الأربعاء، 20 فبراير 2013

جمهورية "خالتى فرنسا"


حتى الآن لم تنجح ما توصف بـ«مؤسسة الرئاسة» فى شىء غير التلسين والتجريس.

تفوق الرئيس ورجال مطبخه على أنفسهم، ولأول مرة يتفوقون فى شىء بوضوح وسط فشل مزرٍ فى السياسة والإدارة واللياقة.

لم يفعل الرئيس شيئا منذ مجيئه سوى الخطابة المضمنة برسائل التلسين واتهامات الكيد غير المقرونة بأدلة ولا بتوضيحات تسمح لأى عاقل الآن يتدبر فيما يقول ويبنى انحيازا موضوعيا.

الرجل يجلس على مقعده الرئاسى وكأنه على مصطبة فى حارة مزنوقة، وحوله رفاق مجلس نميمة يلوكون سيرة الجيران، فيوزعون مراتب الشرف على أنفسهم ويفرقون اتهامات الفساد والتآمر والسقوط الأخلاقى على الجميع.

رئيس الجمهورية صار رئيسا لمجلس النميمة، ومؤسسة الرئاسة صارت مؤسسة للتلسين، تخرج منها الكلمة وعكسها، والموقف وضده، والاتهامات غير الموثقة أو المسندة إلى براهين.

الرئيس «قالوله» إن هناك مؤامرة كبرى هناك أناس يجتمعون ويتمولون ويتسلحون، لكنه لم يتصرف كرئيس ويطلب الأدلة، أو يرسل ما تم رفعه له من معلومات لأجهزة تحقيق وتقصٍ لإثبات ما يثبت ونفى ما ينفى، لكنه خرج ككبير عائلة فى حارة شعبية فى خصام مع غيرها من العائلات، يتبادل التلسين ويتحدث عما يجرى فى الحارات المزنوقة المظلمة، وكأنه فى مشاجرة «تجريس» فى منطقة عشوائية.

الرئيس «قالوله» إن اشقياء حملوا أسلحة ثقيلة واستهدفوا طائرات عسكرية، فتحدث فى جلسة خارجية هدفها طمأنة الخارج عن الأوضاع الأمنية فى مصر لجذب السياحة والاستثمارات، دون أن يخبر مستمعيه، من هم هؤلاء الأشقياء؟ ماذا فعلت الدولة معهم؟ هل ألقت القبض عليهم وبدأت محاكمتهم، أم أن الدولة صارت على يديه جمهورية موز ترتع فيها الميليشيات والدولة عاجزة.

الرئيس «قالوله» إن مستشاره لشئون البيئة متهم باستغلال النفوذ، وأن أجهزة رقابية رصدت مخالفاته، الرئيس لم يطلب البراهين والأدلة كمسئول حقيقى ورجل دولة، لكنه بمنطق القبيلة اكتفى بما ورد إليه من معلومات، وأقال مستشاره معلنا قرار الإقالة متضمنا حديثا مطاطا عن الشبهات، لكن الرئيس وموظفيه الكبار فى مؤسسة التلسين لم يخبرونا ماذا فعلوا فى هذه الشبهات وهذه التقارير، هل ذهبت للنيابة أم جرى التستر عليها سياسيا، أم أنها غير موجودة من الأساس.

لكن الرئيس وجماعته وحزبه وأهله وعشيرته فقط من حقهم أن يعرفوا التفاصيل، لا حق للرأى العام فى أن يعرف ويفهم على الأقل حتى يثق فى ذلك الجالس على مقعده موزعا الاتهامات بلا أسانيد ولا أدلة، وهو رجل الدولة الأول الذى بيده مقاليد الأجهزة الرقابية وفى يمينه صلاحيات الذهاب بأى اتهامات أو شبهات إلى جهات تحقيق على رأسها نائب عام من اختياره.

هذه جمهورية «خالتى فرنسا» امرأة تمتهن «التجريس» من إبداع الصديق بلال فضل، وكنت حينها أعتقد أن بلال شطح بعيدا فى رسمها من خياله، حتى تأكدت أن كثيرين يمتهنون «التجريس ورمى الجتت» حتى وهم يسكنون قصورا رئاسية.

الثلاثاء، 19 فبراير 2013

الجماعة الوحيدة


من فضلك انظر جيدا إلى الصورة

هذه دعوة لكل عضو فى جماعة الإخوان المسلمين قبل أن تكون لغيرهم.

الرئيس مرسى، مرشح رئاسى متأهل لجولة الإعادة ضد أحد رموز النظام السابق، يقف فى فندق فيرمونت مقدما نفسه كمرشح للتوافق الوطنى الشامل، معبرا عن كل أطياف ومكونات قوى الثورة.

هل تتذكر هذه الصورة، مرسى ومن خلفه ممثلين عن كافة التيارات ورموز مستقلة، من داخل التيار الإسلامى ومن خارجه، من شباب الثورة ومن الإعلاميين والكتاب، من مؤيدى الرجل من داخل ذات الفكر والمنهج ومن عاصرى الليمون.

ماذا جرى للصورة بعد ذلك؟

غادرها عدد ليس قليلا من ممثلى القوى المدنية وشباب الثورة شيئا فشيئا، واستقرت على الرئيس ومن حوله جماعته وحزبه والتيار الإسلامى وهيئة مساعديه ومستشاريه المتنوعة المشارب.

ثم ماذا بعد؟

غادر عدد ليس قليلا من المستشارين والمساعدين، واحد وراء آخر، لكل منهم سبب وحجة لكن كل مغادر كان ينذر بمغادرته من نتيجة قادمة لا محالة لهذه الصورة، ثم غادر الحليف الأهم والأكبر «حزب النور» رويدا رويدا، مرة بإعلان مواقف غير مؤيدة تماما لسياسات الرئيس، ومرة بانتقادات مباشرة وحركة مستقلة، وأخيرا بمغادرة آخر ممثلى الحزب فى الهيئة الاستشارية الرئاسية.

ما شكل الصورة الآن؟

الرئيس وحيدا سوى من إخوانه فى جماعته وحزبه، وبعض المكونات الأصغر والأقل تأثيرا حتى وإن بدت مزعجة بالصوت.

لماذا يغادر الشركاء مركب الرئيس؟

هذا سؤال لابد له من جواب، ولابد أن يسبق الإجابة تدبر طويل إذا كنت من أعضاء جماعة الرئيس أو حزبه أو أهله وعشيرته، عندما تعرف الأسباب الحقيقية لتقلص مساحة الصورة وتضاؤل أعضائها وتآكل مكوناتها فى أقل من عام ستعرف كيف فرق الرئيس ولم يجمع، وكيف شتت ولم يوحد، وكيف مزق الوطن ثم خرجت جماعته لتتهم الجميع وكأن كلهم طامعون ومغرضون ومتآمرون.

لم يفقد الرئيس فقط شركاءه ممن ينتمون لمعارضة الأصل فيها أن تنافسه، لكنه فقد أيضا رموزا مستقلة وكتابا ومفكرين لا يمثلون فرادى أى تهديد لمكانة الجماعة فى السلطة.

الجماعة اختارت أن تكون وحيدة وأن تلعب منفردة، وهو اختيار قديم لو تعرف، ونتائجه أن صار الرئيس وحيدا تماما إلا من أعضاء الجماعة وكأنه لم يغادر التنظيم بعد، وكلما كان الرئيس وحيدا كلما تآكلت شرعيته، أليس بينكم عاقل يتدبر جيدا فيما جرى للصورة؟!

الاثنين، 18 فبراير 2013

فشلت السياسة


عندما تعجز السياسة يتحرك الشارع

لم تكن الثورة التى قامت على أكتاف جيل ناهض من شباب ينتمى للمستقبل سوى دليل دامغ على فشل السياسة.

حاول نظام مبارك إجراء إصلاحات شكلية، وترويجها، وبقيت المعارضة تدور فى إطار مبادرات النظام، لا تقوى على انتزاع مكاسب، ولا تعرف تغيير أوضاع، وضع النظام قواعد اللعبة مع كل الأطراف، ورضيت هذه الأطراف بهذه القواعد، ولم تحاول أن تغادر ظل النظام ولا مساحات الحركة التى رسمها مبارك لمعارضيه.

فشلت السياسة فتحرك الشارع، خرجت المعارضة الحقيقية التى لم تترب فى كنف مبارك، ولم تقم علاقات تحتية مع أجهزة أمنه، فجرت الإنجاز الأعظم، حركت الجماهير الحاشدة للخروج تعبيرا عن الغضب، وتحدى سلطة الدولة وأسطورة هيبتها المبنية على عصا جندى الأمن المركزى.

لكن الثورة التى جلبها المستقبل الذى لم يترب فى أحضان مبارك وفى مجالسه النيابية وسجونه، استولى عليها الماضى من جديد، ذات الوجوه التى كانت تستأذن حبيب العادلى حين ترغب فى الخروج بمسيرة من بضعة أفراد، سيطرت على المشهد السياسى الذى أسقط العادلى، وتشكلت منها السلطة الجديدة والمعارضة الجديدة، لكن الاثنين سلطة ومعارضة ينتمون بامتياز لذات الماضى الذى ثار عليه الثوار.

قل إذا إن الثورة فشلت، وإذا كنت من المتفائلين فقل إنها متعثرة، لكنه فشل للسياسة بامتياز التى مازالت والمشتغلين فيها عاجزون عن إدارة مشروعها بعيدا عن الاستقطابات والصراعات والعناد المتبادل.

لماذا فشلت السياسة؟

لأن من يتصدرون مشهدها يديرون الأمور بذات منطق ممارساتهم خلال نظام مبارك، السلطة تتصرف بأدبيات مختلطة بين ما شاهدت مبارك يفعله من استعلاء وتجاهل وإنكار وإحالة إلى المؤامرات والتدخلات الخارجية، وخطاب «تنظيم محظور» يتصرف وكأنه مازال تحت الأرض، ومعارضة تتحرك بذات الأدوات وكأنها مازالت حبيسة جدران مقارها، وكأن أمن الدولة مازال يمنعها من النزول للشارع، تستخدم خطابات دعائية، ومواقف تتشبث بالأزمة ولا تشرع نافذة للخروج منها، تتحرك لتغيير الواقع دون أن تطرح رؤية لترتيبات ما بعد التغيير. 

فشلت السياسة إذن، لكنك اختبرت عواقب فشلها قبل عامين وانسداد كل المنافذ التى كان من الممكن أن يخرج منها الأمل، فانتهيت إلى شارع غاضب يكبح قدر استطاعته أى جنوح نحو العنف محاولا الحفاظ على إطار من السلمية.

الآن أنت فى وضع مشابه.. ذات الفشل قائم وذات الانسداد القاتم حاصل، وذات العناد السلطوى، والشارع بلا مفاتيح، وإياك أن تصدق أن أحدا يملك ضبط فورانه بكلمة أو أمر أو قرار.

عندما ترى كرة اللهب تتمدد فى المحافظات فى إطار عنف متواصل ومتصاعد، تهديدات بالقتل وحوادث خطف، فيما السياسيون مازالوا عند ذات النقطة التى بدأت عندها الأزمة لم يغادروها لكنهم فقط يتبادلون اللوم، اعلم أنها نتيجة منطقية لفشل السياسة، والنتيجة هذه المرة أكثر عنفا وأقل سلمية، لأن الميدان الذى كان موحدا بالهدف، تحقق الهدف وحلت الكراهية بمعناها الكامل بين مكوناته.

غدا يدفع هذا الوطن أكثر، لأنه محكوم بالماضى فيما هو يحاول أن يتطلع للمستقبل.

الأحد، 17 فبراير 2013

دفاعاً عن ياسر على


مؤسسة الرئاسة فى حاجة إلى إصلاح وإعادة هيكلة، لا تلتقى متعاطفا مع الرئيس مرسى إلا ويحاول أن يبعد عنه النقد، حتى ذلك الذى لا مناص من مواجهته، بتعليقه على شماعة مساعديه ومستشاريه وحكومته، أو جماعته وحزبه، أو حتى المؤامرة والدولة العميقة.

