الأحد، 20 يناير 2013

مرسى ضد مرسى


شخص واحد يتآمر على الرئيس، ولا تذكره لائحة الاتهامات، ولا الإشارات الساخنة التى تصدر عن الرئاسة.

شخص واحد يتمنى الرئيس لو نجح فى إخراسه إلى الأبد.

شخص واحد يطارد الرئيس فى كل موقف وعند اتخاذ أى قرار، لا يكتفى بمعارضة المراسيم الرئاسية، لكنه يظهر الرئيس متناقضا، متحولا، متراجعا عن مبادئه من أجل السلطة، متماهيا ومتماشيا مع من كان قبله.

كان عمر بن الخطاب يجهر بكلمته المأثورة: «ليت أم عمر لم تلد عمرا»، كان يفعلها بقدر قاسٍ من حساب النفس، ويشفق عليها ما تحملت من أمانة ومسئولية، يتمنى لو لم يولد من الأساس، حتى لا يحاسب عن بغلة بغداد، وجوع امرأة فى المدينة، وقبطى اعتدى عليه ابن الأكرمين فى مصر.

والأرجح أن محمد مرسى يتمنى مع نفسه: «ليت أم محمد مرسى الرئيس.. لم تلد محمد مرسى النائب والقيادى الإخوانى»، ويلحقها بأمنية جديدة: «ليت الثلاثى جواد كريم وشاد هيرلى وستيف شين، لم يخترعوا يوتيوب».

الرجل لا يتمنى من منطق حساب النفس، لكنه يفعل بمنطق دفن الماضى، الذى صار يطارده فى كل لحظة فيفسد عليه لحظات الحكم التى يخوضها بأدواتها التى لم تتغير، يلعب ذات الألعاب التى كان يلعبها سلفه، ويتخذ ذات المواقف لا يخرج عن القضبان الأمريكية التى تسير عليها عربة الوطن منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضى.

هذا هو الشخص الذى يتمنى الرئيس لو نجح فى إخراسه إلى الأبد، محمد مرسى النائب، ومحمد مرسى القيادى الإخوانى، ومحمد مرسى المتظاهر فى الشارع، وما سجله موقع يوتيوب للرجل فى تلك الهيئات من صولات وجولات ومواقف وخطب رنانة، ومزايدات على نظام الحكم فى ذلك الوقت.

يحمل محمد مرسى على ظهره تاريخا ثقيلا صار عبئا عليه ولم يعد مناصرا له كما كان حتى لحظة انتخابه، محمد مرسى المرشح الرئاسى كان مستفيدا من فيديوهات يوتيوب التى تبرز مواقفه فى معارضة قرض صندوق النقد واعتباره ربا، والهجوم على اليهود و من والاهم باعتبارهم «أحفاد القردة والخنازير»، وسلخ الحكومة بعد حوادث القطارات والمطالبة بإقالتها، والإلحاح على مساءلة الدولة كلها على انهيار العقارات، والتظاهر لطرد السفير الأمريكى والإسرائيلى من القاهرة، والتعهد بتعديل الجمعية التأسيسية وعدم طرح الدستور للاستفتاء إلا وعليه توافق، ودعوة الناس للثورة ضده إذا خالف الدستور والقانون.

لكن محمد مرسى الرئيس لا يريد أن يتذكر هذه المواقف، ولا هذه الفيديوهات، فلم يعد هو ولا جماعته يفكرون فى طرد السفير الأمريكى والإسرائيلى من القاهرة، رغم أن سياسات الدولتين لم تتغير عن عهد مبارك، صارت فوائد القرض رسوما إدارية، وحوادث القطارات وانهيار العقارات قضاء وقدر وإهمال موروث عن السابقين، وصارت التصريحات ضد اليهود ودعوات المنابر عليهم «مجتزأة من السياق».

لا أحد ينغص على محمد مرسى أيام حكمه سوى محمد مرسى نفسه، ولا أحد من مصلحة الرئيس أن يخرسه ويخفيه سوى تاريخه نفسه الذى يناقض أفعاله وأقواله، ويكشف أن للسلطة ثمنا آخر.

فى قلب كل ليلة الأرجح أن محمد مرسى الرئيس يدعو مخلصا: «اللهم قنى شر محمد مرسى الآخر.. أما البرادعى وحمدين وأبوالفتوح وغيرهم من المعارضين والمتربصين، فلجان السباب والتشويه الإخوانية الإلكترونية كفيلة بهم».

الخميس، 17 يناير 2013

بين صورتين




الفارق كبير لكنه كاشف

هذا الذى تراه بين صورتين المفترض أن كليهما يعبر عن حادث القطار الأخير، الأولى فى مستشفى المعادى العسكرى، يبدو خلالها الرئيس مرسى وكبار قادة القوات المسلحة يزورون أحد المصابين فى الحادث، والثانية فى مستشفى البدرشين حيث يرقد 4 مصابين كل اثنين على سرير.

مطلوب منك أن تدقق بين الصورتين، أن تلعب اللعبة القديمة بالبحث عن الاختلافات، ولأن الاختلافات كثيرة مطلوب منك أن تتدبر فيها، وأن تواجه علامات الاستفهام التى ستتفجر فى رأسك.

اختار الرئيس المستشفى النظيف المنظم، الذى ينام فيه كل مصاب على سرير منفرد، وربما فى غرفة منفردة، وتبدو ملامحه طيبة، ملابسه نظيفة، وشعره مهندم، الرئيس لا يريد لصورته التى ستوزع فى العالم أن تكون مرتبطة بالفقر، رغم أنه ابن هذه المعاناة التى كانت فى مستشفى البدرشين أو مستشفى الحوامدية.

الطبيعى أن يكون الرئيس فى البدرشين أو الحوامدية، يواسى الضحايا الذين غدر بهم الحادث، وغدرت بهم الإمكانات، وكما نقلت الشهداء وأشلاؤهم إلى المشرحة فى توابيت جماعية، وضعت المصابين منهم على أسرة جماعية.

لماذا مكانه هناك؟

لأن تلك طبائع الأمور، فالرجل القادم من وسط الكادحين من المفترض أن يكون مكانه بينهم، هذا أولا، وثانيا أن الرجل القادم بدفع وإنجاز ثورة قامت من أجل التغيير والعدالة الاجتماعية، هنا مكانه أيضا، لكن الرجل أصر على التقاط ذات الصورة التى لو كان مبارك هو الذى فى الحكم لكان التقطها دون تغيير ولو طفيف فى الكادر.

كان مطلوبا من الرئيس أن يذهب لمستشفى البدرشين، يدخل العنابر ويشاهد المصابين يتقاسمون الأسرة، ليعرف إذا كان لا يعرف، ليس ليتحمل المسئولية فى إهمال دائما ما يرجعه رجاله إلى الماضى دون أن يتحدثوا عما فعلوه ليبلغوا بنا المستقبل، ولكن ليفهم وتفهم معه أن إضراب الأطباء الذى أجهضه الإخوان قبل أن يؤتى ثماره ما كان يهدف سوى لضمان ألا تتكرر هذه الصورة، ألا يتميز من شاء قدره أن يرقد فى المستشفى العسكرى عن من رقد دون حيلة منه فى مستشفى البدرشين.

كان مطلوبا من الرئيس أن يذهب ويدقق فى رقدة اثنين من المصابين على ذات السرير، ليعرف أن ما أحدا خدعه، وقال له إنك ستتسلم وطنا مرفها، لكنه كان يعلم أن القطارات تحمل الموت، والمستشفيات لا تحترم الإنسان، كان يعلم ولم يرحم من سبقه بالنقد والهجوم وتحميل المسئولية، وتقدم لهذه المهمة برضاه واختياره ــ أو هكذا نظن ــ ومن حق الجميع أن يحاسبه، ومن حق الجميع ألا يقدم لهم الرئيس مبررات ويعلق لهم الفشل على شماعات صارت بالية ولم يعد يجدى اللجوء إليها، إلا فى التأكيد على أنه لا شىء تغير، وخلف كل سلطة تذهب سلطة جديدة تستمر فى خداع شعبها وتخديره بالوهم.

 الفارق بين الصورتين يكشف لك حقيقة مهمة عن نجاح الثورة فى مهمتها ونحن على أعتاب ذكراها الثانية، هل تغير النظام أم جرى استبدال وجوهه فقط فيما الثقافة واحدة، والانحيازات ثابتة، وأنماط التعامل مع الكادحين لا تتغير، يغلفها شعارات الحرص والتبنى، بينما يكمن فى جوهرها كل معانى الازدراء والتهميش والإهمال.

الأربعاء، 16 يناير 2013

مأذون بنك الائتمان الزراعى


لكل فلاح ظهر فى هذا الزمن إذا كنت مزارعا فلا تقلق.. بنك التنمية والائتمان الزراعى يدعمك.

صحيح أنه لا يوفر لك مستلزمات الإنتاج بسهولة، يقصم ظهرك فى أسعار الأسمدة، يذهب بك إلى المحاكم والأقسام لسداد قروضك الإنتاجية التى تعثرت فى سدادها بسبب الركود، أو انهيار أسعار المحاصيل، أو غياب شبكات التسويق والتوزيع التى كان من المفترض أن يساعدك البنك فى بنائها وتعزيزها.

لكن كل ذلك لا يهم، ولا يجعلك تعتقد أن البنك لا يقوم بدوره فى خدمة الزراعة المصرية والنهوض بها وبالفلاح المصرى، لأن البنك سيمنحك قرضا للزواج الثانى بفائدة هى الأقل على الإطلاق فى السوق المصرفى المصرى.

