حقيقية، هل لأن هذا الملف لا يعنيها، أم لأن المسئول عنه لا يقوم بدوره طوعا أو كرها؟.. أفيدونا!

الخميس، 22 نوفمبر 2012

كل شىء كما هو فى محمد محمود


يالله.. وكأن الأيام لم تمض، والنظام لم يسقط، والمرحلة الانتقالية لم تنته، والعسكر لم يخرجوا بقلاداتهم، والشرطة لم يعد حكمها فى يد الرئيس المدنى المنتخب.

قامت الثورة، وسقط النظام، ومرت المرحلة الانتقالية بكل جراحها وآلامها، وبقى محمد محمود كما هو ميدان للدم والجراح والألغاز أيضا.

ما يثير الدهشة ليست المواقف السياسية، ولا ردود الفعل وتداعيات الأزمة، بقدر ما هى القدرة العبثية على إنتاج ذات المصطلحات والأسئلة وذات الجمل الرنانة مع تغير أسماء القائلين، وتبدل مواقع المتحدثين.

هل تتخيل أننا حتى هذه اللحظة مازال هناك من يسأل السؤال القديم: هما مين اللى هناك؟ ثم تجد عدة إعلانات تصدر عن عدة قوى وحركات تعلن أنها غير موجودة فى محمد محمود، وبيانات من الشرطة تخلى مسئوليتها عن العنف، وفى النهاية تدهور كبير يتجه دائما إلى طرف ثالث.

الطرف الثالث مازال حيا فى العقول، هو شماعة سهلة جدا ومجربة للتنصل من المسئوليات، سبق أن استخدمها المجلس العسكرى و«نفعت معاه»، فأفلت قادته من جرائم فى محمد محمود وماسبيرو ومسرح البالون، كما استخدمتها الداخلية نفسها ونفعت معاها، ومثلما خرج من يقول سابقا «مفيش خرطوش» تندهش كذلك أن هناك من مازال يقول ذات الجملة بذات الأداء، فيما الخرطوش مستقرة آثاره على أجساد المحتجين.

لماذا أديرت وتدار أزمة محمد محمود الجديدة بنفس طرائق ووسائل الأزمات القديمة، ألم يتغير شىء، ألم يتعلم أى طرف أى شىء جديد، ألم تتراكم أى خبرات مما مضى من جراح وآلام ودماء؟

الحقيقة أن مطالعتك لبيان الداخلية التحذيرى الذى استبق الفعاليات بـ24 ساعة يكفى لتدرك أن الشرطة لم تتعلم أولا ولم تحاول انتهاج لغة خطاب جديدة ثانيا، بعيدة عن الاستفزاز والتعالى، وغير متضمنة تحريض مبطن لقواتها، وغير محترمة حق التظاهر والاحتجاج السلمى، وفى النهاية وحتى إن صدقت رواياتها الكثيرة عن الأحداث بأنها لم تبادر بالعنف، فهى على الأقل استدرجت للعنف، وهذا دليل أن العقل ثابت لم يتغير، والأداء راكد لم يتطور، والفهم السياسى قاصر لم يتعلم من الماضى أى درس.

وبينما لاتزال أسطورة رغبة المحتجين فى اقتحام وزارة الداخلية قائمة، مازال المحتجون أيضا عرضة للاستدراج والاستفزاز بالشكل الذى يخرج احتجاجاتهم عن طابعها السلمى، ويظهرها كذلك أمام ملايين الناقمين على الميدان وثقافة الاحتجاجات، وكأن خبرات لم تتراكم ويُدفع فيها دم.

أيضا مازال الإخوان يتحدثون عن مخططات «الفوضى المنظمة»، ومازال أداء الدولة كما هو، لا تنظر إلى الدماء التى تسيل فى وسط القاهرة، والعنف المتفشى، تبذل الجهد واضحا للوساطة بين ضباط جيش يتعاركون مع ضباط شرطة، لكنها لا تلتفت بجهد ملموس لوقف العنف فى وسط المدينة.

كل شىء فى محمد محمود باق كما هو، الدم والعنف والرصاص، والدولة الغائبة، والجماعة التى تعتقد أن العالم كله يتآمر عليها، والشرطة «اللى معندهاش خرطوش»، والشهداء الذين يواجهون بسؤال هوية: «مين دول»؟.. والطرف الثالث الذى يرفض أن يموت، وكيف يموت وهو شماعة مجربة بنجاح.

الرئيس مصدر السلطات



سأصمت.. أخشى أن أكتب كلمة تغضب الرئيس فيصدر قرارًا بقطع يدي حتى لا أعاود الكتابة، ووقتها لن أستطيع أن أشكوه، ولن أجد محكمة تقبل دعواي ولا نيابة تتلقى بلاغي.
سأصمت.. أخشى أن أظهر في محطة تلفزيونية فأتفوه بكلمة تزعج الرئيس فيغلقها، ووقتها لن يستطيع ملاكها ولا العاملون فيها أن يلجؤوا لمحكمة للفصل في القضية.

سأصمت.. أخشى أن أُغضب زوجتي يومًا فتشكوني للرئيس فيصدر قرارًا بالتفريق بيننا. من حقه قانونًا الآن أن يطلقنا، ووقتها لن أستطيع أن أطعن على قراره أو أجد قاضيًا ينصفني.

سأصمت.. أخشى أن أتشاجر مع جاري «الإخواني» فيشكونى لمسؤول شعبته، الذي سيرفع شكواه لمسؤول المكتب الإداري فمكتب الإرشاد؛ فيصدر الرئيس قرارًا بطردي من منزلي ومصادرته لصالح جاري المؤمن، ولا أجد محكمة تسمعني أو قانونًا يسعفني.

سأصمت.. أخشى أن أهتف في الشارع معلنًا رأيي، فتلقي شرطة التدابير الخاصة القبض عليَّ، ويصدر الرئيس حكمًا بإعدامي من أجل حماية مكتسبات الثورة، ووقتها لن أجد استئنافًا ولا نقضًا ولا درجة واحدة في سلم التقاضي، تسمح لي بصعودها.

سأصمت.. أخشى أن أكتب من جديد عن الدولة الديمقراطية واستقلال السلطات الثلاث؛ فيعتقد الرئيس أني معترض على جمعه السلطات الثلاث في يديه، فيعتبر رأيي محاولة لقلب نظام الحكم، فيصدر قرارًا بإبعادي إلى حلايب، ووقتها لن أستطيع أن أشكوه لأية جهة.
 
سأصمت.. أخشى إن كتبت ووقعت ما أكتبه، أن يصدر الرئيس قرارًا بتغيير اسمي، وتعديل اسم أبي، وإسقاط اسم أمي من شهادة ميلادي، ووقتها لن أستطيع أن أعترض، ولن أجد ملاذًا من الرئيس إلا إليه.

سأصمت.. أخشى أن أظهر حزنًا على الجمهورية التي تحولت إلى قبيلة، فيسألني الرئيس: «وانت مالك؟» فأقول له: "أنا مواطن مصري،" فيصدر قرارًا بإسقاط الجنسية عني، ووقتها لن أستطيع أن أحتج بمبادئ دستورية أو بحقوق إنسانية أو بجهات قضائية.

سأصمت.. أخشى أن أقف في مسجد خاشعًا، أدعو الله ألا يجعلنا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فيسمع مناجاتي إمام المسجد، فيوشي بي لدى الرئيس، فيصدر قرارًا بمنعي من دخول المساجد، وتعديل ديانتي في البطاقة الشخصية، بما يجعل المساجد محرمة على أمثالي ممن صاروا بقرار جمهوري "غير مسلمين"، ووقتها لن أستطيع أن أقاضيه أو أقف أمام قاضٍ لأهتف بالشهادتين، فما يقرره الرئيس فقط هو الحقيقة وهو القانون!!

سأصمت.. أخشى أن  أموت وأنا أتكلم؛ فيغضب الرئيس من حديثى، فيصدر قرارًا بمنع الاعتراف بموتي، فلا تستطيع زوجتي الحصول على شهادة وفاة، ولا يستطيع أطفالي القصر نيل ميراثهم القليل، ومعاشهم الهزيل، فإذا قال الرئيس إني لم أمت فأنا لم أمت؛ هكذا يقول القانون، وهكذا يقول الإعلان الدستوري، والدولة القبيلة لا تعترف إلا بالرئيس.

سأصمت.. لأن الرئيس صار هو السلطة التنفيذية، بيده قرار الوزراء والقوات والجيوش، وصار السلطة التشريعية؛ بيده القوانين التي تجرم وتخون وتحيي وتميت، وصار السلطة القضائية، قراراته «وحي يُوحى» معصومة من النقد والطعن، وصارت أحكام القضاء التي على غير هواه «هي والعدم سواء».

سأصمت.. لأنني بشر والحاكم بأمر الله يمكن أن يصدر قرارات بمنعي من دخول الحمام فأموت «محصورًا»، أو منعي من تناول الطعام فأموت جائعًا، أو منعي استنشاق الهواء فأموت مختنقًا، أو حرماني من ضوء الشمس فأموت في الظل بلا ثمن.. الرئيس أراد ذلك ولا توجد محكمة من حقها أن تحاكم إرادة رئيس قال للعالم: «أنا الدولة والدولة أنا.. أنا القانون والقانون أنا.. أنا مصدر السلطات الوحيد.. أنا فوق القانون والدستور والمحاسبة والقضاء»..

أهلاً بكم في دولة الرئيس «الديكتاتور» الذي "لولاه ما تساقط المطر.. ولا تبلور الندى.. ولا تنفس الشجر.. ولا تدفأت عصافير الشتاء"؛ فاصمتوا حتى يرضى عنكم الرئيس ويسمح لكم بالحياة، وإلا فماكينة القرارات جاهزة دون طعن أو محاسبة.

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

إخوان مبارك


هل أنت تعارض حكم الإخوان لأنك مختلف مع السياسات والأفكار وتملك رؤى بديلة، أم لأنك فقط تحسد الجالسين فى السلطة على ما هم فيه وترغب فقط فى أن ترث مقاعدهم.

إذا كنت معارضا حقيقيا لا أنصحك أن تكون من الصنف الثانى، تعارض سياسات ربما أنت مؤمن فى قرارة نفسك بها، أو لا ترى حلا آخر سواها، لمجرد المزايدة على الحكم القائم.

الخطر فى أن تكون من هذا النوع من المعارضين أنك فى مجتمع منفتح، تداول السلطة فيها بات أكثر احتمالية من ذى قبل، يصبح انكشافك واضحا وسريعا بمجرد أن تقضى بضع شهور فى مواقع السلطة المختلفة.

لك فى تجربة الإخوان القصيرة حتى الآن نموذجا واضحا، الأرجح أنك مثلى كنت ترى فى الجماعة نموذجا للبديل الجاهز المغاير تماما لما كان قائما، وكنت مقتنعا مثلى بأنهم يملكون رؤى بديلة وقادرون على إنتاج سياسات مختلفة ومتمايزة فى مواجهة كل مشكلات الوطن، أداؤهم خلال فترة المعارضة الطويلة ينم عن ذلك.

عندما تجد الإخوان وعلى رأسهم محمد مرسى نائبا، يتحدثون عن مساوئ الاقتراض الدولى إلى جانب تحريمه طبعا، وعن صندوق النقد وشروطه والبنك الدولى كعنوان للتبعية للغرب، تستشعر أن الجماعة لديها سياسات وأفكار بديلة فى التمويل، وأن معارضتها لقروض مبارك لم تكن مزايدات بقدر ما كانت اختلافا حقيقيا لوجود سياسات بديلة لا يريد النظام النظر إليها، لكن إخوان السلطة ذهبوا إلى الاقتراض، ولم يقدموا أفكارا بديلة أو سياسات مختلفة عن نظام مبارك.

وعندما وقع حادث قطار العياط وقف محمد مرسى النائب الإخوانى وزملاؤه من نواب الجماعة يكيلون الاتهامات للحكومة ورئيسها فى ذلك الوقت، يطلبون إقالته ومحاكمته، لا يقبلون تبريرات من شاكلة أن عاطف عبيد لم يكن هو الذى يقود القطار وليس هو الذى أحرق عرباته، وعندما وقع حادث قطار أسيوط، فعل محمد مرسى الرئيس ما كان يعارضه ويرفضه، هل كان محمد مرسى النائب يزايد تحت القبة على الحكومة ويستغل دماء وأرواح الشهداء لتحقيق مكاسب سياسية كما يتهم الإخوان خصومهم اليوم؟

لديك من النماذج الكثير، كان إخوان المعارضة يدافعون عن حرية الصحافة والإعلام وحرية التعبير، حين كان إعلام مبارك يعتبر الإعلاميين مخربين يعملون لصالح دول فى الخارج وجماعات فى الداخل، وصار الإعلام أيضا مخربا ويعمل لصالح جماعات فى الداخل ودول فى الخارج فى عهد إخوان السلطة.

ظلت موازنات مبارك منحازة تماما ضد الفقراء، ووقف إخوان المعارضة مع حقوق المعلمين والأطباء والعمال، شاركوا فى احتجاجاتهم، وكانت حكومات مبارك تعترف بحقوق هذه الفئات وتحتج بعجز التمويل، والإخوان يرفضون التبريرات ويشعلون الإضرابات والاحتجاجات، وعندما صار القرار بأيديهم، تغير الجالسون على الكراسى وبقيت ذات اللغة التخوينية وذات التجاهل، وذات الحجج، هل كان الإخوان وقتها يزايدون ويتاجرون بمطالب البسطاء سياسيا فقط دون امتلاك حلول آخرى أو بدائل.

أيها المعارضون الجدد للسلطة الجديدة، اهتموا بالسياسات البديلة ولا تغرقوا فى المزايدات، حتى لا يكشفكم تبدل المواقع يوما كما كشف غيركم..! 

