| * كانت «لقاء» في ذلك الوقت لا تملك من رصيد الأيام إلا سنة وشهرين، حين غادرت بها أمها «سحر» من ميناء ضبا في المملكة السعودية باتجاه سفاجا المصرية قبل عامين ونصف العام.. سقطت سحر وابنتها في البحر، تشبثت الأم بقطعة خشبية بذراعها اليمني، بينما سيطرت باليسري علي رضيعتها وظلتا طافيتين بين الأمواج، تهادنهما حيناً وتصارعهما أحياناً أخري، لكن الصغيرة لفظت أنفاسها بعد أن جمدت مياه البحر الأحمر القاسية جسدها الصغير. وقتها رضيت الأم المكلومة بالقدر، وتمنت أقل الأحلام الممكنة أن تخرج بجثة رضيعتها لتدفنها، ربطتها بحبل ولفت الطرف الآخر من الحبل علي وسطها، وبعد ١٢ ساعة خرجت الأم من البحر، سحبت الحبل فإذا به يخرج فارغاً دون الجسد البريء! * محمد حسن.. ذلك الطفل الذي لم يتجاوز السادسة، كان هناك قبل عامين، حين خرج الدخان الأسود وأعقبه تكسير للزجاج.. ثم سقوط الناس في البحر.. وكان من بينهم والداه، شاهد الطفل أباه وأمه يسقطان في البحر.. نظر إليهما وهما يغطسان بلا عودة، أوصاه أبوه بشقيقته «رحمة»، بعد أن ألقي بهما في البحر داخل طوق للنجاة.. قال له: «إنت راجل يا محمد خلي بالك من أختك»، لكن أخته ماتت هي الأخري قبل أن يظهر بر الأمان، وصار وحيداً بلا أسرة. * علي شاطئ الأحزان افترشت «أم فراج» الرمال المبللة بدموعها تنتظر قادما من بين الموج يرد الحياة إلي قلبها الموجوع، سألت العساكر عن ابنها المفقود: «أريده حيا»، قالوا: «صعب».. اكتوت بنار الجرح ثم استكانت وقالت: «أريده إذن ميتا»، قالوا: «صعب أيضاً».. رفضت العجوز الثكلي الاستسلام، وجلست أمام الشاطئ تنتظر فراج. * فتاة عشرينية تستقبل الحياة، وتنتظر ليلة العرس، وتعلم أن الأب في عرس الفتاة ظهر وسند، لهذا تمسكت «نوارة» يومها بالأمل، وظلت تنتظر أن يعيد إليها الموج أباها العائد بعد غياب يحمل معه جهاز عرسها، ويستعد لوضع يده في يد عريسها لإتمام الزواج. كانت «نوارة» تحتاج أباها ليعلمها كيف تبني بيتها، ولتعود إليه إذا الزوج أغضبها، لكن أباها لم يعد ولم تعرف أين استقرت رفاته، لم تري شاهد قبره لتضع عليه الزهور وتقرأ الفاتحة. * مازال الدكتور محمد عبدالحليم يتذكر نجليه آلاء وعبدالرحمن وهما يلعبان «البلاي استيشن»، بينما أمهما تعد لهما طعام العشاء.. عبدالحليم، الطبيب الذي تغرب من أجل أبنائه الأربعة عقوداً، يعيش الآن وحيداً وحزيناً ومفجوعاً، تطارده ذكريات أبنائه الأربعة وزوجته، الذين فقدهم جميعاً منذ عامين بعد أن ابتلعهم البحر. * فجرالأحد المقبل، وأمام مقبرة الشهداء بمدينة الغردقة، التي تضم رفات ٧٥ ضحية مجهولة الهوية، يقف الطفل محمد والطبيب محمد عبدالحليم والمكلومة سحر، والثكلي أم فراج، والموجوعة نوارة، ومعهم مئات آخرون يقرأون فاتحة واحدة أمام شواهد قبور بلا بيانات، لا أحد منهم يعرف قبر مَنْ يقرأ له الفاتحة، وهل هو في قاع البحر أم في مقبرة المجهولين الجماعية، وما بين مقبرة الشهداء وشاطئ البحر يوزعون الزهور والآيات البينات، وكل منهم يؤمن أن الله «العادل القوي المنتقم» يعلم موقع كل ضحية ومكان كل رفات ويوزع الآيات و«الفاتحات» علي أصحابها بالعدل، قبل أن يحتشدوا في نفس الصباح في مقر محكمة جنح الغردقة ينتظرون عدلاً، مهما تطرّف في قسوته، لن يجعل أياً منهم ينسي أو يغفر. * تذكروا فراج والرضيعة لقاء وآلاء وأشقاءها وأبونوارة.. تذكروا اليتيم محمد حسن وأباه وأمه وشقيقته رحمة.. تذكروا ألفاً و٣٤مصرياً، كفَّنهم الموج، واقتات عليهم سمك البحر.. تذكروهم اليوم وغداً وكل يوم.. ولا تنسوهم أبدا هم ومن قتلوهم بدعائكم. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الخميس، 24 يوليو 2008
حتي لا ننسي
الاثنين، 21 يوليو 2008
الوطن ــ الباشا
| ماذا تفعل لو كنت مكان المجند الذي أمره ضابطه بالخروج بسيارة «الشرطة» ليتولي تعليم نجل الضابط ذي الـ١٣ عاماً القيادة؟ ماذا تفعل لو نفذت التعليمات بدقة ــ كما تعودت أن تفعل طوال فترة تجنيدك التي شاء قدرك أن تقضيها بين ضباط الشرطة ــ ثم تسبب الصبي في حادث وأزهق بسيارة الشرطة الحكومية أرواح أبرياء ؟ أولاً ستلجمك المفاجأة .. ثم ستدفع بك الصدمة والتفاف الناس حولك في تحفز للفتك بك إلي أن تطيح بالتهديدات وتردد اسم «الباشا» الذي تعمل معه لعل أحداً يرتدع، وعندما تأتي الشرطة تعترف بأن «ابن الباشا» كان يتعلم القيادة، وحين تصل إلي قسم الشرطة تستمع إلي «صوت العقل» ــ طوعاً أو كرهاً ــ ومع أول «قلم» يسطر كلمة في محضر التحقيقات الرسمي تعترف بأنك أنت المجرم المذنب الجاني، أنت من كنت تقود السيارة وتسببت، برعونتك، في قتل الأبرياء. لا تتعجب من رد فعل المجند محمد أحمد فؤاد .. ولا تلمه علي موقفه، وظيفياً : أدي الرجل ما عليه باعتباره يعمل عند «الباشا» وابنه وأسرته هكذا تعلم بالتجربة، وأيقن أن مهمته الجليلة في الحياة هي حراسة الباشا ورعاية ابنه وخدمة «الهانم» زوجته. منذ لحظة ميلاد محمد وأمه تتوسم فيه خيراً، تقول لشقيقاتها وجاراتها إن ابنها سيكون له شأن، وإن الأقدار تدخره لمهمة جليلة يخدم بها الوطن، وحول هذه البشارة دارت حياته منذ نعومتها واستمرت معه كلما شب قليلاً ينتظر البشارة فلا تأتي، يمهلها مزيداً من الوقت تبقي بعيدة، ينتظرها بضع سنوات تظل حلماً مستعصياً. حتي جاءت اللحظة التي ذهب فيها لمنطقة التجنيد ليجد نفسه محولاً إلي معسكرات الداخلية. هناك أدرك تماماً أن المهمة الجليلة التي تنتظره لن تخرج عن نضال في الشوارع لفض المظاهرات وكبح المتظاهرين، أو نضال مواز في خدمة أحد «الباشوات»، ولما كان نصيبه الثانية، تعلم أن الأرض كروية تلف حول «الباشا» وتدور، وأيقن أن نجاحه في «مهمته الوطنية الجليلة» مرهون بمدي إخلاصه وولائه لـ «الباشا» ورضا الأخير عنه، باختصار آمن أن «الوطن هو الباشا .. والباشا هو الوطن». علم محمد حين وقعت الحادثة الأليمة أن الوقت قد حان للفداء، وأن المعركة التي ينتظرها قد آن أوانها، وأن بشارة أمه قاب قوسين أو أدني من الحقيقة، لذلك تشبث بالفرصة حين أدرك أن «الوطن ـ الباشا» في انتظار تضحياته وبطولاته، وعليه أن يؤدي مهمته بإخلاص وطواعية لأنه قطعاً سيؤديها في جميع الأحوال. لكنه أداها بتفانٍ نادر .. وضع نصب عينيه هدفاً جليلاً «إنقاذ مستقبل الوطن»، ولأن الوطن الذي يعرفه هو «الباشا» فقد بات مقتنعاً بأنه ليس هناك أجل وأعظم من إنقاذ مستقبل «الابن» حتي لو قدم نفسه أضحية فداء لـ«الوطن ــ الباشا». لا تلُم إذن محمد أحمد فؤاد علي تضحيته «الوطنية»..وإلا فلتقدم له أي بديل ! |
الاثنين، 7 يوليو 2008
وزراء «الجنس الآري»
| لا يكفي أن تكون بجذور وأصل ومكانة عبد الحكيم عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أو في نجومية الكروي والإعلامي اللامع طاهر أبوزيد، أو بثراء يحيي الكومي رجل الأعمال ورئيس نادي الإسماعيلي السابق، لتعترف بك الطبقة الحاكمة الجديدة في مصر، وتتعامل معك علي أنك «ابن ناس» تستحق أن تسير إلي جوارهم في الشارع نفسه، وتتنفس مثلهم الهواء نفسه. لا يكفي أن تكون من سكان أرقي ضواحي القاهرة الجديدة، أو من أصحاب القصور في منطقة امتداد غرب الجولف المجاورة لسكن «الكبار» في غرب الجولف، ليعترف هؤلاء الكبار بجيرتك، وبحقك القانوني والشرعي والديني والأخلاقي والإنساني في جيرة هادئة وعادلة في الوقت نفسه. علي مدار ٣٨ عاماً منذ رحل الزعيم جمال عبد الناصر، ونجله عبد الحكيم يعتقد أنه «ابن ناس»، حتي فاجأه رجال دولة محدثون بادعاء غير ذلك، لفظوه مع غيره من المحترمين، من إعلاميين ورجال أعمال ومهندسين وأساتذة جامعات وطيارين وأطباء، تعامل معهم وزراء ومسؤولون كبار أسبقون وسابقون وحاليون ــ بينهم الوزير السابق كمال الشاذلي رئيس المجالس المتخصصة حالياً، وفايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي، ومحمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق، وهتلر طنطاوي رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق، إلي جانب الوزير أحمد شفيق وزير الطيران، ومأمور اتحاد الملاك... وآخرين ــ كما تتعامل الدولة مع محدودي الدخل والعوام من الناس. رفض هؤلاء جوار نجل عبد الناصر، وأحاطوا قصورهم في غرب الجولف بسور عازل يحمي نقاءهم «الآري» من الاختلاط بـ٦٠٠ أسرة مجاورة في امتداد غرب الجولف، أشهرهم أسرة الرئيس جمال عبد الناصر. قد يكون من حقك، إذا كنت من أولئك المرضي بكراهية الناس، أو المرضي بعشق الذات، أن تختار العزلة والانعزال، أن ترفض الزوار، وتمتنع عن المصافحات، لكن أن تأتي رغبتك «المريضة» في الخصوصية بترفع واحتقار للآخرين وإهدار لحقوقهم، فذلك ما يستحق وقفات ووقفات. وتلك الرغبة المريضة هي التي دفعت «وزراء الجنس الآري» إلي أن يقرروا حماية أنفسهم من الاختلاط بالآخرين ببناء سور عازل وصلوا بارتفاعه إلي ٣ أمتار فوق الشارع الرئيسي، وحرموا به ٦٠٠ أسرة من استخدام النفق والمدخل الرئيسي للمنطقة، ويقطع هذا السور المنطقة بشكل ثعباني يعزل منطقة الامتداد تماماً عن باقي المنطقة ويحرمها من مرافقها بالمخالفة للقانون ـ حسب بيان للمتضررين . «مستوطنة» الوزراء في غرب الجولف وجدارها «العنصري» ليست مجرد دليل علي وجود استغلال للنفوذ واستقواء وتواطؤ من الدولة ممثلة في وزارة الإسكان التي سمحت بانتهاك القانون وكسر المخطط العام للمنطقة، وإنشاء السور العازل، وإنما تأتي كدليل علي أن ثقافة «الكومباوند» صارت هي الشائعة والحاكمة في الوقت نفسه، وأن ما تراه في منطقة الجولف ليس مجرد صراع طبقي وإنما تجبر يمارسه فصيل في طبقة ضد الغالبية منها، مستقوياً بنفوذ استمده من مناصب لا أحد يعرف كيف حصلوا عليها ولماذا؟ ومستغلاً ذلك النفوذ في شراء قطع أراض بالتخصيص المباشر بسعر ٢٥٠جنيهاً للمتر، قبل أن تباع الأرض في المنطقة نفسها لـ «العامة والدهماء» من أمثال عبد الحكيم عبد الناصر وطاهر أبوزيد ويحيي الكومي بألف جنيه للمتر أي بأربعة أضعاف، قبل أن يقرر من اشتروا بـ«الرخيص» حرمان من اشتروا بـ «الغالي» من حقوقهم كشركاء في المنطقة، وعزل منطقة «الدرجة الثانية» عن امتدادها الطبيعي بسور عازل يحول قصورهم إلي ما يشبه قلاع المماليك المحصنة في القرون الوسطي. تخيل أن الوزير «السابق» محمد إبراهيم سليمان، وهو من منح زملاءه هذا التخصيص «الرخيص» حين كان وزيراً، يسكن حالياً في هذه المنطقة ويرفض مجاورة أسرة عبد الناصر، ويبني بينه وبينها جداراً عازلاُ، تخيل أن وزراء جاءت بهم «مجانية التعليم» وملأت لحوم أكتافهم «بطاقات التموين» يحصنون أنفسهم في «بروج مشيدة» يفصلها عن الناس «الراقية» جدار عنصري يحتكر لهم كل شيء.. «المداخل والمخارج والخدمات والميادين والنفق»، ويحرم الآخرين في الوقت نفسه من كل الحقوق باعتبارهم كائنات هامشية أقل أهمية ونقاء في الدم، الصراع بين طبقات «الجولف» من المفترض أن يحسمه القانون، والقانون تسهر علي إعماله حكومة، والحكومة نصف أعضائها متورط في الصراع وصاحب مصلحة، لذلك كان طبيعياً أن يلجأ المتضررون إلي الرئيس ويستغيثون به، ومعظمهم يثق في تدخله لإعمال القانون بشكل أعمي، لا يفرق بين قصر مسؤول، وفيلا رجل أعمال. صحيح أن المعركة بين أصحاب قصور فيما بينهم، وأن المتضررين من هذا هم في الأصل ذاهبون إلي هذا المكان تحت وطأة الشعور بالتميز، باعتبارهم «صفوة» بهدف عزل أنفسهم عن جموع الناس في «كومباوند» يخرجون منه ولا يدخل إليهم أحد، ففوجئوا بأنهم، وإن كانوا «صفوة»، فهناك من هم «أصفي» منهم، لكنهم في النهاية يعزلون أنفسهم بأموالهم، وليس باستغلال النفوذ وانتهاك القانون. وهذا ما يثبته جدار غرب الجولف العازل أن الكبار أيضاً ينقسمون فيما بينهم إلي فرز أول وثان وثالث، وأن احتقار «الطبقة الحاكمة» للمصريين ـ باعتبارها الفرز الأول النقي ــ لم يعد يستثني أحداً أو يقتصر فقط علي «الفقراء». |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)