لكن الرئيس بدأ الإصلاح وإعادة الهيكلة، بإبعاد الناطق الرسمى باسمه، ربما ترى فى ذلك إصلاحا للرئاسة حتى لو وجدت فيها إفسادا لمركز بحثى مثل «معلومات مجلس الوزراء» لا أحد يعرف حتى الآن ما هى مؤهلات د.ياسر على لرئاسته، غير أنه جراج للركنة لا غير.

ظل ياسر على واجهة لمؤسسة الرئاسة منذ تولى الرئيس مرسى مهامه، وظل لقب النافى الرسمى يطارده فى كل كلمة يخرج بها على الرأى العام، فينفى ما تثبت بعد ذلك صحة وقائعه، ويتستر بالحديث على ما يجرى فى الداخل، ويجمل بالمفردات ما يلحظه الناس من قبح.

لا تستغرق كثيرا فى أسباب إبعاده وتربطها بوقائع هنا أو هناك، فالمطروح أن الرئاسة تعيد هيكلة وضعها من الداخل، وتحتاج إلى خطاب إعلامى جديد يكتسب الثقة، بعد أن انخفض مستوى الثقة فى واجهتها المُبعد.

لكن هل معنى إبعاد ياسر على أن الرئاسة كمؤسسة ستتوقف عن الكذب، وستبتعد عن التضليل، وستقدم الرئيس فى صورة لا يحدث فيها جرحا للمكانة سواء فيما يتعلق بحركاته أو أحاديثه أو حتى صياغات خطبه؟

الحقيقة أننى أجد نفسى الآن مضطرا للدفاع عن ياسر على، ضد كل من يقدمه لك باعتبار النافى الرسمى، وكأنه كان نافيا فى مؤسسة منهجها الصدق وأسلوب ممارساتها المكاشفة والمصارحة.

كان أداء ياسر على مرتبكا لأنه كان يعكس ارتباك الرئيس ومؤسسته، كان نافيا على طول الخط لأنه كما تعرف كان مضطرا للتعامل مع رئيس جمهورية رسمى وعشرات من رؤساء الجمهورية المُوازين فى مكتب الإرشاد أو فى مجلس شورى جماعة الإخوان وفى حزب الحرية والعدالة.

لماذا يلوم البعض الرجل أنه كان ينفى الخبر ثم يعود ليؤكده قبل أن يرجع لينفيه، إذا كان الرئيس وجماعته وحزبه يفعلون ذلك، لماذا يُلام وهو يحاول أن يتصيد تبرير من هنا وحجة من هناك ليسوق قرارا لا يمكن تسويقه، إذا كان هو والرئيس تربيا معا وسط جماعة تعتبر التبرير فضيلة لحماية التنظيم من عقول أعضائه إذا ما فكروا وتدبروا، حتى لو انطوى هذا التبرير على مزيد من الكذب والتضليل والخداع.

من يحاول أن يقنعك أن المشكلة كانت فى ياسر على يستخف بعقلك، فالرجل كان مسئولا عن تسويق بضاعة معطوبة فى الأساس، والحقيقة أننى كنت أرى طلاته دائما ترجمة صادقة للمؤسسة التى يمثلها، والرئيس الذى ينطق باسمه.

ربما كانت هذه مهمة لا تناسبه، لا يملك مؤهلاتها، ربما كان جزءا من الأزمة لكنه ليس كل الأزمة، فإذا كان لا يملك مؤهلات الناطق الرئاسى الرسمى، فالرئيس نفسه لم يملك بعد مؤهلات الرئيس.

السبت، 16 فبراير 2013

شماعات الرئيس والذين معه


الرئيس وجماعته وحزبه فى أزمة.

الأرجح أن المأزوم هو أكثر الناس احتياجا إلى الحلول، والمفترض أن يكون الأشد سعيا ورائها، لكن المأزومين أنواع، منهم من يهتم بأزمته ويقيم أدائه فيها، ويمارس نقدا ذاتيا لتجاربه لعله يجد الحل كله أو بعضه لديه، ومنهم من يتمادى فى الإنكار، ويستسهل إلقاء المسؤولية على غيره، ويعلق الفشل على شماعة تلو شماعة، حتى تصير مهمته البحث الدائم عن الشماعات.

المؤامرة شماعة..

تشبث بها الرئيس وجماعته وحزبه، توسعوا فى الاتهامات المبهمة المجهولة طويلا، مارس رئيس الدولة «تلسينا» لا يليق بموقعه، ومارس حزبه وجماعته ذات التلسين، بأحاديث مطاطة وكلام مرسل، وتلطيش لفظى فى كل اتجاه، وأحاديث عن أموال تخرج وأموال تدخل و«سبعة خمسة تلاتة اتنين فى حارة مزنوقة»، ومتمردون يطلقون أسلحة ثقيلة على طائرات عسكرية، لكن هؤلاء يزوغون حين تذكرهم أن هناك أجهزة تحقيق وإجراءات لابد أن تتخذ ضد من يثبت تآمره، وإجراءات أيضا لابد أن يتخذها أى رئيس يعرف أقل القليل عن دوره ومهمته تجاه من يستهدفون الطائرات العسكرية بالأسلحة الثقيلة كما زعم فى ألمانيا، ولديه نائب عام صديق وليس مناوئا للسلطة، لن يتوانى عن التحرك بمجرد أن يتيح له الرئيس ما لديه من معلومات وأدلة و«تسجيلات» يفصح عنها هو وجماعته وحزبه فى كل مناسبة إثباتا لزمن استباحة جديد.

لكن لا أدلة ولا يحزنون، والرئيس الذى بيده مقاليد أجهزة الدولة، لا يملك ما يرد به إذا ما طلب منه أحد الدليل.

الدولة العميقة شماعة..

وجزء من تفسير عجز الرئيس عن تقديم أدلة يرده زملاؤه فى الجماعة والحزب ومن يتطوعون بالتبرير له فى وسائل الإعلام، يعود إلى الدولة العميقة، الرئيس لا يملك قرار أجهزة كثيرة فى الدولة، وبالتالى فأفكاره لا تجد من يطبقها بأمانة، هذه الأجهزة ومن فيها من بقايا النظام البائد تتآمر على الرئيس.. هل هذا عذر إذن أم ذنب؟

تذكر أن أهم إنجاز تروجه جماعة الرئيس وأهله وعشيرته لنظام حكمه هو ما قيل عن «إبعاد العسكر» حتى كاد بعضهم يطلب تحويل الاحتفالات بالثورة إلى أغسطس وقت خروج طنطاوى وعنان، باعتباره علامة انفراد الرئيس المدنى المنتخب بالسلطة، حاولت وقتها أن تصدق ذلك، وأنت تسمع إصرار الإخوان على أن القرار كان قرار الرئيس لم يأت من البيت الأبيض، ولم يأت من داخل الجيش ويوقعه الرئيس فحسب.

دعك مما جرى بعد ذلك من تكريم للجنرالين وتحقيق لكل أهداف المؤسسة العسكرية فى الدستور، لكن وأنت تصدق أن إبعاد العسكر إنجاز، كيف تصدق من يروجون لك أن هناك دولة عميقة تتآمر على الرئيس الذى أبعد العسكر، وأن الرئيس المدنى الذى أبعد أهم قائد جيش فى تاريخ المنطقة وألزمه التقاعد، عاجز عن إدارة ضباط الشرطة أو مفتشى التموين، أو أى موظف فى هذه الدولة.

إما أن النظام يحترف البحث عن الشماعات وطرحها كأى مأزوم يختار الحل الأسهل.. أو أنه ليس صانع القرار، فى الحالتين أنت تدين الرئيس، لأن كل شماعة حتى لو صحيحة ذنب، وكل عجز حتى لو خارج القدرة دليل إضافى على مزيد من الفشل.  

السبت، 9 فبراير 2013

يسقط الرئيس القادم


دعك من الرئيس الحالى، فالأرجح أنه صار عبئا على الوطن وعلى جماعته وحزبه، وهو فى النهاية ذاهب حتى لو استمر مختتما مدته، والحقيقة أن الرئيس المنتخب بعد الثورة حتى لو لم يكن محمد مرسى وكان أى اسم آخر، مصيره سيكون السقوط أيضا، ربما كان يحدث فارقا فى معالجة القضايا وفى الأداء ومستوى كفاءته، لكن المؤكد أن السقوط مصيره، ليس لأن هناك شارعا احتجاجيا يتحرك ضده، أو معارضة تحشد الملايين، أو لأن أداء سياسيا يفاقم الغضب، ويفرق ولا يجمع، ويشتت ولا يلم الشمل، ولكن لأن الفاتورة كبيرة تماما، والآمال والطموحات بعد الثورة أكبر وأكبر، وأجندة الثورة تختلف تماما عن أجندة الرئيس وجماعته وحزبه، وكذلك أجندة المعارضة وتكويناتها. 

تخيل أن الشارع هادئ سياسيا بلا مناوءة للنظام الحاكم، لكن هذا النظام لا يملك أى سياسات بديلة عن سابقه الذى سقط، يملك نفس أنماط الانحياز الاقتصادى، ونفس الذهنية الأمنية فى التعامل مع الملفات، وذات الموقف الإعلامى التطبيلى، وذات المساجد التى تدعو لأى حاكم وتنوم الناس بأحاديث الصبر والتعويض العادل فى الآخرة.

هذا نظام سيسقط وحده حتى دون معارضة نشطة، لأنه نظام كسابقه لا يعرف روشتة إلا روشتة صندوق النقد، ولا يملك حلولا إلا بمد الأيدى فى جيوب الفقراء، وفتح الأحضان على مصراعيها للأغنياء، وهذا شارع سيتحرك وحده حتى دون محفزات سياسية من معارضة فاعلة، بمجرد أن يذهب المواطن لشراء أنبوبة البوتاجاز بأضعاف ثمنها، ولا يجد غير 3 أرغفة فى اليوم، ويكتشف أن فاتورته ارتفعت لأن الوقود ارتفع والمواصلات ارتفعت وأسعار الغذاء والدواء ارتفعت، والخدمات الصحية والتعليمية تردت.

هل هذا دفاع عن مرسى؟

ربما.. لكن الأرجح أنه إدانة للمنظومة التى أفرزته وروجته وصعدت به على أمواج الثورة، وهى تعلم محدودية كفاءته بالتناسب مع التحديات، وتعرف أن جماعته مجرد «وهم كبير»، لا تملك أفكارا ولا سياسات ولا خبرات ولا كفاءات، هى فقط أرادت السلطة لتبدأ التفكير بعدها، وشغلها التمكين قبل الإنجاز، ولم تفكر قبل أن تجلس فى مقاعد السلطة، لأنها لو فعلت ما كان محمد مرسى خيارها، ولا كان هشام قنديل اختياره.

بالتوازى مع ذلك لديك معارضة اليوم شبيهة بالنظام كما كانت معارضة أمس، غارقة فى المزايدات دون أن يبدو امتلاكها لحلول وسياسات حقيقية، مثلما كان الإخوان غارقون فى المزايدة على نظام مبارك وسياساته، وعندما جلسوا على مقعد مبارك نفذوا ذات سياساته التى كانوا يرفضونها ويؤثمونها. 

ما معنى ذلك؟

معناه أن الرئيس سيسقط، والرئيس القادم سيسقط أيضا، إذا جاء من داخل هذا المجتمع السياسى بإخوانه وجبهته وأحزابه، خاليا من الأفكار البديلة والخيال السياسى والاجتماعى والاقتصادى الذى ينقل الأمم للأمام.   

سلطة اليوم ومعارضتها كانت مجتمعة معارضة لمبارك وجزءا من نظامه السياسى، والثورة حين قامت لإسقاط نظام مبارك هدمت أصله وتركت فروعه وتوابعه، هؤلاء جميعا تعلموا فى مدرسة مبارك حتى وهم فى معارضته وسجونه، وخيالهم لا يتجاوز خيال مبارك، وكفائتهم لا تتعدى كفاءة مبارك، وانحيازاتهم لا تختلف كثيرا عن انحيازات مبارك.

لذلك قامت الثورة ضد الماضى بكل مكوناته، من شباب ينتمى للمستقبل، لكن بعضا من الماضى مازال جاثما على الصدور، وإذا استمر سيسقط الرئيس القادم ومن بعد القادم.

الخميس، 7 فبراير 2013

لا تحلق ذقنك


لم يتوقف التعذيب..

لكن المستشار أحمد مكى وزير العدل يعتقد أن هناك تقدما، فأرقام ضحايا التعذيب بكل تأكيد أقل مقارنة بالأرقام فى عهد مبارك، هذا ما قاله الوزير نصاً للناشط الحقوقى البارز حسام بهجت فى لقاء شهوده كثر.

الدولة تعترف بالتعذيب.. لا تكتفى بأنها مفضوحة بالفيديو والشهادات الموثقة، لكن وزير العدل يقر بالوقائع، وكأى مسئول تنظيمى «محدود الأهمية» فى جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة، يبرر التعذيب بأنه أقل من عهد مبارك.

ليس مطلوب منك إذن أن تحلم فى عهد «الرئيس المنتخب المؤمن» أن يتوقف كل ما كان يدين مبارك وبرر سقوطه، لكن مطلوبا منك أن تقبل بخفض مستوى الانتهاكات قليلاً حتى يخرج المبررون المفضوحون بألسنتهم، ليحدثوك عن تراجع الأرقام.

كان مبارك يزور الآلاف من صناديق الانتخاب، فما الضير أن تقبل بتزوير بضع عشرات أو مئات من الصناديق، «هو انت كنت طايل»، كان نظام مبارك المستبد يعذب آلاف البشر فى السجون والمعتقلات، أليس نجاحاً وتقدماً أن نظام مرسى المنتخب لا يعذب إلا بضع مئات؟! كان نظام مبارك المستبد يهدر المليارات، أفتحاسبون نظام مرسى المنتخب على إهدار الملايين؟

ذهنية مكى مثل ذهنية الجماعة التى ينكر عضويته فيها، بينما يتبنى ممارساتها وأفكارها، تعتقد أن الثورة قامت لمجرد ترشيد الفساد والاستبداد والقمع وليس للقضاء عليها نهائياً، وتجريم ومحاسبة من يقدم على ذلك أو يبرره أو يسعى لشرعنته وتجميله.

لا حدود أخلاقية لتجربة الأخوان مكى السياسية، ربما يختلف المرء سياسياً أو ينحاز فكرياً، لكن المرء الذى من المفترض أن يكون إنساناً أولاً قبل أن يكون مسلماً أو مسيحياً، وقبل أن يصنف نفسه إسلامياً أو علمانياً، الأرجح أنه يملك حدوداً أخلاقية لا يجيز لنفسه تجاوزها، الدم حد أخلاقى، وامتهان الكرامة بالتعذيب والإيذاء حد أخلاقى، لكن شيوخ استقلال القضاء الذين ثبت أن الإعلام صنعهم من وهم، لا حدود أخلاقية لدورهم المرسوم فى دعم نظام حكم بكل ما هو مشروع وغير مشروع، إما بتدبير انقلاباته على ثوابت الحياة القضائية والدستورية، أو بتبرير جرائمه وانتهاكاته.

التعذيب لم يتوقف..

حتى فى زمن «دستور الحريات» الذى وصفه أعضاء الجمعية التأسيسية وعلى رأسهم أحد مشايخ استقلال القضاء بأنه الأهم والأعظم فى التاريخ، لكن هؤلاء مثل مكى ما بين مبرر أو مختف، لم يخرج علينا أحدهم حتى الآن ليفسر لنا لماذا انتهكت نصوص دستورهم من جانب السلطة التى تبنت هذا الدستور وروجت له معهم، أين حقوق المعتقلين الواردة فى نصوصكم مما جرى فى الواقع من انتهاك وخطف واحتجاز؟، أين حقوق الأطفال من وقائع احتجاز الأطفال المرضى؟

دستور الحريات لم يحمِ حريات، وثورة الكرامة لم تجلب كرامة، ووزير العدل لا يعرف العدل، هو فقط مجرد تاجر تجزئة سياسية يوزع عليك قطاعى نفس ما كان يفعله أركان نظام مبارك بالجملة، ويقول لك : «احمد ربنا».

يردد الثوار للرئيس المنتخب: «احلق دقنك بيِّن عارك.. تلقى وشك زى مبارك».. والحقيقة أن أحمد مكى لا يحتاج أن يحلق ذقنه، لأن كل عار انكشف وبان..!