مقالات أخرى للكاتب

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

مبارك الذى فى عقولكم


حصل لاعب الكرة الواحد فى فريق الأهلى الفائز ببطولة أفريقيا وبشكل مبدئى على 200 ألف جنيه كمكافأة فوز، فيما قدمت الدولة لأسرة كل ضحية من ضحايا قطار أسيوط 4 آلاف جنيه على الأكثر.. هل تغير شىء؟

لا ذنب قطعا لكل لاعب كرة أن هناك إدارة تكافئه، ربما يشعر بقدر من الغبن حين يقارن نفسه بآخرين فى ملاعب أخرى، السعر ليس هو السعر، والمكافأة ليست هى المكافأة، لكن أحدا فيهم لا يمكن أن ينكر أن سعره تطور وتصاعد.

فى بلادنا ترتفع أسعار كل شىء، ويبقى الإنسان، سعره ثابت لا يتغير، يقول الرئيس وجماعته وحزبه إن نظام مبارك هو سبب كل الكوارث، هو السبب فى حوادث القطارات، وفى الفقر والمرض والفساد، وفى تردى الرعاية الصحية، وعندهم كل الحق، لكن الشعب فعل ما كان واجبا عليه، ثار وأسقط نظام مبارك، على أمل أن يأتى نظام جديد لديه رؤية إصلاحية، يشعر بالمشاكل ولا يطالعها فى الأوراق والتقارير والصحف، منخرط وسط الناس ويعرف متاعبهم، والأهم من ذلك أنه مقطوع الصلة بفساد النظام السابق، وبسياساته التى دعمت الإفقار والتهميش، وبأنماط انحيازاته ضد الفقراء ومصالحهم.
 
فعل الشعب ما عليه وأسقط النظام، لكن هل أدى النظام الجديد ما عليه، هل أوفى بوعود قطعها على نفسه دون طلب منه؟ وهل فتح طريقا واحدا تتلمس منه أى فئة فى المجتمع أن أهدافها من الثورة قيد التحقق؟

ربما تقول إن إصلاح فساد 30 عاما لا يمكن لعاقل أن ينتظره فى شهور أو حتى فى عامين أو أربعة، وهذا للأمانة حق، لكن الأمور تبدو من عناوينها واضحة، وتلمس الكفاءة أو حتى الرغبة فى التمايز عن النظام القديم تبدو أكثر وضوحا على السياسات والتوجهات والبروتوكولات.

 الأرجح أن نظام مبارك عطل إصلاح السكة الحديد على سبيل المثال، ترك جراراتها ومزلقاناتها وسيمافوراتها دون تطوير، لم يهتز له جفن بالحوادث المتتابعة والضحايا الذين يتساقطون، اكتفى بدفع ثمن بخس على كل رأس، وبعض الأحاديث الإنشائية فى إعلامه عن رثاء الضحايا والشهداء، وإقالة وزير أو رئيس هيئة إذا اشتد الغضب الشعبى، دون حداد رسمى أو حتى زيارة رئاسية لموقع الحادث.

ليس فى يد الرئيس مرسى أن يضغط على زر، ثم يتعهد أن كل المزلقانات صارت جيدة وأن زمن حوادث القطارات انتهى، لم يطلب منه أحد ذلك لأنه بالفعل ليس فى يديه بهذا المعنى الميكانيكى الذى يحلم به الناس، لكن كان فى يده على الأقل أن يرفع سعر الإنسان، ألا يضع يده فى صندوق مبارك ثم يخرج ليقر الأسعار التى سبق لمبارك اعتمادها، ملايين الدنيا لا تعوض ضحكة طفل راح، لكن الثمن الرسمى الذى لم تستطع الثورة والرئيس الذى يقول إنه منتسب لها، أن ترفعه مازال يجرح ويهين الكرامة.

أيها المبررون المحتجون بنظام مبارك انتبهوا: مبارك سقط، لكنه مازال فى عقولكم، وتقتدون به بقصد أو بدون لا فارق كبير..!

الأحد، 18 نوفمبر 2012

الحرب فى غزة.. والموت فى أسيوط


يموتون فى غزة.. ويموتون فى أسيوط، أطفال هناك لا يعرفون لماذا يموتون، ولماذا تسعى وراءهم القذائف الصاروخية بالذات لتغتال أحلامهم وحقوقهم فى الحياة، لكنهم فى النهاية يعرفون أن هناك عدوا يتربص بهم يريد أن يقطع الطريق عليهم للمستقبل، لكن أطفال أسيوط لا يعرفون العدو، يجهلون دوافعه ومبرراته، فقط يرونه كل يوم يحصد ما تيسر له من الأرواح، يسمعون فى كل مرة صخبا وضجيجا ونواحا وعزاء، حتى يأتى ضحايا جدد فيتحول القدامى إلى أرقام أرشيفية فى قائمة الموت.

فى غزة يدفع الأطفال فواتير السياسة، تتحكم فى أعمارهم المواءمات الانتخابية، كلما اقتربت مواعيد الاختبارات التصويتية تتحرك آلة الحرب باتجاههم، كل روح تزهق تضمن بطاقة فى صندوق اقتراع، هكذا سارت بهم الأمور وتسير، وفى أسيوط يدفع الأطفال أيضا فواتير السياسة التى غابت طوال 30 عاماً، فغابت معها كل قيم المحاسبة والمساءلة، وتردت معها كل معايير الكفاءة والإنجاز، ومع تراكم الفشل والإهمال قامت الثورة وغادر الفاشلون والفاسدون مقاعدهم، لكن الضحايا استمروا فى دفع فواتير السياسة وأولوياتها المختلة بعد الثورة.

 
فى كل مرة يعتقد الأطفال أن الموت سيتوقف عندهم، وأن الحل قادم لتأمين الحياة ضد هذه النهايات البشعة، لكن أطفال غزة لا يعرفون أن أقصى جهد يبذل لوقف هذه المجازر لا يستهدف منعها مجددا، لكنه يقتصر على ابرام هدنة تلو هدنة وتهدئة تلو تهدئة، فيما يبقى أباطرة السياسة يتنازعون وتفشل ريحهم، ومجرمو الحرب متعطشون لأى ذريعة لإعادة نهر الدماء إلى جريانه، لأى سبب سياسى أو انتخابى أو لتجريب سلاح جديد.

ويعتقد كل طفل يموت تحت عجلات قطار أنه سيكون الأخير، ربما تعزى أمه نفسها، إذا كان موت ابنها سيكون سببا فى أن يصحو الغافلون ويُعاقب المهملون، ويُستبعد الفاشلون، فسيكون موته ضمانة ألا يموت الآخرون، لكن العشرات والمئات والآلاف لم يكفوا لوقف قوافل الموت وطوابير الجنازات.

يموت الأطفال فى أسيوط فى قصف الإهمال والفشل، بأضعاف من يموتون فى حرب غزة، ربما لا يحلم أطفال غزة أن يأتى يوم لا يشمون فيه رائحة الحرب، لكنهم على الأقل متأكدون أن هناك قوى بعد أن تقضى منهم وطرهم، سيعقدون هدنة أو سيضمنون تهدئة إلى حين، لكن أولئك الذين يروحون ضحايا للإهمال والفشل، ليس لديهم أى أمل فى هدنة أو تهدئة، فلا أحد لديه شجاعة أن يتعهد بوقف الموت، أو يضمن أى اتفاق هدنة مع قضبان ألفت دماء وذاقت طعم أجساد المصريين كما ذاقها الأسفلت والبحر وأنقاض العقارات.

فى غزة وفى أسيوط يبحث الأطفال عن حل يمنع ماكينة الموت نهائيا ولا يعطلها مؤقتا، لكن كل ما يدور من جهد وحوارات وجدل حتى الآن يذهب فى طريق الهدنة المؤقتة وليس الحل النهائى.   

الخميس، 15 نوفمبر 2012

حقوق وليست أحلامًا


لم تقم الثورة فقط على مبارك كشخص، لكن الدستور الذى كان يحكم به هذا النظام كان أول الأعمدة التى وجب سقوطها وارتفعت الحناجر فى رفضها.

لم تكن مشكلة دستور 71، فى افتقاده للمواد التى تحمى الحريات والحقوق والمال العام، لكن كانت مشكلته فى نظام شمولى كان لديه القدرة على العبث بهذه المواد وتحويلها إلى لافتات وشعارات ليس لها محل من التطبيق، مستفيدا فى ذلك بسلطة تشريعية خاضعة ومؤيدة، وحالة طوارئ دائمة تجعل كل الحقوق الدستورية حبرا على ورق.

لكن فى جميع الأحوال وباستثناء صلاحيات رئيس الجمهورية الواسعة والمطلقة، كان دستور 71 معقولا كنص، وبالتالى اعتبره المطالبون بكتابة دستور جديد يليق بالثورة على الأقل حدا أدنى لما يجب أن يكون.

لا يمكن بحال من الأحوال أن تقنع أحدا طالب بسقوط دستور مبارك لأنه يمنح الرئيس صلاحيات مطلقة، ثم تكتب دستورا باسم الثورة يخلق فرعونا جديدا كل الفارق بينه وبين من سبقه أنه اختيار الصندوق، ولا أن يأتى دستور الثورة على حقوق كانت مكفولة وينتقص منها أو يقيدها أو يلغيها.

الأزمة أننا نتشبث بالتسميات.. هذه المؤسسة كانت فاسدة أيام مبارك فتلغى ولا تصلح، وتحت هذا الزعم يجرى النيل من كل مكتسب دستورى أو قانونى أو حقوقى كان قائما أيام مبارك واستفاد منه الحكام الحاليون والمجتمع كله فى مواجهاته القانونية والحقوقية مع الاستبداد.

كان نظام مبارك يتحايل على تمثيل العمال والفلاحين فى مجلس الشعب، ويترك الطيارين واللواءات وأساتذة الجامعات يترشحون على مقاعدهم، لكن هل العيب فى النسبة أم فى الممارسات، وهل الحل بإلغاء هذه النسبة أم بكبح التحايل عليها عبر آليات واضحة وصارمة.. لديك الآن فئة مهمة فى المجتمع ناضلت وشاركت فى الثورة حتى تتحسن أحوالها، لكنها فى دستور الثورة تم حرمانها من مكتسبات كانت قائمة ومهدرة ومسلوبة منهم، وبدلا من إعادتها إليهم يحرمون منها، إلى جانب حرمانهم من ضمانات العمل الكافية إنسانيا وكأنه انحياز من دستور الثورة لأصحاب الأعمال على حساب من كانوا وقودا للثورة بنومهم على الأرصفة منذ 2005.

كانت المحكمة الدستورية سلطة قضائية مستقلة بحكم النصوص الدستورية، فى تاريخها ممارسات خاطئة واستخدام سياسى، لكن هل الحل فى الغائها أو تقييدها أم فى تعزيز استقلالها. انتهى عصر مبارك ورئيس المحكمة الدستورية تنتخبه الجمعية العمومية، لكن الدستوريين بعد الثورة أرادوا أن يعيدوا تعيينه إلى الرئيس وكأننا نرجع للخلف، هناك جدل حول اختيار أعضاء المحكمة، وجدل حول أدوار سياسية لبعضهم، لكن كيف نضمن استقلال المحكمة وقيامها بدورها فى رقابة دستورية القوانين ونبعدها عن التسيس دون مساس بوجودها وصلاحياتها.

جاءت الجمعية التأسيسية لتبنى على وضع قائم وتصلحه مواطن قصوره، لديها حد أدنى اسمه دستور 71، ليس من حقها أن ترتد خلفه، تسلمت قضاء غير كامل الاستقلال وعليها أن تعزز استقلاله، وحقوق وحريات لا تترجم فى الواقع وعليها ضمان ترجمتها، وحقوق عمال وفلاحين منهوبة عليها استعادتها، وحقوق فى الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية والمساواة والديمقراطية عليها بلوغها، هذه الحدود الدنيا للحقوق وليس الأحلام.  


الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

ليس الإعلام وحده


يحتاج الصحفيون والمشتغلون بالإعلام، قطعا، إلى تدريب مستمر، وتنمية مهارات، وتأكيد كل فترة على القيم الحاكمة لممارساتهم المهنية ومواثيق الشرف التى تحكمها، لكن ما تراه أمامك على الشاشة أو تقرؤه فى الصحيفة أو الموقع الإلكترونى، هو نتاج علاقة بين الصحفى والمصدر الذى يستقى منه معلوماته، هذا المصدر فى الأغلب مسئول حكومى أو تنفيذى أو نائب فى البرلمان، أو مواطن عادى قد يكون شاهد عيان على قصة يجرى تحقيقها، أو صاحب مصلحة فى تسريب حقائق مهمة.

ومع اتساع نمو الميديا فى المجتمعات العربية، وفى مصر تحديدا، وقدرتها على نقل جميع الأحداث بتفاصيلها، بما فيها تلك التى تحدث فى مناطق نائية أو خارج العاصمة، أصبح تعامل المسئولين وقيادات الرأى العام مع الإعلام ضروريا وجزءا أساسيا من مهام وظائفهم ومواقعهم فى المجتمع، وبالتالى تصبح مخاطبتهم لوسائل الإعلام والتعاطى معها، ملمحا أساسيا من ملامح كفاءتهم.

أنت لا تنظر لهذا الجانب وأنت تلوم الإعلام كل مرة على تكريس حالات الاحتقان والاستقطاب وربما الكراهية بين الأطراف المختلفة فى المجتمع، تتحدث كثيرا عن مواثيق الشرف وتغليظ عقوبات الصحفيين والتوسع فى تدريبهم وتأهيلهم، دون أن يلفت نظرك أن الطرف الرئيسى فى المعادلة غائب، وهو المصدر المتحدث الذى يحتاج أيضا إلى تأهيل وتدريب وضبط، هو مصدر الشرر فى الأساس، وفى زمن الشغف بالظهور الإعلامى، والإحساس بدور الميديا فى الصراعات السياسية وتحويلها إلى ميدان معارك، يسعى هؤلاء وراء الوسائل الإعلامية بأكثر مما يسعى الإعلام وراءهم.

عندما يخرج رئيس الجمهورية ليقول إن الله لن يرزق من لا يصلون الفجر، متناسيا أن ثلثى سكان العالم تقريبا لا يصلون الفجر ويرزقهم الله، وعندما يركز الإعلام على ذلك يواجه القائمون عليه باتهامات الاصطياد والسعى وراء القضايا الهامشية والتافهة، فهل الأزمة عندنا أم عند الرئيس، وهل مطلوب من الإعلام أن يركز على الأولويات والقضايا والكبرى، بينما رئيس الجمهورية لا يركز على ذلك، ويحرص فى كل خطاب على الحديث بهذه الشاكلة وبهذه الأولويات والأنماط.

قدر من مسئولية ضبط ما يمكن أن تعتبره «انفلاتا إعلاميا» يقع بالتأكيد على عاتق أهل المهنة والصناعة، لكن القدر الأكبر يقع على عاتق أولئك الذين يستخدمون هذه الصناعة فى الوصول للرأى العام، فيعرف كل منهم قدره وحجمه، وعندما يعرف ذلك يدرك ما يقال وما لا يقال، ويعلم حتى إذا أراد أن يقول شيئا كيف يقوله، فما هو مقبول قوله من الرئيس غير المسئول الحزبى غير الناشط السياسى.

وليس عيبا أن نعترف أن الإعلاميين بحاجة إلى تدريب مستمر، وليس عيبا ولا تجاوزا أيضا أن نقول إن الجميع بحاجة إلى هذا التدريب خصوصا أطراف المعادلة الرئيسيين من أعلى مسئول إلى كل شخص يعتقد أن ما يقوله أو يفعله يهم الرأى العام ومن واجب الإعلام نقله والتعاطى معه، على الأقل حتى تتحول هذه الصناعة إلى نعمة حقيقية وليس مصدر تكدير دائم للمجتمع.

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2012

التأسيسية العمياء


دعك من كل الجدل حول التأسيسية وأدائها، بين من يصعد بها إلى سماء الإنجاز مدعيا أنها تكتب أعظم دساتير العالم، وبين من يهبط بها إلى أسفل سافلين، وتعال لأفترض معك من البدء أن الجمعية التأسيسية فى تشكيلها كانت معبرة عن كل المجتمع المصرى بتنوعه وتمايزه واتجاهاته.

لا تتحدث عن النسب والتناسب وجدل الأغلبية والأقلية، فتلك قضية أخرى، انظر فقط للتمثيل أى كان حجمه، ستجد فى القلب منه المحجبة والكاشفة، الأبيض والأسود، المسلم والمسيحى، من يرتدى الملابس الأفرنجية، ومن يرتدى الأزياء البدوية، ومن يلبس الجلباب الوهابى، ومن يلبس الجلباب الفلاحى.

يقولون إن النوبة ممثلة ــ أو كانت كذلك قبل استقالة منال الطيبى ــ وإن سكان الأطراف ممثلون من سيناء إلى الصحراء الغربية، حتى المسيحيين أنفسهم لا يقتصر تمثيلهم على الأرثوذكس الذين يشكلون غالبية الأقباط فى مصر.

بين أعضاء التأسيسية من يتذوق الموسيقى، يسمعون فى الإسماعيلية أنغاما فى الأفراح غير تلك التى يسمعونها فى أسوان أو فى قلب الدلتا وبين جبال سيناء، تختلف قيم زواجهم وقواعدها، تتنوع طريقة نطقهم للكلام، تختلف وسائل طهوهم، ومذاق أطباقهم، كل منهم يعبدالله على طريقته وبفهمه وبإيمانه، كل منهم يمكن أن تراه نتاج حضارة من الحضارات التى ازدهرت فى مصر أو مرت عليها فاكتسبت روحا مصرية وشكلا مصريا.

كل هذه الوجوه التى يمكن أن تراها جالسة على مقاعد الجمعية التأسيسية، الأرجح أنهم لا يرون بعضهم رغم ضيق المسافات بين المقاعد، وإلا ما كانت مسودة الدستور خرجت بمادة تتحدث عن «التزام الدولة بحماية الوحدة الثقافية والحضارية للشعب المصرى»، على الرغم من أن هذه الوحدة غير متحققة داخل الجمعية التأسيسية ذاتها التى مازالوا يصرون على أنها ممثلة لكل المجتمع.

ربما كان هناك إطار ثقافى وحضارى يجمع كل المصريين، لكنه إطار يجمع فى إطار التنوع، وليس فى إطار التوحد الذى تلتزم الدولة بحمايته، وحساسية التأسيسية من الاعتراف بهذا التنوع ليس لها ما يبررها على الأقل فى ضوء تشكيلها الحالى على الأقل، فإذا كانت لا ترى التنوع فى تشكيلها فكيف ستراه فى المجتمع.

لدى الجمعية هاجس أن المجتمع مفكك وأن أخطار الانفصال محدقة وتأتى من كل صوب وحدب، لذلك تؤكد أن «الأراضى المصرية غير قابلة للتجزئة»، وكأن النصوص الدستورية هى التى تحمى الوحدة الجغرافية للدولة، وليست ممارساتها وسياساتها التى تدفع دعاوى الانفصال للترويج واكتساب الأنصار، جنوب السودان لم ينفصل لأن دستور البشير لم يكن فيه نص على أن السودان غير قابل للتجزئة، ولكن لأن هناك سياسات حقيقية صبت فى صالح التجزئة، أولها عدم الاعتراف بالتنوع، وما يلى ذلك من تهميش وإقصاء.

التنوع رحمة وقوة.. لكن أعضاء التأسيسية لن يروا ذلك، لأنهم فى الأصل لا يرون أنفسهم داخل القاعة، فكيف نأمل منهم أن ينظروا خارجها.  

الاثنين، 12 نوفمبر 2012

مات «العار» ..وانتصرت «البجاحة»


«كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطائين التوابون»، لكن المسئول السياسى المؤتمن على مصالح الوطن واعتباره ليس ككل الخطائين، المفترض أن لديه مسارين للتوبة، الأول يخص ربه ولا يخص أحد سواه، «إن الله يغفر الذنوب جميعا»، والثانى حق للمجتمع الذى يجب أن يسأل ويحقق ويتأكد أن الأخطاء لم تصبه بضرر مادى فى ماله ومقدراته، أو معنوى فى سمعته واعتباره، قد يغفر المجتمع وينسى، لكن تبقى المساءلة السياسية قائمة، ويبقى الاعتذار واجب.

ديفيد بتريوس أحد أولئك الخطائين، الجنرال المهم فى تاريخ العسكرية الأمريكية، وقف بشجاعة معترفا بخطأ لا يخص عمله ومهنته مباشرة، لكن بفحص حيثيات استقالته ورسالته لزملائه فى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، تجد العلاقة التى تربط بين سلوك «غير أخلاقى» فى حياة الرجل العاطفية، وبين اعتبارات مهامه كشخصية عامة وكموظف كبير يشغل أرفع موقع أمنى فى الولايات المتحدة.

استقال بتريوس بعد اعترافه بعلاقة عاطفية خارج إطار الزواج، كم أمريكى لديه علاقات كتلك؟ الحقيقة أنهم كثيرون، لكن كم منهم قائد عسكرى أو سياسى أو موظف رفيع أو حتى عضو كونجرس وحاكم ولاية، من حق المواطن أن يخطئ، وأن يتلمس الغفران من ربه أو من أهله، لكن السياسيون حين يخطئون، لابد أن يتلمسوا غفران المجتمع، وهو غفران لا يتأتى إلا باعتراف بالخطأ وتحمل مسئوليته بخروج يمنح المؤسسة أو الحزب فرص إعادة بناء اعتبارها سريعا.

فى بلادنا قبل الثورة وبعدها يضبط النواب والمسئولين مدانون بالكذب والفساد والأفعال الفاضحة، تختم أحكام القضاء صحائفهم الجنائية، وفى الوقت الذى تتوقع فيه أن يختفى هؤلاء أو يعتذروا، يباغتك خروجهم فى وسائل الإعلام للدفاع عن الحياء والشرف والأخلاق.

للصديق العزيز ياسر عبدالعزيز وهو راصد معتبر لأوضاع الإعلام والسياسة، أطروحة تسمى «نهاية زمن العار»، يرصد فيها تهاوى الإحساس المجتمعى بالعار وسط حالة البجاحة التى تسيطر على أولئك الملاحقين باتهامات كانت تعد عارا فى منظومة القيم الأساسية للمجتمع، لكنه لا يبرئ الإعلام من ذلك، حيث تسعى الوسائل الإعلامية وراء هؤلاء ومع الإلحاح حول ظهورهم إما أن يجرى غسل لسمعتهم أو اعتياد مجتمعى مذهل مع ما اقترفوه، يحكى لك كيف زادت شهرة ونجومية راقصة ورجل أعمال بعد تسرب مشاهد فاضحة لهما، فى مجتمع كانت واقعة كتلك كافية باختفائهما وانزوائهما.

الآن لديك نواب يتهافت حولهم الإعلام يتحدثون عن الحياء وهم مدانون أخلاقيا، وأناس يظهرون دون مبرر إلا لأنهم شتامون ينطلقون من اتهام الناس فى عقائدهم إلى الطعن فى أعراضهم.

الأرجح أنك تعتقد أن منظومة القيم الغربية كان يمكن أن تؤمن لبتريوس أن يتمسك بموقعه، وأن يخاطب الناس بأن أموره العاطفية شأنه، وليست شأن أحد سواه، والعكس لدينا فى مجتمعات يقولون إنها «متدينة بالفطرة» لكن الحقيقة أن الإحساس بالعار، وما يستتبعه من مسؤولية أخلاقية وسياسية، مازال قائما فى مجتمعات «متحررة»، فيما انتهى زمنه هنا بعد أن انتصرت «البجاحة».