السبت، 27 أغسطس 2011

من يتذكر (سعيدة سرور)؟

لا أحد يتذكر «سعيدة سرور» الآن، وغالبا لم يكن أحد يتذكرها حين كانت صورتها بجلبابها الأسود وجلستها «المقرفصة» على باب مركز شرطة المنصورة فى عام 2007، وكفها الذى توسدت به رأسها، فى انتظار عدل لم يأت حتى بعد أن قامت الثورة.

كانت سعيدة مثلها مثل أم خالد سعيد، أم مكلومة ومصدومة، حرمتها يد غادرة من نجلها الذى توكأت عليه فى أيام صعبة، ربما كان من حظ خالد سعيد أن ساعته سبقت الثورة، بينما كانت ساعة الطفل «محمد ممدوح البنهاوى» ابن سعيدة سرور تسبق الثورة بأربع سنوات.

هى مجرد أم مكلومة فقدت طفلها فى «سلخانة» مركز شرطة المنصورة عام 2007، والذى لفظ أنفاسه بعد تعذيب وحرق وسلخ، ورقد فى مثواه الأخير فى ليلة ظلماء بعيدا عن عينيها ومحروما من شفاعة دموعها لحظة الوداع.

لم يثر أحد لمصرع طفلها محمد ممدوح عبدالرحمن الذى اشتهر صحفيا بـ«قتيل شها» لم يكن هناك فيس بوك وتويتر، كان موت طفلها لا يهم أحدا غيرها، ولا يكترث بموته إلا قلبها الذى ينخر فيه الحزن ويكاد يدميه.

قلب سعيدة قلب مؤمن يعرف الله ويسلم بمشيئته، لكن ألمها جاءها بعنف حين ذكرتها الدنيا أنها وحيدة بلا ظهر ولا سند، وأن قوانين الدنيا وشرائع كل الأديان لم تستطع حمايتها أو القصاص لدم طفلها، «لا كرامة للفقراء فى زمن لم يعد العدل فيه هو أساس الملك» ــ هكذا علمتها الأيام.

دخل محمد «12 عاما» مركز المنصورة فى أغسطس 2007 متهما بسرقة عبوة شاى، لكنه لم يخرج إلا على قبر مجهول، تم احتجازه مع البالغين وتعذيبه وكهربته حتى لفظ أنفاسه، ثم ادعت داخلية العادلى أنه مات «طبيعيا» وأجبرت شقيقه «قليل الحيلة» على الشهادة بذلك، ثم دفنته بليل بعيدا عن أهله، ودون أن تسمح لأمه بلحظة وداع لجثمانه المهترئ من جراء التعذيب. 

ألف بيان لوزارة الداخلية عن موت طفلها بشكل طبيعى، وألف تليفزيون حكومى وألف تامر أمين لم ينجحوا فى ذلك الوقت فى تزوير الحقيقة وإقناع سعيدة سرور بأن طفلها مات «موته ربنا»، فإضافة إلى إحساسها كأم رفض عقلها الذى لم ينل قسطا من التعليم تصديق هذه الروايات المضللة، فالداخلية لا تتطوع بدفن كل متهم يموت «موته ربنا» فى الظلام بعيدا عن أهله.

حرمها الجلادون من حقها الطبيعى فى إسبال عينيه ومنحه الحضن الأخير والسير خلف جنازته، انتزعوه من حضنها حيا وميتا ودفنوه سرا وليلا للتخلص من جثته مثلما يتخلصون من كلابهم النافقة.

أصبح الطفل محمد جثة متحللة، والأرجح أن أمه سعيدة سرور التى حرمت النظرة الأخيرة على عظامه، مازالت تنتظر العدل الذى بشرت به الثورة، طفلها ليس فى شهرة خالد سعيد، لكنه كان شاهدا على دولة التعذيب التى لم يعد هناك مبرر لعدم فتح ملفاتها كاملة.. وعدم اختزال خطاياها فى الجرائم ضد الثورة والثوار فحسب..!

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

أنتم اللاحقون يا بشار

رسالتان فى المنطقة وصلتا إلى دمشق بوضوح، وقدر من التدبر بهما وربطهما بالمقابلة التليفزيونية التى ظهر فيها الرئيس السورى «المنهارة شرعيته» بشار الأسد عبر تليفزيونه الرسمى تكفى لقدر من فهم قدرات النظام السورى على المناورة لإطالة أمد الأزمة لعل سلاح الوقت يكون فى صالحه ويمنحه القدرة على تنفيذ إصلاحات شكلية تبقيه فى موقعه ولا تصل به لذات النهايات التى بلغها حكام أقطار الربيع العربى.

الرسالة الأولى جاءت من القاهرة فى اللحظة التى أسقط فيها الشاب المصرى «الشحات» العلم الإسرائيلى من أعلى السفارة، واضطر النظام المصرى «المؤقت» المهادن بطبعه لاتخاذ إجراءات تتجاوب نوعا ما مع التيار الشعبى الجارف الذى وجه غضبه باتجاه إسرائيل، بما أثار مخاوف متعددة لدى تل أبيب وواشنطن، من الشارع المصرى واتجاهاته المعادية لسياسات العاصمتين. 

ما قيمة هذه الرسالة؟ قيمتها أن بشار يدرك تماما كما يدرك الإسرائيليون، أنه كان رغم خطابه الحروبى الزاعق عن المقاومة والممانعة عامل أمن لإسرائيل هو ونظام أبيه من قبله، فلم يتورطا طوال 40 عاما فى أى تهديد مباشر للدولة العبرية، ولم يحاولا الرد على أى تهديد أو خرق إسرائيلى للأجواء السورية، ولم يفكرا حتى فى إنتاج حركة مقاومة حقيقة فى الجولان تستهدف تحريره عسكريا، واكتفى بتحالف مع إيران وحزب الله، لم يكن يخيف تل أبيب من الناحية السورية لإدراكها أن قرارات هذا التحالف ليست فى دمشق، وأن المسألة معادلة إيرانية إسرائيلية صرفة. 

يلعب الأسد الآن على فكرة تخويف الغرب من سقوطه، وإسرائيل تحديدا، فكما فقدت تل أبيب كنزا إستراتيجيا معلنا هو نظام مبارك، ربما تفقد الكنز «المتستر بالشعارات» فى دمشق، وتصبح إسرائيل بين شارعين غاضبين وعصيين على الاحتواء فى الجنوب والشمال، لتدخل مواجهاتها لأول مرة مع شعوب عربية تقرر وتريد وتحكم. 

يحاول الأسد أن يبيع إصلاحاته الجزئية «لجنة أحزاب وانتخابات برلمانية» فى هذا الإطار لكنه يفشل حتى فى بيع الخوف والوهم ليضمن تقليل الضغط الدولى بالشكل الذى يحبط الشارع الثائر، ويمنحه فرصة جديدة للبقاء.

الرسالة الثانية هى سقوط طرابلس ونهاية زمن القذافى، وقطعا الفارق كبير بين الحالتين فقد زادت ليبيا على سوريا بمعارضة مسلحة ومساندة عسكرية غربية، والأسد ربما يتمنى أن تطور المعارضة لديه أسلوبها وتبدأ فى العمل المسلح، فذلك على الأقل سيعطيه مبررات قوية لمواصلة بطشه وتحويل المسالة إلى حرب واضحة، بدلا من أعماله العسكرية حاليا ضد «عصابات مسلحة» وهمية ولا وجود لها إلا فى خطابه.

يتمنى الأسد أن يرفع السوريون فى وجهه السلاح، وأن يتخلوا عن النهج السلمى لثورتهم الشعبية الذى سبب له إحراجا دوليا بالغا اقترب به من باب «الجنائية الدولية»، ويتمنى كذلك تدخلا عسكريا دوليا على الأقل سيمكنه ذلك من إشعال المنطقة، والظهور بمظهر المقاوم للاحتلال، وربما اختيار نهاية «تبدو أفضل من نهايات مبارك والقذافى وقبلهما بن على».

لم يبق عند بشار سوى هاتين الرسالتين، اللتين ترجمهما على الأرجح فى سيناريوهين يعتقد أن لا ثالث لهما، لكن المؤكد أن الشعب السورى لديه سيناريو الحسم.. أنتم اللاحقون يا بشار..!

الثلاثاء، 23 أغسطس 2011

الفرصة الليبية


 ربما تكون ليبيا الحرة هى أسرع أقطار الربيع العربى استقرارا، إذا صدقت النوايا قطعا بين شركاء النضال فى المعارضة، الفارق بين ما جرى فى ليبيا، وما حدث فى تونس ومصر، غير المواجهة المسلحة طبعا وموقف القوات المسلحة فى تونس ومصر عنه فى ليبيا، هو أن الثورة الليبية انطلقت جماهيرية شعبية وعفوية، لكن جرى تنظيمها ومأسستها وتشكيل مجلس واضح لقيادتها والتعبير عنها وعن مصالحها، والإشراف على معاركها السياسية والعسكرية على السواء.

أسقط الليبيون نظام القذافى العجيب جدا فى بنائه، فيما هم يمتلكون بالفعل نظاما بديلا، أو على الأقل إدارة مؤقتة خرجت من رحم الثورة ولديها إيمان بها، وانحياز لا شك ولا ريب فيه لأهدافها ومصالحها، وهى ميزة جوهرية وعميقة لا يقدرها إلا من يتابع الأحداث عن كثب فى مصر وتونس، ويدرك حجم الاستقطابات والتنازعات والارتباكات، وكذلك التداخل بين عناصر ثورية وعناصر منتمية للنظام الجديد، وعناصر مدعية ترقص على السلالم، كانت مع السابقين وصارت مع اللاحقين، وكل هؤلاء يتشاركون فى قيادة المرحلة الانتقالية أو على الأقل التأثير فى مساراتها وتعطيل مسيرتها أو جرفها بعيدا عن الأهداف الحقيقية للثورة.

الفارق الواضح بين ليبيا وغيرها، أن الثورة قامت ثم تسلمت السلطة أو هى فى الطريق الوشيك، لذلك ستمتلك إدارة هى جزء أصيل وقائد ميدانى وسياسى للثورة، وبالتالى تملك رؤية واضحة ومحددة لتحقيق الأهداف وبلوغ الطموح، لكن فى مصر وتونس قامت الثورة ثم جرى توكيل أطراف أخرى بإدارتها، وهى أطراف من رحم النظام القديم، وإن انحازت إلى الثورة إلا أن تأييدها لمطالبها يبقى منقوصا ومفتتا يؤمن ببعض مشروعها، ويستهجن البعض الآخر، يحقق أهدافها فى مناطق، ويعوق بلوغ طموحها فى مناطق أخرى، ينتقى من أهداف الثورة ما يسمح له بتأكيد انحيازه لها، فيما يتخذ من إجراءات وممارسات ما يسرب الشكوك لقلوب الثوار، ويعطى انطباعا بأن الثورة مازالت تحتاج إلى ثورة أخرى لاستعادتها من الخطف، أو على الأقل محاولة السيطرة على فورانها ووهجها، وضبط اتجاهها ربما فى اتجاه يستهدف إعادة إنتاج ذات النظام القديم بقدر من المحسنات الملموسة.

أسقط الليبيون إذن القذافى وحكومته فيما هم يملكون البديل الجاهز لتسلم الأمور فورا، مجلس انتقالى بقيادة واضحة وقدر واسع من التوافق، واعتراف دولى وسيطرة على أغلب السفارات المهمة، وعلى عقود النفط خاصة فى شرق البلاد، وعلاقات دولية ومحلية، يبقى لها رؤية إعادة بناء دولة تركها القذافى بلا شىء، لا دستور ولا قانون ولا مؤسسات، لذلك فالفرصة قائمة نحو استقرار سريع لليبيا يسبق غيره من أقطار الربيع العربى، إذا ما نجح المجلس الانتقالى أولا فى ضبط النفوذ الخارجى لمجموعة الناتو حتى لا يؤثر على بناء الدولة الوطنية، وإذا حافظ على وحدة مكوناته حتى لا يتفرقوا شيعا ويتنازعوا الغنائم العاجلة، ويعتقدوا أن رحيل القذافى هو النصر الخالص، فيما هو النصر السهل، وبناء الدولة الوطنية هو الأهم والأصعب..! 

الاثنين، 22 أغسطس 2011

«اليزل لم يزل»

ظل النظام السابق يتعامل مع إسرائيل باعتبارها أسدا أو وحشا، حسب تعبيرين دارجين لمبارك نفسه فى وصف الدولة العبرية، وصدر طوال الثلاثين عاما التى قضاها فى الحكم هذا الإحساس إلى قطاع واسع من النخبة والشارع على السواء، وصار الخطاب المصدر إلى الجماهير أن أى استفزاز أو مناوأة ولو لفظية مع تل أبيب تعنى الحرب، وقطعا لا أحد يدعو للحرب ما لم تفرض، ولا يملك أى مصرى رفاهية أن يدعو كل يوم لشن حرب لأى سبب هنا أو هناك، لكن اختزال فكرة المواجهة مع إسرائيل فى الحرب، كان وليد إحساس مهزوم ونظرة مضخمة لهذا الكيان، وفى الوقت نفسه تحصين للسلوك الرسمى المتخاذل فى مواجهتها وتحويله من تواطؤ وتخاذل إلى حكمة، فالرجل يرفض الرد على قتل جندى على الحدود، حتى يجنب المنطقة شبح الحرب.

لكن متغيرات كثيرة حدثت غيرت هذا المفهوم تماما على الأقل فى ذهنية الرأى العام، الذى شاهد دولة مثل تركيا الأردوغانية، تحتفظ بعلاقات مع إسرائيل، ولا تقيدها هذه العلاقات فى اتخاذ مواقف حاسمة ضدها من سحب السفراء، إلى إجبارها على الاعتذار، وحتى وصف أعمالها الإجرامية بأوصافها المستحقة. 

ليس معنى أن يطالب هذا الشعب بحقه بعد اعتداء إسرائيلى جبان على جنوده أنه يطلب الحرب ويسعى إليها، ليس معنى أن يدعو لطرد السفير أو حتى قطع العلاقات الدبلوماسية أو تجميدها، أو رهنها بالاعتذار الواضح والصريح وتقديم المسئولين عن هذا الاعتداء لمحاكمة رادعة تضمن على الأقل عدم تكرار هذا الحادث، أن حربا ستقوم لأن مصر طردت السفير أو حتى علقت العمل بكامب ديفيد لأن إسرائيل خرقتها بوضوح. 

لكن مبارك غادر القصر، والمفترض أن تكون قد غادرت معه مفاهيمه وقيمه وأنماط تفكيره وانحيازه، وأولها فكرة اختزال أى مواجهة أو مناوأة أو مشاكسة مع إسرائيل بأنها تعنى الحرب أو تمهد لها، لكن هذه الذهنية مازالت تطغى على نخبة بعضها فى دوائر صنع القرار، وتفسر لك الارتباك الرسمى فى التعاطى مع الأحداث، كما تفسر لك أن خبيرا «إستراتيجيا» مثل السيد سامح سيف اليزل، خرج مباشرة ليهدد بأن إسرائيل تريد أن تستغل الفرصة لإعادة احتلال سيناء أو على الأقل شريط حدودى بعمق 6 كيلومترات لتأمين حدودها، ويتحدث عن أن النيران التى قتلت إخوتنا هى نيران صديقة وغير مقصودة. 

«اليزل لم يزل» على ما يبدو يعيش فى عصر مبارك، ويتعاطى مع الملف بذات الطريقة التى كان يتعاطى بها فى عهد مبارك، متوائما ذهنية مبارك المرتعشة، التى تتحسب من غضب «الأسد» أكثر مما تثق فى قدرات شعبها وجيشها، لذلك فهو مثله مثل مبارك كان يفضل أن نصمت على القتل على الأقل حتى نضمن ألا تعيد إسرائيل احتلال سيناء. 

إلى كل شخص «لم يزل» يعيش فى عهد مبارك.. عفوا الشعب صار الحاكم، وهو اليوم يعيد ضبط المعادلة على الأقل حتى نضمن أن تبقى إسرائيل ملتزمة حدودها، وأن ينتهى الزمن الذى كانت لا تدفع فيه ثمن أخطائها، فحرروا عقولكم من خوف مبارك وأساطير مبارك، لأنها وهم من العار أن «يزل» يردد حتى الآن..!

السبت، 20 أغسطس 2011

ثورة استرداد سيناء

إياك أن تتسرع وتحمل الثورة مسئولية ما يجرى فى سيناء، أنت تعلم أن الجيش المصرى يخوض حربا فى شبه الجزيرة ضد العناصر المتطرفة، التى تسعى للسيطرة على مواقع فى سيناء لتكريس وجودها، هناك من يحاول أن يخلق من هذه المنطقة «تورا بورا» جديدة، وهى محاولات قديمة كما تعرف وليست وليدة اللحظة، ناهيك عن أن هذه الحرب يصاحبها توتر فى الجهة الأخرى من الحدود، وتشابك نيرانى بفعل القرب غير المسبوق بين القوات المصرية ونظيرتها الإسرائيلية، أدى إلى استشهاد وإصابة جنود مصريين تقول إسرائيل ومعها خبراء استيراتيجيون محسوبون على المؤسسة العسكرية إن النيران الإسرائيلية طالتهم بطريق الخطأ.

أولا أريدك أن تلاحظ التصريحات الأمريكية السابقة، التى قالت إنه لا يوجد فى كامب ديفيد ما يمنع الجيش المصرى من بسط سيادته على كامل أراضى سيناء، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لضمان أمنها، وأنه ليس معنى أن النظام السابق أحجم عن ذلك طوال الثلاثة عقود الماضية أن مصر ليس من حقها بسط سيادتها لتعزيز أمنها وأمن جيرانها. 

وهنا تحديدا مربط الفرس، فقد تعامل النظام السابق مع سيناء بنفسية مهزوم وليس منتصرا، وتحسس بحذر شديد خطواته فيها، متحسبا لغضب إسرائيل أو انزعاجها، وجزء من هذا الإحساس المنهزم والمنكسر أمام إسرائيل كان يعبر عنه الرئيس السابق نفسه صراحة فى بعض أحيان كان يقول: «لن أضع رأسى فى فم الأسد» واصفا إسرائيل.

كل ذلك حول سيناء، خاصة الشمال والوسط فى ذهنية النظام إلى شريط حدودى ضخم يفصل مصر عن إسرائيل، فحولها بممارساته السياسية والإدارية والأمنية إلى منطقة معزولة عن الوطن الأم، منزوعة السلاح والسيادة، وعبء أمنى يواجه بقمع أهلها وسكانها، والإمعان فى هذا العزل بالتعامل مع مواطنيها وكأنهم أجانب أو مواطنون من الدرجة الثانية مشكوك فى ولائهم وجنسياتهم دائما.

جزء كبير من الانفلات الأمنى فى سيناء كان موجودا فى عهد النظام السابق، حتى الجنود المصريين كانوا يلقون مصيرهم على الحدود برصاص إسرائيلى غادر، دون رد مصرى يتجاوز الغضب اللفظى أو يحصل على ضمانات لعدم تكرار «القتل غير المقصود»، الذى بدا وكأنه هواية إسرائيلية.

ما يحدث فى سيناء الآن ما هو إلا حصاد 30 عاما من حكم مبارك، كبل فيها الإرادة المصرية عن بسط سيادتها على جزء من الوطن، وعطل اندماجها بالوطن، وعاملت أجهزته الأمنية أهلها بأسوأ معاملة يمكن أن يلقاها مواطن من نظام بوليسى مستبد، وترك جبالها ومغاراتها مرتعا للخارجين والمتطرفين، بدعوى أن كامب ديفيد تغل يديه، وتجاوزها يعنى استفزاز الأسد الإسرائيلى. 

دفعت مصر كلها ثمن 30 عاما من هذه السياسة، والأزمة فى سيناء ورثتها الثورة كما هى بكل تعقيداتها وانفلاتاتها، فلا تحاول أن تلقى قدرا من المسئولية على ثورة قامت لتحررك من هذه الإرادة المقيدة، وإذا كان لابد من إقحام الثورة فيما يجرى على أرض سيناء، فتذكر أنها التى فتحت الطريق ليكون الجيش المصرى عند آخر نقطة على الحدود، يسترد السيادة الوطنية الكاملة على أرض الشهداء!

الجمعة، 19 أغسطس 2011

الغدر بالغدر

 أتطلع لرؤية النص النهائى لقانون الغدر، الذى انتهى منه مجلس الوزراء، وتم رفعه إلى المجلس العسكرى لإقراره، على الأقل لأطالع الإبداع القانونى الجديد لـ«ترزية» المرحلة الانتقالية، وقدرتهم على تفصيل النصوص القانونية على مقاس المرحلة ومتطلباتها. 

لكل عصر ترزيته، سيبقى ذلك واضحا ومنطقيا، فلا تصاغ القوانين إلا لتلبية حاجات مجتمعية يحدد اتجاهاتها ذوو النفوذ وأصحاب القرار، وما أقوله لك الآن ليس مجرد تحليل بقدر ما هو معلومات من داخل مجلس الوزراء، عن مرحلة ما قبل إقرار القانون فى المجلس والتى طغت عليها مناقشات كثيرة محددة بأشخاص بعينهم.

ربما جرى تجريب القانون نظريا داخل اللجنة التى أعدته، فمثلا يطرح اسم فلان ويقول عضو اللجنة لو جاء النص القانونى هكذا هل ينطبق على فلان، وإذا كان فلان هذا من رجال المرحلة أو من أولئك الذين نجحوا فى إبرام تفاهمات غير مكتوبة مع النظام المؤقت يتم تعديل النص، كما كان مهندسو التنظيم سابقا يعدلون مسارات الطرق والمشروعات المحلية حتى تتجاوز منازل أو أراضى أو مصالح أناس بعينهم دفعوا من أجل هذا التجاوز أموالا أو خدمات. 

لديك فى هذا القانون نص يعاقب أى مسئول بسبب إساءة استغلال السلطة، وانتفاعه أو أقاربه أو معارفه من منصبه، وهو نص لا أعرف إن كان قد جرى تعديله لأننى لا أتوقع إلغاءه باعتباره جزءا من جوهر هذا القانون، وهو نص يكفى لمحاسبة كل وزراء عهد مبارك مرورا بكل برلمانيى عهده وأعضاء المجالس المحلية فى عهده، وكذلك الكثير من معارضيه الذين صنعهم بيديه. 

أنت أمام قانون سيطول أولا عددا هائلا من القضاة تدخلوا على الأقل بحكم وظائفهم من أجل تعيين أبنائهم وأقاربهم فى وظائف قضائية، وعدد هائل من النواب المعارضين الذى مارسوا «الوساطة» المباشرة للحصول على منافع وظيفية أو مادية أو خدمية لهم أو لذويهم، إلى جانب عدد هائل من أعضاء الحزب الوطنى الذين نالوا مقاعد بـ«التزوير» فى مجلس الشعب أو الشورى أو المجالس المحلية، وأيضا المفترض أن ينطبق على عدد كبير أيضا من أعضاء الحزب الوطنى الذين تواءموا مع الثورة، إما بتأييد صريح ومبكر لها أو بانخراط فى العمل على أهدافها كما فى حالة عصام شرف نفسه وعدد من وزرائه، إلا إذا كان قد تم تعريج مسار طريق القانون بعيدا عنهم بتعديل قانونى يقيس مستوى العضوية داخل الحزب الوطنى، ويمنح صك وطنية لبعض الأعضاء وصك فساد للبعض الآخر. 

أيضا هناك فى أحزاب المعارضة قيادات كانوا أكثر ارتباطا بالحزب الوطنى وأجهزته الأمنية من أصحاب الكارنيهات، وحصلوا كذلك بحكم مواقعهم فى المعارضة على امتيازات تجارية ووظيفية واستثمارية كذلك، ولا أعتقد أن قانون شرف لم يجد لهم تخريجة استثنائية. 

كل ما أخشاه أن ينفجر القانون فى وجه المجتمع وأن يزيد مزيدا من الاحتقان والالتهاب للشارع، ليس لأننى لا أرغب فى تطهير البلد ممن أفسد وأساء، ولكن لأنى لا أثق فى ألا يكون القانون قد تعرض لـ«السلق» مثل كل إجراءات حكومتى شرف «زمن يحيى الجمل وزمن على السلمى»، وأن يخرج القانون متوسعا فى الاستهداف من ناحية لشريحة كبيرة مغضوب عليها، ومتوسعا فى الاستثناء كذلك لشريحة قليلة مرضى عنها. 

كنت أفضل «عزلا سياسيا» لكل هؤلاء بمن فيهم أولئك «الصالحون» الذين عليهم دفع ثمن أخلاقى لانحيازاتهم، واصطياد المتهمين بالفساد والإفساد أمام جهات التحقيق والقضاء الطبيعية.. بدلا من قانون استثنائى أثق أن تطبيقه سيصاحبه كثير من التمييز، والغدر بقانون الغدر...!

الخميس، 18 أغسطس 2011

مواطن مدنى للأسف

يقبل المجلس العسكرى النقد كما يؤكد غالبية أعضائه، لكنه لا يقبل الإساءة، وربما أنت وأنا أيضا لا نقبل له الإساءة، لكن المفترض كذلك أن يقدم المجلس العسكرى ما يوحى لك بأنه بنفس القدر لا يقبل الإساءة لهذا الشعب، باعتباره قطعا أقدس من كل العسكر، والمالك الحقيقى والوحيد والشرعى للقوات المسلحة كما تعرف ويعرف كل العسكر.

مرة أخرى سأقول لك إن هذا المجلس يساوى رئيس الدولة، عندما تنظر إليه أو تتعامل معه، نح جانبا هذه الحلة العسكرية وتعامل مع هؤلاء أولا باعتبارهم المجلس القائم بأعمال رئيس الجمهورية، وثانيا باعتبار أن هذه الوظيفة «المدنية» لا ارتباط بينها وبين القوات المسلحة كمؤسسة عسكرية لها تشكيلات ومهام وتاريخ وضع متكرس وغير قابل للمزايدة أو التشكيك. 

عندما هاجمت أسماء محفوظ إذن هذا المجلس حتى لو بتجاوز فى القول وليد انفعال كانت تهاجم القائمين بأعمال رئيس الجمهورية، كانت توجه نقدها القاسى وتحذيراتها الصادمة إلى «جنرالات» يعملون مؤقتا فى وظيفة مدنية، وكان السبب الرئيس لهذا الهجوم هو ممارسات هؤلاء الجنرالات لوظيفتهم المدنية وأدائهم السياسى وليس العسكرى فى إدارة شئون البلاد. 

ليس من حق رئيس الجمهورية إذن أن يحيل مواطنا إلى محكمة عسكرية لأنه تطاول عليه أو أهانه، مبارك نفسه لم يفعل ذلك مع إبراهيم عيسى ولا حسن نافعة ولا حتى عبدالحليم قنديل الذى قال له ذات مرة «إنى أتقيأوك»، من حق الرئيس أن يذهب إلى النائب العام لنيل حقه كمواطن، وأن يخضع بلاغه لإجراءات عادلة ودقيقة من تلك التى يحرص عليها بتزيد شديد لمبارك وشركائه فى قضايا فساد وقتل وربما عمالة. 

أساء المجلس العسكرى إلى الشعب المصرى حين أحال أسماء لمحكمة عسكرية، وحين استخدم القضاء العسكرى فى تصفية خصوماته السياسية التى وللأسف الشديد بدأت تظهر دون مبرر مع تيارات بعينها، يصاحبها قدر واسع من التوعد والتربص والترصد والتصيد كذلك. 

أساء المجلس العسكرى إلى الشعب المصرى حين أحال أسماء للقضاء العسكرى لأنها «أهانته» ودافع بكل قوة عن تقديم مبارك ونظامه لمحاكمة مدنية طبيعية عادلة مع أنهم أهانوا شعبا بكامله ووطنا بتاريخه وحاضره ومستقبله. 

هنا تبدو أمامك وكأن عقيدة مترسخة فى ذهنية المجلس ربما بأنه أقدس من الشعب الذى يملكه، وإهانته جرم لا يغتفر ولا يستحق حتى التحقيق العادل الطبيعى، بينما إهانة الشعب فيها قولان كثير. 

«أهانت» أسماء أعضاء المجلس ورئيسه، وأهان بعض من أعضاء المجلس مصريين كثيرين وجهوا إليهم اتهامات بالعمالة والخيانة والتخريب والانحلال، من نشطاء سياسيين إلى كتاب مرموقين دون تقديم دليل دامغ على هذه الاتهامات حتى الآن، وانتهت «الإهانة» الأولى بكفالة باهظة ومحكمة عسكرية لأن المتهمة فيها مواطنة مدنية والمتضرر عسكرى، وبقيت «الإهانة الثانية» حبيسة أدراج التحقيقات لأن المتهم فيها عسكرى والمتضررون مواطنون مدنيون. 

أى تميز يسعى العسكر لتكريسه لأنفسهم على حساب الشعب وعلى حساب القانون، وأى إهانة يسعى بعضهم لتوجيهها لهذا الشعب، بدءا من تدليل مبارك وصحبته فى محاكمات طبيعية رغم فداحة الجرم، والتنكيل بالآخرين فى محاكم عسكرية، وكأن إهانة العسكر أعظم من قتل الآلاف وتبديد ثروات الأجيال ونهب أموال الشعب، ولماذا لا يأخذ العسكر حقهم ممن يتعرض لهم بذات الوسيلة التى ارتضوا أن يأخذ بها الشعب حقه من مبارك وعصابته؟!

أكتب هذه السطور على سبيل «انتقاد» المجلس العسكرى، لكننى لا أملك شيئا إذا اعتبرها أحد أعضاء المجلس «إهانة أو إساءة»، فأنا فى النهاية وللأسف مجرد «مواطن مدنى» أدفع ضرائبى، لكن لا يجرى فى عروقى «دم العسكر»، وربما لا يجوز أن أكون أنا وأى جنرال فى المجلس القائم بأعمال رئيس الجمهورية، سواسية أمام القانون..!

الاثنين، 15 أغسطس 2011

القضاء العسكرى ليس الحل

لم تقم الثورة قطعا، حتى يتحول مثولك أمام القضاء العسكرى لشىء عادى، أنت تعرف ذلك ورجال المجلس العسكرى أنفسهم يدركون ذلك، لكن المؤكد أن هناك فجوة حقيقية بين الإدراكات والقناعات، وبين الممارسات، فليس من مصلحة أحد وفى المقدمة المجلس الحاكم، التوسع فى استخدام القضاء العسكرى مع المدنيين. 

قولا واحدا هذا أمر مرفوض ومدان، ومن يحب العسكر عليه أن ينصح بهدوء لوقف هذا الطوفان من الاستدعاءات والتحقيقات والمحاكمات بحق المدنيين، أولا دفاعا عن سمعة القوات المسلحة المصرية وحتى لا يعلق فى ثوبها مظالم ومحاكمات جائرة ويوضع فى تاريخ حكمها القصير خلال الفترة الانتقالية ما يشير إلى أنها توسعت فى الاستثناء، وتخطت بالأرقام ما سبقها من ديكتاتورية فى هذا الشأن، والثانى حماية للثورة ذاتها التى أعلت من قيمة العدل وجوهره، ولا عدل إطلاقا فى مثول مواطن مدنى أمام قاض أو محقق عسكرى، ليحاكم أو يحقق معه وفق إجراءات تخلو من الضمانات القانونية الأساسية التى يقرها القانون الطبيعى والمواثيق الدولية. 

لست أنا من يتحدث عن قصور الضمانات العادلة فى القضاء العسكرى فيما يخص التعامل مع المدنيين، لكنهم قيادات المجلس العسكرى ذاتهم ومدير القضاء العسكرى، الذين سئلوا كثيرا عن أسباب عدم إحالة قضايا مثل قتل الثوار وموقعة الجمل إلى القضاء العسكرى، فأسهبوا فى الشرح حول المواثيق الدولية التى لا تعترف بأحكام غير تلك التى أمام القاضى الطبيعى، وعن الأموال الهاربة التى لن تفلح الأحكام الاستثنائية فى إعادتها، وعن أهمية توافر الضمانات القانونية وعلى رأسها الدفاع وحق الطعن لكل متهم. 

المجلس العسكرى نفسه يدرك إذن أن قضاءه استثنائى وخالٍ من الضمانات الواجب توفيرها للمدنيين، هو قضاء يلائم الطبيعة العسكرية قطعا لكن إقحامه فى السياسة والحياة المدنية دون داع، كان من أهم وأكبر أخطاء النظام السابق، وفجر احتقانات كبيرة انفجرت مع الانفجار الكامل فى 25 يناير، لكن المؤسف أن تجد استخدامه يتضاعف بعد رحيل النظام الفاسد، حتى بات الاعتماد عليه أساسيا فى مواجهة كل شىء من حوادث البلطجة والسطو والاعتداء على الممتلكات، وحتى مواجهة التصريحات الصحفية والتليفزيونية التى لا تروق للقيادات العسكرية. 

الخطأ الذى وقعت فيه النخبة أنها تجاوزت عن مئات الأحكام العسكرية بدعوى أنها كانت تلك بلطجية روعوا المواطنين، والحقيقة أن القاضى الطبيعى كان يكفى من ناحية لردع هذه العناصر الإجرامية بذات القدر والسرعة، ومن ناحية أخرى، إذا كان ترويع المواطنين والاعتداء على ممتلكاتهم بلطجة، فإن قتل الثوار فى مظاهرات سلمية بالرصاص الحى، والاعتداء الغاشم عليهم فى ميدان التحرير بكتائب همجية يعلم الجميع من أين جاءت بجمالها ولمصلحة من لهى بلطجة أشد وأعظم أثرا، لكن الأزمة فى التمييز الصارخ الذى يفرق بين بلطجى شارع وبلطجى حكم، تساوت مراكزهم القانونية وتضاءل جرم بلطجية الشارع أمام جرم بلطجية الحكم، ورغم ذلك يؤخذ الفقراء منهم بالشدة والتوسع فى الاستثناء، ويعامل الأغنياء منهم بالتوسع فى الرفق والاستغراق فى الضمانات والإجراءات إلى الحد الذى كاد الحراس أن يقدموا التحية العسكرية لهم رغم كونهم مجرمين خارجون من القفص وفر طريقهم للمحبس. 

حقوق الإنسان لا تتجزأ ولا تعرف غنيا من فقير.. لكن مازالت عقول الناس تميل..! 

الأحد، 14 أغسطس 2011

يسقط طبعًا حكم العسكر

لا أجد مبررا واحدا للانزعاج من هتاف «يسقط حكم العسكر» الذى تردد بالأمس فى ميدان التحرير عندما بدأ التوتر بين النشطاء والشرطة العسكرية، وبدأ من قبل بحدة وعنف خلال موقعة العباسية، فلا السادة أعضاء المجلس العسكرى يجوز لهم الانزعاج، ولا غيرهم يجوز له اعتبار هتاف كذلك تجاوزا لما يسمونه بالخطوط الحمراء. 

أولا هذا هتاف سياسى ليس وليد اللحظة لكنه ربما يردد سرا وجهرا بتفاوتات مختلفة طوال 60 عاما، ثانيا أنه ربما يكون الهتاف السياسى الوحيد منذ قامت ثورة 25 يناير، الذى حاز على توافق كبير يقترب من الإجماع، وهو توافق المجلس العسكرى نفسه جزء منه. 

وربما تستطيع أن تقول إن المجلس العسكرى هو أول من أعلن سقوط حكم العسكر فى أول بيان له عقب توليه المسئولية فى 11 فبراير، حين أكد أنه ليس بديلا عن الشرعية، وأن وجوده مؤقت، وأن مآل الأمور إلى السلطة المدنية المنتخبة فور انتهاء الفترة الانتقالية. 

هؤلاء الغاضبون إذن لا يطالبون بشىء لا يريده العسكر، وهم أول من أعلن التزامه بتحقيقه خلال فترة محددة، فليس جرما أن تطالب بسقوط حكم العسكر لأن ذلك هو الطبيعى وهو المفترض، فالدولة المدنية التى ننشدها التوافق الوحيد على تعريفها أنها دولة غير عسكرية، وصندوق الإقتراع هو الآلية الوحيدة لإفراز حكامها، فلم يخرج حتى الآن من «يخترع» إطارا لها يمكن أن يستوعب أن تكون دولة مدنية بمرجعية عسكرية. 

من حقك إذن أن تتعامل مع هتاف «يسقط حكم العسكر» باعتباره محفزا للحكام المؤقتين على إنجاز خطوات الانتقال بكفاءة وقدر مناسب من السرعة، ورؤية وطنية فى التأسيس لا ترتمى فى حضن تيار، ولا تتخذ مواقفا من تيار، وتبنى إطارا يتسع للجميع دون تمييز، ومجرى سالك للنهر، يمنح كل من يملك قاربا على الحركة فيه وبين شاطئيه. 

إما إذا كان الهتاف يستهدف: «إسقاط حكم العسكر» الآن وقبل أن ينجز مهمته الانتقالية ويسلم السلطة إلى حكومة مستندة لبرلمان منتخب، ورئيس جمهورية جاءت به إرادة الناس، فذلك لا يعنى سوى الشطط فى الخصومة الذى قد يغيب الرؤية الراجحة، والرأى السديد، حتى لو كان كل ذلك مغلفا بطرح نظرى جدا حول تشكيل مجلس رئاسى لتولى مهام العسكر السياسية، لأنك تعرف أن التوافق على هذا المجلس من رابع المستحيلات فى مناخ سياسى انتهى فيه زمن التوافق حتى على أبسط الأشياء. 

لا بديل عن المجلس العسكرى لإدارة الانتقال، تلك معلومة مجردة وليس انحيازا، هو المؤسسة الوحيدة القادرة على التسليم الشرعى والآمن لمفتاح الوطن، وهى وهو مثل أى مؤسسة مصرية، يخطئ ويصيب، يملك الإخلاص الوطنى دائما، وتغيب عنه الرؤية الكاملة أحيانا، والمصلحة الوطنية ليست فى إسقاطه بقدر ما هى فى استعادته كلما خرج قطاره عن ما تم الاتفاق عليه من محددات لدوره ومهمته. 

ليسقط طبعا حكم العسكر، ولكن بمساعدة العسكر وبتعاون معهم، وفى دعمهم الواجب عبر مواجهتهم بالأخطاء، ومعاونتهم على إنجاز المهمة، والوثوق فى حسن النوايا طالما لم يثبت العكس، هى خطوات مطلوبة منك ومن العسكر على السواء. 

السبت، 13 أغسطس 2011

لستم «شارلا».. ولسنا «الشمبانزى»

فى أحد مستشفيات ولاية بوسطن الأمريكية خضعت شارلا ناش «57» عاما قبل 3 أشهر، لعملية جراحية فريدة استهدفت زرع وجه كامل لها، كانت «شارلا» هى الثالثة فى العالم التى تجرى هذه العملية، هى عملية صعبة لكنها باتت ممكنة علميا.

لكن «شارلا» لم تزرع وجها لأنها سئمت وجهها أو ترغب فى طلة أكثر جمالا، لكن المسألة كانت حيوية جدا لإنقاذ إحساسها بالحياة، وقدرتها على الاستمرار فيها.

قبل عامين كانت «شارلا» تتعرض لحادث بشع حين هاجمها «شامبانزى» وانتهت المعركة بين السيدة المسكينة والشمبانزى الهائج، بتشويه وجهها تماما بعد أن فقدت يديها وشفتيها وأنفها وعينيها أيضا.

قتلت الشرطة الشمبانزى، لكن «شارلا» بقيت «مسخا» لا يستطيع أحد النظر إليها، وهى عاجزة عن التواصل مع الناس، فضلا عن فقد البصر الذى خلفه الحادث. 

لكن بعد جراحة استمرت 20 عاما أنقذ الأطباء ما يمكن إنقاذه، وحصلت «شارلا» من جديد على «أنف وشفتين وجلد للوجه»، عادت لها قدرتها على الابتسام وتقبيل واحتضان الأصدقاء، والأهم شكل وجه لا ينفر الناظرين. 

هى جراحة إذن باتت ممكنة عمليا، وربما تخرج يوما من حالة الاضطرار الشديد، إلى سوق التجميل العام، بما يجعل كل من يملك ثمن الجراحة ويرغب فى امتلاك وجه قريب الشبه بنجمه المفضل أن يعرف.

لكن عملية «زراعة الوجوه» قديمة وممكنة ومتاحة وممارسة فى عالم السياسة كما تعرف، يكفى أن تنسف وجهك القديم وتعيد إنتاج نفسك بوجه جديد لتفلح، لهذا ظهر المتحولون والمناضلون بأثر رجعى، وصناع الثورة الذين لم يصنعوا شيئا أكثر من الانقضاض على زرع غيرهم، وخطف حصاد ليس من حقهم. 

سياسيا يبدو هناك من يتعامل مع الثورة وكأنها «الشمبانزى الذى شوه وجه شارلا» يسعى بعد مرور 6 أشهر فقط عليها لقتلها أو على الأقل إجهاض مشروعها وإفراغه من مضمونه، بالتوازى مع عملية «زرع وجه» يجريها للنظام السابق، يستبدل الأنف وربما الشفتين وجلد الوجه، ليضمن تغير بعض الملامح عند الطلة، وبعض الإحساس عند الحديث، وربما قدر من نبرة الصوت، فيما الجسد نفسه قائم وثابت ويزداد حضورا.

بعد 6 أشهر من الثورة، يتصاعد الجدل من جديد حول تعريفها هل هى ثورة أم «فعل ثورى» والحقيقة أن من يطرحون مفهوم الفعل الثورى لديهم قدر كبير من الحجج الموضوعية مع الأسف، فقد أزاحت الثورة رأسا وتركت جسدا، هدمت قبة وتركت بنيانا، قضت على ديكتاتور، وتركت مناخا سياسيا وأخلاقيا واجتماعيا يعزز الديكتاتورية ويقبل بإعادة إنتاجها، هى ثورة لم تقدم نموذجها الاجتماعى ولم تهدم بعد هذا النسق الأخلاقى والقيمى المشوه الذى تكرس فى عهد مبارك، ثورة تتقدم بالكاد لتحقق تغييرا سياسيا جوهريا، لكنها ما زالت بعيدة عن التغيير الاجتماعى. 

هناك إذن محاولة لزرع وجه جديد للنظام، وجه أكثر جمالا وديمقراطية فى مظهره، لكن الجوهر ثابت لم يتغير منذ 60 عاما، وهى محاولة تجرى بالتوازى مع التعامل مع الثوار على طريقة «الشمبانزى الهائج» الذى لا مصير له سوى القتل، وهو هذه المرة قتلا معنويا، مرة بالتخوين، ومرة بتحميل الثورة مسئولية كل كارثة تحدث، ناهيك عن إعادة إنتاج نخبة مبارك السياسية والإعلامية والثقافية والمالية بعد تحسين الوجوه على طريقة «شارلا»، وكأن ثورة لم تقم.

يعرف من يفعلون ذلك أن الثورة حولت نظامهم لـ«مسخ» كريه أكثر بشاعة من وجه «شارلا» قبل الجراحة، فيسيرون فى اتجاه قتل «الشمبانزى» وزراعة وجه جديد للنظام، والغريب أن مكابراتهم ودأبهم على ذلك ينجح فى كثير من الأحيان.. لكن «شارلا» كانت تبحث عن حق الحياة، بينما هؤلاء يواصلون محاولاتهم للاستمرار فى احتكار كل شىء، ومصادرة حق المصريين فى الحياة..!

الجمعة، 12 أغسطس 2011

سلق المشروع الصوفى

 البعض اعتقد مما كتبت أمس، أننى أرفض أن يمارس الصوفيون حقوقهم السياسية، واستنكف نزولهم إلى ميدان التحرير، وكأنهم أقل من غيرهم، والحقيقة أن ما رصدته بالأمس كان متعلقا باللحظة والهدف، فالدعوة للمليونية الصوفية كان وراءها هدف «برجماتى» يتلخص فى تنظيم حشد مواز يجابه حشد السلفيين والتيارات الإسلامية. 

فكرة استدعاء الصوفيين نبتت فى الأساس، من الحاجة إلى عددهم، وليس من قناعة بحقهم فى ممارسة السياسة، لذلك جاءت الدعوة والتنظيم دون «عقل» يضبطها، أو رؤية لوضع الصوفيين ومستقبلهم فى العمل السياسى، خاصة مع إقدام بعض الطرق إلى الانضواء تحت راية حزب تحت التأسيس.

لكن يبقى السؤال: هل دخول الطرق الصوفية بإطاراتها الحالية، أو فى سياق أحزاب ذات مرجعية دينية صوفية يمثل شكلا جديدا من أشكال الإسلام السياسى أم لا؟ 
الحقيقة أن رقعة الإسلام السياسى تتسع بهذا الشكل لتضم أطيافا متعددة، وهذا قد يكون فى صالح المجتمع ككل، مثلما يكون أى تنوع فى صالحه، وربما يقضى تدريجيا على الإفراط فى الاستخدام السياسى للنصوص الدينية، لأنه فى هذا الوقت لن يكون هناك طرف يحتكر هذه النصوص ويحسم بها جزءا من يقين المواطن، لكنك ربما تكون مساهما دون أن تدرى فى تحويل التنافس السياسى، إلى نزاع طائفى ومذهبى بين أكثر من فهم للشريعة الإسلامية، كل منهم يحاول أن يبنى مشروعا سياسيا على هذا الفهم، وخطورة ذلك أنك ربما تنقل الخلافات والاستهجانات المتبادلة بين الصوفيين والسلفيين مثلا، التى تصل أحيانا إلى حد «تكفير كل منهما للآخر» إلى منافسة سياسية تدخل هذه الحالة من التعريض بالإيمان فى قلبها وجوهرها.

أنت عاجز على أن ترد السلفيين إلى مساجدهم، وتطلب منهم أن يمارسوا حقوقهم السياسية كأفراد، وليس ككتل منغلقة، تتمنى أن يكون مواطن سلفى عضوا فى حزب الوفد، وآخر عضوا فى حزب التجمع، وثالث فى حزب الكرامة، عن يقين بأن هذه الأحزاب المدنية وغيرها مهما كانت برامجها السياسية ورؤاها الاقتصادية والاجتماعية، ليست فى خصومة أبدا مع الدين كمكون ثقافى واجتماعى وتشريعى يخص المجتمع، وكإطار أخلاقى وعقيدى يخص الأفراد، لكنك أمام عجزك ذلك تستدعى الصوفيين ليمارسوا نفس الدور ويتحركوا كطرق وجماعات، فيما كان الأنسب للمجتمع، أن يتحولوا إلى رصيد اجتماعى وتصويتى للأحزاب كافة، وأن تتنافس هذه الأحزاب على هذه الكتلة دون احتكار، ودون صبغ الممارسة السياسية بصبغة دينية جديدة حتى لو كانت بهوى صوفى. 

الأخطر فى الأمر أنه إذا كان هناك مشروع إسلام سياسى تقليدى فقد استغرق وقتا طويلا فى الإنجاز والتجريب حتى وصلت بعض فصائله الرئيسية لدرجة الإيمان بالديمقراطية بشكل أو بآخر، فيما يضغط عليها المجتمع نحو مزيد من التحرر من حالة السمع والطاعة، وكذلك المشروعات الصوفية السياسية فى العالم وعلى رأسها تركيا تطورت فى سنوات، بينما فى مصر يجرى «سلق» مشروع وليد اللحظة وتحت ضغط الحاجة إلى الحشد لمواجهة العشم المقابل دينيا، دون فرصة كافية للنضوج، وهى معادلة صعبة ربما تنجح، لكن وارد جدا أن يفلت زمامها، لندخل مرحلة التناحر المذهبى إلى جانب السياسى، ناهيك أنه أيضا مشروع قائم على فكرة «المريد الصادق مع شيخه كالميت مع مغسله»، وهى ذات فكرة السمع والطاعة التى تكبح مبادرات الاجتهاد والإبداع عند غالبية الإسلاميين.

شهادة بدراوى

عندما تطالع شهادة الدكتور حسام بدراوى، آخر أمين عام للحزب الوطنى فى عهد مبارك، لابد أن تستوقفك ملاحظات متعددة، أهمها أنها تؤكد لديك بيقين حجم الحالة التى كان عليها الرئيس السابق ومدى قدرة المحيطين به على عزله عن سياق الأحداث وطبيعتها وحقيقتها، حتى فى أحلك فترات حكمه وأكثرها صعوبة.

هذه الثورة إذن قامت فى التوقيت الصائب جدا، وفى اللحظة التى كاد «حزب القصر» يعلن نفسه حزبا حاكما بعد أن استمر لسنوات يحكم فى الظل، ويهدم فى تاريخ الرجل الكبير، ويدفع بها نحو نهاية مأساوية تدخل به التاريخ من صفحاته السوداء. 

سلم مبارك عقله وإرادته وقراره لمجموعة نجله، التى كانت تحاول إدارة الأزمة، وعينها على المستقبل، وحرصها الأشد على مشروع للتوريث لا تريد أن تفقده وتتمسك به حتى الرمق الأخير، ومن هنا كان تضارب المصالح واضحا، فمبارك الذى كان يبحث عن مخرج آمن وخروج مشرف وكريم، حرمه نجله الطامح لاستكمال مشروعه من هذا الأمل الإنسانى، تعاملا معا كرفيقى سياسة وليس كأسرة، تباعدت الأهداف، وواصل مبارك خضوعه فى اللحظة التى كان لابد أن يفيق فيها، ويسارع بإنقاذ اسمه والاعتذار عن خطايا سنوات سمح فيها لابنه أن يفسد كل شىء. 

يومان فقط كان بدراوى مترددا فيهما على القصر، كفيلان ليثبتا لك بوضوح أن الثورة قامت على طريقة «الأفلام الأبيض وأسود» فى اللحظة التى يستعد فيها الشرير لعقد قرانه على الجميلة المكرهة، وتجهيز الفرح، فإذا بالبطل القادم من ميدان التحرير يتحرك ويخطف دفتر المأذون ويهدم الحفل، ويستعيد جميلته من غاصبيها، فحسب شهادة بدراوى المنشورة فى أسبوعية الفجر كان مبارك يقبل النصيحة حين يصارحه بحقيقة الموقف، يندهش حين يخبره أنه فى الطريق لمصير «شاوشيسكو» كدليل واضح على أن أحدا لم يقل له كلمة صدق، يقبل بكل مطالب الجماهير، وبمجرد أن يخلو لمجموعة القصر يتراجع عن كل شىء، فيزيد دون أن يدرى الطوق حول رقبته. 

هذه الشهادة تدين مبارك أكثر مما تعتقد أنها تدافع عنه وتظهره كما يحب أنصاره أن يظهروه، وكأنه الملاك بين الشياطين، والرجل الطيب بين مجموعة أشرار، والنظيف الذى لا عيب فيه سوى من حوله، يكفى أنه كان مستعدا لاستخدام الحرس الجمهورى فى قتل المتظاهرين الذين زحفوا إلى القصر، ويكفى أن الأمانة سلمها للسفهاء والأغبياء والتافهين، فصارت إرادته موزعة داخليا على نجله وزوجته، وخارجيا على واشنطن وتل أبيب، أفلا يستحق إذن هذا الخروج وذاك القفص؟!

لكن إذا كانت هذه شهادة تكشف كواليس أيام مبارك الأخيرة، فهى فى الوقت نفسه، تعيد قدرا من الاعتبار لتيار داخل الحزب الوطنى «المنحل» لم يتورط فى الخطايا الكبرى، وامتلك خطابا سياسيا عاقلا ومؤمنا بالديمقراطية، واختار فى لحظة أن يعمل على الإصلاح من الداخل واجتهد فأصاب وأخطأ، وكان جزءا من تراكم التغيير فى النهاية.

الخميس، 11 أغسطس 2011

اليسار الصوفى

هل يمكن اعتبار استدعاء «الطرق الصوفية» إلى المسرح السياسى العام بما يخالف طبيعتها وأدبياتها، استدعاء جديدا للدين فى السياسة تمارسه هذه المرة القوى «المدنية والليبرالية» التى بنت خطابها على مناوأة هذه الممارسة تحديدا؟

لا يمكن قطعا أن تبقى هذه القوى تدعو لحالة مدنية كاملة لا حاكمية فيها للدين، دون إخلال بوضعه المرتكز فى النسيج الاجتماعى والأخلاقى، وبمبادئه العامة التى تؤطر القانون والتشريع، ثم تستدعى هى نفسها قوى «دينية» مسكوت عنها، لمجرد أن تستمر فى مناكفة تيارات الإسلام السياسى التقليدية والمستجدة.

ما هو الفارق إذن بين تيارات مدنية تتحالف مع الصوفيين، وبين تحالف أحزاب ليبرالية مع الإخوان، ولماذا هاجمت هذه التيارات تحالف «الوفد الإخوان» بهذا العنف، إذا كانت هى نفسها تتحالف مع «مكون دينى» آخر يجرى إقحامه فى السياسة؟

أهو اعتراف إذن من هذه القوى بأن أى تحالف أو تحرك سياسى لن يستقيم بعد اليوم إلا بوجود مكون دينى فى داخله يمثل عمودا فقريا لهذا التحالف، وربما عباءة شاملة تنزوى أسفلها التيارات الأخرى التى ترفض إقحام الحالة الدينية فى معارك سياسية وممارسات انتخابية قائمة على كثير من المواءمات وكثير أيضا من الادعاء؟ 

الظاهر أنه تحالف لا يعبر عن رؤية ممسوكة، بقدر ما يعبر عن حالة «برجماتية» ترغب فى تحقيق حشد ومباهاة عددية، وتسعى لاستخدام الحشد الصوفى فى مواجهة الحشد السلفى، دون عقل، بما يمثل اعترافا واضحا من هذه القوى بعجزها عن الحشد دون عنصر دينى، حتى لو كان الصوفية بكل تراثهم السلبى سياسيا. 

مازالت القوى المدنية والليبرالية تتخبط وتتحرك فى إطار رد الفعل وفقط، لا تتنافس على قطاع عريض من المتصوفة لضمهم تحت العباءات المدنية المتعددة كأفراد، لكنها تنسج التحالف مع التيار ككتلة واحدة للاستفادة من انتشاره وعدده وكتلته التصويتية، تتعامل مع الطرق الصوفية وكأنها أحزاب مكتملة بنفسها، فتطلق «عفريتا دينيا جديدا» يوسع من رقعة الاستخدام السياسى للدين ويزيد مساحة «الإسلام السياسى» عموما، وهذه المرة بدعم قوى مدنية صرفة. 

لا تركز القوى المدنية والليبرالية على إنتاج مشروع نهضوى حقيقى لا يستعدى الدين، ويحتفظ به كانعكاس أخلاقى على المجتمع، ويجنب الوطن خطر السجال السياسى المستند إلى نصوص دينية، لكن عين هذه القوى فقط متجهة إلى نجاح الحشد غدا الجمعة، وهو نجاح حتى لو نجح لن ينسب لها على أى حال، وستصبح جمعة غد هى الجمعة الصوفية، كما كانت سابقتها هى جمعة السلفيين، وستتلخص المعركة لدى الرأى العام البسيط وكأنها تنافس بين فصائل دينية وفقط، «يمين سلفى متشدد ووسط إخوانى معتدل ويسار صوفى أكثر مرونة»، دون حضور لأية قوى مدنية فى الخريطة الذهنية للمواطن البسيط. 

وسعت التيارات الليبرالية رقعة الإسلام السياسى فى مصر بـ«مارد صوفى» تعتقد أنها قادرة على احتوائه بعد أن يأكل الإسلاميون التقليديون فى الشارع، وفى هذا مزيد من المقامرة بالوطن!

الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

تحدثوا عن أنفسكم قليلا

المنطقى أن تتكلم حتى أعرفك، لكن فى الواقع السياسى المصرى ينقلب الحال، فتبدو ساعيا لتقديم نفسك بالهجوم على خصمك، أو بالتركيز على عيوب طرف آخر، لا تقول إن لديك حسنات كذا وكذا، لكن تكتفى بالقول إن الآخر سيئاته كذا وكذا، وكأنك تعرف نفسك باعتبارك عكس الآخر وكفى دون جهد حتى فى إبراز مواطن الخلاف.

ربما كان ذلك من أكبر وأفدح أخطاء القوى «الليبرالية» التى تبنت منذ بداية المرحلة الانتقالية خطابا مفعما بالنقد للقوى السياسية الإسلامية، وسط تركيز شديد على أداء هذه القوى وتصريحاتها وخطاباتها وتحركاتها، والرد على كل كلمة وكل تحرك وكل موقف. 

استغرقت القوى الليبرالية فى الهجوم على الإسلاميين، ووضعت نفسها طوال الوقت فى خانة رد الفعل، وصار أكثر من 90% من مضمون خطاباتها نقدا مباشرا للمشروع الإسلامى السياسى بفروعه المتعددة يمينا ووسطا ويسارا، لكنها أهملت تماما الحديث عن نفسها، حاولت أن تقدم نفسها طوال الوقت بأنها «عكس الإسلام السياسى» وهو تقديم قاصر تماما، يجعلها تفقد كثيرا خاصة فى أوساط لديها صورة نمطية مباشرة بأن التيارات الإسلامية على الأقل هى التى تحمى بقاء المادة الثانية من الدستور وتقاوم نزعة المجتمع نحو مزيد من الانحلال على حد هذا الفهم الساذج سياسيا. 

كنت أتمنى أن تركز القوى الليبرالية قليلا فى الحديث عن نفسها، أن تتبنى خطابات بنائية، ومبادرات واضحة، وأن تترك السجال النخبوى، وتنزل للشارع، أولا لتطرح نفسها بعيدا عن فخ «التضاد مع الإسلاميين» عبر تقديم رؤى متكاملة فى إطار من إرادة الفعل والحركة، والثانى لمواجهة أى تشويه متطرف قد يضع هذه القوى فى قوالب نمطية تميل نحو «الكفر والانحلال والفسوق». 

جزء من حالة الزخم والزهو التى تسيطر على المشروع الإسلامى السياسى، أنه متواجد فى الشارع من ناحية، ويخاطب الجماهير بلغة يفهمونها تصل فى بعض الأحيان تطرفا إلى مغازلة عواطفهم الدينية ودغدغة مشاعرهم، إلى جانب امتلاكه إرادة الفعل والمبادرة والحركة والهجوم، فى إطارات متوازية لا يطغى بعضها على بعض، وهذا ما يعكس ما يتم تصديره من «إيحاء» لم يختبر بعد فى صندوق اقتراع، بقدرة أصحاب هذا المشروع على اكتساح الأغلبية البرلمانية.

تحدثوا عن أنفسكم قليلا أيها الليبراليون، خاطبوا الشارع وليس برامج التوك شو، بادروا بالحركة، ولا تقصروا نشاطكم فقط على تتبع خطوات الإسلاميين والرد عليها.. لا تكونوا كالذى لا يعمل ويشقيه أن يعمل الآخرون..!

الأحد، 7 أغسطس 2011

ثورة (بيبسى) المجيدة

أحسد المطرب والملحن وما تيسر من مهن «عمرو مصطفى» على وعيه السياسى ونضوجه الفكرى وخبراته السياسية والإستراتيجية، التى نجحت أخيرا فى كشف لغز ما يسمى بـ«الثورة المصرية» والنجاح فيما فشلت فيه «مخابرات عمر سليمان» و«أمن دولة حسن عبدالرحمن» و«إعلام أنس الفقى» و«حزب أحمد عز» وإثبات أن الثورة المصرية صنعت خصيصا فى مصانع «بيبسى» وجرى تعبئتها بمعرفة الشركة، وبمجرد أن «شفط» كل واحد منا «شفطة» حتى خرج لا إراديا يهتف: «الشعب يريد إسقاط النظام».

ظل العالم كله يبحث عن قائد للثورة المصرية، ويحلل فى ظواهر التحرك الجماعى، لكن الرجل وحده اكتشف أن «بيبسى» هى قائدة الثورة، أو قل إن شئت «بول بريمر» مصر. 

والحقيقة أن «عمورة» فى تحليله السياسى لـ«الخطاب البيبساوى» يضع يديه على شعار فى غاية الخطورة يقول: «عبر مين قدك»، وتحليل المضمون المنهجى والمبدئى لهذا الشعار لن يحتاج منك جهدا ولا فهما ولا «علاما متوسطا» لتدرك أنه خطابا تحريضيا صرفا، تسلل بين الشعب المصرى عبر إعلانات الشركة فى التليفزيونات حتى فجر فيهم نزعة «ثورية» جبارة، فشلت كل الأحزاب والقوى والسجون والمعتقلات و«العيشة واللى عايشنها» فى تفجيرها طوال 30 عاما. 

أيضا لم تكتف «بيبسى» بتحريض الناس على الثورة فحسب، لكنها كانت «مغسل وضامن جنة» فقد حددت كذلك موعد الثورة، لاحظ الرقم «125» الذى تكرر فى خطاباتها الإعلانية، كن عظيم الذكاء مثل «عمورة» وافهم أن المقصود منه 25 يناير، وليس الحديث عن 125 عاما من عمر الشركة، لكن الرجل على ما يبدو يخلط بين الشركات ويعتقد أن الشعار التحريضى «القوة بين ايديك» هو شعار «بيبساوى»، وفى حدود معلوماتى المتواضعة و«علامى المجانى فى المدارس الحكومية» فهو شعار «فودافونى» على الأرجح. 

لكن ربما كان هناك تحالف «بيبساوى فودافونى» لإسقاط مبارك وتحريض المصريين على الثورة، لكننى أحب أن أضيف لرؤية الملحن العبقرى التحليلية «كوكاكولا»، التى كانت علاج التهاب العيون فى مواجهة قنابل الغاز وقطعا أضافت هذه المواد خصيصا من أجل الثورة المصرية فى سياق المؤامرة الكونية الكبرى على نظام مبارك، دعك من الخل والبصل المصرى المحلى، وأضف المستورد لقائمة صناع الثورة، ولا تنسى شركة «بيريل» التى استمرت لسنوات تحرض المصريين بقولها: «استرجل»، و«ماونتن ديو» التى حرضت الجماهير على مواجهة الخوف بقولها: «قوى قلبك». 

اربط كل ذلك بالاكتشاف اللغوى العبقرى للدكاترة «عمورة»، الذى يقول إنه خدم بلده أكثر من كل أصحاب نوبل، بأن كلمة «يريد» يهودية ولا تمت للعربية بصلة، ولم ترد لا فى القرآن أو الأحاديث أو حتى الشعر الجاهلى، لتدرك حجم المؤامرة التى أطاحت بمبارك، وخدعتنا جميعا وجعلتنا نصدق أنها ثورة. 

لا تلوموا عمرو مصطفى فهذه «حدود عقله»، على الأقل حين يغادر محيط «الموسيقى»، لكن اللوم كل اللوم لمن تآمر على مشروع محو الأمية، وأغلق فصول كبار السن.. وترك «أدوية الكحة» فى متناول الجميع..!

السبت، 6 أغسطس 2011

(الساقط) لا محالة

لا يحاول الرئيس السورى «السابق» بشار الأسد أن يصدق أنه بحكم الواقع والشرعية صار سابقا منذ أن داست دباباته على أبناء شعبه، وحصدت رصاصاته أرواحهم، ثم ذهب بنفسه ليحيى الجيش ويشد على أيدى الجنود المصابين، وكأنهم عائدون من حرب تحرير مقدسة.

لم يكن المشهد بالأمس فى «حماة، ودير، الزور، وحمص، ودرعا، ودمشق، وجبلة، وتدمر» سوى مؤشر جديد على أن الأسد راحل راحل ولم يعد هناك حل مقبول للأزمة فى سورية سوى برحيله، فالجماهير التى تضرب بالدبابات طيلة أسابيع مضت واصلت صمودها بالأمس، وواصلت احتشادها بأعداد غفيرة رغم القتل والتنكيل وإطلاق النار العشوائى عبر قذائف الدبابات، قالت الجماهير السورية الحرة كلمتها: «إذا كان مع بشار دبابات وجيش مرتزق مملوك خان الشعب والوطن فى سبيل السلطان فإن الجماهير معها الله»، كما خرجت فى جمعة بذات المعنى تنادى: «ليش خايفين.. الله معنا». 

لا تتعجب إذا ما شاهدت وجوه النظام فى دمشق يحدثونك عن المؤامرات الخارجية وعن العملاء، فذلك خطاب تعرفه، ولا تتعجب كذلك عندما ترى الدبابات تصطف أمام المساجد لتحصد المصلين الصائمين عشوائيا، فقد جمع بشار الأسد كل سوءات من سبقوه من الطغاة، ذات الغباء السياسى، وذات القسوة المفرطة، هو يخوض الآن حرب الحياة والموت ضد شعب بكل المنطق والعقل هو الباقى وما دونه زائلون.

لا تملك العصابات المملوكية عقلا سياسيا يمكن أن يدفعهم لإدارة أزمة برشد يعرف متى يعلن توقيت الخروج، ويخاف على سمعته وشرفه وسيرته لدى أبناء وطنه، لكن العصابات، لا تكترث كثيرا بالشرف، تدافع عن المغانم حتى آخر نفس، وتموت فى المعارك ليس لبطولة وشجاعة فيها، ولكن لأن مصيرها مربوط بقتل تمارسه وتعلم أنه سيأتى يوم وتمارس فيها، عصابات لا تعرف سوى لغة الخطف والقهر والضرب، وكما سطت على وطن بأكمله، لن تغادره إلا بما هو مستحق لكل مسجل خطر ومعتاد للإجرام.

سيسقط بشار.. ليس بدبابة أمريكية، ولا قصف جوى للناتو، ستسقطه دماء الشهداء، وسيطيح به الغضب الذى تتوسع ناره فى كل المدن، سيسقط وسيجد من يبكيه بحرقة فى تل أبيب، ويتحسر على أيامه التى لن تعوض، سيبكى الإسرائيليون عند خروج كنز إستراتيجى أعظم من ذلك الذى كان فى القاهرة، حارس لأمنهم، و«غفير» على بوابتهم الشمالية، سيبكون الرجل الذى حاربهم بكل مفردات اللغة والخطابة، وظلت دباباته ومدافعه صدئة لا تعمل حتى استدارت للوراء وأفرغت ذخائرها فى صدور الغاضبين العزل، والمصلين الصائمين، والمتطلعين لغد بلا استبداد ولا قهر ولا حياة بوليسية من أبناء شعبه.

سيسقط بشار.. حتى تستكمل الثورة المصرية نجاحها ورسالتها، حتى يبدأ الزمن العربى الجديد، زمن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، حتى يبدأ الصمود العربى الحقيقى والمقاومة الفعلية التى لا إنشاء فيها ولا خطابة، وإنما إرادة سياسية مستمدة من إرادة الشعوب التى لم تهادن ولم تصالح لا سرا ولا علنا..! 

الجمعة، 5 أغسطس 2011

أسقط مبارك من رأسك

 آن الآوان أن يخرج مبارك من رأسك بإرادتك أنت، كما أخرجته من حكمه، وأنهيت كل آماله وآمال عائلته فى استمرار الملك، وأغلقت صفحة تاريخه بكثير من العار، أعرف أن هذا إنجازك وحدك، وأن إيداع الرجل قفص الاتهام دفعت ثمنه دما وصبرا وتخوينا متواصلا، وأعرف أن فى حلقك ألف غصة من عهد الرجل الذى أضحى متهما بين يدى العدالة، وخرج من حالته الرئاسية الملكية كأسوأ ما يخرج حاكم فى التاريخ.

لكن مبارك الآن بين يدى العدالة، وضع مع عائلته فى قطار مصيرهم الذى تحرك وانطلق، ولم يعد أمامك ما تقوله أو تفعله، إلا إذا كنت تملك من الدلائل ما يفيد القاضى، لكن الوطن الآن لم يوضع فى قطار مصيره بعد، أنت مطالب أن تلتفت لبناء القطار وإعداد الوقود ليسير فى اتجاه المستقبل الذى نريد. 
ظل مبارك وإرثه معوقا حقيقيا للنظر إلى الأمام، ثقلا يشدك للخلف كلما حاولت أن تخطو خطوة للأمام تقطع ما بينك وبين الماضى وتستشرف المستقبل، وكنت أدرك ذلك لكن لا أملك أن أطلب منك أن تخرجه من رأسك، وهو مازال بعيدا عن قبضة العدالة، يعامل معاملة استثنائية، ولديك شكوك فى نوايا «أولى الأمر» وكأنهم غير راغبين فى محاكمته.

لكن اليوم أودع الرجل أمانة قاض، وصرت مطالبا أن تقبل الحكم حين يصدر شافيا غليلك، أو تلجأ إلى آليات الاعتراض والطعن القانونية إذا لم يفعل، مبارك أمام القانون برىء حتى تثبت إدانته، حتى لو كان أمامى وأمامك مدان ألف مرة، صدر حكم الشعب فى حقه وتم التنفيذ، خرج من القصر إلى القفص، وبقى حكم القاضى الذى يملك التقدير وحده، ودون الحكم يبقى مشهده داخل القفص فى قبضة عدالة يحرسها الشعب، درسا ولا أبلغ، وعقوبة ولا أصعب، لا يشعر بمرارتها سوى الجبابرة والمستكبرين. 

دع مبارك يواجه مصيره إذن، لا تنشغل به بعد اليوم إلا بالقدر الذى يستحقه، إذا ما قورن بما ينتظر من تحديات لبناء وطن أن تعلم حجم ما أصابه من تخريب طوال عقود، اترك مبارك لقاضية والتفت لتطهير البلاد من كل مبارك مازال باقيا بذات السلوك والقيم والأداء، وكل مبارك يحاول أن يأتى متسلحا بمظهر لا يخفى جوهرا رديئا.

هدمت نظام مبارك فى أساسه، وصارت محاولة إعادة بنائه مستحيلة، فلتلتفت اليوم لهدم قيم مبارك وأخلاق عصره التى تفشت فى كل مكان لتفسد عليك كل شىء، طريقك وغذاءك وتعليم أبنائك، لتصنع لهذه الثورة العظيمة نموذجها الاجتماعى والأخلاقى الجديد المتحرر من رداءة ما مضى. 

كل مساحة يشغلها مبارك فى رأسك تطغى على مساحة ملك المستقبل تؤثر على تركيزك وانتباهك لما هو قادم من تحديات ومخاطر، لا تسمح لمبارك أن يؤثر على المستقبل كما دمر الماضى، أن يحكم المستقبل من قفصه كما حكم الماضى من قصره، الثورة ليست فقط خلع مبارك ومحاكمته وعقابه، للثورة مهام متوازية أقلها محاكمة متهم وعقابه. 

لا تنس الماضى لكن لا تعش فيه، لا تغفر لكن لا تتفرغ للانتقام، لا تستغرق فى الحديث عن رداءة الأمس، حتى لا تفقد حلاوة ما يجب أن يكون عليه الغد.. أو هكذا أعتقد..! 

الخميس، 4 أغسطس 2011

مصرى وأفتخر

جدير بك اليوم أن تفخر من جديد أنك مصرى، أن ترفع رأسك عاليا، ولا تخفضها خجلا أو قهرا أو استكانة مرة أخرى، أن تزهو بانتصارك الإنسانى والأخلاقى قبل إنجازك السياسى، أن تتذكر بزهو الراحلين من سقط منهم شهيدا وسط شارع غاضب وثائر ومتطهر، ومن ذهب منهم إلى جوار ربه، بعد أن قال كلمة حق أمام سلطان جائر ومستبد، وإلى كل من تركت علامات القهر والاستبداد على أجسادهم آثارا، كأوسمة الفخر، ودلائل الإدانة الكاملة لدولة التعذيب والإفساد.

لا تتباطأ فى إعلان انتصارك، تنتظر حكما نهائيا نافذا، لا تكترث كثيرا بالحكم، فليس الانتصار فى الحكم، بقدر ما هو فى المحكمة، بقدر ما هو فى ذلك القفص الذى شاهدت الجبابرة يدخلونه، بعد أن أفشلت كل مساعيهم للهروب منه، يكفى «قفص العدالة» انتصارا، تلك مهمتك الجليلة التى أنجزتها بكفاءة وإخلاص، دفعت ثمنها من دمك، ومن نومك الليالى الطويلات على الأرصفة وفى الخيام، ومن عزم «حنجرتك» التى طالما هتفت بالحق. 

جدير بك أن تفخر أنك مصرى، واجهت الديكتاتور ونظامه وأجهزة بطشه فى عنفوان صفوتهم، حولت الرجل الأول والحاكم الأوحد، إلى المتهم الأول، نقلت ساكن القصر إلى القفص، ونقلت رجاله وأبناءه إلى زنازينهم المستحقة، التى قطعوا من لحمك ثمن بنائها، ظنوا أنها ستكون حكرا على من يغضبون عليه، فصارت لهم مستقرا أخيرا. 

جدير بك أن تفخر بنصرك الأخلاقى، لم تنسق وراء رغبة إنسانية فى الانتقام، لم تنكر ما يجيش فى صدرك من غضب وكراهية وحقد على الطغاة، لكنك اليوم تضرب المثل، تشكو خصومك المخضبة أياديهم بدمائك ودماء رفاقك، المكدسة خزائنهم بأموالك وأحلامك ومستقبلك، إلى القاضى الطبيعى، لينالوا الحق فى دفاع لم يمنحوه لخصومهم حين كان القرار بأيديهم، والحق فى محاكمة عادلة لم يتعودوا عليها، لا تأتيها قرارات الإدانة والبراءة من «سماعة تليفون». 

اليوم أنت تقطع كل صلة بالماضى بممارساته وقيمه وأخلاقه، تضع حجر الأساس لدولة القانون العادل، ترسل العبر واضحة لكل لاحق، تتضامن دون بيانات بليغة وإنشائية مع كل المظلومين والمقهورين فى الأرض، تمنح كل طاغية الفرصة ليرى مصيره «صوت وصورة» فى زمن بات على كل طاغية أن يختار مصيره بين «هروب وقتل ومحاكمة». 

أنت الآن المعلم والأستاذ والقائد والزعيم والناصح والأمين، أنت الواعظ الصادق والحاكم الناهض الأجدر باحتكار كل حقيقة وكل يقين، أنت صاحب الصوت الذى لا يجوز لصوت أن يعلو عليه، أنت صاحب القرار والحكمة، تصبر حتى يتخيل الطغاة أنك سلمت الإرادة، وتغضب حتى لا يبقى أمام الطغاة سوى اجترار الندم. 

من لم يعتبر بالسابق.. كان عبرة للاحق.. وكفى بـ«المصرى» حين يغضب فى الحق ويسعى إلى العدل واعظا..! 

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

براءة المصريين

اليوم.. أنت على موعد مع تاريخ جديد يكتبه المصريون بفخر، ليس فقط لأن الرئيس السابق سيكون ماثلاً أمام القاضى فى «قفص العدالة» حسبما هو مرجح، وإنما فى دلالات ذلك الحدث المتعددة، ورسائلها للداخل والخارج فى آن.

أولاً تواصل الثورة المصرية إنجاز مهامها، وتحقيق طموحاتها، وسط شد وجذب بين صناعها فى الشارع، وبين وكلاء إدارتها، بين شارع متسرع ومتوهج، ومجلس عسكرى متأخر فى التوقيت، لكن نهاية الفعل تصب دائماً فى صندوق الثورة لتضيف أبعاداً جديدة لفكرة العدالة التى خرجت الجماهير من أجلها، وها هى تحاول أن تطبقها حتى مع خصمها الأهم.

بظهور مبارك اليوم فى القفص حسب التوقعات يكون المجلس العسكرى قد قطع آخر شعرة كان يظن البعض وأنا منهم، أنها كانت تربطه بالرئيس السابق، بكل ما كانت تمثله من تعاطف «إنسانى» لا تستطيع استهجانه إن وجد، مع قائد أعلى سابق «له ما له وعليه ما عليه»

لكن يبقى التعاطف مع الوطن أبقى وأجل، والبر بالشعب أزكى وأطهر وأصدق، وهى مسألة انحياز منطقية، أنجزها العسكر بشكل مبكر، ويواصلون رغم التباطؤ ــ إنجاز الخطوات التى تؤكد التزامهم بالأهداف الأساسية للثورة. 

تلك هى أهم دلالة على الإطلاق لظهور مبارك فى القفص، زد عليها قيمة العدالة التى يرسخها هذا المشهد، والحرص على مثول مبارك أمام قاضيه الطبيعى، وهو حق إنسانى طالما حرم منه خصومه حين كان صاحب القرار والسلطة.

اليوم أنت لست فقط على موعد مع محاكمة رئيس سابق، أو حتى محاكمة عهده وحكمه ورجاله، أنت على موعد مع لحظة إعادة الاعتبار للشعب المصرى، الذى كان طوال العقود الماضية خارج كل الرهانات والحسابات، وظن الجميع أنه سيبقى كتلة صامتة ومستكينة، تتألم فى صمت وتجوع فى صمت، وتهدر كرامتها فى صمت، اليوم تمنح المحكمة حتى دون حكم ناجز أو إدانة قاطعة لمبارك، صك إعادة الاعتبار لهذا الشعب فى اللحظة التى تنادى فيها على المتهم الأول، فيجيبها مبارك من داخل القفص مؤكداً حضوره وخضوعه للقانون كما اضطر من قبل للتنحى والخضوع لإرادة الشعب التى طالما استهان بها.

عندما تشاهد مبارك فى قفصه اليوم، لابد أن تتذكر بإكبار وإعزاز الشهداء الذين ذهبت أرواحهم ثمناً لهذه اللحظة، وأن تتذكر آلاف الذين واجهوا البطش وافترشوا الأرصفة فى ميادين التحرير فى كل مصر، وأن تتذكر آلاف المعتقلين، وكل من قال كلمة أو كتب جملة، أو هتف مرة فى مظاهرة، تذكر أن هذا الشعب ظل يدفع ثمن هذه اللحظة على مدار كل لحظة حكم فيها الاستبداد، وعندما قرر أن يدفع الفاتورة «جملة وليس قطاعي» استعاد نفسه وملكيته وحقه فى أن يكون وحده القائد والزعيم.

فى الدقيقة التى تبدأ فيها محاكمة مبارك، يصدر حكم نهائئ لا طعن عليه ولا نقض، بتبرئة المصريين من تهم الخضوع والخنوع والكسل والجبن واللامبالاة والعشوائية، اليوم يعود لكلمة «مصرى» المعنى المكتمل، والفخر المستحق..!