الأربعاء، 3 أغسطس 2011

براءة المصريين

اليوم.. أنت على موعد مع تاريخ جديد يكتبه المصريون بفخر، ليس فقط لأن الرئيس السابق سيكون ماثلاً أمام القاضى فى «قفص العدالة» حسبما هو مرجح، وإنما فى دلالات ذلك الحدث المتعددة، ورسائلها للداخل والخارج فى آن.

أولاً تواصل الثورة المصرية إنجاز مهامها، وتحقيق طموحاتها، وسط شد وجذب بين صناعها فى الشارع، وبين وكلاء إدارتها، بين شارع متسرع ومتوهج، ومجلس عسكرى متأخر فى التوقيت، لكن نهاية الفعل تصب دائماً فى صندوق الثورة لتضيف أبعاداً جديدة لفكرة العدالة التى خرجت الجماهير من أجلها، وها هى تحاول أن تطبقها حتى مع خصمها الأهم.

بظهور مبارك اليوم فى القفص حسب التوقعات يكون المجلس العسكرى قد قطع آخر شعرة كان يظن البعض وأنا منهم، أنها كانت تربطه بالرئيس السابق، بكل ما كانت تمثله من تعاطف «إنسانى» لا تستطيع استهجانه إن وجد، مع قائد أعلى سابق «له ما له وعليه ما عليه»

لكن يبقى التعاطف مع الوطن أبقى وأجل، والبر بالشعب أزكى وأطهر وأصدق، وهى مسألة انحياز منطقية، أنجزها العسكر بشكل مبكر، ويواصلون رغم التباطؤ ــ إنجاز الخطوات التى تؤكد التزامهم بالأهداف الأساسية للثورة. 

تلك هى أهم دلالة على الإطلاق لظهور مبارك فى القفص، زد عليها قيمة العدالة التى يرسخها هذا المشهد، والحرص على مثول مبارك أمام قاضيه الطبيعى، وهو حق إنسانى طالما حرم منه خصومه حين كان صاحب القرار والسلطة.

اليوم أنت لست فقط على موعد مع محاكمة رئيس سابق، أو حتى محاكمة عهده وحكمه ورجاله، أنت على موعد مع لحظة إعادة الاعتبار للشعب المصرى، الذى كان طوال العقود الماضية خارج كل الرهانات والحسابات، وظن الجميع أنه سيبقى كتلة صامتة ومستكينة، تتألم فى صمت وتجوع فى صمت، وتهدر كرامتها فى صمت، اليوم تمنح المحكمة حتى دون حكم ناجز أو إدانة قاطعة لمبارك، صك إعادة الاعتبار لهذا الشعب فى اللحظة التى تنادى فيها على المتهم الأول، فيجيبها مبارك من داخل القفص مؤكداً حضوره وخضوعه للقانون كما اضطر من قبل للتنحى والخضوع لإرادة الشعب التى طالما استهان بها.

عندما تشاهد مبارك فى قفصه اليوم، لابد أن تتذكر بإكبار وإعزاز الشهداء الذين ذهبت أرواحهم ثمناً لهذه اللحظة، وأن تتذكر آلاف الذين واجهوا البطش وافترشوا الأرصفة فى ميادين التحرير فى كل مصر، وأن تتذكر آلاف المعتقلين، وكل من قال كلمة أو كتب جملة، أو هتف مرة فى مظاهرة، تذكر أن هذا الشعب ظل يدفع ثمن هذه اللحظة على مدار كل لحظة حكم فيها الاستبداد، وعندما قرر أن يدفع الفاتورة «جملة وليس قطاعي» استعاد نفسه وملكيته وحقه فى أن يكون وحده القائد والزعيم.

فى الدقيقة التى تبدأ فيها محاكمة مبارك، يصدر حكم نهائئ لا طعن عليه ولا نقض، بتبرئة المصريين من تهم الخضوع والخنوع والكسل والجبن واللامبالاة والعشوائية، اليوم يعود لكلمة «مصرى» المعنى المكتمل، والفخر المستحق..! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق