الاثنين، 21 يوليو 2008

الوطن ــ الباشا

ماذا تفعل لو كنت مكان المجند الذي أمره ضابطه بالخروج بسيارة «الشرطة» ليتولي تعليم نجل الضابط ذي الـ١٣ عاماً القيادة؟
ماذا تفعل لو نفذت التعليمات بدقة ــ كما تعودت أن تفعل طوال فترة تجنيدك التي شاء قدرك أن تقضيها بين ضباط الشرطة ــ ثم تسبب الصبي في حادث وأزهق بسيارة الشرطة الحكومية أرواح أبرياء ؟
أولاً ستلجمك المفاجأة .. ثم ستدفع بك الصدمة والتفاف الناس حولك في تحفز للفتك بك إلي أن تطيح بالتهديدات وتردد اسم «الباشا» الذي تعمل معه لعل أحداً يرتدع، وعندما تأتي الشرطة تعترف بأن «ابن الباشا» كان يتعلم القيادة، وحين تصل إلي قسم الشرطة تستمع إلي «صوت العقل» ــ طوعاً أو كرهاً ــ ومع أول «قلم» يسطر كلمة في محضر التحقيقات الرسمي تعترف بأنك أنت المجرم المذنب الجاني، أنت من كنت تقود السيارة وتسببت، برعونتك، في قتل الأبرياء.
لا تتعجب من رد فعل المجند محمد أحمد فؤاد .. ولا تلمه علي موقفه، وظيفياً : أدي الرجل ما عليه باعتباره يعمل عند «الباشا» وابنه وأسرته هكذا تعلم بالتجربة، وأيقن أن مهمته الجليلة في الحياة هي حراسة الباشا ورعاية ابنه وخدمة «الهانم» زوجته.
منذ لحظة ميلاد محمد وأمه تتوسم فيه خيراً، تقول لشقيقاتها وجاراتها إن ابنها سيكون له شأن، وإن الأقدار تدخره لمهمة جليلة يخدم بها الوطن، وحول هذه البشارة دارت حياته منذ نعومتها واستمرت معه كلما شب قليلاً ينتظر البشارة فلا تأتي، يمهلها مزيداً من الوقت تبقي بعيدة، ينتظرها بضع سنوات تظل حلماً مستعصياً.
حتي جاءت اللحظة التي ذهب فيها لمنطقة التجنيد ليجد نفسه محولاً إلي معسكرات الداخلية. هناك أدرك تماماً أن المهمة الجليلة التي تنتظره لن تخرج عن نضال في الشوارع لفض المظاهرات وكبح المتظاهرين، أو نضال مواز في خدمة أحد «الباشوات»، ولما كان نصيبه الثانية، تعلم أن الأرض كروية تلف حول «الباشا» وتدور، وأيقن أن نجاحه في «مهمته الوطنية الجليلة» مرهون بمدي إخلاصه وولائه لـ «الباشا» ورضا الأخير عنه، باختصار آمن أن «الوطن هو الباشا .. والباشا هو الوطن».
علم محمد حين وقعت الحادثة الأليمة أن الوقت قد حان للفداء، وأن المعركة التي ينتظرها قد آن أوانها، وأن بشارة أمه قاب قوسين أو أدني من الحقيقة، لذلك تشبث بالفرصة حين أدرك أن «الوطن ـ الباشا» في انتظار تضحياته وبطولاته، وعليه أن يؤدي مهمته بإخلاص وطواعية لأنه قطعاً سيؤديها في جميع الأحوال.
لكنه أداها بتفانٍ نادر .. وضع نصب عينيه هدفاً جليلاً «إنقاذ مستقبل الوطن»، ولأن الوطن الذي يعرفه هو «الباشا» فقد بات مقتنعاً بأنه ليس هناك أجل وأعظم من إنقاذ مستقبل «الابن» حتي لو قدم نفسه أضحية فداء لـ«الوطن ــ الباشا».
لا تلُم إذن محمد أحمد فؤاد علي تضحيته «الوطنية»..وإلا فلتقدم له أي بديل !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق