الخميس، 30 مايو 2013

فى مكان الآخر

اسمح لى أن أقول لك كلاما مختلفا فيما يخص السد الإثيوبى وقضية مياه النيل.

هل تعرف معنى كلمة الآخر؟ إذا كنت تعرف، هل تدرك وجوده؟ إذا كنت تدرك، هل وضعت نفسك يوما مكانه؟

أريد أن أعود بك إلى الجارة الجديدة لأثيوبيا، دولة جنوب السودان.. هل تعرف كيف انفصل الجنوب عن السودان الأم؟ المؤكد أنك ستستغرق فى الحديث عن المؤامرة الصهيونية الاستعمارية لتقسيم السودان وإنشاء دولة جديدة تتحالف مع إسرائيل لخنق مصر، والأرجح أنك تعتقد كما تقرأ هذه الأيام أن سد النهضة الإثيوبى مؤامرة جديدة ومحاولة إسرائيلية لخنق مصر والتحكم فى شريان حياتها.

دأب مثقفون عرب كبار على التعاطى مع الجنوبيين الذين ناضلوا لإقامة دولتهم باعتبارهم طابورا خامسا لإسرائيل ليس إلا، قطعا انت تتعجب من وصفى لهم بالمناضلين، تحب أن أقول عليهم متمردين، كما كرس ذلك النموذج الثقافى الرسمى، والحقيقة أنهم مناضلون كما يقتنعون بأنفسهم وكما يراهم شعبهم، وكما يمكن أن تراهم لو وضعت نفسك لحظة مكان رجل فيهم.

لأننا مجتمع أحادى التفكير فقد تعاملنا طوال سنوات وسنوات مع قضية جنوب السودان باعتبارها مجرد تمرد انفصالى من عملاء لإسرائيل يرغبون فى ضرب السودان ومشروعه الإسلامى، ومصر وشريانها المائى.

لم نقتنع لحظة ان لهؤلاء قضية عادلة وآمال وطنية، وخصوصية دينية وثقافية تستحق الاحترام، ونصيب مفترض فى الوطن يستحق أن يرونه أمامهم فى صورة تنمية عادلة، لم نر بوضوح حقيقة معاناتهم فى وطن يزدريهم ثقافيا وعرقيا ودينيا، ويتركهم للفقر والبدائية، ونظرنا لهم وكأنهم كانوا غارقين فى النعيم وتركوا كل هذا وهرولوا خلف الأجندات الغربية لتنفيذها بالوكالة.

عندما لم نر الآخر فى جنوب السودان واستسهلنا حديث المؤامرات، فقدنا أرضية الحوار المناسبة واللازمة ومهدنا الأرض للانفصال، ولنجاح اى مؤامرات.

كذلك فى مواجهة السد الإثيوبى، لم يتحدث أحد عن التطلعات المشروعة للشعب الإثيوبى فى التنمية والرفاة، ولا عن اتفاق مجحف فرضه الاستعمار على دول حوض النيل كما ترى ذلك، ولا عن تطلعات وطنية لهذه الشعوب،

فقط اختزلنا الأمر فى المؤامرة وكأن دولة كبرى مثل إثيوبيا ستبنى سدا ضخما بمعونات واستدانات ومنح، فقط لتخدم إسرائيل وتحقق لها مصالحها فى المواجهة مع مصر، وكأن الإثيوبيين مجرد تابعين بلهاء لإسرائيل.

عندما تضع نفسك مكان الآخر ربما تجد إجابات لمعنى السد بالنسبة لإثيوبيا اقتصاديا وتنمويا ووطنيا، ستعرف انه ينظر لك باعتبارك وصاية استعمارية كما كنت تنظر أنت للاستعمار من قبل، وستعرف أنه له تطلعات تخصه هو وتخص شعبه ولا تخص إسرائيل ولا غير إسرائيل، وعندما تتفهم كل ذلك ستصل الى الأرضية المشتركة التى ينطلق منها الحوار، سيكون بإمكانك تبديد إحساس الوصاية المتكرس هناك الى حالة شراكة تنطلق من تقدير طموحات الشعوب والدراسة المشتركة لأفضل السبل لبلوغها دون إضرار بالآخرين.

أنت تراه مجرد تابع لإسرائيل.. وهو يراك معوقا لتطور شعبه، وحجر عثرة أمام مستقبل ٨٠ مليونا يعيشون حيث تأتيك ٨٥٪ من حصتك المائية، والحل أن تتفهم دوافعه وتقدر وطنيتها دون أن تربطها بأجندات أخرى، وتقنعه أنك لا تكره له الخير ولا تعرقل له النمو، وأن لك مخاوف، كما أن له مخاوف، وأنك لا تنوى أن تعيش على حساب آمال وتطلعات وأحلام شعوب أخرى، لكنك لن تسمح أن يبنى أحد أحلام عيشه على حساب حقك فى الحياة.

الاستعلاء لن يجلب حلا.. والخيار العسكرى قد يعطل ما يجرى لسنوات، لكنه سينتج أجيالا جديدة من الإثيوبيين لديهم إصرار أكبر فى المرة القادمة، يتمترس فى داخلهم إحساس الظلم ولا يرونك سوى فى صيغة وصى استعمارى متجبر تستحق كل مقاومة وتنغيص.

العيش المشترك العادل هو الحل دائماً.. داخل الوطن وعلى ضفاف النهر أيضاً.

الأربعاء، 29 مايو 2013

الكلمة والحرف

فى صياغة الدساتير كل لفظ له دلالته، ربما يغير حرف واحد تاريخا، أو تؤدى زيادة ألف ولام إلى استنباط دلالات جديدة للنص، لذلك كان صناع الدساتير دائما صنايعية بالمعنى القانونى، وأيضا لديهم إلمام حقيقى باللغة وخطورتها فى التعبير الدقيق عما يقصده المشرع الدستورى.

غير حرف واحد فى تعديلات دستور ٧١ أواخر عهد السادات تاريخ مصر. مادة الفترة الرئاسية تحولت من مدة إلى مدد. وبعد أن كانت الفترة الرئاسية ٦ سنوات يجوز تمديدها لمدة أخرى، تم تعديلها بإزالة التاء المربوطة وإضافة دال، فصارت «يجوز تمديدها لمدد أخرى» ودفعنا ثمن ذلك ٣٠ عاما من حكم مبارك بعد أن اغتيل الرئيس السادات ولم يستفد من هذا التعديل.

ولمست بنفسك عيوب الصياغة فى الدستور الجديد ليس فقط فى مسألة تصويت العسكريين المثارة حاليا، لكن فيما يخص أيضا عزل قيادات ونواب الحزب الوطنى، فإرادة واضع النص كانت تقصد تطبيق العزل على قيادات الحزب التنظيمية وكل من كان نائبا عن هذا الحزب فى برلمان ٢٠٠٥ أو ٢٠١٠، لكن من صاغوا المادة ٢٣٢ كتبوها: «تمنع قيادات الحزب الوطنى المنحل من ممارسة العمل السياسى.. لمدة عشر سنوات.. ويقصد بالقيادات كل من كان عضوا بالأمانة العامة أو بلجنة السياسات أو بمكتبه السياسى، أو كان عضوا بمجلس الشعب أو الشورى فى الفصلين التشريعيين السابقين على قيام الثورة».. لم يقل من كتب هذه المادة «أو كان عضوا فى أحد الفصلين التشريعيين» وإنما قال «عضوا فى الفصلين التشريعيين»، والفارق لغويا واضح جدا وفسرته المحكمة الدستورية بأن المقصود من كان عضوا فى كلا الفصلين، أى كان نائبا فى ٢٠٠٥ وفى ٢٠١٠، أما من كان نائبا فى أحدهما وفقط فلا يسرى عليه الحرمان.

المحكمة هنا لم تكن ترغب سياسيا فى إعفاء بعض نواب الوطنى من الحرمان، لكن من صاغ المادة هو الذى رغب فى ذلك بحسن نية أو لأنه غير مؤهل لصياغة نص دستورى والتعبير عن الإرادة الحقيقية لواضعيه، هذه مشكلة من كتب الدستور إذن وليست مشكلة المحكمة التى التزمت بنص الدستور كما وافق الشعب علىه.

فيما يخص تصويت العسكريين تساءل البعض عن وجود ذات المادة فى دستور ٧١ دون أن تتطرق لها المحكمة لمدة ٤٠ سنة، ورغم أنه صار مؤكدا أن أحدا لم يطعن على هذه المادة ولم تعرض على المحكمة إلا فى سياق القانون الذى أرسله مجلس الشورى لتمارس المحكمة رقابتها السابقة عليه، إلا أن هناك فارقا لغويا شاسعا بين المادة ٦٢ من دستور ٧١ والمادة ٥٥ من الدستور الحالى حسب رأى عدد من المختصين دستوريا ولغويا.

المادة ٦٢من دستور ٧١ تقول: «للمواطن حق الانتخاب وإبداء الرأى فى الاستفتاء وفقا لأحكام القانون». والمادة ٥٥ من الدستور الحالى تقول: «لكل مواطن حق الانتخاب، والترشح، وإبداء الرأى فى الاستفتاء، وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق». والفارق بين المادتين هو الفارق بين جملة «وفقا لأحكام القانون» وبين «وينظم القانون»، فالصنايعى الذى كتب مادة الدستور السابق فوض القانون فى وضع أحكام، أما الصنايعى «الخيبان» الذى كتب المادة فى الدستور الجديد، فقد أعطى القانون تنظيم الحق وفقط دون وضع أحكام. والفارق شاسع بين من ينظم وفقط وبين من يقرر الأحكام، لأن من ينظم مهمته تسهيل أداء الجميع هذا الواجب، ومن يقرر الأحكام يمكن بموجب هذا التفويض أن يقيد حق جهات فى ممارسة حقها وواجبها الانتخابى.

هل مازلت مقتنعا أن المشكلة فى المحكمة الدستورية، أم فى أولئك الذين لا يدركون أثر الكلمة والحرف؟

الثلاثاء، 28 مايو 2013

حكم الدستور

قلت لك بالأمس إن المحكمة الدستورية لم تفعل إلا ما هو مطلوب منها وفق الدستور الحالى الذى نظم تشكيلها واختصاصاتها، ومنحها حق الرقابة المسبقة على بعض القوانين المهمة ومنها قانون الانتخاب، إلى جانب رقابتها اللاحقة، وما أصدرته متعلقا ببعض مواد قانون الانتخاب هو تطبيق واضح تماما لمواد الدستور كما وضعه واضعوه، بما فى ذلك حق العسكريين فى الجيش والشرطة فى التصويت.

لكن جناحا فى السلطة أو مؤيدا لها أو متعاطفا أو من المؤلفة قلوبهم، انطلق يهيل التراب على المحكمة من أول السخرية منها واتهامها بقيادة الثورة المضادة، وحتى دعوة الرئيس لحل المحكمة تماما رغم أن وجود المحكمة يستمد شرعيته من وجود الدستور نفسه، والذين قالوا نعم للدستور قالوا بالضرورة نعم للمحكمة الدستورية باختصاصاتها تلك وتشكيلها هذا.

سياسيون غاضبون من المحكمة وكتاب ومعلقون على المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعى عرضوا جميعا فى تناغم أو اتفاق فى الرؤى نقطة غاية فى الأهمية، وتستحق البحث إذا كان الهدف من ورائها معرفة الحقيقة وليس التشكيك فى المحكمة لمجرد التشكيك.

قال هؤلاء إن القانون تم عرضه على المحكمة مرتين فى الأولى اعترضت على مواد لم يكن من بينها تصويت العسكريين، وفى الثانية أبدت ملاحظات على نفس المواد التى اعترضت عليها فى المرة السابقة وأضافت عدة مواد أخرى من بينها تصويت العسكريين، وكأن المحكمة «بتتلكك».

والحقيقة أن المحكمة فى المرة الأولى أرسل لها مجلس الشورى تعديلات على بعض المواد فقط، وردت عليها، ليس من حق المحكمة أن تضيف شيئا عما طلبه الطالب أو صاحب الطعن أو الدفع، وفى المرة الثانية أجرى مجلس الشورى تعديلات على عدد أكبر من المواد، مما جعل رئيس المجلس يرسل القانون كاملا للمحكمة، معنى ذلك أن تلك المرة الأولى التى يطلب فيها من المحكمة رسميا الفصل فى القانون كاملا، وبالتالى المرة الأولى التى تنظر ما يخص تصويت العسكريين، لأنه لم يطلب منها ذلك من قبل ولم يسبق أن طعن عليه أحد، كم من قوانين غير دستورية يعرفها قضاة المحكمة لكنهم لا يستطيعون نظرها أو إبداء رأى فيها إلا إذا طلب ذلك منها بطعن أو دفع أو رقابة سابقة كما يقول الدستور الجديد.

الغريب أن البعض يتحدث اليوم عن المواءمة السياسية، يقول إن المحكمة كان عليها أن تراعى خطورة قرارها سياسيا وما يمثله من آثار وأضرار إذا ما صار للعسكريين انحيازات سياسية بحق التصويت، وهو طرح عجيب خاصة من أطراف دأبت على جلد القضاء بزعم تسييسه وتحريكه بأهواء سياسية، ثم يطلبون من القضاة اليوم تقديم الاعتبار السياسى على الحكم القضائى المهنى المنسجم مع الدستور.

هذه محكمة مقيدة بالدستور. الدستور مرجعيتها الوحيدة. وهذا الحكم هو حكم الدستور وليس المحكمة، وإذا كان به خلل ما، فعيبه على الدستور وواضعيه وليس قضاة المحكمة.

قلت بالأمس إن تصويت العسكريين كارثة وقتل لآخر بقايا الدولة المحايدة، لكن الخروج من هذا المأزق يحتاج حلولا دستورية تبدأ من احترام رأى المحكمة الصحيح بحكم الدستور إجرائيا وقانونيا، لا التشكيك فى المحكمة وإهانتها وافتعال معارك جديدة كلما أصدرت حكما على غير هواكم.. إلا اذا كان هدفكم المعركة فى حد ذاتها وليس الحق والحقيقة. 

الاثنين، 27 مايو 2013

موت الدولة المحايدة

هذه النتيجة هى أفدح ما يؤدى إليه قرار المحكمة الدستورية بعدم دستورية منع العسكريين وأعضاء هيئة الشرطة من التصويت.

قبل أن تنجرف فى تسييس الحديث ووضعه على موازين الاستقطاب الجارية فى مصر، أو إعادة انتاج الصراع والتلاسن بين المحكمة الدستورية والأطراف السياسية، لابد أن تتدبر فى حقائق الأمور، لأننا بالفعل فى مواجهة حدث جلل إن لم يكن كارثة.

أولئك الذين يفتحون النار على المحكمة الدستورية بالاتهامات الجاهزة والمعلبة حول القضاء الذى يقود الثورة المضادة، إنما يحاولون التغطية على فشلهم ومراهقتهم وعنادهم فى انتاج دستور مشوه غير محكم ولا ناضج، تظهر عوراته مع كل ممارسة، وبدلا من البحث عن حلول للخروج من هذا النفق دون مكابرة، يحولون الأنظار من جديد لمعركة مع المحكمة الدستورية.

أولا: تعمل المحكمة الدستورية حاليا بتشكيلها وصلاحياتها واختصاصاتها وفقا للدستور الذى صنعته السلطة ومؤيدوها والمتعاطفون معها أو الذين كانوا كذلك.

ثانيا: احتكمت المحكمة لنصوص واضحة فى هذا الدستور تؤكد المساواة بين المواطنين وعدم التمييز، وتساوى بين المواطنين فى حق ممارسة الحقوق السياسية، وهذه النصوص لم يستثن واضعوها المواطنين من منتسبى القوات المسلحة والشرطة من هذا الحق، سواء فى مواد الحقوق السياسية أو حتى فى مواد تنظيم عمل الجيش والشرطة.

هذه مشكلة من وضعوا الدستور، وأقروا الرقابة السابقة للمحكمة على قانون الانتخاب، لا تصدق كل كذاب أو مضلل يحدثك عن أن المشكلة فى قضاة المحكمة ونواياهم أو انحيازاتهم ضد الثورة، فلم تفعل المحكمة إلا ما طُلب منها، وذات النص الموجود فى المادة 55 من الدستور الحالى كان موجودا فى دستور 71 فى المادة 62، التى تحدثت أيضا عن أن الانتخاب حق لكل مواطن، والمواطنون فى الأصل سواء، ولم تعترض عليه المحكمة الدستورية طوال الأربعين عاما الماضية، لأن أحدا لم يطعن عليه أو يدفع ببطلانه، ولم تكن المحكمة تملك حق الرقابة السابقة كما امتلكت بالدستور الجديد.

لكنك إذا انجرفت فقط «لخناقة» بين المحكمة وتيارات سياسية، ستنشغل عن الكارثة الحقيقية، التى تتمثل قى قتل الدولة المحايدة تماما، فالأصل أن هناك مؤسسات يجب ألا تنحاز سياسيا على رأسها الجيش والشرطة، ومنح أعضائها حق التصويت ينقل ببساطة الاستقطاب السياسى الحاصل فى المجتمع إلى داخل ثكنات الجيش والشرطة، فيتنازع الضباط لأن أحدهم مؤيد لهذا الحزب وذلك مؤيد للحزب المعارض، أو تنفتح الثكنات المنضبطة للمرشحين السياسيين، وفى النهاية تجد لديك ضباطا ليسوا فقط منشغلين بالشأن العام، وإنما لديهم انحيازات معلنة وواضحة.

كنت أعتقد أن جزءا من حل مشاكل هذا البلد وسط هذه السيولة السياسية هو زيادة المؤسسات المحايدة سياسيا، وترسيخ نموذج الدولة المحايدة، لتكون إدارة الدولة مشاركة بين الناخبين المنحازين الذين يختارون القيادات السياسية، والمؤسسات المحايدة التى لا تملك انحيازات، وترسيخ هذا المفهوم من القوات المسلحة والشرطة إلى القضاء والأزهر والكنيسة والأجهزة الرقابية.

السياسة تقتل الحياد، وتقليص أركان الدولة المحايدة حتى تنزوى تماما بإدخال السياسة إلى الجيش والشرطة قتل لهذه الدولة، لكن مواجهة ذلك يحتاج لحلول دستورية وتشريعية وليس لخناقة زاعقة وسافلة، مع محكمة دستورية كل ما فعلته أن أدت واجبها كما نص دستور «العجلة تدور».

الأحد، 26 مايو 2013

ما ذنب العندليب؟

لكلِ داءٍ دواءٌ يستطبُ بهِ...إلا «الأفورة» أعيت من يداويها.

تبحث الجماعة عن إنجاز تتشبث به، تغنى له، تجمع حوله أنصارها والمتعاطفين معها والمؤلفة قلوبهم. ذهبت سكرة الانتصار فى الانتخابات ووصول الرئيس المنتخب للسلطة، وبقيت فكرة الإنجاز، وتحقيق الوعود، وتنفيذ السياسات التى تستقيم مع ما كان من خطاب معارض للجماعة. لكن كل ذلك يسقط شيئا فشيئا، يغيب الإنجاز ويتعزز، تتبخر الوعود وتُنسى أو تُنكر، ينفضح الخطاب المعارض قبل الثورة بأنه كان محض مزايدات على نظام قائم، وعندما جاءت السلطة لم يجد المعارضون السابقون إلا ذات أدوات وسياسات وانحيازات ومشروعات النظام السابق.

لكن إذا لم يكن هناك إنجاز يستحق أن نغنى له ونغنى على الشعب به فلنخترع هذا الانجاز. معجزة القمح أحبطها المختصون، والفلاحون كذلك، حتى أولئك الذين خطب الرئيس مرسى من داخل حقولهم، نفوا كل كلمة قالها، وحكوا عن تمثيلية عيد الحصاد التى انتجتها ذات الآلة التى كانت تنتج مسلسلات النظام السابق. ربما حدث تقدم فى محصول القمح. لكن الأفورة الإخوانية تحدثت عن اكتفاء ذاتى ومعجزة ونسبت الأداء التقليدى غير المنظم لجهد وزير وسياسات، لكن أغنية القمح فى جميع الأحوال فشلت، لأن فاتورة الاستيراد كما هى لم تنقص مليما، وربما زادت بزيادة سعر الصرف.

مرسى إذن لابد أن يكون بطل حرب وسلام، هذا هو الانجاز الجديد الذى تحاول الجماعة أن تُشعلق أعضاءها فيه، قناة مصر 25 المملوكة للجماعة تذيع طوال أمس الأول، كليبا للرئيس وهو يصافح الجنود العائدين من الاختطاف مصحوبا بصوت عبد الحليم يغنى: «عاش اللى قال للرجال عدوا القنال». ربما تعتقد أن المسألة مجرد «أفورة» من مخرج فى القناة، جعلته يساوى بأغنية حليم بين قائد دفع قواته لعبور القناة وتخطى الحواجز المائية والخطوط الحصينة لمواجهة عدو شرس، والاشتباك معه فى معركة من أهم معارك التاريخ لاستعادة أرض محتلة، وقائد طلب من جنوده الانتقال الى سيناء دون أى صعوبات أو مواجهات لاستعادة 7 جنود مختطفين، فعادوا دون قتال أو تفاوض حسبما تعلن الرئاسة.

 لكن المسألة ليست مصادفة ولا تصرفا فرديا، هذا سعى مؤسسى للتشبث بإنجاز، فإذا كان القائم على قناة مصر 25 حاول أن يقدم محمد مرسى باعتباره بطل حرب وسلام، لأنه استعاد 7 جنود مختطفين لا نعرف كيف استعادهم، وساوى بينه وبين الراحل الشهيد محمد أنور السادات الذى قاد الجيش المصرى لإلحاق أول هزيمة حقيقية بإسرائيل واستعادة الأرض بعد معارك وبطولات حقيقية ومجيدة وشهداء وتضحيات، فإن الدكتور عبد الرحمن البر الموصوف بمفتى الجماعة وعضو مكتب الإرشاد، قال إن تحرير الجنود السبعة هو بداية الطريق لتحرير القدس.

الشيخ البر كان قد رأس مؤتمرا فى أسيوط عنوانه «حررنا جنودنا وسنحرر أقصانا»، ووعد بأن القدس ستتحرر على يد محمد مرسى الذى وصفه بمحمد الثالث.

هكذا تبنى الجماعة على عودة الجنود المختطفين لبناء إنجاز كبير وكأنه يساوى إنجاز حرب أكتوبر، والانطلاق منه لدغدغة مشاعر أنصارهم بحلم القدس، لكن إذا كان أنصارهم يصدقون كل هذه الأفورة ولا يتدبرون فيها.. فما ذنب عبد الحليم حافظ حتى تأخونوه.. ما ذنب العندليب؟!

السبت، 25 مايو 2013

فوبيا غزة

لا يريدك الإخوان أن تسأل عن مصير الخاطفين، من هم، ومتى سيقدمون للعدالة، كأن هذا ليس من شأنك كمواطن، أو على الأقل بحجة أن هذه عملية عسكرية ولا يجوز أن تكون أخبارها وأسرارها مشاعا متداولا فى وسائل الإعلام، ثم يعقب ذلك بدروس عن الأمن القومى.

لا يريدك الإخوان أن تسأل عن مصير قضية قتل جنود رفح، من قتلهم، وماذا فعلت الدولة للثأر لهم، ولماذا لم تعلن نتائج التحقيقات رغم أن العام الأول على الجريمة يكاد ينقضى، هذه أيضا أسرار وأمن قومى.

لا يريدك الإخوان أن تسأل عن مصير الضباط المختطفين منذ عامين وأكثر، أين هم؟ من خطفهم؟ ماذا فعلت الدولة لكشف مصيرهم، هذه أيضا أسرار وأمن قومى.

بشماعة الأمن القومى يريد الإخوان منعك من حق السؤال والمعرفة، وفى الوقت نفسك يلومونك على الإستسلام للسيناريوهات التى تطرح إجابات من عند أصحابها لعلامات استفهام كثيرة، ثم يسفهون هذه السيناريوهات ويرمونها بالخيال والشطط، دون أن يخرج عليك أحد ليقول لك أين كلام العقل.

تخوض الولايات المتحدة حربا شرسة ضد الإرهاب، وعندما وقعت تفجيرات بوسطن لم تمر ساعات معدودة حتى أعلنت الدولة أسماء المشتبه فيهم، وتحركت للسيطرة عليهم، وأتاحت للرأى العام كل ما لديها من معلومات حول منفذى الجريمة وأهدافهم ودوافعهم وانتماءاتهم.

التحرك السريع للدولة عزز الثقة فيها من جانب. إشاعة إحساس الآمان عامل حاسم فى الثقة فى كفاءة الدولة، وفى الوقت نفسه قطع الطريق على عشرات السيناريوهات التى كان من الممكن أن تخرج، لتدين العرب بشكل مسبق، أو النظريات التى كانت ستنقل الجريمة التى حدثت فى بوسطن إلى قلب الشرق الأوسط، وما قد يستتبع ذلك من منح المتطرفين والعنصريين الذين يعممون الأخطاء، المزيد من الدعم فى تعزيزهم لمفهوم العربى الإرهابى.

فى مصر لم يكن الجنود السبعة فى مهمة استخباراتية. تم خطفهم من وسط المدنيين فى قلب المدينة وهم عائدون إلى منازلهم، ولم يكن جنود رفح فى معركة حربية. تم قتلهم فى معسكرهم قبل ساعات من الإفطار فى أجواء طبيعية، ولم يكن الضباط المفقودون فى مهمة قتالية خلف صفوف العدو، حتى يتذرع من يتذرع بأن محددات الأمن القومى تمنع الإجابة عن أسئلة عمرها أعوام، أو دعوة المجتمع إلى الإكتفاء بأن الجنود عادوا دون أن يطمئن إلى أن الدولة لديها الكفاءة والقدرة لتستعيد له أمنه وأمانه، أو الاكتفاء بعد عام على مقتل جنوده بأن التحقيقات مازالت جارية، دون أن يخبره أحد، هل توصلتم للقتلة أم لا؟ إذا كنتم توصلتم من هم، وإذا لم يحدث من الذى يعوق ذلك، فلا ضمانة ألا تتكرر هذه الجريمة، بعد أن أمن المجرمون العقوبة.

يريدونك ألا تسأل.. وألا تحاول أن تعرف.. وألا تصدق السيناريوهات المطروحة حول تورط هذا وتواطؤ هؤلاء، ولا يريدون تقديم إجابات لأسئلتك، يدافعون عن غزة فيما تكتمهم المعلومات هو الذى يفسح المجال للتمادى فى فوبيا غزة، يصادرون حقك فى السؤال والمعرفة بدواع الأمن القومى، رغم أن حرصك على الأمن القومى الذى تراه ينتهك بجرم يوميا هو الذى يدفعك أصلا للسؤال.

الخميس، 23 مايو 2013

ما بعد عودة الجنود

كفى الله المصريين شر القتال.. على الأقل هذه المرة.

ليس معنى أنه لم يكن هناك قتال، وتم العثور عليهم فى وسط الصحراء، أنه لم تكن هناك عملية تحرير للجنود المختطفين.

من حق الرئيس وأجهزته وجيشه ضم هذا الإنجاز إلى كتاب الإنجازات، وإضافته فى الورقة التى سيقرأ منها الرئيس مرسى كشف حسابه بعد مرور عام على توليه السلطة.

الواقع يقول إن هناك جنودا جرى خطفهم، وجرى توثيق هذا الخطف بمقطع فيديو للمختطفين وهم يتلون مطالب الخاطفين، وأن هؤلاء الجنود عادوا بسلامة الله.

الأرجح أن الضغط العسكرى كان عاملاً حاسماً. مناورات الجيش والأجهزة الأمنية غيرت حسابات الخاطفين. لكن هل تم الإفراج عن الجنود هكذا بلا قيد أو شرط.

نجحت الدولة إذن فى بعض مهمتها، عاد الجنود سالمين، لكن تلك فقط ليست مسئولية الدولة. هناك جريمة فادحة ارتكبت، الجميع تحدث وفرح بعودة الجنود، لكن لم تظهر معلومات وافرة عن الخاطفين. من هم؟ ماذا فعلت الدولة معهم؟ هل سيعاقبون على جريمتهم أم سيكافؤون على جنوحهم للسلم؟ هل جنوحهم للسلم أصلاً تم بلا ثمن، مع من كان يتفاوض من كانوا يتفاوضون، رغم الإنكار الرسمى للتفاوض.

لم يعد الجنود بالقتال. ولا معلومات حتى كتابة هذه السطور ظهر أمس عن عودتهم بالتفاوض. حفظت العملية حياة الخاطفين والمخطوفين كما أمر الرئيس، لكننا نعرف المخطوفين ولا نعرف الخاطفين. ربما يجيب مؤتمر صحفى لاحق لكتابة هذه السطور عن هذه الأسئلة. أتمنى ذلك.

لكن المؤكد تماماً أن مهمة الدولة لم تنته بعد، هذه اللقطة التى يظهر فيها الجنود يهبطون من الطائرة العسكرية ليست نهاية الفيلم، هى البداية الساخنة للأحداث. الحقيقة أنه كانت هناك بدايات سابقة عليها، لكن كما تعرف تم دفنها وطى صفحتها حتى تعيدها كارثة جديدة للحياة، عام يكاد يمر أيضاً على قتل الجنود فى رفح. أيضاً لم تعرف أى معلومات عن القضية برمتها، أين القتلة؟ أين الثأر؟ أين نتائج التحقيقات؟

ما تعرفه وأكد عليه الرئيس بالأمس، أن هناك سلاحاً بيد الجميع فى سيناء، هناك تنظيمات مسلحة كما قال وزير الداخلية بأسلحة متطورة وثقيلة، بيان السلفية الجهادية وإن كان قد نفى تماماً مسئوليته عن خطف الجنود، إلا أنه أشار إلى أن سلاحه موجه للعدو الصهيونى.

ماذا ستفعل الدولة مع التنظيمات المسلحة التى تهدد الأمن الداخلى وتتحرك لفرض شروطها بالإفراج عن سجين أو الغاء أحكام قضائية، وتنظيمات مسلحة تتحرك من أراضيها لتهدد دولاً أخرى إن كانت عدو فى الذهنية الشعبية لكنها مرتبطة باتفاقات سلام أكد الرئيس التزامه بها، ماذا ستفعل الدولة مع أنفاق تنتهك سيادتها وتحوم حولها الشبهات فى كل كارثة، قالوا من قبل إن الأنفاق نتيجة غلق المعبر، وغلق المعبر نتيجة وجود نظام معادى لغزة وحماس. الآن لدينا نظام ليس عدواً لحماس. مفاتيح المعابر فى يديه أو هكذا نظن، لكن الأنفاق تتضاعف والاعتماد عليها يتزايد، بشكل لا يمكن لدولة تحترم حدودها وسيادتها أن تقبله.

عودة الجنود وفقط لا تكفى، لكن عودة القانون وضبط الحدود وممارسة السيادة هو الانجاز الأكبرلضمان عدم تكرار ذلك.

الأربعاء، 22 مايو 2013

.. وتسقط الدولة

مر الأيام والجنود السبعة مخطوفون، والبعض مازال مشغولا: هل تحرير هؤلاء مهمة الجيش أم الشرطة، مسئولية الرئيس أم الفريق أم اللواء وزير الداخلية؟

هذا فتى لا يسمن ولا يغنى.

أم الجندى المختطف لا يعنيها من يحرر نجلها، المهم أن يتحرر.

المجرمون الخاطفون لن يذهبوا للمحكمة الدستورية أو محكمة القضاء الإدارى للطعن على عملية تحرير الجنود والاستناد الى أنها تمت من غير ذى صفة، فيطلبون إلغاء أثرها «إن حدثت» وإعادة المخطوفين إلى خاطفيهم من جديد لتحريرهم وفق ما تقول لوائح العمل وتوزيع المهام بين مؤسسات الدولة.

هذه مسئولية الدولة كدولة. رأسها المتمثل فى رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكل الأجهزة والمؤسسات التى يرأسها ويملك قرارها وفق الدستور والقانون.

يخطئ من يعتقد أن تحميل مسئولية تحرير الرهائن للجيش وحده، وهو يتمنى من قرارة نفسه أن يفشل فتنهار صورته، أو ينجح بفاتورة فادحة تخلق له عداء مباشرا مع تنظيمات مسلحة ومتطرفة، سيفيد الرئيس سياسيا، أو سيكسر الجيش مرة أخرى لصالح التنظيم الحاكم.

ويخطئ من يعتقد أن تحميل المسئولية السياسية للرئيس وحده، ولقراراته وسياساته، دون تحميل الأجهزة الأمنية والسيادية نصيبها المستحق هو أمر صائب فى أزمة كتلك.

المؤكد أن خطف الجنود السبعة نال من الجميع، الرئاسة والجيش والأمن، والفشل فى إدارة هذا الملف ستتوزع فاتورته على الجميع بعدل، ولن ينجو طرف من مسئولياته حتى لو ظن ذلك، أو توهم أنصاره أنه قادر على الإفلات والنجاة.

تحرير المخطوفين مسئولية الدولة، والدولة لها رئيس منتخب، منحه الشعب تفويضا مقابل حق محاسبته ونقده، والرئيس لا يقول كل الحقيقة. لا يرد على من يحمل قراراته نتيجة ما يجرى. لا يحسم هل هو متعاطف مع تنظيمات دينية مسلحة أم يدينها. لا يفصح عما توصلت اليه أجهزته عن مقتل الجنود فى رفح، لماذا لم يثأر من القتلة أو يعلن هوياتهم وأسماءهم على الأقل حتى الآن.

تحرير المخطوفين مسئولية الجيش، حتى لو كانت الجريمة مجرد انتهاك أمنى حسب التوصيف النظرى، المدلول السياسى أعمق وأشد خطورة، لأن هؤلاء المخطوفين تم خطفهم على الهوية المهنية لأنهم مجندون، وتصويرهم فى لحظات الاستغاثة والتوسل جرح للجيش ولكل مواطن ينظر للجيش واثقا كونه درع حماية، وأسدا جاهزا فى عرينه للحظة الاستدعاء.

تحرير المخطوفين مهمة أصيلة لأجهزة الأمن، ليس فقط لأن ذلك واجب وظيفى. الثابت أن حوادث الاختطاف لا تنقطع فى بر مصر. يتساقط مواطنون وأطفال وسياح. البعض يتحرر بالتفاوض أو الفدية والقليل بتدخل أمنى. لكن الرسالة اليوم أقوى وأعمق. انسوا الأمن. الجنود مختطفون فلماذا تبكون على المواطنين. والدولة مرتبكة وعاجزة عن تحرير جنودها، فكيف تلومونها فى عجزها عن تأمين مواطنيها.

كيف تنظر فى عينى جندى أنت تعلم أنك لا تستطيع حمايته.

وكيف تنظر فى عين شعب يعلم أنه مثل الجندى مخطوف فى دوامة الارتباك والانقسام والعجز والفشل.

تسقط أمامه شرعيتك الوظيفية كقائد.

وتسقط أمامه شرعيتك السياسية كرئيس.

.. وتسقط الدولة.

الثلاثاء، 21 مايو 2013

أصابع لم تقطع فى سيناء

حدث أن استشهد 16 جنديا فى رمضان الماضى، لم يكن أى منهم فى حالة مواجهة، لكن رصاص الغدر جاءهم من حيث لا يدرون ولا ندرى حتى الآن، قال سياسيو السلطة إن المشكلة فى المشير ورئيس الأركان. تحرك الرئيس المنتخب القائد الأعلى للقوات المسلحة وعزل قادة الجيش، وقرر أن يقود عملية الثأر للجنود بنفسه، لكن لا ثأر حدث، ولا حتى عرفنا من قتل الجنود غدرا.

وحدث أن تم خطف الجنود فى العريش، فقالوا لك أيضا أن الأزمة فى الفريق السيسى. حسنا من حق القائد الأعلى للقوات المسلحة أن يقيل وزير الدفاع. ليفعلها إذا كان ذلك سيصلح الأمور، ويستعيد سيناء، ويطهرها من المجرمين، ويجيب الرأى العام على السؤال الذى فشل القائد الأعلى الذى قاد العمليات نسر بنفسه أن يجيب عليه حتى الآن: من قتل جنود رفح؟

لا يمكن أن يكون هناك شخص أيا كان موقعه ومسئوليته أعز من حياة الناس، لا السيسى ولا حتى محمد مرسى نفسه. كمواطن لا يعنينى الأشخاص بقدر ما يعنينى أن أعرف: من قتل جنود رفح؟ لأنك حين تجد الإجابة الواضحة والصريحة والمباشرة والمدعمة بما يوثقها، ستفهم لا شك ماذا جرى، ومن كان مسئولا، ومن خطف الجنود وتواطأ على ذلك، أو من أهمل وتخاذل ولم يقم بمهامه ومسئولياته.

الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة بدا محايدا بين الخاطفين والمخطوفين، وجه للحفاظ على حياة الجانبين. الرئيس حقوقى يهتم بحياة الإنسان حتى لو كانوا المجرمين والخارجين عن القانون. ثم عقد جلسة حوار وطنى مع سياسيين وشخصيات عامة لحل أزمة الجنود المخطوفين. وخرج ليقول لا تفاوض. وحتى ساعة كتابة هذه السطور عصر أمس، لا توجد تحركات ميدانية لتحرير المخطوفين.

الرئيس لا يتفاوض ولا يقاتل حسب ما هو معلن، الرئيس يستهلك الوقت ويحاول تفريغ الطاقة فى إجراءات وجلسات لا يعرف أحد الهدف الحقيقى منها إلا هو والمقربون من السلطة. الرئيس صاحب قرار الحرب والسلم الأرجح أنه شاهد الجنود فى لحظة غادرة يخرجون لتوسل النجاة فى مشهد يجرح كرامة كل من لديه كرامة، وحتى الآن لم نعرف هو مع الحرب أم مع السلم؟

الرئيس موقفه متضارب، وتضارب موقفه يفتح الباب أمام التأويلات والاستنتاجات المريضة، لكن استمرار الارتباك يحول هذه الخيالات المريضة إلى حواديت منطقية. ما هى القنوات السرية بين جماعات سيناء وجماعة الإخوان الأم، هل الرئيس يحتفظ بهؤلاء كشوكة فى ظهر الجيش لحسم أى صراع مستقبلى معه؟ ربما كان هذا خيالا لكن إقناعك أن الدولة عاجزة عن تحرير 7 جنود من يد عصابات، وفى الوقت نفسه قادرة على ردع أى جيش معتدٍ هو خيال أيضا، إقناعك أن الدولة عاجزة أن تخبرك من قتل جنودك غدرا هو الخيال بعينه، إقناعك أن الرئيس قادر على قطع الأصابع التى تعبث فى مصر فيما هناك عشرات الأصابع تعبث فى سيناء، هو عين الخيال.

سيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة: لماذا لم تقطع أصابع الذين قتلوا جنودك فى رفح؟!

الاثنين، 20 مايو 2013

الكذب يوم عيده

عالوا ننتقد الرئيس مرسى نقدا بناء، كما يحب وكما يحب أنصاره ومتعاطفوه، الرجل الذى يحسبه الجميع «متدينا» ويسير على درب الصالحين الأوائل، من أنصار مبدأ رحم الله امرئ أهدى إلى عيوبى.

لكن إذا كان الرئيس وجماعته وحزبه والمتعاطفون معهم والمؤلفة قلوبهم لا يفترضون فيك حسن النية، فلتفترض أنت فيهم حسن النية، تعال لنصدق ما قاله الرئيس ووزير تموينه أن مصر حققت اكتفاء ذاتيا من القمح. ربما تراجعوا بعد ذلك وقالوا إن مصر حققت تقدما فى زيادة محصول القمح وليس اكتفاء ذاتيا بعد، لكن الاكتفاء الذاتى قد يتحقق فى غضون 4 سنوات. الرئيس قال من قلب حقل القمح فى إحدى قرى بنجر السكر إن إنتاجية الفدان زادت إلى 27 إردبا و«سامع إنها وصلت لـ30»، حسب لفظ الرئيس شخصيا.

دعك من تسييس المسألة برمتها. البعض يقف عند ترويج هذا الانجاز لصالح وزير التموين وكأنه صانع المعجزات الخارق، مع إن زراعة القمح من مهام وزير الزراعة، وللغرابة تم عزل وزير الزراعة بينما تحقق هذا «الانجاز». لكن كل هذه شكليات. انت كمواطن لا يجب أن يعنيك أن يتحقق «انجاز» الاكتفاء من القمح على يد وزير الزراعة أو وزير التموين أو حتى وزير الصحة المهم أن يتحقق، ولا يجب أن يزعجك حتى لو كنت معارضا للإخوان أشد المعارضة أن يحدث انجاز على أيديهم، لأنه فى النهاية انجاز يخصك ويخص كل مواطن فى هذا البلد، لأن أكل العيش «مفيهوش إخوان وفلول وجبهة انقاذ».

بعض الخبراء يشككون فى أرقام الرئيس ووزير تموينه وحكومته حول انتاجية القمح. أرجوك صدق الرئيس هذه المرة ودع الخبراء والجهابذة جانبا، الرئيس وقف فى قلب «غيط القمح» أمام الفلاحين أصحاب الشأن ليقول إن الانتاج زاد بنسبة 30% وانتاجية الفدان وصلت 27 إردبا.

لكنك عندما تشاهد التقرير المصور الذى أذاعته قناة دريم من قلب القرية التى وقف فيها الرئيس مرسى ليروج الانجاز الوحيد الذى يتشبث به، ستجد أن الفلاحين أصحاب الشأن يكذبون كل ما قاله الرئيس ورجاله.

هذا الرابط نهديه للرئيس مرسى وجماعته وحزبه والمؤلفة قلوبهم، ونحسب به أننا نهدى الرئيس عيوبه كما يحب.
http://www.youtube.com/watch?v=qpPhf33FLDA&feature=playe r_embedded

عندما تشاهد الفيديو ستعرف أن ما حدث فى حقل القمح كان تمثيلية رديئة من تلك التى كان ينتجها النظام السابق لمبارك حتى يظهر فى الحقول ومواقع الانتاج، فلاحو القرية يتحدثون عن صعوبات الانتاج، عن 17 إردبا حدا أقصى لانتاجية الفدان، عن المياه غير المتوافرة والأسمدة التى يشترونها من السوق السوداء، عن منعهم من لقاء الرئيس أو مخاطبته،  وحجزهم عند البوابات الإلكترونية. الحقل الذى كان يقف فيه مرسى ينتج 7 إردبا فقط لا غير، وأحد الفلاحين قال: «الريس جايلنا مسألش واحد فينا سؤال. جاى للناس بتاعته اللى جايبهم معاه. وعاوز يكلم الناس بتاعته. طيب جايلنا ليه.. دول جابوا ناس منعرفهاش توزن غلتها وتقبض فلوسها وهى واقفة فى الشونة»

تفضلوا أحد عيوبكم.. القمح ليس فى عيده، لكنه الكذب الذى يعيش أزهى عصوره.

الأحد، 19 مايو 2013

ماذا يجرى فى سيناء؟

يمكن أن تنظر لوقائع ما حدث ويحدث دون أن تدرك أن هناك الكثير من المسكوت عنه وندرة فيما يتم إعلانه.

هل فعلا تسربت سيناء تماما وخرجت من يد الدولة، الثابت أن هناك ارتباكا رسميا فى التعاطى مع ملف شبه الجزيرة أمنيا وسياسيا وتنمويا، أو هناك وجهات نظر متعددة، وربما ينفذ العنف من بين الثغرات التى يسببها الارتباك بين الرؤى المتباينة.

فى يوليو من العام الماضى راح 16 جنديا فى لحظة غادرة، جرح كبير فى كرامة الجيش المصرى، وألم حقيقى فى نفوس كل الجنود الذين يخدمون فى هذه المناطق. الأرجح أن هؤلاء جنود يعرفون أنهم ليسوا فى نزهة، لكن إذا كان الموت احتمالا، فلا يمكن أن يبقى من فعل هذا فى إطار الاحتمالات طوال الوقت.

الدولة تعهدت بالثأر رئاسة وجيشا، أطلقت العملية نسر، قال الرئيس مرسى إنه يقودها بنفسه، تعهد بإعلان هويات مرتكبى الحادث، تبنى الجيش بعد تغيير قياداته ذات العملية، أصدر البيانات تلو البيانات عن نجاحاتها، تحدثت الرئاسة عن المقبوض عليهم. كان لأهالى سيناء رأى آخر: «هؤلاء يحاربون الكثبان الرملية». مرت الشهور وراء بعضها، ولم نعرف من قتل ومن حرض ومن هؤلاء الذين يرتعون فى سيناء؟

فتح التأخر أو الفشل فى الوصول للمجرمين الباب نحو رواج المؤامرات والتخمينات. حماس نفذت لتعطى الرئيس ذريعة لعزل المشير، ونظرية أخرى روجها القيادى الإخوانى السكندرى على عبدالفتاح أن المشير هو الذى مرر العملية لإحراج مرسى والإطاحة به، وسيناريو إخوانى آخر أن فتح ودحلان هما السبب لتعكير الأجواء مع قطاع غزة. الأرجح أن كلها خيالات، وفى النهاية من يقتنعون بأى منها معذرون لأن المعلومة الحقيقية لا تعلن أو لأن الدولة مازالت لا تعرف.

