الاثنين، 23 فبراير 2009

يوسف بطرس غالى.. سلامتك

لا تملك- ولا يجب أن تملك- أمام خبر سفر الدكتور يوسف بطرس غالى، وزير المالية، للعلاج فى مستشفى «جونز هوبكنز»، بمدينة بلتيمور بولاية مريلاند الأمريكية، سوى أن تدعو له مخلصاً بالشفاء العاجل، وربما من المفترض أن تتضرع إلى السماء ألا تعيد عليه هذه الأيام الصعبة، وأن «تكفيه شر المرض»، تلك «نقرة»، ومسألة مصاريف علاجه فى أمريكا التى تحملتها الدولة، وما تقاضاه من بدلات هو ومرافقه خلال الرحلة العلاجية «نقرة أخرى».
لا يجب أيضاً أن تستدعى من ذاكرتك المكدَّسة بالمآسى صور آلاف المرضى الذين يقفون فى طوابير «العلاج على نفقة الدولة» يستجدون ٨٠٠ جنيه مصاريف علاج، أو ثلاثة آلاف جنيه مصاريف غسيل كلوى لمدة أسبوع فى مركز حكومى تحتاج أجهزته إلى «غسيل كيماوى»..
ولا يجب أيضاً أن تقفز فى ذهنك صورة الراحل يوسف أبورية، الذى ذبل وتساقط ورقه أمام عينيك، حتى جفَّ عوده وتخشب قوامه ثم هوى، لا تسأل نفسك: لماذا تركت الدولة يوسف أبورية فريسةً لمرض ظل ينهش فيه بقسوة حتى أنهاه، وتركت رجل فى قامة الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيرى يستجدى العلاج حتى تعطف عليه أمير عربى، وتركت مثل يوسف والمسيرى آلافًا وآلافًا، ثم سارعت بوضع دفتر شيكاتها فى خدمة يوسف بطرس غالى؟
لا تزد تساؤلاتك وتحدث نفسك: لماذا ضنَّ يوسف بطرس غالى نفسه على يوسف أبورية بما هو حقه وملكه «وديعة تخص اتحاد الكتاب وليست مالاً عاماً»، ثم قبل هو «مكرمة» رئيس الوزراء فسافر، وأقام، وتلقى علاجاً، «درجة أولى»، ثم تقاضى بدل سفر هو ومرافقه من خزينة الدولة، ومن الأموال التى يُحصِّلها غالى من جيبى وجيبك؟
لا تشغل نفسك بكل ذلك، فالمرض والعلاج والشفاء- فى أول الأمر وآخره- رزق وقدر، والمفترض أنك مؤمن، ولا تعترض على قدر، ولا تحسد أخاك على نعمة أصابته، ورزق جاءه من غير حول له أو قوة.
لاحظ فقط أن المعلومات التى تكشفت حول رحلة غالى العلاجية، التى قدّرتها جريدة «المصرى اليوم» بـما يزيد على ٥٠٠ ألف جنيه، فقط قيمة بدلات ونفقات سفر وإقامة خارج المستشفى، تم تصحيحها فى اليوم التالى لنشر هذه المعلومات، بتركيز على أن مبلغ الـ ٨٨٨٧ دولارًا، الذى قالت «المصرى اليوم» فى اليوم الأول إنه يمثل قيمة البدل عن الليلة الواحدة للوزير، ومثلها للمرافق، مضروبة فى أسبوعين، إلى جانب مصاريف السفر بالطائرة «درجة أولى»- هو فى الأصل قيمة البدل عن إجمالى الرحلة العلاجية، وليس لليلة الواحدة.
أختصرت المسألة إذن فى قيمة العلاج فقط، سافر الوزير للعلاج فى أمريكا، وقال إنه حصل على بدل سفر مدفوع من خزانة الدولة، وعُولج على نفقة الدولة، لكنه حتى الآن لم يكترث بأن يوضح لك مما كان يُعالَج بالتحديد؟ ولماذا سافر إلى الخارج؟ وهل ثبت أن مرضه ليس له علاج فى الداخل؟ ولماذا مستشفى «جونز هوبكنز» بالتحديد؟ هل ثبت أنه الأفضل فى الجودة؟ هل تم التأكد من أنه الأنسب سعراً؟
ما دام قبِل يوسف بطرس غالى العلاج بأموالك وأموالى وأموال كل المصريين، فالمفترض أن يجيب عن هذه الأسئلة، وأن يكترث بذلك، والمفترض أن يهتم، هو أو أى متحدث باسمه أو باسم الحكومة، بتوضيح كل تفاصيل حالته الصحية، هكذا يفعلون فى الدول التى يراها غالى نفسه والذين معه فى الحكومة دولاً رائدة وقائدة وقدوة، فلماذا يقتدى بها وينقل منها أحدث نظم التحرر الاقتصادى، ولا ينقل منها قيم الإفصاح والمحاسبة؟
من حقك أن تعرف أين تُصرف أموالك؟ ومن حقك أن تعرف حقيقة مرض حكامك؟ ومن حقك أن تعرف أيضاً لماذا لا يكترث أحد بمنحك هذه الحقوق؟
وحتى يجيبك غالى والذين معه عن كل هذه الأسئلة، ادع له مخلصاً بالشفاء العاجل والدائم، فدعاؤك فيه كل الخير ليوسف بطرس غالى.. وكل الحرص على المال العام.

الاثنين، 9 فبراير 2009

ماذا تريد إسرائيل؟!

يخاف الإسرائيليون من السلام بقدر ما يخافون من الحرب، وهى حقيقة لا تحتاج إلى جهد لإثباتها أو البرهنة عليها، تحتاج فقط إلى رصد الحالة المزاجية للشعب الإسرائيلى، قبل كل انتخابات وبعدها، عندما تظهر النتائج التى تعكس اختياراته فى تشكيل الحكومة التى يؤيدها.
لا يجوز أن تقول إن كل الإسرائيليين سفاحون من قارعى طبول الحرب ومؤيديها، ومن أولئك الذين ينتشون بأصوات القصف ويسكرون على مشاهد المجازر، كما أنه من غير المعقول أن تزعم أو تعتقد أن كل الإسرائيليين حمائم وديعة تطلب السلام وتناشد من أجله وتسعى إليه.
لكن المؤكد أن معظم الإسرائيليين على الأقل يراوحون أماكنهم بين هذا وذاك، يتعاطفون بعض الوقت مع اليمين، بتشدده وخطابه الاستعلائى الرافض للآخر والمرحب بالمواجهات والعنف والحرب حتى آخر مدى، ويؤيدون اليسار فى وقت آخر بخطاب مفرط فى مفردات السلام والمصالحة والتسوية والتعايش.
وهؤلاء هم أغلبية الناخبين فى إسرائيل، وأداؤهم أمام صناديق الاقتراع يعكس أزمة محتدمة فى البنية الذهنية والثقافية والسياسية لإسرائيل شعباً ودولة، بما يؤكد لك أن هذا المجتمع لم يحسم أمره بعد من مسألة الصراع العربى - الإسرائيلى، ولم يحدد حقيقة خياراته بين مواجهة ومصالحة، ويفضل عليهما خيار التجميد والمراوحة فى المكان، والمناورة بكلا الخيارين، حسب حالة الدولة ومقاييس الخطر كما تحدده العقلية الصهيونية.
تذكر فقط أنه منذ إطلاق مبادرة مدريد للسلام فى مطلع تسعينيات القرن الماضى وحتى الآن والناخب الإسرائيلى حائر، يعطى دفعة قوية لتيار السلام فى أقصى اليسار وفى وسطه، ويدفعه لاحتكار المشهد أو تصدره على الأقل، وحين تقترب الجهود من تحقيق نتائج تقترب بهذا الصراع من نهاية متوافق عليها، يأتى ليوجه ضربة قاصمة لهذا التيار، بدعم مضاد لتيار الرفض فى أقصى اليمين، ليعود بالأمور إلى المربع رقم صفر.
تذكر أن هذا الناخب هو الذى أطاح بإسحاق شامير وحزبه «الليكود» من الحكم بعد شهور قليلة من بدء مسار التسوية بشكل معلن، وبعد إقرار شامير، أكثر صقور اليمين تشدداً، مبدأ «الأرض مقابل السلام»، وعندما جاء رابين ليخلف شامير، وانفتح مسار التسوية ـ مثل «ماسورة» مياه انفجرت فى صحراء قاحلة ــ وهرولت قطارات التطبيع ومبادرات دمج إسرائيل فى المنطقة، وأعلنت اتفاقات أوسلو و«غزة–أريحا»، وعقدت معاهدة «وادى عربة»، لتدخل الأردن بشكل معلن فى مسار العلاقات الشرعية مع تل أبيب،
ووضع رابين يده فى يد عرفات وقبّل أبومازن بيريز، ودخل عرفات أرض فلسطين واستقر فى رام الله، وأصبح لإسرائيل علاقات معلنة مع ٦ دول عربية، يومها ظن الممانعون فى المنطقة أن قطار السلام انطلق ولن يوقفه أحد، وأن هذا الزخم التطبيعى، والتفاؤل المكثف، والعلاقات الحميمة التى ربطت إسرائيل بالمنطقة فى طريقها لإنهاء الصراع، لكن الناخب الإسرائيلى كان له رأى آخر،
فبعد اغتيال رابين عام ١٩٩٥ على يد المتطرف إيجال عامير، ورغم استكمال شيمون بيريز للعملية السياسة، التى كان شريكا فى صنعها ومهندساً لها، فإن الناخب الإسرائيلى كان صاحب قرار تجميد كل شىء حين دفع بـ«نتنياهو» بخطابه المتشدد إلى الحكم لتتجمد عملية السلام ثلاث سنوات.
والناخب الإسرائيلى الذى جاء بـ«بيبى»، كما يحب أن ينادى زعيم الليكود، هو الذى ملَّ عملية تجميد السلام، وأطاح به لصالح باراك ليبدأ من جديد فى تحريك الأمور، حتى وصلت ذروتها باتفاق كامب ديفيد الثانى، الذى فشل فى اللحظات الأخيرة، قبل أن يطيح به صعود عكسى مرة أخرى لتيار التطرف بزعامة شارون.
وهكذا تتحرك إسرائيل تارة فى اتجاه السلام، وتارة فى الاتجاه المعاكس، دون أن تترك لأحد الاتجاهين الفرصة كاملة فى تنفيذ برنامجه للنهاية، بما يعكس حقيقة الأزمة التى يعيشها المجتمع الإسرائيلى، الذى يخاف السلام الذى يصطدم بثقافة «الجيتو» المستقرة فى عقله، وبالتالى يخشى الانفتاح والاندماج، خوفاً من الذوبان وضياع الهوية، كما يخاف الحرب بكل ما تمثله من خطر وتهديد.
لذلك سيعكس الفوز المتوقع لنتنياهو وليبرمان وقوى اليمين فى الانتخابات الإسرائيلية التى ستجرى غداً، حقيقة المزاج العام للشعب الإسرائيلى، الذى ينحاز بكل قوة الآن نحو قوى الرفض والتشدد، حتى تلك القوى التى كانت محسوبة على يمين الوسط مثل «كاديما ويسار الوسط مثل العمل»، وضعتها حرب غزة فى السلة نفسها مع قوى اليمين القومى والدينى، وتراجعت القوى المتمسكة بالتسوية، مثل حزب «ميرتس»، آخر معاقل اليسار المتزن والمتصالح نوعاً، إلى درجة تحرمها من أى تأثير.
سيختار الإسرائيليون غداً رئيس حكومة «نتنياهو»، الذى لم يتورط مرة فى الحديث عن الدولة الفلسطينية، ولم يعلن القبول بها ولو حتى بروتوكولياً، كما يصعدون بشريك له «ليبرمان»، الذى بنى صعوده على الإفراط فى إعلان كراهية العرب، وهو اختيار من المؤكد أنه مرحلى كسابقيه، وسيتراجعون عنه بعد وقت قصير لصالح السلام، قبل أن ينقلبوا على الأخير ويعودوا لليمين، ومنه إلى اليسار، ثم اليمين، لنبقى أسرى هذه الدوائر المفرغة، مرهونين بإرادة الشعب الإسرائيلى، الذى صار يملك حالياً ٩٩% من أوراق اللعبة.
لم يحسم الشعب الإسرائيلى خياراته حتى الآن.. فلماذا نحسمها نحن.. ونقدمها مجاناً للآخرين؟!