الأربعاء، 16 مايو 2012

رشيد الفرنسى.. ورشيد الجزائرى


كان رشيد ومازال متحمساً للمشروع الأصولى، عندما التقيته لأول مرة فى بيروت ربيع 2004، كان يبدى وقتها اقتناعاً برؤية غلاة الجبهويين الجزائريين لتغيير النظام الديمقراطى باعتباره غير إسلامى، وهو الخطأ الذى منح الدولة مبرراً للإنقلاب على نتائج الإنتخابات فى الجزائر قبل 20 عاماً.

لم يلفت نظرى فى رشيد شىء مختلف عن غيره من الأصوليين المتحمسين فى مصر، كان صادقا فى قناعاته وفى دفوعاته عنها، وكان فى ذلك الوقت يستعد للانتقال للإقامة فى فرنسا، انضم لبعض أفراد عائلته فى مونبيليه، وبدأ يعيش الحياة كمواطن فرنسى.

خلال الأسبوع الماضى أجريت فى فرنسا انتخابات رئاسية، وفى الجزائر انتخابات برلمانية، وكان رشيد حاضرا فى المشهدين بفعالية، كان ناشطا فى الترويج للاشتراكى «أولاند» لرئاسة فرنسا، وفى الوقت نفسه يروج لقوائم الأصوليين فى انتخابات الجزائر وسط أبناء الجالية الجزائرية.

المؤكد أن رشيد منح صوته لـ«أولاند»، كما منح صوته لقائمة «حمس» الأصولية فى الجزائر، كنت أسأله :هل ستنتخب «أولاند» الاشتراكى العلمانى الذى يعيش مع امرأة دون زواج»، وكان يقول :«العلمانية فى فرنسا خير كلها»، ويعدد فى مزايا «أولاند» صاحب البرنامج القائم على استيعاب الجميع والحفاظ على المساواة ودمج المهاجرين، فى وقت كان لليمين المتطرف أفكار معادية للمهاجرين والمسلمين تحديدا، وكذلك ساركوزى.
صوت رشيد لصالح «أولاند» فى فرنسا، لأنه أراد لفرنسا أن تكون وطنا لجميع مواطنيها، جرب فى شوارع مونبيليه، إحساس الأقلية التى تحرض عليها النخب اليمينية، هو يعرف تماما انه مهاجر وليس صاحب أرض، لكنه وجد هناك قانونا ودستورا يضمن حقوقه قبل وبعد الحصول على الجنسية الفرنسية، لكنه فى الجزائر صوت لمشروع مغاير، يحمل فى داخله تمييزا يضع المسلم السنى العربى على رأس التصنيف الاجتماعى، وأى محاولات لغيره للاندماج هى محاولات مقبولة فى إطار مواطنة من درجة أقل.

إذا سألت رشيد الفرنسى عن موقفه من تدريس اللغة العربية فى فرنسا، سيدافع دفاعا شديدا، وإذا سألت رشيد الجزائرى عن موقفه من تدريس اللغة الأمازيغية، يحدثك عن المؤامرة على الأمة ومحاولة تمزيقها وتشتيتها، وسيحدثك عن العربية لغة الإسلام التى يجب أن تجب كل اللغات.

لا يجد رشيد فى القانون أو الدستور الفرنسى ما يمنعه من الترشح لأى وظيفة عامة حتى رئاسة الجمهورية، لكنه يسعى فى الجزائر لدعم سياسيين يطالبون بقصر الوظائف العامة على المسلمين السنة العرب، ينظر رشيد الفرنسى لليمين هناك نظرة استعداء بسبب محاولاتهم تهميش المهاجرين العرب والأفارقة رغم مواطنتهم، لكنه يتعجب من استهجان الأمازيغ والأقليات فى الجزائر للمشروع الأصولى، ويعتبرهم «أعداء للإسلام» ويتمادى فى تكفيرهم. لا يقبل رشيد أن يتدخل القانون الفرنسى فى زى زوجته، يريد للعالم كله أن يحترم نقابها، لكنه يدعم فى الجزائر أى مشروعات لتقييد زى المرأة، يحدثك عن حاجة المجتمع للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، الذى يجب تغييره باليد واللسان، أما القلب فهو أضعف الإيمان وهو مؤمن قوى وليس ضعيفا.

يريد رشيد الفرنسى وطنا بتنوع مواطنيه فى فرنسا.. لكن رشيد الجزائرى يريد فى الجزائر وطنا بلون فهمه للإسلام وفقط، لذلك كان علمانيا فى تصويته لـ «أولاند»، وأصوليا فى تصويته لـ «حمس».. وتعبت أقنعه أن العدل الذى قصده الإسلام لا يجب أن يختلف إذا كان المسلمون أقلية أو أغلبية.

للعدل وجه واحد، لكن لرشيد «وجهين»..!

الثلاثاء، 15 مايو 2012

مرسى و(ولى أمره)


دعا مركز بحثى المرشح الرئاسى محمد مرسى لحضور ندوة ذات بعد اقتصادى، فاعتذر عنها وقال إنه سيرسل لهم خيرت الشاطر، وحين قال له المسئولون عن الندوة إن الهدف منها الاستماع إلى مرشحى الرئاسة وليس غيرهم، اشترط أن يحضر معه الشاطر، وأن يجلس إلى جواره.

كنت أعتقد أن هذه مثل غيرها من نصوص التندر على الرجل، خصوصا فيما يخص علاقته بنائب المرشد العام للإخوان، وما يتداوله النشطاء من نكات تخص وضعه كاحتياطى للرجل فى الانتخابات الرئاسية، لكننى اكتشفت أن الواقعة حقيقية، وحدثت مع مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.

يبدو هذا السياق منطقيا فى ضوء الظهور المكثف لخيرت الشاطر فى مؤتمرات مرسى الدعائية، ويبدو أكثر منطقية فى ضوء انتماء الإثنين لذات التنظيم، هى مسألة بالقطع غير مستهجنة فى حد ذاتها، فمن حق كل مرشح أن يضم لفريق عمله أى شخص، وأن يستعين بأى مستشار، وأن يظهر مع كوادر مؤسسة حزبه كما يشاء.

لكن فى أمر مرسى والشاطر، هناك ملامح أكثر اختلافا، أولها أن التنظيم الهرمى لجماعة الإخوان المسلمين وبنيته القائمة على البيعة والسمع والطاعة، تجعل حتى هذه اللحظة للشاطر ولاية على مرسى، وهى مسألة تثير جدلا واسعا، ولم يحسمها قول محمد بديع مرشد الجماعة بأنه سيحل مرسى من البيعة فور انتخابه، لكن تكمن فى أن الجماعة كما تردد تريد للمصريين أن يكون «مرسى» خيارا أولا لديهم، فيما هو كان خيارا «ثانيا» لديها، وإذا كان هذا مقبولا فالمفترض أن يتحرك الخيار الثانى بعيدا عن ظل الخيار الأول، أن يحاول أن يلفت الأنظار لكفاءته الشخصية ومواهبه الفردية باعتبارها جزءا من عملية تقييم المواطن، لا أن يبقى طوال الوقت متدثرا بالتنظيم وقيادته، ولا يتحرك خطوة إلا ومعه «ولى أمره» بالمعنى الدينى القائم على البيعة، وليس بالمعنى المدرسى.

سيرد البعض أن مرسى يمثل مشروعا جماعيا لمؤسسة وليس لشخص وهذا حقيقى، لكن كل المشروعات الجماعية تحتاج إلى الاطمئنان لكفاءة من سيقوم عليها ويديرها، وبما أن مرسى مطروحا للإدارة فى ضوء المشروع الجماعى فلابد أن نطمئن لقدراته على الإدارة بعيدا عن «الوصاية أو الولاية» أو حتى الكفالة السياسية التى يقدمها له من هو أعلى منه تنظيميا وروحيا، وإذا عالجت الجماعة مسألة العلو التنظيمى بحله من البيعة فلن تعالج العلو الروحى، خاصة أنه مترسخ فى الثقافة والذهنية، ومدعوم بقبلات كان يضعها المرشح الرئاسى على يد مرشده العام.

فى ضوء هذا المشهد، توقعت ألا يقبل مرسى مناظرة غيره من المرشحين الرئيسيين، لأنه لن يستطيع أن يقول لمن يدير المناظرة خذ خيرت أو اسمح له بأن يقف معى فى المناظرة ويرد عنى، وهذه نقطة ضعف تكفى فى مرشح لا يستطيع الحركة دون «كفيل» وإذا تحرك وحده وخرج فى برامج تلفزيونية ليس فيها منافسون آخرون، يفرض شروطه ويختار محاوريه كما يشاء ويستبعد من لا يريده على نحو ما أعلنه الصديق عمرو حمزاوى.

لكن الأخطر من كل ذلك أن هذا المشهد يستعيد لك ثقافة بوتينية، تجعلك غير مطمئن أن الرئيس يحكم بالفعل، وربما كان واجهة لمن يمسك خيوط اللعبة خلف ستار، أو فى موقع مغاير، يسحب الخيط لأعلى فيتحدث الرئيس، ويرخيه فيصمت..!  

الاثنين، 14 مايو 2012

من أخطاء موسى


لا يمكن أن تنظر لأداء عمرو موسى فى المناظرة التى جمعته بأبى الفتوح دون أن ترصد خطأ أساسيا، له علاقة بالإيحاء، هى مسألة غير ممسوكة بقدر ما هى محسوسة، وهى أن موسى حاول أن يظهر أمام الناس بوصفه رئيس فعلى وليس مرشحا رئاسيا، ورغم الثقة والخبرة التى كانت ظاهرة فى أدائه، إلا أن بعضا من العجرفة وحركة اليدين، وربما الشعارات العامة فى بعض القضايا، جعلت البعض ينظر للشاشة فيرى مبارك، أو مبارك محسن يناظر أبوالفتوح، هذا كما قلت لك مجرد إحساس، لكن ما يتجاوز الإحساس بكثير، هو إنجراره إلى الوقوع فى خطأ إهانة الماضى، ظل أبوالفتوح يلح على أن موسى من رموز النظام السابق، وجاء رد موسى وكأنه يريد نفى المؤكد، وكان يمكن له وهو ليس لديه ما يخسره، فلا أصوات تأتيه من كتلة الثورة، ولا من الكتلة الأساسية للإسلاميين، أن يبقى مخلصا لمن أخلص فى تأييده ويعلن فخره بانتمائه للدولة، كما أعلن أبوالفتوح فخره بالجماعة الإسلامية التى كان أحد بناتها على حد تعبيره.

فى هذا المجال كان يمكن لموسى أن يدفع السؤال لأبوالفتوح بأن يقول له ما الفارق بينى وبين المشير طنطاوى أو كمال الجنزورى أو غيرهما ممن خدموا الدولة فى عهد مبارك؟ كان يستطيع أن يتشبث بقانون العزل، ويزعم أنه بحكم القانون الذى أصدره «برلمان الثورة» ذو الأغلبية الإسلامية، فهو ليس «فلول» وإلا لكان شمله القانون، كان يستطيع أن يقول لأبوالفتوح مثلما لا تتحمل أنت أى أخطاء لجماعة الإخوان المسلمين منذ غادرتها، فلا أتحمل أنا أى أخطاء للنظام منذ خرجت منه قبل عشر سنوات، وعندما طرح عليه إعلانه أنه سينتخب مبارك ولن يترشح ضده، لم يكن كافيا أن يقول موسى أنه كان يفضل الأب على الابن، لكنه كان يجب أن يقول الحقيقة أن مبارك كان من الصعب منافسته، وإذا وجد لديه حرجا فى هذا المناخ الملتبس، كان من السهل أن يقول لأبى الفتوح، إنه فعلا رغب فى عدم الترشح ضد مبارك، مثلما كانت جماعة الإخوان فى ظل وجوده فى قيادتها لا ترشح أحدا ضد رموز النظام السابق، ولم يسبق لها أن نافست كمال الشاذلى أو زكريا عزمى أو أحمد عز، أو الوزراء النواب، باعتبارهم «رموزا للوطن» حسب تعبير محمد مرسى فى ذلك الوقت، أو يستشهد بحوار مهدى عاكف المرشد السابق للجماعة والذى قطع فيه بتأييد مبارك فى الانتخابات، أو ذلك الحوار الذى كشف فيه عاكف عن الصفقة مع أمن الدولة فى انتخابات برلمان 2005، والتى كانت فى وجود أبوالفتوح داخل الجماعة.

بدا موسى خجلا من ماضيه وهذه خطيئة كبرى، وغدر واضح بمؤيديه الذين يعتبرون ماضيه هذا هو أهم نقطة ارتكاز حسمت خياراتهم نحوه فى إطار بحثهم عن «رجل دولة مجرب».

كذلك لم يكن من اللائق أن يتحدث موسى عن الثورة فيخرج أبوالفتوح الذى كان من أوائل الملتحقين بها من هذا الوصف، ويضع نفسه وكأنه كان قائدا لها، ليس شرطا أن تدعى أنك كنت ثوريا، يكفيك أن تكون «متعاطفا» أما تلبيس الحقائق، ففيه قدر فج من تلبيس الحقائق، وقدر كبير من الكذب «الفاجر» أيضا، فالتنافس لا يعنى إجحاف تاريخ بات مسجلا بالصوت والصورة.

الأحد، 13 مايو 2012

أخطاء الحصان البرتقالى


تبقى تداعيات المناظرة حاضرة، لن تستطيع أن تخرج من آثارها سريعا، خاصة إذا كنت من مؤيدى المرشحين اللذين تناظرا بشكل مباشر، لكن يبقى أولئك المرشحون الذين جلسوا أمام شاشة التليفزيون مثل اى مشاهد، هم أكثر من استفاد من هذه المناظرة، إما أنه وجد لديه فرصا جديدة لاستقطاب من خرج غير راضٍ عن الاثنين، وإما لأنه جرب فيهما هذا الشكل الجديد، فصارت لديه خبرة مشاهدة ربما تنفعه إن شارك فى هذا الفعل قريبا.

لكن اللافت أن كلا الحملتين الرئاسيتين تمسكتا بفرص النجاح، لم تمارس أى حملة نقدا ذاتيا لأداء مرشحها، خرجت البيانات من الجانبين تشيد بالأداء، ويعتبر كل منهما أنه ربح المنافسة، ولم توات أحد الشجاعة ليقول إنه أخطأ فى كذا أو لم يكن مخطئا فى كذا.

بالأمس حدثتك بانطباع أولى أن أبوالفتوح بدا أكثر صدقا وحماسا فيما بدا موسى أكثر خبرة ودراية، لكن بعد التدقيق ستكتشف أن أبوالفتوح لم يجتز اختبار الصدق بنجاح كما بدا لوهلة، فالنقاط التى ضربه بها غريمة «تحت الحزام» كانت قوية واضطرته ليراوغ ولا يتحدث بوضوح وصراحة جازمة، سأله عن موقفه من قضية حرية العقيدة، وقال له «قلت لمنى الشاذلى إنك لا تجد مشكلة فى أن يتحول مسلم إلى المسيحية أو مسيحى إلى الإسلام، ولا دخل لأحد فى ذلك» لكن أبو الفتوح أنكر أنه قال هذا الكلام نصا وتحدث عن أفكار عامة عن حرية العقيدة وعن استتابة المرتد حتى آخر العمر، لكن عودة مباشرة وليس فيها أى وجهات نظر لشريط الحلقة الأولى التى كان يقصدها موسى، تكتشف أن أبو الفتوح راوغ أو على الأقل نسى ما سبق وقاله لمنى الشاذلى، فيما كان موسى دقيقا فى اقتباسه، كذلك عندما قرأ عليه موسى من كتابه فقرات يعترف فيها أبو الفتوح بترويجه للعنف، ووجود ذلك فى تكوينه الفكرى المبدئى خلال الجامعة بل وممارسته، ورغم شجاعة أبو الفتوح أصلا فى الاعتراف بذلك فى كتابه، إلا أنه أنكر أن يكون قال ذلك ونسبه إلى متكلم آخر، وبمراجعة الكتاب الذى نشرته «الشروق» ثبت أن الحكى فيه على لسان أبو الفتوح كاملا.

كذلك اختبار اللياقة البدنية والذهنية، بنى أبوالفتوح خطابه على أن خصمه طاعن فى السن، لكن هذه السن لم تؤثر فى بقاء موسى خمس ساعات على الهواء دون كلل أو استراحة، كما بدت لياقته الذهنية والبدنية فى أوجها، وعلى العكس من ذلك كان أبو الفتوح ينسى الأسئلة وهو يتحدث، ويطلب من المقدمين اعادة تذكيره بالسؤال بعد نصف دقيقة فقط من بدء الإجابة عليه، وهى نقطة تصب فى صالح موسى، وتثبت أن الكفاءة الذهنية والبدنية ليست بالضرورة مرتبطة بسن، وليس بالضرورة أن الأصغر سنا هو الأكثر حيوية.

أيضا تركيز أبوالفتوح على الماضى انقلب عليه، حتى وهو يتحدث عن الجماعات التى مارست العنف وصنعت مراجعات شجاعة فيما بعد اعترفت فيها بأخطائها، هو يريد من المجتمع أن يغفر لمن قتل لأنه راجع أفكاره ودفع ثمنها، فى الوقت الذى شن هجوما حادا على عمرو موسى بسبب ماضيه مع النظام، وكأن المجتمع الذى سيقبل من مارس العنف من قبل، لا يستطيع أن يقبل من خدم الدولة فى وجود مبارك، وغادر نظامه قبل 10 سنوات من سقوطه دون أن يدان بفساد أو إفساد.

هذا فيما يخص أخطاء أبوالفتوح.. أما عمرو موسى فغدا.

السبت، 12 مايو 2012

المؤيدون الجدد يمتنعون


الأرجح أن الفائز فى المناظرة التاريخية باعتبارها الأولى لم يكن أحد المتناظرين، لا عمرو موسى ولا عبدالمنعم أبوالفتوح، ربما كان أحد المتنافسين القادمين من الخلف، كشفيق أو حمدين صباحى أو حتى محمد مرسى، لكن المؤكد أن كليهما خرج على الشاشة ليثبت أنصاره حوله دون أن يحاول أى منهما أن «يزعزع» أنصار الآخر، أو يستقطب من الكتلة الحائرة التى تبلغ ثلث الأصوات حسب آخر استطلاع لـ«الشروق».

هل سمعت برامج حقيقية؟ لا أعتقد، ربما نظام المناظرة وقانونها لم يمنح الوقت الكافى للمرشحين لعرض رؤاهم كاملة، لكن المؤكد أن كل المرشحين بلا استثناء تتشابه برامجهم إلى حد كبير، وتكاد تتطابق حتى مع ما كان يطرحه الحزب الوطنى من وعود وردية لا ينفذها، كما تتطابق مع حديث أى مواطن يمكن أن تلقاه فى مقهى أو وسيلة مواصلات، الجميع يحدثك عن الرعاية الصحية الكاملة وتوفير الوظائف وهيكلة الداخلية، وغيرها، وكان من المفترض أن ترى التمايز فى أساليب التطبيق والتمويل، لكن مرشحينا باعتبارهم مثلنا تماما مستجدون ديمقراطية يبنون برامجهم على الشعارات وفقط.

ركز كلا المرشحين على الجوانب الشخصية التى يعتبرها إيجابية فى شخصيته ويعتبرها سلبية لدى الآخر، بذل أبوالفتوح معظم الوقت فى تأكيد ما هو مؤكد «عمرو موسى كان يعمل فى النظام» ورد موسى بما هو مؤكد أيضا «أبوالفتوح أصولى»، لكن هذا التركيز من جانب أبوالفتوح لم ينفعه وإنما ضره، فدرجة الوضوح عند عمرو موسى أكثر، كل أنصاره يعلمون تماما أنه كان وزير الخارجية، لكن جزءا كبيرا من أنصار أبوالفتوح من خارج الدائرة الأصولية، كان يحدث نفسه أن الرجل خرج تنظيميا من هذا التيار، ويطرح نفسه جسرا بين التيارات، لكن موسى جره لقضايا الشريعة والردة ودفعه للفخر بانتمائه للجماعة الإسلامية، فشجع من فى قلبه مرض على إعادة التفكير.

فرط موسى أيضا فى فرصة جاءته، ففى الوقت الذى طرح فيه أبوالفتوح نفسه من داخل معسكر الثورة وزاد وعاد فى هذا المعنى، قال موسى جملة عابرة حول خبراته وتجربته وكونه رجل دولة، وكان من المفترض أن يمسك فى هذا المعنى ويلح عليه، باعتباره يجد صدى لدى قطاع هائل من المترددين، وأيضا من مؤيدى أحمد شفيق، الذين ينشدون الاستقرار السريع ويبحثون بالفعل عن رجل دولة يثقون فى خبراته.

 كان موسى أكثر خبرة وحنكة حتى فى الهروب من الزنقات الفتوحية، سبق له أن ناظر وزير خارجية إسرائيل السابق شلومو بن عامى، وبدا أنه أكثر خبرة فى التعامل مع هذه المناظرات، خاصة فى غمزه ولمزه منافسه باحتراف، لكن أبوالفتوح كان أكثر حماسة، وبدا أكثر صدقا مع الحالة الثورية، وبدا المشهد منقسما بين حالة الثورة وحالة الدولة، وهو استقطاب سيحسمه الثلث الصامت إن تحرك قبل هذه الانتخابات.

كان موسى اكثر واقعية فى الحديث عن الراتب والقصور والمخصصات، وكان أبوالفتوح أكثر رومانسية، الأول تحدث بصدق واضح عن وظيفة لها راتب ومستوى من الفخامة له مدلول عند ضيوف البلد، والثانى أراد دغدغة مشاعر الناس وفقط.

مكمن الثقة فى أبوالفتوح كان فى صوته، فيما كانت الثقة لدى موسى فى حركة جسمه، تحدث أبوالفتوح كمرشح يسعى للفوز بمقعد الرئاسة، فيما تحدث موسى كرئيس فعلى ربما يحاول تجديد مدة رئاسته، بدا فى موسى بعض من عجرفة المسئول، وبدا فى أبوالفتوح كثير من تواضع المواطن، لكن فى النهاية لم ينجح أى منهما فى أن يخرج وفى جعبته مزيدا من المؤيدين، زادت المناظرة فى تكريس رفض قوى الثورة لموسى، لكنها لم تمنح لأبوالفتوح تأييدها المطلق، فيما تركت لديه شرخا بين من يؤيدونه من ليبراليين ويساريين وأقباط، وإذا كان هناك من نجح مساء أمس الأول فهو الرباعى الإعلامى الذى صنع هذا الحدث «دريم وأون تى فى و«الشروق والمصرى اليوم» وأدار بحياد ومهنية لصالح المواطن.  

الخميس، 3 مايو 2012

الموت بالمجان


حتى لو كنت تختلف «سياسيا» مع المعتصمين أمام وزارة الدفاع، فلا يمكن قبول أن تختلف على الدم، أو تضعه فى إطار مساومات السياسة أو مكايداتها وأخلاقها، لن أحترمك لحظة عندما أسمعك تقول «العيال دول يستاهلوا»، أو تكرر ما كان يقوله «الساقطون أخلاقيا.. رغم أن لحاهم تغمر الوجوه»: «إيه اللى وداهم هناك»، فالدم ليس محل استقطاب، لكنه مبرر لانحياز حقيقى، ويجب ألا تكون مستعدا «أخلاقيا» لأن تنحاز لقاتل على حساب مقتول، حتى لو كانت لديك تحفظات سياسية على الاعتصام وأسبابه وأهدافه وحتى المشاركين فيه.

لابد أن تدرك أن كل شىء فى هذا العالم يمكن أن يخضع للخلاف والنقاش، والاتفاق والرفض والأخذ والرد والتفاوض، إلا الدم، لا يليق أن يكون محل اختلاف، ولا يمكن فى لحظة من اللحظات أن ترى الدم يسيل دون أن تتخذ خيارا أخلاقيا وحيدا بأن تقف فى فسطاط الدم السائل، وما دون ذلك من تبريرات مهلهلة حول المتسبب فى التصعيد، وشرعية الاعتصام، هى تفاصيل لا تهم أمام مشاهد الدم.

فى رقبة من هذا الدم الذى نزف؟ المؤكد أنه فى رقبة المجلس العسكرى، سواء شارك المجلس فى هذه المذبحة أم لم يشارك، سواء تمسك بالحياد أم دعم فريقا فى المعركة بالعتاد والمولوتوف والغذاء، هو فى النهاية صاحب مسئولية سياسية، وهذا الدم أمانته، وواجبه حمايته حتى لو كان يهتف بسقوطه.

فى رقبة البرلمان أيضا، الذى ترك الاعتصام قائما دون تدخل سياسى، فيما الأغلبية منشغلة بمصالحها الحزبية، وبصراعها الشخصى مع الحكومة، وبـ«استبنها» الذى تريد له أن يكون رئيسا، بعد أن تفصل له القوانين التى تعزل خصومه، والمظاهرات التى تنال من منافسيه، والاستخدامات الدينية للنصوص التى تخلع عليه صفات الأنبياء والفاتحين.

فى رقبة الأغلبية إذن، التى نزلت الميدان بحشود دون أن تعرف لماذا نزلت فجأة ولماذا انسحبت فجأة، رغم أن أسباب النزول التى ادعتها لم تتلاش، لكنها عمدت إلى تسخين المناخ فى وقت كان هناك مرشح رئاسى مستبعد يعمد إلى تسخين أتباعه الذين اعتبروه جزءا من عقيدتهم، غضبوا لاستبعاده رغم انطباق شروط الاستبعاد عليه، وعجزه أن يثبت حديثه أو حتى يقسم غليظا، اعتصم المؤمنون بالكذاب دون أن يشاركهم اعتصامهم، وعندما وقعت الواقعة غسل يديه من دمائهم وقال إنه امتثل لقرار استبعاده وهؤلاء الشهداء لا يمثلونه.

هذه الدماء فى رقبة كل من سخر الشارع لتحقيق مطامع سياسية، ثم باعه فور أن استقر وربح، أو انسحب حتى لا تزيد خسائره، هذه الدماء فى رقبة «نذالة سياسية» لا تستقر فقط عند السلطة الحاكمة لكنها تمتد لأولئك الذين شاركوا فى صياغة القواعد الدستورية، وقدموها فى استفتاء مغلف بالعقيدة وحشدوا الناس ليقولوا نعم للدين، فانتهى بهم الأمر إلى تحصين قرارات لجنة الرئاسة من الطعن، وإلى تشكيلها على نحوها بأعضائها الحاليين، وحين طبقت اللجنة عليهم القواعد التى قالت لها الصناديق «نعم» خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإسقاطها، ثم انسحبوا بعد تسخين الدنيا، حتى وصل الشباب لمقر اعتصامهم، ونظروا خلفهم فلم يجدوا أحدا، لا ظهر ولا سند، ولا حتى الشيخ الذى قال لهم «سنحيا كراما»، فساقهم إلى الموت بالمجان ثم مسح لحيته بيديه فغسل اليدين فيما ستبقى الدماء تلطخ وجهه.   

هذا الدم فى رقبة حاكم لم يرع أمانته.. وكثير ممن يرفعون لواء الدين وهم من الذين «يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم».

الأربعاء، 2 مايو 2012

أى تغيير يا (محسنين)


يقولون إن دولة مقبلة على انتخابات رئاسية بعد 3 أسابيع، فيما أغلبيتها منشغلة بتغيير الحكومة، هذه ليست نكتة غالبا لكنها وقائع السياسة الجديدة فى مصر، لكن الأصل فى هذه الوقائع هو لعبة الإرادات المستحكمة بين المجلس والجماعة، لكن حتى هذه اللحظة يربحها المجلس بامتياز، بل ويترك الجماعة تمضى حتى النهاية فى تهديداتها ووعيدها ثم تنتهى مرة أخرى إلى لا شىء.

بضعة أسابيع فقط وتنتهى المرحلة الانتقالية، ويأتى رئيس جديد، وتصبح الحكومة مستقيلة نهائيا، لكن الجماعة ترفض أن تتحرك بشكل محموم لإحداث أى تغيير، حتى لو كان هذا التغيير هو إعلان إقالة الجنزورى وحكومته، ثم إعادة تكليف الجنزورى بتشكيلها مرة أخرى حتى ولو بذات الوجوه، الجماعة تبحث عن انتصار دعائى أجوف، قالوا للمجلس لا مانع من إعادة تكليف الجنزورى، ثم طلبوا على الأقل تغييرا محدودا، لكن رئيس الحكومة الذى بات لا يجد فى منطق الإخوان أى مبرر أو وجاهة، قال للمشير بوضوح وربما بتحدٍ، إنه سيرحل مع أى وزير يغادر.

المسألة تدخل مرحلة العبث السياسى، الجماعة تريد أى مكسب سياسى يسعف شعبيتها، حتى لو كانت تناقض ما سبق أن واجهت به الثوار الذين هتفوا بسقوط الجنزورى من أول يوم، مازالت كلمات المرشد فى هذه الأثناء على الجنزورى حاضرة، ومازالت تصريحاتهم عن حكومة الأشهر المعدودات، كم من قيادى فى الجماعة واجه معتصمى مجلس الوزراء بقوله، هذه حكومة أشهر قليلة، لكن اليوم يقول لهم المجلس العسكرى هذه حكومة أسابيع، فلا يطيقون الانتظار، لكن الجماعة أيضا لا تريد أن يغادر الجنزورى، ولا تجرؤ أن تطلب مغادرة فايزة أبوالنجا، ذهبت فى الأيام الأخيرة للتوافق مع المجلس حول الإطاحة بثلاثة وزراء، «التموين، والبترول، والخارجية»، وربما وجد المجلس العسكرى هذا مرضيا، لكن الجنزورى وضع العقدة فى المنشار، وقال إنه سيرحل.

المشير منزعج لا يريد أن تدخل البلاد إلى انتخابات رئاسية وسط انقسام بين الحكومة والبرلمان، خاصة بعد أن تدخل بقبضته التى هبطت حاسمة حازمة على طاولة الحوار وأنهى أزمة التأسيسية والانقسام بشأنها، لكنه شخصية تقبل دائما بالحلول الوسط، ولا تميل للصدامات الحادة، حاول إقناع الدكتور، لكن بدا أن الإطاحة بوزير الخارجية الآن سيذهب برسالة للسعودية أن الدولة غير راضية عن أدائه فى الأزمة معها، وأنها تحاول أن تغازل الشارع الغاضب ضد المملكة، الرسالة ستأتى عكسية إذن، الجماعة تريد أى شىء، حتى لو وزيرا واحدا على طريقة «أى تغيير لله يا محسنين»، لتوهم الرأى العام أنها انتصرت، وأنها الطرف الأقوى فى المعادلة، لكنها تدرك تماما أنها عاجزة عن سحب الثقة من الحكومة، لا سند دستوريا لذلك، وعاجزة عن تشكيل حكومة أغلبية برلمانية أيضا لا سند لذلك، لكنها لا تملك إلا أن تقنع العسكرى «المحسنين» أو تضغط عليه ليفعل ذلك، والأيام أثبتت أن الجماعة لا تستطيع الضغط على المجلس لأن الأخير يجلس على أرض صلبة، فيما لا تزال الجماعة تحاول مغادرة الرمال المتحركة.

قال الكتاتنى إن العسكرى وعده بتغيير الحكومة، لكن الفنجرى خرج لينفى أى نية لذلك، ما هى المكاسب والخسائر التى تخصك من بقاء الحكومة لعدة أسابيع قادمة أو استبدالها، الأرجح أنه لا شىء، فلن توقف حكومة جديدة أى نزيف فى أسبوعين، وستكون مضطرة للاستقالة فى 30 يونية، ولن تحقق أى حكومة حالية أى إنجاز فى هذه المدة، ما الجدوى من وراء كل ذلك إذن؟ لدينا انتخابات رئاسة ربما تكون هى مربط فرس الصدام والتفاهم.