لكن بيانات سبق أن صدرت من مصادر عسكرية تحدثت أن المتهمين معروفون، لكن الرئاسة تغل يد الجيش عن إعلان ما توصل إليه من حقائق، ومحاسبة من ثبت أمامه تورطهم فى قتل الجنود، مصادر أخرى مقربة من الرئاسة ومكتب الإرشاد، تعتقد أن الجيش هو الذى يغل يد الرئاسة عن مواصلة التفاوض مع الجهاديين ويرفع حق الفيتو فى وجه مشروعات الجماعة فى سيناء.

بالأمس أغلق جنود غاضبون معبر رفح احتجاجا على خطف زملائهم. يواجهون بلوم من جميع الأطراف. لماذا تلومون أناسا ترسخ لديهم إحساس أنهم باتوا مثل الخراف الضالة، سهل اصطيادهم، ومظلة حماية الدولة بعيدة عنهم، وحين يسقطون لن يستطيع ذووهم أن يعرفوا حتى اسم قاتلهم، لأن هناك من يكتم على الشعب حقه فى المعرفة، أو هناك من يضع اعتبارات سياسية أعلى من أرواح المواطنين والجنود.

تقول بيانات الجيش إنه تم تحديد هوية الخاطفين وأماكنهم، وتقول بيانات الرئاسة إن مساعد الرئيس يجرى مفاوضات مع الجهاديين. الرئيس يريد من الجيش أن يحافظ على سلامة الخاطفين والمخطوفين. قبضة السلطة التنفيذية تخف على مناطق فى البلاد، بورسعيد تلحق بسيناء. الجيش يحاول تعويض غياب الدولة. الجيش يجرى استهدافه واستهداف جنوده. وأنت كمواطن لا تعرف من مع من ولا من ضد من.

ماذا يجرى فى سيناء؟ من قتل الجنود فى رفح؟ من خطف الجنود فى العريش؟ ماذا فعلت الدولة رئاسة وحكومة وجيشا؟ لماذا تخفى عن الشعب الحقائق؟ من يضغط على من لتبقى الحقائق غير معلنة؟ احترموا عقولنا يرحمكم الله.

السبت، 18 مايو 2013

مرسى الذى استعاد شفيق

جيد الإخوانى والمتعاطفون معه خطف أى نقاش موضوعى وتفجيره بنقله إلى مساحة أخرى تحمل عناوين شبه ثورية، وذلك فقط عندما تعجزهم حجتهم.

عندما تتحدث معه عن انتخابات رئاسية مبكرة، وتسوغ الحجج الديمقراطية فى أنها ليست دعوة انقلابية، لكنها شكل ديمقراطى لحل الأزمات والوصول إلى كلمة سواء بين الفرقاء، يرد عليك: «عاوز انتخابات مبكرة علشان عاوز ترجع شفيق»، هكذا ببساطة ينقلك لمنطقة أخرى افتعالا لمجرد الغلوشة على وجهة نظرك، لكن من قال إن من يطالب بانتخابات مبكرة يريد إعادة شفيق، أليس واردا أنه يريد إعادة أشرف بارومة مثلا؟!

لكنه عنوان جيد فى جميع الأحوال يمكن أن نخوض فيه باستفاضة، وأن نتحدث عن استعادة شفيق، وحركتة، وتصريحاته، وحضوره، وتعلق البعض به، أو ندمهم على عدم نجاحه، وأن نسأل: من المسئول عن ذلك؟

إذا كان لديك بعض عقل ومنطق وإنصاف وعين ترى بها الأشياء الواضحة أمامك ربما أدركت أنه إذا كانت عودة شفيق تهمة وخيانة للثورة ومسارها، فالذى أعاده ويعيده ويبقيه على قيد الحياة السياسية هو الرئيس مرسى شخصيا وجماعته وحزبه وأهله وعشيرته. أنهى تلميذ مبارك مشوار السباق التنافسى على كرسى الرئاسة فى المركز الثانى مدعوما بتأييد ما يزيد قليلا على 12 مليون ناخب، لم يكن كلهم مقتنع تماما بانتخابه، بقدر ما اضطر لمنح صوته له فى اطار مخاوف بعضها حقيقى وبعضها مبالغ فيه من الإخوان ومرشحها.

لكن الرجل الذى كان يمكن أن يبنى لنفسه مستقبلا حقيقيا جديدا كمعارض، وأن يحتفظ بما يقدر عليه من كتلته التصويتية، ويستفيد من ضوء أمريكى للمشاركة فى العملية السياسية بعد مكالمة من أوباما دعته لاستكمال ذلك عقب النتيجة، فضل أن يهرب متجنبا أن يدفع فاتورة المعارضة، ورافضا أن يقف أمام قضاء يؤكد شخصيا على نزاهته، للفصل فيما يثور حول فساده.

بامتياز فشل الرجل فى اختبار الزعامة، خرج ولم يعد، وفضل الإدبار عن المواجهة، والحديث من بعيد عن الحركة من قلب النار، وهذه ليست صفات زعماء ولا أبطال.

لكن فشل محمد مرسى أعاد شفيق للحياة، فى وقت كان لابد أن يختفى تماما ليس فقط بفعل الأمر الواقع لوجوده فى دبى، لكن بأداء رئيس لكل المصريين يجمع الناس حوله بأطيافهم وتياراتهم، ولا يعطى لشفيق ولا غيره فرصا للنفاذ مرة أخرى إلى الداخل، لا بتصريحات ولا بأمنيات.

فشل مرسى فى الحفاظ على قاعدة تأييده التى دخل بها جولة الإعادة فى انتخابات الرئاسة، وتسلم بزخمها كرسى الرئاسة، انفرط عقد هذه القاعدة ولم يبق فيها سوى المرتبطين تنظيميا، أو المتعاطفين تنظيميا، أو المؤلفة قلوبهم تنظيميا كذلك، لكنه فقد حلفاءه ومناصريه من قوى الثورة فريق وراء فريق، فى وقت كان متوقعا منه أن يوسع مساحة التأييد تلك وأن يتغول على ناخبى شفيق الذين تركهم «بطلهم المزيف» وهرب، ويضم منهم ما تيسر لتأييد مشروع مصرى ثورى حقيقى.

فشل مرسى.. فعاد شفيق للصورة، فشل مرسى.. فاتسعت ابتسامة مبارك، والذين يطالبون بانتخابات مبكرة لا يريدون مرسى ولا شفيق؛ لأنهما وجهان لنفس العملة الرديئة لو تعلمون.


الجمعة، 17 مايو 2013

أن تكون طارق البشرى

لماذا المستشار طارق البشرى؟

الرجل كان جزءا من الجدل العام لفترة، نُسب إليه فيها وضعه حجر الأساس لتمكين الحكم الدينى فى مصر، فى وقت تجده أقرب إلى السلطة ومواقفها، ووقت آخر تجده أقرب إلى المعارضة ومواقفها، هل لأنه رجل متحول مرة يحتد على السلطة ومرة يحتد على المعارضة؟!

الحقيقة أن عامين وبضعة أشهر مرا على اندلاع الثورة، طغت السياسة فيها على كل شىء، حتى أخلاق الناس وقيمهم الأساسية التى كنت تظنها راسخة، تبدل الجميع وتلون ليقول الشىء ونقيضة، ويمدح الشخص ويذمه، ويعد الوعد ويخلفه، ويقسم القسم ويحنث به، ويدعو للأمر ويتغاضى عنه حين يكون بيده الأمر، لكن طارق البشرى وحده على الأقل بين كل هذه النخبة بأطيافها المختلفة وتياراتها المتباينة ووجوها المتعددة، بقى ثابت بقناعاته وعقائده، تظنه يميل ويتحرك باتجاه هذا الفريق أو ذاك، لكن الحقيقة أنه ثابت والآخرون هم الذين يدورون حوله، يقربهم مده ويبعدهم جزره.

بنى طارق البشرى مواقفه على مرجعية أساسية هى الديمقراطية القانونية، فانبرى يدافع عن الديمقراطية والقانون، دون أن يشغل نفسه بانحياز، أو بالفريق الذى يتغول على الديمقراطية وذلك الذى يتغول على القانون، ولأنه مؤمن بقيم ثابتة وراسخة فى وجدانه، لم يتحرج حين عارض الإعلان الدستورى المكمل للعسكر، لصدامه مع قاعدة قانونية ودستورية ارتضاها لنفسه أن لا أحد من حقه إصدار إعلانات دستورية حتى لو كان المجلس العسكرى، ورغم أنه محسوب على تيار الإسلام السياسى، فلم يمنعه ذلك من معارضة الإعلان الدستورى الكارثى الذى أصدره محمد مرسى، لأنه أيضا يصطدم بذات القاعدة القانونية والدستورية التى ارتضاها سابقا فى الحكم على اداء المجلس العسكرى.

انتقد البشرى تفسير حكم المحكمة الدستورية ببطلان الثلث الفردى لنواب مجلس الشعب، وعارض قرار الحل، واعتبر أن حكم البطلان كان يتطلب إجراء الانتخابات على مقاعد الثلث المطعون عليه، لكنه عارض أيضا قرار مرسى بإعادة المجلس لأنه فى النهاية حكم قضائى واجب الاحترام والتنفيذ، واعتبر أنه لا يجوز لأى سلطة حل الجمعية التأسيسية للدستور استنادا لذات المرجعية، وقبل ذلك وهو القريب من الثورة والمعارضة فى عهد مبارك، عارض تماما أية تشريعات لعزل رموز النظام السابق واعتبرها انحراف تشريعى، لأنها تفرض عقوبة دون جريمة محددة وحكم قضائى بات. طالب بمحاكمات سياسية لمبارك ورجاله، لكنه دعا الجميع طالما ارتضوا بمحاكمات قضائية تقليدية القبول بأحكام القضاء واحترامها.

ووفق هذه الثوابت القانونية يؤمن البشرى أن النائب العام الحالى باطل، وأن حكم عزله صحيح، لأن تعيينه جاء بإعلان دستورى باطل.

طارق البشرى المنحاز للديمقراطية بإيمان حقيقى أوسع المعارضة هجوما على تكاسلها، وتعاليها على الشعب، وهروبها من الاختبارات الانتخابية، وطارق البشرى المنحاز للقانون أوسع السلطة هجوما على استهدافها القضاء والقضاة واختراقها لأحكام القانون والمبادئ الدستورية، لا يحركه انحياز للهجوم على المعارضة، ولا يدفعه تأييد لتبرير أخطاء السلطة، لا يهمه أن يقول كلاما يقربه من السلطة، أو كلاما يقربه من المعارضة، أو كلاما يقربه من الفلول، طالما أن كلامه منسجم تماما مع مرجعيته وثوابته فى الدفاع عن الديمقراطية والقانون.

ولأن السياسة قتلت الأخلاق، يزايد عليه فريق السلطة حين يبدو معترضا، وتكيل له المعارضة الاتهامات حين يبدو مؤيدا، والحقيقة أنه أثبت فى اختبار العامين أن ولاءه الأول لميزانه الذى ارتضاه بثوابت واضحة لا يتحول عنها.

يعرف الرجال بالحق.. ولا يعرف الحق بالرجال.


الخميس، 16 مايو 2013

تمرد أكثر

لا يمكن فى أى مجتمع ديمقراطى استهجان دعوة لانتخابات مبكرة.

الديمقراطية كما تعرف هى مجموعة قيم وإجراءات، والانتخابات المبكرة إحدى آلياتها فى جميع الأحوال حين تنسد آفاق الحوار، أو تصل العملية السياسية إلى طريق مسدود من شأنه التأثير على الدولة والمواطن.

هذا ليس اختراعا، وبالتالى فالشباب الذى يدير حركة «تمرد» ويتحرك فى الشارع لجمع توقيعات الناس من أجل هدف محدد هو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لا يمارس فعلا انقلابيا أو معاديا للديمقراطية، لكنه يمارس حريته بامتياز ويتحرك فى إطار سلمى وسياسى وديمقراطى.

لكنه رغم كل ذلك يواجه بحملات تشويه وتسخيف واستهجان، وكأن مطلوب من هؤلاء الشباب ممارسة حقهم فى الاعتراض عن طريق حمل زجاجات المولوتوف مثلا، أو إدارة المواجهات فى الشارع حتى يتمكن الجالس فى السلطة وجماعته وحزبه البكاء على الاستقرار وعلى الديمقراطية، وشيطنة المتمردين بالمولوتوف.

لكن شباب تمرد لا يحملون المولوتوف، فقط فكرة يروجون لها فى الشارع باقناع دون إكراه ولا إغواء ولا زيت أو سكر أو مواد غذائية بأسعار متدنية، أو خبز وأنابيب بوتاجاز مدعومة يوزعها حزب السلطة فى اندماج بين حزب السلطة وزارة التموين.

هؤلاء شباب اختاروا المسار الديمقراطى بمعناه الأشمل، الديمقراطية ليست فقط صندوقا يحتكم إليه، الصندوق هو المرحلة الأخيرة للممارسة الديمقراطية، لكن كل فكرة تروج بشكل سلمى هى عمل ديمقراطى، لكن بعض المتحذلقين يتساءلون ساخرين عن مصير هذه التوقيعات، وهو ذات التساؤل الذى كان المتحذلقون السابقون يتهكمون به على توقيعات بيان التغيير قبل الثورة.

سؤال مصير التوقيعات هذا يخص فى المقام الأول أصحابه، ولا أعتقد أنك متعاطف معهم إلى درجة فتخشى على مجهودهم من الضياع.

الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة سلوك ديمقراطى، من حقك أن ترفض هذه الدعوة، لكن ليس من حقك أن تحجر على تأييدى لها، وجمع التوقيعات لحشد تأييد شعبى لهذه الدعوة أيضاً سلوك ديمقراطى، من حقك ألا توقع، ومن حقك أيضا أن تنشغل بتوقيعات مضادة، رغم أنك السلطة التى من المفترض أن تنشغل بانجازات حقيقية تدحض ادعاءات معارضيك بأنك فاشل.

لماذا أنت متوتر إذن ومنشغل بهذه الدعوة إلى هذه الدرجة؟

أولا لأنك تدرك أنها تستمد نجاحها من شباب يمثلون الكتلة الحقيقية لطاقة الثورة، أولئك الذين لم يسلموا الراية مثل غيرهم لجيل الماضى ليدير أحلامهم وثورتهم، فحصروها فى طريق ضيق سهل احتواؤه، ولأن هؤلاء ينتمون للمستقبل فى مواجهتهم الضارية مع الماضى، فقد تحركوا بحيوية وإبداع كما تحركوا قبل 25 يناير.

ثانيا لأنك تضيق بالمعارضة فى جميع أحوالها وأشكالها، وتريد كالنظم المستبدة السابقة، تفصيل معارضة على مقاسك، وانتاج أحزاب كارتونية أو مقربة أو مؤلفة قلوبها، لتعارضك وفق الكتالوج الذى تعده سلفا، فيكون نقدها «بناء» وليس هداما، وهو ذات الخطاب الذى يروجه الفنانون النرجسيون فى الحديث عن أنفسهم وعن منتقديهم بتصنيف النقد والمعارضة حتى يمكن احتواء كل شىء.

هذه فكرة فى العقل وورقة فى اليد باتت تشبه الثورة، كما صرت أنت وجماعتك وحزبك تشبهون الماضى الذى قامت عليه الثورة.


الأربعاء، 15 مايو 2013

الجيش الوصى

الجيش لن يحكم.. لكنه سيبقى وصيا على الدولة ومرجعية لأدائها إلى حين.

الجيش لن ينقلب.. لن يسمح للفاشلين فى المعارضة باستخدامه سياسيا.. لكنه سيتقدم شاء أم أبى ليحمى الدولة من فشل السلطة.

فشل السلطة يعنى انهيار الدولة، هذا خط أحمر، وفشل السلطة والمعارضة يعنى انهيار تجربة التحول الديمقراطى.

الرسائل المتناقضة لكلمة الفريق السيسى، بقدر ما ألجمت أحلام المعارضة فى الاعتماد على قوة المؤسسة العسكرية، رسخت وضع الجيش كوصى على الدولة، كحامٍ للشرعية القانونية والدستورية، والشرعية الشعبية إن هى تحركت، وضامن لعملية التحول الديمقراطى، الانتخابات بتأمينها وضماناتها صارت مهمة من مهام الجيش، والسلطة جماعة وحزبا ولجانا إلكترونية رحبت بوصاية الجيش طالما تضمن بقاء كل منهم فى موقعه.

ألف خطاب للفريق السيسى لن يخرج الجيش من أذهان ملايين المصريين، لكنه سيبقى البديل الجاهز والمتاح والملاذ دائما.

لماذا: هل لأن المصريين غير ديمقراطيين ويفضلون حكم العسكر على الحكم المدنى الذى طالما ناضل من أجله أجيال وراء أجيال.

قطعا لا، لكن المصريين يكرهون الفشل، وما نحن فيه هو فشل من جميع الأطراف، وحين يجد المواطن السلطة مرتبكة وعاجزة وفاشلة، تسوء أوضاعه فى ظلها، وتنهار أحلامه، والوعود التى جاءت بها هذه السلطة تتبخر، ولا يجد فارقا كبيرا بينها وبين تلك التى ثار عليها، يبدأ فى البحث عن بديل، وعندما يكون البديل الديمقراطى ممثلا فى المعارضة غير جاهز، يعانى من ذات الارتباكات ويسقط فى ذات الدوامة من الفشل، تغيب عنه هو الآخر الرؤية الشاملة أو المشروع الجدى البعيد عن الشعارات والوعود والأمنيات الطيبة والنوايا الحسنة، يصبح الجيش بديلا حتميا ومبررا.

فشل التحول الديمقراطى إن كانت مسئوليته تقع على عاتق السلطة بممارساتها الانفرادية، ومحاولاتها تكريس ديكتاتورية جديدة، واختراق قواعد الديمقراطية بمفهومها الشامل كحكم للأغلبية واحترام لحقوق الأقلية، وصداماتها مع القضاء والدستور، وتقديمها الأجندات الخاصة على الأجندة الوطنية، فإن مسئولية لا تقل حجما ولا خطورة تقع على عاتق المعارضة بجميع أطيافها، لأن فشلها فى صوغ بديل حقيقى يقدم للمواطن رسالة طمأنة حقيقية أن هناك من يملك رؤية بديلة تمكنه من معالجة فشل السلطة، وتضميد جراح ممارساتها المرتبكة.

لكن هذا الفشل المزدوج للسلطة والمعارضة سيؤدى إلى أن تستمر السلطة الفاشلة تمارس إدارتها القاصرة لشئون البلد، فتتحول إلى ديكتاتورية فاشلة وحنجورية وضعيفة الإنجاز فى غياب بديل مدنى ناضج، وفى النهاية طال الوقت أو قصر سيعود الجيش حتى لو كره العودة.

رسالة السيسى ليست أكثر من منح «فرصة» للمسار الديمقراطى، مجرد فرصة، وحتى يجتاز المجتمع هذا الاختبار مطلوب أن يكون هدف جميع الأطراف هو إنجاح التحول الديمقراطى، وهى مسألة لها شروط وكتالوج واضح تتطلب نضجا من الجميع يكسر حالة المراهقة التى لا يمكن استثناء أحد منها، وتحتاج أولا رئيسا لكل المصريين يدرك حقيقة مهمته الأولى فى توحيد المجتمع لا تشتيته، لم شمله لا تفريق قواه، تضميد جراحه لا تعميقها، وقوى سياسية تدرك أنها فى مركب واحد، وأن البدائل حق للمواطن، حتى لو كانت سلطته راشدة، وإلا فالبديل محتوم وسيأتى رضى بذلك السيسى أو كره.

الثلاثاء، 14 مايو 2013

الأزهر المتنازع عليه

قل لى أين تقف؟ أقل لك موقفك من أى قضية خلافية.

السياسة يا عزيزى ربما أفسدت علينا أحكامنا فى كل شىء، وأفسدت علينا الاستمتاع بفضيلة الانصاف فى كثير من الأحيان، وحددت مواقفنا بشكل مسبق من الأحداث، وهذا توصيف لا أستثنى نفسى منه فى جميع الأحوال. 

لاحظ مثلاً أن هناك جدلا كبيرا ثار حول زيارة شيخ الأزهر الأخيرة إلى دولة الإمارات العربية، هناك من مدح دور الأزهر وشيخه ليس من منطلق تقدير فحسب بقدر ما هو من منطلق انحياز سياسى ضد السلطة القائمة، باعتبار أن الرجل يظهر كمن يتحدى السلطة بالسفر إلى دولة ليست على وفاق معها.

هؤلاء المادحون ما كان أحدهم سينطق بكلمة مديح واحدة، لو كانت الزيارة تمت إلى دولة قطر مثلاً، ولربما سمعت من يهاجم الشيخ على إرتمائه فى أحضان قطر، أو إدانتهم لمحاولات الدوحة شراء كل شىء بما فى ذلك الأزهر الشريف.

الأمر نفسه مع من عارضوا هذه الزيارة وأثاروا حولها اللغط والشبهة، وكالوا الاتهامات لشيخ الأزهر بممارسة دور سياسى مقلق مناوئ للدولة المصرية من جانب، وسامحاً لنفسه أن يسقط فى يد جهات سياسية تسعى لاستخدامه لتصفية حسابات سياسية، وهؤلاء كذلك ما كانوا سيعارضون زيارة أى زيارة يقوم بها شيخ الأزهر لقطر أو لتركيا، وبينما استنكر المعارضون على شيخ الأزهر ممارسة دور خارجى لأنه موجود فى دبى، ربما مدحوا هذا الدور لو كان فى الدوحة.

محاولات السيطرة على الأزهر من منطلقات سياسية واستغلاله وتوجيهه واستخدامه لا تنقطع من جميع الأطراف، لكن المؤسف أن يحرك الانحياز السياسى البعض لينكر على الأزهر دوره التاريخى كمؤسسة إسلامية أممية ليست منغلقة على الشأن المصرى فحسب، وان يحصر دوره فى توصيف الجامع والجامعة ليبقى يدور فى حدود الإسهام العلمى، فيما لا ينكر على فقهاء يملكون ذات الانحياز ات أدوارهم السياسية وتدخلاتهم فى شؤون الدول وزياراتهم ذات البعد السياسى الصرف.

قبل الثورة كان الانتقاد الذى يوجه للأزهر أنه قبل بتبعية السلطة، فتحول شيخه إلى موظف كبير لدى الدولة، وبالتالى صار تابعاً للجالس فى السلطة تحركه سياساته وانحيازاته وأجهزته الأمنية أيضاً، وتخصم من دوره الحضارى إقليمياً ودولياً، والمستغرب بعد الثورة، أن من كانوا يطالبون الأزهر بالاستقلال عن السلطة والتحرك خارج الحدود باعتبار شيخه إماما للمسلمين وليس مجرد موظف مصرى رفيع، هم من يستنكرون عليه اليوم حركته، ويطالبونه بالانطواء تحت جناح السلطة الجديدة لمجرد أن المواقف تغيرت، ومن كان يفكر ويكتب للمعارضة بالأمس، بات يفكر ويكتب للسلطة اليوم.

الحكم على شيخ الأزهر من منظور سياسى يتبدل بتبدل الانحيازات، ينقل حالة الاستقطاب فى المجتمع إلى داخل ساحته وبين علمائه، ويضعف منه ومن تأثيره محلياً قبل أن ينال من سمعته إقليمياً ودولياً، والذين كانوا يطالبون السلطة بالأمس أن ترفع يدها عن الأزهر، يحاولون اليوم وضع أيديهم عليه، وكأنهم لمجرد أن مواقعهم تبدلت فى اتجاه السلطة، صار استقلال الأزهر مذموماً ودوره الخارجى مستهجناً، والدور الوحيد المقبول منه أن يكون فى خدمة السلطة وليس فى خدمة الإسلام. 

الاثنين، 13 مايو 2013

مفتاح باب الجهاد

لا تحكم على صدق أحد إلا بعد أن تشاهد تجربته

هذه حكمة حقيقية ومجربة، فكم مرة وجه إليك أحدهم النصيحة للخروج من موقف تعيشه، ثم وقع صاحب النصيحة فى ذات الموقف فلم يستخدم نصيحته، ولم يقدم لنفسه ما سبق وكان يقدمه لك من وعظ وإرشاد.

فى السياسة يبدو ذلك واضحا وجليا.. جماعة رفعت خطابا مناوئا للسلطة وسياساتها على طول الخط، وحين جلست على مقاعد السلطة نفذت ذات السياسات كما هى.

لا يتعلق الأمر فقط بالسياسات الاقتصادية والتوجه نحو الاقتراض وأنماط الانحياز فى الموازنات، وسياسات الملاحقة الأمنية والقضائية للمناوئين سياسيا وحقوقيا وإعلاميا، وإنما أيضا للقضية الأم التى قام عليها المشروع الأصولى السياسى نفسه، وهى القضية الفلسطينية.

حين كان الإخوان فى المعارضة، كانوا يتظاهرون فى الجامع الأزهر يطالبون بفتح باب الجهاد لفلسطين، يطالبون بطرد السفيرين الأمريكى والإسرائيلى واستدعاء السفير المصرى، وبمقاطعة بضائع الدول والشركات الداعمة لإسرائيل، وإلغاء كامب ديفيد.

وحين صار الإخوان هم السلطة.. مفتاح باب الجهاد فى أيديهم.. وقرار وزارة الخارجية فى استدعاء وطرد السفراء فى أيديهم، والقرارات الاقتصادية فى أيدى مجلس الشورى الذى يتحكمون فى أغلبيته، استمرت الجماعة فى التظاهر وكأن سلطة لم تأت ومبارك مازال فى الحكم.

لكن الأهم أن النخبة الإخوانية باتت تتحدث بذات المنطق الذى كان يتحدث به رجال مبارك، تذكر هذه الجمل «لا نريد استدراجنا إلى معارك نحن غير جاهزين لها ولم نحدد زمانها ومكانها.. السفير المصرى فى إسرائيل يفيد فى اختراق المجتمع الإسرائيلى ونقل أخباره والتواصل مع أطراف المجتمع الفاعلة للتأثير فيها.. علاقاتنا بأمريكا استيراتيجية وملتزمون باتفاقية السلام».

ليس الهدف من هذه السطور طبعا لوم السلطة الجديدة أنها لا تفتح باب الجهاد، لكنه محاولة لتبنى موقفا حقيقيا من طبائع السياسة والعلاقات الدولية، حتى لا يخدعك سياسى حنجورى بعد ذلك بدغدغة عواطفك بشعارات الجهاد وتحرير فلسطين، وإهالة التراب باتهامات العمالة والتخوين على السلطة القائمة، وعندما تتبدل الأدوار لا يتغير شىء، يبقى خطاب السلطة واحدا لا فرق فيه بين مبارك ومرسى ومن سيأتى بعده.

لكن الجماعة لا تريد أن تعترف الآن أنها كانت تزايد على النظام السابق فيما يخص قضية فلسطين، فمثلا مازالت المعابر مغلقة أو تعمل بالجداول الزمنية المحددة من أيام مبارك، ومازال حصار غزة قائما لم يرفع، والانفاق المسكوت عنها من زمن مبارك هى شريان الحياة الأساسى لأهل غزة.

لكن الجماعة إذا توسعت فى المزايدة على نظام مبارك بمظاهراتها لنصرة فلسطين، على من تزايد اليوم وهى التى فى السلطة، الأرجح أنها لا تريد أن تترك فراغ المزايدة لقوى معارضة أخرى تملأه حتى لو ناقضت نفسها وظهرت وكأنها تخدع المصريين بترديد ذات الشعارات.

فى العام ٢٠٠٦ حين اشتعلت حرب لبنان، طالب الدكتور الكتاتنى رئيس حزب الحرية والعدالة حاليا، مبارك بفتح باب الجهاد، ورد عليه مبارك كما هو موضح فى الرابط المرفق: «اتفضل روح جاهد»..

m.youtube.com/#/watch?v=K1AgOOypTcg&desktop_uri=%2Fwatch%3Fv%3DK1AgOOypTcg

واليوم يحرك الحزب الذى يرأسه الكتاتنى وجماعته المظاهرات رغم أن مفتاح باب الجهاد صار فى أيديهم.. يا مثبت العقل!!

الأحد، 12 مايو 2013

الشامتون فى عاصرى الليمون

الذين يعايرون أحمد ماهر مؤسس 6 أبريل وغيره من النشطاء بمواقفهم السابقة الداعمة للإخوان والرئيس مرسى، يتجاهلون أن الأصل فى ممارسة السياسة الحرية فى اتخاذ المواقف.

السياسة ليست جامدا، لكنها مواقف متغيرة بتغير المصالح، ومن يتغير ويتبدل ليس بالضرورة متحولا، خاصة إذا كانت لديه شجاعة الاعتراف بأسباب تحولاته، وإعلان مراجعاته ونقده الذاتى.

لا يمكن أن تشمت فى عاصرى الليمون اليوم، لأن المرشح الذى أيدوه بنى نظاما بدأ بالتنكيل بهم بعد أن تنكر لكل وعوده التى قطعها على نفسه معهم، وأدار وجهه للأهداف المشتركة، لأن قرار الدعم فى ذلك الوقت كانت له أسباب ربما تختلف معها أو تتفق، لكنها فى النهاية كانت وجيهة لصاحب القرار الذى تصور أن اختيار مرسى هو المر، واختيار شفيق هو الأمر منه.

شخصيا لم أعصر الليمون، وفضلت المقاطعة، واعتبرت اللحظة التى أعلنت فيها نتائج المرحلة الأولى بإعادة بين شفيق ومرسى موتا لمشروع الثورة كما أفهمه على الأقل إلى حين، لكنى ذلك لم يمنعنى لحظة إعلان فوز محمد مرسى بالرئاسة، وخطابه فى ميدان التحرير أن أكتب: «اليوم تعود لكلمة مصرى المعنى المكتمل والفخر المستحق»، ولم يكن ذلك تقديرا مفرطا فى مرسى كشخص بقدر ما كان انصافا لإرادة هذا الشعب التى انتهت بتنصيب رئيس منتخب فى انتخابات جيدة.

واليوم رغم كل ما جرى خلال حكم مرسى حتى الآن لا أعتقد أنه كان الأفضل أن يأتى شفيق، فكلاهما يمثل وجها للاستبداد كانت مصر تستحق الخلاص منه، وربما شاءت الأقدار أن تجرب الاستبداد الدينى، لتكون الحركة فى اتجاه الخلاص من الاستبداد كله واثقة فى طريقها الواجب.

الشامتون فى عاصرى الليمون اليوم عليهم أن يتنبهوا أن أغلب هؤلاء مارس حريته فى اتخاذ القرار، ثم مارس حقه فى مراجعته واتخذ مواقف متباينة ومخالفة لدعمه المبدئى لهذا النظام معيدا تقييم مواقفه السابقة بشجاعة معلنة، وهذا هو الأصل الحقيقى فى الممارسة السياسية الراشدة، وهؤلاء هناك فارق كبير بينهم وبين من بقى ويبقى غارقا فى مكابرة تمنعه عن إدراك حقيقة ما وصلنا إليه، ثم يلفظه نظام ظل يؤيده بحماس فى أول لحظة شقاق أو اختلاف على مغنم أو مقصد.

ربما تسألنى إذا كانت التحولات أمرا غير مستهجن سياسيا، فهل يجوز ذلك للرئيس مرسى وجماعته، وأنت من انتقدت مرارا هذه التحولات؟

وهنا لابد أن تعرف أن التحولات لابد أن تكون مصحوبة بمراجعات معلنة وواضحة، فالمؤكد أن الرئيس مرسى من حقه أن يتحول عن موقفه السابق من قرض صندوق النقد حين كان نائبا وأن يقبله حين كان رئيسا، لكن بشرط أن يخبرنا أنه راجع مواقفه السابقة من واقع مسئوليته الجديدة واكتشف أنه كان خاطئا، لكنه بات الآن يعذر كل الحكومات السابقة التى كانت تتجه للاقتراض ويجلدها هو وجماعته بالمعارضة.

من حق الجماعة أن يتحول موقفها من القضية الفلسطينية من أعلى السقف بالمطالبة بفتح باب الجهاد، إلى اتخاذ الاجراءات الدبلوماسية اللازمة للضغط على اسرائيل فحسب، لكن بعد ان تعترف بشجاعة أنها راجعت موقفها واكتشفت ان شعاراتها السابقة كانت محض مزايدة.

للتحولات شروط حتى تكون مقبولة، وعاصرو الليمون استوفوا هذه الشروط بالمراجعات، فلا تشمتوا فيهم، اهتموا فقط بأولئك الذين يتحولون دون شجاعة فى الاعتذار أو أخلاق فى الخصومة.

السبت، 11 مايو 2013

مرسى البرازيلى

قطع الرئيس مرسى آلاف الأميال، وعبر البحار والمحيطات، ليستقر فى البرازيل، ويتحدث هناك معلنا رفضه «القول إن فى القضاء المصرى انحراف».

قالها الرئيس فى البرازيل فيما يقول وجماعته وحزبه فى مصر أشياء أخرى، لكن دعنا نصدق تماما أن الرئيس يحترم القضاء، فننسى أنه أعلى مسئول سياسى أثار الشبهات حول القضاة، وكرس الانقسام وعزز بين أنصاره ومؤيديه والمتعاطفين معه معانى كثيرة عن فساد القضاء.

دعك من ذلك وانسى أن أنصار الرئيس تظاهروا قبل أيام قليلة فى جمعة سموها «تطهير القضاء»، أفترض أن الرئيس بات الآن يملك وجهة نظر وقناعة مغايرة تماما عن جمهوره المتحفز ضد القضاء، لماذا يقول الرئيس الذى يقود المجتمع ويحمى قوامه القانونى ومؤسساته، فى الخارج ما يلزم فى الداخل، ولماذا يترك الجرح ينزف حتى يتجلط ثم يتحرك مدعيا أن يحاول مداواته.

تخيل أن الرئيس خرج فى القاهرة فى وقت فوران الغضب الأصولى ضد القضاء، وبينما تهتف الجماهير مطالبة بتطهير القضاء ليقول إنه يرفض القول إن فى القضاء انحرافا، أقول لك تخيل لأننى مقتنع أن فى يد الرجل أدوات كثيرة لكسر الاحتقان وتهدئة الخواطر لكنه لا يفعل، لأنه شريك فى التصعيد الذى يجرى ضد مؤسسات الدولة والقضاء فى قلبها من جانب، ومن جانب آخر أنه تعود أن يتراجع أمام كل حائط صد منيع بعد أن تفشل كل محاولاته لاختراقه، وربما حسب ما يتردد أن لا يملك فى الأساسى قرار التصعيد ولا قرار التهدئة.

مرسى البرازيلى لا يرى فى القضاء انحرافا، لكن مرسى المصرى بقراراته وسلوكه وجماعته وحزبه يعزز هذا الاعتقاد فى أذهان العامة.

الأزمة فى الصراع على القضاء واضحة جدا وجليه، طرفين كل منهما يرفع شعارات ترفض تسييس القضاء فيما هو جزء من عملية التسييس، سلطة ترى فى الزند ومن معه قضاة مسيسون لأنهم مختلفون أو معارضون، لكنهم لا يرون الشىء نفسه فى قضاة آخرين يزورون مكتب الإرشاد، ويتداخلون فى السياسة بكل وضوح لمجرد أنهم مؤيدون والعكس صحيح كذلك.

الأسبوع الماضى وفى يوم واحد أصدر القضاء حكمين بالبراءة، أحدهما من محكمة جنايات القاهرة ببراءة أحمد المغربى وزير الإسكان الأسبق من تهمة الاستيلاء على أراضى، والثانى من محكمة جنايات الجيزة ببراءة القيادى الإسلامى الجهادى مصطفى حمزة من تهمة المشاركة فى محاولى اغتيال الرئيس السابق حسنى مبارك فى أديس أبابا.

فى يوم واحد أشاد إسلاميون بنزاهة القضاء الذى برأ حمزة وعدالته، فيما هم مازالوا يتهمون ذات المؤسسة بالإفراج عن رموز النظام السابق وتبرئتهم براءة وراء أخرى.

فى ذهنية كثيرين مصطفى حمزة إرهابى شارك ونفذ أعمال عنف ضد مسئولين سابقين ومدنيين، وارتبط بتنظيمات مدانة دوليا فى هذا المجال، لكن القضاء قال كلمته، وفى ذهنية كثيرين أيضا يبقى المغربى فاسدا ومن رموز النظام السابق الذين نهبوا خيرات البلد، لكن القضاء قال كلمته أيضا، ليقتنع كل طرف بما شاء لكن هناك من يحكم ويفصل فى النهاية، ولا يدعوك لتغير قناعاتك إنما يدعوك لاحترام أحكامه.

أولئك الذين يؤمنون ببعض القضاء ويكفرون ببعض، هم أكثر أعداء القضاء المستقل العادل.. لو تعلمون.

الجمعة، 10 مايو 2013

حسن النية كحيلة دفاعية

«الرئيس حسن النية.. لماذا لا تبدأ دائماً من هنا».. هكذا قال لى صديقى الإخوانى، فى حوار عاقل تماماً لم يذهب فيه كما يخرج للإعلام بتنزيه الرئيس من كل خطأ، كما تفهمت خلاله ما يراه جيداً ويمكن البناء عليه فى أداء الرئيس، لكنه طلب بوضوح أن أفترض حسن النية فى الرجل، حتى وأنا أمارس النقد، يرى الحل فى حوار الطرشان السائد فى هذا البلد أن نلتمس حسن النية فى الرئيس، أن نشير لما نراه أخطاءه، لكن دون تهويل كبير يصم الرجل بالفشل الذريع. 

والحقيقة أن صديقى المستاء مما وصلت إليه الأمور بين الفرقاء فى البلد، يملك كثيراً من حسن النية ليضع يده على منطقة يمكن البناء عليها لإنتاج حوار جاد، لكنه كأى إخوانى مازال يرى بعين واحدة، فيطلب من معارضى الرئيس انتقاده دون تشكيك فى حسن نواياه، ولم يطلب من نفسه ومن رئيسه وجماعته وحزبه المثل وافتراض حسن النية فى معارضى الرئيس والجماعة.

جزء من أداء المعارضة أن تتوسع فى الهجوم، وأن تزايد أحياناً على السلطة بكثير من المبالغة، تذكر أن جماعة الإخوان كانت تزايد على النظام السابق كلما ضربت إسرائيل طلقة أو دخل جندى لها ساحة المسجد الأقصى، بمطالب فتح باب الجهاد وطرد السفير وما إلى ذلك، وتذكر أنه منذ وصل الإخوان إلى السلطة لم يخرجوا فى مظاهرة واحدة ضد إسرائيل رغم خروقاتها المستمرة.

المزايدة جزء من أداء المعارضة، المؤكد أنها تحتاج إلى ترشيد، لكن إذا كان مطلوبا من المعارضة أن ترشد مزايداتها، فلماذا لا يطلب أحد من السلطة رئيساً وجماعة وحزباً أن ترشد خطابها التخوينى، هل المطلوب أن تفترض المعارضة فى الرئيس حسن النية، فيما الرئيس وجماعته وحزبه يتوسعان فى حديث المؤامرات والتخوين والعمالة، ويرمون كل مختلف لمجرد أنه مختلف بسيل من السباب والاتهام والتخوين.  

قلت من قبل إن النخبة الحاكمة ليست فقط مجرد سلطة حكم لكنها قائدة للمجتمع ومطلوب منها أن تقدم النموذج والقدوة قبل أن تنتقد فى الآخرين ما هو فيها، وإذا كان افتراض حسن النية حلاً فلابد أن يكون بالتبادل من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يستقيم حسن النية مع فقدان الثقة، والثقة لا تأتى باستمرار إخلاف الوعود، وتزييف الحقائق، وتجميل القبح، وتلويث الناس، وتبرير الأخطاء.

النوايا الحسنة ليست مجرد مشاعر طيبة يتبادلها الفرقاء، بقدر ما هى إجراءات ثقة حقيقية تعززها ممارسات على أرض الواقع توقف هذا الاحتراب، وتحمل كل طرف مسئوليته بوضوح عن انقسام المجتمع وتفتيته، دون أن يدعى طرف على طول الخط أنه المعصوم ومعارضوه الشياطين.

لا يوجد ملائكة فى السياسة ولا شياطين، والنوايا الحسنة وحدها لا تكفى إذا غابت الكفاءة، وانحدرت الأخلاق، وتحول الصراع إلى تلاسن لفظى يستهلك الطاقة، لأن سلطة بلا إنجاز هى سلطة سليطة اللسان، تعوض فشلها بالبحث فى نقائص الآخرين، لا تفترض حسن نية فى مختلف أو معارض، وتريد من الجميع تبرير فشلها بأنها «حسنة النية»..!

الخميس، 9 مايو 2013

الحمد لله الذى عافانا

عندما تقرأ تبريرات الاخوان للوجوه الجديدة فى التعديل الوزارى، لابد أن ترفع يديك إلى الله خاشعا داعيا: «الحمد الله الذى عافانا مما ابتلى به قوما آخرين».

والحقيقة أن كل عضو فى الجماعة فى محنة حاليا، لا أحدثك عن ابتلاء الصالحين بالرزايا والمصائب، لكنه ابتلاء الطامعين الساعين للحفاظ على الغنيمة بأى وسيلة، لا يهم إن كانت أخلاقية أو متسقة مع مبادئ معلنة لجماعة روجت طوال عقود أنها جماعة إصلاحية أخلاقية، فإذا بها تجبر أعضاءها على الكذب، وتبرره لهم بأنه كذب مباح فى وقت الخطر، وتشرعن لهم التحول والنفاق ونقض العهد وإخلاف الوعد، والفجر والفحش فى الخصومة.

لتحمد الله أن عافاك مما ابتلى به الإخوان، حتى لا تكون مضطرا أن تسب الشخص عن قناعة بأنه الشيطان، ثم تعود لتمدحه باعتباره الولى الصالح، وترفع المقربين إلى أعلى مراتب الشرف والعبقرية طالما أنهم مقربون، ثم تنهال عليهم بكل ما هو وضيع من صفات حين يبتعدون عن مسارك وأفكارك.

لم يتعلم هؤلاء الدرس النبوى: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما.. وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» رغم أنهم أكثر من حاول احتكار الإسلام وادعاء أنه الممثل الصحيح لهذا الإسلام، ولأنهم لم يتعلموا هذا الدرس مازالوا يتراقصون على سلم الجشع للسلطة بقول الشىء ثم نقيضه، وتبرير القرار ثم تبرير إلغائه، والخوض فى الخصومة بحرق كل مراكب الاعتبار، ثم العود عنها وكأن شيئا لم يكن.

الحمد لله الذى عافانا أن نكون إخوانا، فتأمرنا قياداتنا أن نجمع التوقيعات للبرادعى وأن نحشد له، ثم تخرج ذات القيادات لتتهم البرادعى بالعمالة والخيانة، تحركنا اللجان الإلكترونية لنمتدح أحمد مكى ونشيد بكفاحه من أجل استقلال القضاء، ثم تحركنا ذات اللجان للتظاهر ضد مكى والمطالبة بإقالته، تملأ الجماعة عقولنا بتأييد جارف للقرارات الرئاسية قبل أن تصدر، وبالموت من أجلها بعد أن تصدر، وبالإشادة بحكمة الرئيس حين يتراجع عنها فى هدوء، دون أن نسأله عن تقصير سبق صدوره، أو دم سال بعد صدوره، يحركنا كبارنا أن نستخدم مواهبنا فى تلحين الأغانى التى تشيطن حاتم بجاتو وتحوله إلى «خائن وعميل ومرتشٍ وعدو للإسلام»، ثم يختاره الرئيس وزيرا فيصبح مطلوبا منا أن نبرر الاختيار، وأن نشيد بكفاءته وحاجة الوطن إليه.

الحمد لله الذى عافانا أن نكون إخوانا، فنصدق أن الاكتفاء الذاتى من القمح قد تحقق، وأن نملأ الدنيا ضجيجا بالإنجاز الوطنى الكبير، ثم نهلل لعزل وزير الزراعة الذى من المفترض أنه حقق لحكم الجماعة أول انجاز يستحق الفخر، ونصدق ان الاكتشافات البترولية تنهال حقلا وراء حقل، وأزمة السولار تنتهى بحسم، ثم نهلل لعزل وزير البترول الذى من المفترض أنه حقق إنجازا فى وقت تتشبث به الجماعة بأى انجاز ينقذ تجربتها من حكم دامغ بالفشل.

الحمد لله الذى عافانا أن نكون إخوانا، وأنعم علينا بنعمة العقل والتفكير، لنعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال.