| «هذا يوم رائع.. صحوت من نومى مبكراً، قرأت الصحف وتابعت ملف الخلاف بين دول حوض النيل على توقيع الاتفاقية الإطارية.. الجدل الصاخب، الذى صاحب وسبق هذه الاجتماعات، يجعل متابعتها أمراً مثيراً للمتابع العادى.. فما بالك وهذا الملف من أولوياتى وأولوياتك.. من حياتى وحياتك». صباح اليوم «الإثنين» وزراء مياه حوض النيل مجتمعون فى الإسكندرية فى انتظار الدكتور أحمد نظيف الذى سيفتتح الاجتماعات الرسمية، بعد يومين فقط من تصاعد اللهجة بين مصر ودول المصب السبع، وصلت إلى تلويح مصر بالانسحاب من مبادرة حوض النيل وتعطيل جميع المشروعات المشتركة، طالما تصر دول المصب على تجاهل الشروط المصرية، وتجاهل الاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر فى مياه النهر. «النهر نهرنا»، ونحن دولة المصب، أكثر من كونه نهر دول المنبع، فهو مصدرنا الأوحد للمياه العذبة، بينما الآخرون عندهم من البدائل ما يغنى عن النهر، النهر خطنا الأحمر، النهر حياتنا ومستقبلنا وأمننا القومى، النهر نهرنا ونهر أولادنا وأحفادنا وأولادهم وأحفادهم إلى أن يرث الله النهر وما على الأرض جميعاً. لذلك كانت لحظة تاريخية، تلك التى حدقت فيها فى شاشة التليفزيون التى كانت تستعد لنقل وقائع الجلسة الرسمية الأولى للاجتماعات بحضور نظيف، فإذا بالرئيس مبارك يدخل القاعة، فى مفاجأة لى وللحضور فى المؤتمر، الانبهار الذى ظهر على ملامح وفود دول حوض النيل كان كافياً للتعبير عن المفاجأة.. كذلك السعادة التى غمرتنى بهذا الاهتمام الرئاسى غير المستغرب فى الأوقات الصعبة. لم يكن المعلق التليفزيونى ينافق - ربما لأول مرة فى تاريخه - وهو يكيل كلمات الإطراء والمديح للرئيس مبارك، ويصف حضوره الاجتماعات بالمفاجأة التاريخية، وبدا أكثر اتزانا وفهماً وهو يشرح أن هذا التحرك من الرئيس مبارك يعكس اهتماماً رئاسياً بالملف الذى لا يقل أهمية عن ملف الصراع العربى - الإسرائيلى، ويشرح أنه إذا كانت لمصر مصلحة فى تهدئة الوضع فى الشرق الأوسط، فإن لها ألف مصلحة فى استقرار منطقة حوض النيل، فيما أسهب المحللون الذين استضافهم التليفزيون فى تحليل هذه المبادرة المهمة التى تنم عن وعى عميق من صانع القرار بأولويات الأمن القومى، وتدشن لمرحلة جديدة من التركيز الرئاسى على قضية المستقبل والحياة. لم يكن خطاب الرئيس مبارك فى الإسكندرية خطاباً عادياً، كان «تاريخياً» دون نفاق أو مجاملة، يضعه الدارسون لمنطقة حوض النيل ولتاريخها موضع الوثيقة، فتح الرجل صفحة جديدة وبدأ يؤسس لعلاقة جديدة بين مصر ودول حوض النيل ويبنى شراكة جديدة، الجميع فيها رابح. بدت الوفود الأفريقية فى غاية السعادة وهم يستمعون للرئيس مبارك يتحدث عن «عدالة النهر» التى لابد أن ننطلق منها لنبنى علاقة عادلة بين شركاء النهر، ونبنى المنطقة بأبنائها بعيداً عن التدخلات الخارجية ذات الهوى، وأن مصر بمقدراتها وقدراتها فى خدمة التنمية فى المنطقة، تنمية عادلة تمنح الجميع حق الانطلاق وتصنع للجميع فرص النمو. أطلق الرئيس مبارك مبادرة لإنشاء تجمع جديد يضم دول حوض النيل.. يتجاوز ملف الموارد المائية «التى ستكون أحد محاور اهتمامه»، وينطلق إلى آفاق تنموية وسياسية أرحب، مبادرة تتطلع لسوق مشتركة، ومنطقة تجارة حرة، واستثمارات تفتح أبواب الأمل والنمو للجميع، وتعاون فنى وتقنى وثقافى وأمنى. أعلن الرئيس مبارك كذلك عن إصداره قرارات وتوجيهات عاجلة للحكومة، بتقديم امتيازات فى الجامعات المصرية لدول حوض النيل ومنح تعليمية مجانية، إلى جانب قرار بإنشاء ٣ جامعات مصرية فى إثيوبيا وكينيا وتنزانيا، و٤ مستشفيات مركزية عالية التجهيز فى رواندا وبوروندى وبنين وأوغندا، فى الوقت الذى قابلت فيه الوفود مفاجآته بتصفيق حاد. لم يفرط الرئيس مبارك فى كلمته تلك فى نقطة مياه واحدة من حقوق مصر التاريخية فى النهر، لكنه تحدث عن عدالة الاستخدام وترشيده، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء. لم يكد ينته الخطاب ويغادر الرئيس مقر الاجتماع حتى بثت وكالات الأنباء نبأ عاجلاً، حيث أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس مبارك سيتوجه مطلع الأسبوع فى زيارة إلى إثيوبيا وكينيا هى الأولى له منذ ١٦ عاماً.. وسيدعو من هناك لعقد قمة لزعماء دول الحوض فى أسوان لبحث تفعيل مبادرة «التجمع الجديد».. وما هى إلا لحظات قليلة حتى توافدت برقيات الترحيب من زعماء هذه الدول.. وما هى إلا لحظات أيضاً حتى صحوت من النوم وتوجهت إلى شاشة التليفزيون باحثاً عن هذا الحلم الجميل. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 27 يوليو 2009
عندما يتحرك الرئيس
الاثنين، 20 يوليو 2009
أن تكون «أمين صابر».. وأن تكون «أبوتريكة»
| يعرف أمين صابر، الصياد المصرى المختطف حالياً على سواحل الصومال، أنه لو عاد إلى البرلس مرة أخرى وكتبت له النجاة من أيدى الخاطفين، فلن يكترث بإبقاء أبنائه الأربعة فى مدارسهم، ولن يحاول أن يعلمهم الصيد، أو أى صنعة أخرى، فقط سيدفعهم إلى ساحات القرية ليلعبوا كرة القدم، لعل الحظ يبتسم لأحدهم فتمتلك الأسرة كلها الثروة والشهرة والاهتمام أيضاً. يعرف أمين صابر، الذى خرج قبل أسابيع على «باب الله» بحثاً عن رزقه ورزق أبنائه الأربعة وزوجته ووالديه، أن أحداً لن يكترث به ولا بـ٣٣ مصرياً يعيشون حالياً تحت رحمة القراصنة، بينما الدولة التى تمثلها وزارة الخارجية تقول لهم: «لا نملك لكم إلا الدعاء.. لا مفاوضات ولا فدية». يعرف أمين صابر، والذين معه فى هذه المحنة، أنهم يدفعون ثمن «مصريتهم» من جديد، ويعيشون «اليتم الوطنى» فى مواجهة قراصنة فرضوا سيطرتهم على منافذ الرزق وأبواب الحياة، بينما الدولة التى تتهدد سيادتها لا تملك حيلة سوى الدعاء، وفق ما قاله السفير أحمد رزق مساعد وزير الخارجية لأهالى المختطفين. يعرف أيضاً أمين صابر والذين معه أن مطالبة الخارجية لذويهم بأن يلجأوا للمجتمع المدنى، لجمع فدية قدرها ٥ ملايين دولار هى ثمن تحريرهم، فيها من «التخلى» ما يكفى لتعريف «النذالة».. فهم لا يخدمون المجتمع المدنى، ولا يدفعون ضرائبهم للمجتمع المدنى، ولا يسددون رسوم تصاريحهم للمجتمع المدنى، ولا يدفعون غراماتهم للمجتمع المدنى، ولا تلاحقهم شرطة المجتمع المدنى، ولا يخدمون فى جيش المجتمع المدنى، هم فى النهاية جزء من مواطنى هذه الدولة يقدمون لها ما تطلب وما تريد ويؤدون واجبهم نحوها كما ينبغى، ولا يريدون منها سوى رعاية كما ينبغى على الأقل فى وقت محنة عصيبة تهدد حياتهم وتنذر بيتم أطفالهم. يعرف أمين صابر والذين معه أنه لو كان بينهم واحد مثل أبوتريكة، أو أقل منه موهبة، لانقلبت الأرض والسماء، ولخرجت أموال «الفدية» كاملة فى أقل من ساعات، ولوجدوا دولة تتحرك بكل قواها ومقدراتها، ولعرفوا دبلوماسية نشطة غير تلك التى يرونها متخاذلة وضعيفة وغير مشرفة، ولوجدوا رجال أعمال يقدمون الملايين تحت أقدامهم كما يدفع متوسط الدخل ثمن تذكرة المترو. يعرف أمين صابر والذين معه أن أزمتهم يمكن أن تحل من جذورها لو نظرت لهم الدولة ورجال الأعمال على أنهم ٣٣ لاعب كرة من أصحاب المواهب المحدودة، أو من تلك الصفقات الفاشلة التى تدفع فيها الأندية من أموال الدولة وشركاتها ورجال أعمالها ملايين دون حساب ودون تردد أو اكتراث بقيمة ما يخرج من دفاتر شيكاتهم. يعرف أمين صابر والذين معه، وهم يطالعون أنباء عن جمع ٢٩ ألف جنيه فقط من فدية قدرها ٥ ملايين دولار، وهم يطالعون كذلك أنباء عن ملايين تدفع بمباهاة للاعبى كرة، أن هذا البلد العاق بعرقهم وكفاحهم قادر على تحريرهم فى لحظة، لكن ما يحبطهم أنه لا يفعل ولا يحاول، ولا يكتفى بذلك لكنه يستفزهم ويستفز مشاعرهم وجراح أسرهم بـ«شيكات» تتراقص هنا وهناك.. وملايين تتوزع هنا وهناك.. فى زمن أصبحت فيه كرة القدم أغلى من الحياة. يعرف أمين صابر والذين معه أن أبوتريكه ورفاقه يستحقون كل تقدير.. وربما لا يستحق جيل ما جمع من ملايين مثلما يستحق هذا الجيل.. لكنهم يعرفون أكثر أن حياة ٣٣ مصرياً يخلفون وراءهم زوجات وأطفالاً وآباء وأمهات.. أهم ألف مرة وأجدى وأنفع.. فلا يطلبون إلا قدراً من العدل وقدراً من الاهتمام. |
الاثنين، 13 يوليو 2009
آن للسيد «فياض» أن يصمت
| تضامن معى فى دعوة رئيس الوزراء الفلسطينى السيد سلام فياض إلى أن يصمت.. حاول معى أن نقنع السيد فياض بأن صمته أفضل جداً من كلامه.. وأن فى سكوته كل الخير للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطينى وله شخصياً.. أخبر السيد فياض بأن صمته منتهى النضال والكفاح منه، وأنه بهذا الصمت يسطر اسمه بحروف من نور فى سجل النضال والكفاح الفلسطينى المشرف. إذا كنت لا تعرف، فالسيد فياض هو رئيس الوزراء الفلسطينى، بمعنى أنه متحدث باسم شعبه ومسؤول عن قضيته والأهم أنه من المفترض أن يكون من أكثر الناس فهماً لقضية شعبه وحقوقه المشروعة وعدالة نضاله.. لكن السيد فياض قدم هدية مجانية ونفيسة لشركائه فى تل أبيب، بإعلانه التساوى القانونى بين وضع المستوطنين فى الأراضى الفلسطينية والعرب داخل الخط الأخضر (مواطنى الدولة العبرية). فياض قال لصحيفة «القدس العربى» إن «اليهود الذين يختارون أن يظلوا فى دولة فلسطين سيتمتعون بالحقوق السياسية وبقيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل وتفاعل الثقافات والأديان، ولن تقل حقوقهم بالتأكيد عن تلك التى يتمتع بها عرب الداخل فى إسرائيل». أولاً: ساوى فياض بين مستوطنين مستعمرين اغتصبوا الأرض من أصحابها بقوة السلاح، واعتبرهم وكأنهم جالية أجنبية وفدت إلى دولة مجاورة بشرعية وعاشت بين مواطنيها بسلام، وبين مواطنين شرعيين يستحقون جميع حقوق المواطنة قانونياً ويمتلكون الأرض تاريخياً ويعيشون فى وطنهم وقراهم وزراعاتهم منذ آلاف السنين يتوارثونها جيلاً بعد جيل، وفشل الإرهاب الإسرائيلى فى طردهم منها ونجحت مقاومتهم فى اكتساب أكبر قدر من حقوق المواطنة داخل المجتمع الإسرائيلى، حتى تحولوا إلى «نافٍ قانونى» لفكرة يهودية الدولة العبرية. ثانياً: يروج السيد فياض، دون أن يدرى أو ربما دون أن يدرك، لصورة مثالية عن إسرائيل حين يتحدث عن الحقوق السياسية التى يتمتع بها العرب داخل إسرائيل والتسامح والتعايش والاحترام المتبادل وتفاعل الثقافات والأديان، متجاهلاً كفاح «عرب ٤٨» لنيل هذه الحقوق وحالات التمييز العنصرى الصارخة التى تمارس ضدهم، وحالات الاستهداف لثقافاتهم وعقائدهم. ثالثاً: يفتح السيد فياض الباب من جديد لفكرة «التبادل السكانى»، القائم على نقل عرب إسرائيل من الداخل إلى أراضى الضفة وغزة، ونقل المستوطنين إلى مناطق العرب فى الداخل، وهى الفكرة التى تلح عليها إسرائيل فى محاولة منها لتدعيم «يهودية الدولة»، وهو بذلك يمنح إسرائيل مجاناً وتطوعاً مسوغاً لشرعنة مطالبها، باعتبار أن هذه التصريحات تصدر عن رئيس وزراء فلسطينى، المفترض - كما قلت لك - أنه يعرف جيداً مصالح شعبه وحقوقه التاريخية، ويتنازل عنها بكل هدوء وبساطة ويمنحها لإسرائيل على طبق من ذهب. رابعاًً: إن كان السيد رئيس الوزراء الفلسطينى يمنح كل هذا لإسرائيل بسذاجة سياسية مفرطة وهذا أفضل من تغليب سوء النية فى تفسير تصريحاته فإنه لا يكتفى بهذه السذاجة السياسية، وينطلق منها إلى فهم خاطئ ورؤية شديدة القصور وقليلة الإدراك للدور النضالى والتاريخى الذى يلعبه «عرب ٤٨» فى دعم قضية الشعب الفلسطينى وكبح جماح الدولة العبرية.. هو لا يفهم ولم يفهم أن بقاء ٢٠% من سكان إسرائيل داخل هذه الدولة ينطقون الضاد ويتمسكون بهويتهم ويناضلون من أجل حقوقهم لاكتساب مواطنة كاملة، يدخلون الكنيست وينافسون فى البلديات والمحليات، هم بالتالى عنصر ضغط مهم على هذه الدولة الجامحة والخارجة عن كل المعايير الإنسانية والقوانين الدولية. لا يفهم السيد فياض أن وجود ٢٠% من مواطنى دولة إسرائيل عرب، بما يملكون من حراك وكتل تصويتية، يخدم القضية الفلسطينية من جانب خاص، ويخدم القيم الإنسانية بشكل عام بتخليص العالم من دولة دينية عنصرية لا تعترف إلا باليهود، ولا تسعى إلا لتكون دولة يهودية خالصة.. وبالتالى لا يفهم أن الأولى والأنفع هو دعم «عرب ٤٨» ليكونوا مواطنين كاملى المواطنة والحقوق. اسأل السيد فياض إذن أن يصمت ما لم يقل خيراً، وأن يعرف أنه إذا أراد السياسة فليصمت، وإذا أراد النضال فليصمت أيضاً.. وفى جميع الأحوال الصمت أفضل له ولنا. |
الاثنين، 6 يوليو 2009
مواطن قتل «أخوه» المواطن
| المؤكد أن «محمد رضا» لم يكن طائفياً بالمرة حين قرر الترحيب بضيوفه فى قرية «ميت القرشى» بميت غمر وذهب ليشترى لهم زجاجات المياه الغازية من «جون».. والمؤكد كذلك أن «جون» لم يفكر لحظة فى كون هذا الشاب الذى ارتاد متجره مغاير له فى العقيدة. لابد أن تدرك أيضاً أن الاثنين حين اختلفا على ٤ جنيهات لم يختلفا لأن أحدهما مسلم والآخر مسيحى، وإنما لأنهما مواطنان مصريان بامتياز من أولئك الذين نشاهدهم كل يوم يتشاجرون فى الشوارع، ومحطات القطارات، وداخل عربات المترو، وفى طوابير العيش والبوتاجاز والمصالح الحكومية.. يتشاجرون دون أن يسأل أحدهم الآخر عن ديانته أو يطلع على بطاقة هويته، أو حتى يركز فى علامة دينية تتدلى على صدره أو تميز باطن معصمه. لو كان «محمد رضا» طائفياً أو يشغل باله بكون أحد بقالى قريته مسيحى لما فكر فى التعامل معه من الأساس ولفضل الذهاب لبقال مسلم.. لكن الأرجح أنه تعامل كما تربى ونشأ، مثله فى ذلك مثل «جون».. كلاهما نشأ ليجد الآخر يجاوره فى السكن ويشاركه هواء القرية وشوارعها ومرافقها، وربما يشاركه مرح الشباب ولعبهم وذكرياتهم. لم يتشاجر محمد مع جون حين رفض الأخير منحه باقى ما دفعه قبل إرجاع «فوارغ» زجاجات المياه الغازية لأنه بقال مسيحى، ولم يتصور أو يدر فى خلده أن الرجل يفعل ذلك لأنه مسيحى ويكره المسلمين، لم يذهب بالمعركة الشخصية جداً إلى المربع الطائفى.. وكذلك فعل جون الذى لم يتخذ قراره باشتراط إعادة الفوارغ مقابل الباقى نكاية فى محمد لأنه مسلم، وإنما تأكيداً لقاعدة يتعامل بها أغلب بقالى القرى، وأنت تعرف هذا جيداً كما أعرفه، وتدرك أن «ترك رهن» لزجاجة المياه الغازية مسألة شائعة ومعروفة ومنطقية بين بقالى القرى جميعاً. هل تعتقد إذن أن محمد تشاجر مع جون لأنه مسيحى.. وأن جون قتل محمد لأنه مسلم، ولماذا تنظر لها بتلك الذهنية المفرطة فى سوء النية وأنت تعلم أنها مجرد شجار تقليدى بين مواطنين انتهى بمقتل أحدهما، بطريقة نسمع بها كل يوم ونرى نماذج لها كل يوم أيضاً. كيف تسمح بأخذ هذه القضية إلى منطقة طائفية، وتستدعى الأنبياء والرسل ليشاركوا فى صراع على ٤ جنيهات.. كيف تغامر بمحاولة تمزيق وطن من أجل ٤ جنيهات؟ فتطلق على قتيل فى شجار لقب «عريس الإسلام».. وتنظر لقاتل وكأنه «بطل المسيحية» المغوار. لم يمت محمد رضا فداء للإسلام، ولم يقتله جون انتصاراً للمسيحية وأنت تعرف ذلك جيداً.. وتعرف أن رد فعل أهل القتيل وان اتسم بعنف ومطالبات بالثأرــ فهو رد فعل أسرة مصرية مكلومة كانت ستفعل نفس الشىء لو كان قاتل ابنها مسلماً أو لو كانت أسرة مسيحية لقى أحد أبنائها مصرعه غدراً. فوق ذلك لا تصدق ما يدعيه مهووسون ومشبوهون سياسياً حين يقولون إن الأمن نظم عمليات تهجير جماعى لمسيحى القرية بعد تصاعد غضب المسلمين، خوفاً من البطش بهم ثأراً للقتيل.. أنت تدرك أن فى كل هذا محاولات متعمدة للى عنق الحقائق الواضحة وجرها إلى ميدان الطائفية لتكون جمرة جديدة فى موقد يتم إشعاله بتخطيط منظم تحت أرجلنا. لا تنكر أن هناك احتقانا لابد من التصدى لعلاجه بصدق، ولا تنكر أن هناك مشاكل وأزمات ومطالب للأقباط تستحق البحث، لا تنكر أن هناك من يستقوى بحالة الاحتقان ليلوى ذراع الدولة، ولا تنكر أن هناك دولة تغيب طويلاً وحين تحضر إما أن تشرعن الغياب أو تكرس التمييز.. لكن كل ذلك لا يعنى أن تدعى أن هناك «فتنة طائفية» فى ميت غمر.. فلم يحدث فى ميت غمر إلا أن مواطناً قتل أخاه المواطن والمفترض أن يدفع ثمن جريمته وحده، دون جر لعائلته وطائفته وجر للوطن كله. قتل جون محمد.. ليرحم الله محمد.. وليلهم أهله صبر المؤمنين.. وليلق جون وحده عقابه الرادع والعادل، وفقاً لقانون «أعمى» لا يفتش فى عقائد المتهمين. |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)