يشجعك رئيس مجلس إدارة بنك التنمية والائتمان الزراعى على الزواج الثانى، هو فقط لا يدعمك بالنصيحة، لكنه يقدم لك إمكانيات البنك، بعد أن تفتق ذهنه وفق ما هو منسوب له فى جريدة الأهرام أمس، على منح قروض ميسرة للمزارعين للزواج الثانى بفائدة أقل من تلك التى يأخذها المزارعون لمستلزمات الإنتاج، أو لإنشاء مزرعة دواجن أو عنبر للعجول، أو لتطوير زراعاتهم، أو لسداد ثمن الأسمدة والمبيدات.

يتحدث رئيس البنك عن مشكلة عنوسة فى المجتمع المصرى، هو يستخدم أرقاما رسمية لكن فى المجال الخطأ، هو لم يسأل كم من هذه النسبة موجود فى الريف وفى مجتمعات فلاحين فى الأغلب لا تتخطى الفتاة فيها سن الواحد وعشرين عاما إلا وهى متزوجة، أيضا لم يسأل الرجل الذى قرر أن يتصدى لمشكلة العنوسة رغم أن مهمته الرسمية أن يتصدى لمشاكل قطاع الزراعة وأن يكون مساعدا فى تطويره وتشجيع المزارعين على الاستثمار بمخاطر أقل، والأرجح أنه لا يؤدى هذه المهمة كما ينبغى، لم يفكر أن مبادرته قد تهدم بيوتا آمنة بدلا من أن تعمر آخرى.

ولأنه جزء من مدرسة قديمة فى التفكير ومازالت قائمة وحاكمة حتى الآن، تعمد دائما إلى التغطية على الفشل بالتوسع فى الوعود التى تغازل مشاعر الناس وغرائزهم، فلم يفكر مثلا فى تقديم مبادرات لحل مشكلة البطالة فى الريف، عبر التوسع فى أشكال ائتمانية جديدة تساعد آلاف الشباب على العمل والكسب ومن ثم الزواج وحل مشكلة العنوسة، لم يفكر فى هذه الحلول الائتمانية لمكافحة ظواهر الهجرة غير الشرعية، وربط آلاف الشباب المحبط الذى يغامر بحياته فى البحر بأمل جديد.

وإجرائيا وهذا ليس بهزل، يحتاج المزارع المقدم على زيجة ثانية بتشجيع رئيس بنك الائتمان الزراعى أن يعرف هل سيكون على العروسة «حظر طلاق» مثل حظر البيع المرتبط بقروض السيارات، وماذا لو طلقها بعد أن حصل على القرض، هل سيقاضيه البنك، أم سيشجعه على أن يجرب حظه مع أخرى، وماذا لو ماتت أو اكتشف أنها «نكدية» هل سيمنحه البنك وثائق تأمين، وهل التأمين إجبارى فى هذه الحالة؟  

أنهى رئيس البنك كل ما هو مكلف به من مسئوليات، وحقق كل ما هو مطلوب منه من أهداف، ولم يبق من شىء ينغصه، سوى تحفيز تعدد الزوجات لمكافحة العنوسة بأموال البنك، ووضع شرائح وفوائد بنكية متدرجة عن كل زيجة.

عزيزى رئيس بنك التنمية والائتمان الزراعى: «مكانك مش هنا خدلك قرض من البنك الأهلى واشتغل الشغلانة الى بتحبها.. وافتح مكتب مأذون».   

الاثنين، 14 يناير 2013

الغلق ليس حلاً


الأرجح أنك سعيد بحكم محكمة القضاء الإدارى بوقف بث قناة الحافظ، تأخذك خصومة سياسية إلى هذا الفرح، أو غيرة مهنية، أو حتى استياء حقيقيا مما يجرى تداوله على شاشاتها من فحش فى القول لا يتناسب مع إعلام محترم ولا مع من يقدم نفسه فى ثوب الداعية.

لكن كل ذلك لا يجب أن يجعلك تتجاهل التفاصيل لأنها ليست مجرد هوامش.. أخلاقيا لا يجب أن تفرح بوقف وسيلة إعلام كاملة، خاصة إذا كنت من أولئك الذين يثمنون حرية الإعلام، ويعرفون أنها مكتسب حقيقى من مكتسبات المجتمع التى حصل عليها بعد نضال طويل مع نظام ديكتاتورى معلن، ولا يجوز التخلى عنها.

من واجبك أن تقلق سواء كنت من أبناء هذه الصناعة أم من المستفيدين من وجودها وتنوع اتجاهاتها كمتلقٍ يجد الخطابات أمامه فيقبل ما يقبل ويرفض ما يرفض، ويدير الشاشة أو يقاطع الصحيفة كما يشاء.

أولا: هذا أول تطبيق عملى لنصوص دستورية تسمح بإغلاق الصحف ووسائل الإعلام بحكم قضائى، وشرعنة هذا التطبيق لن تقف به عند حدود قناة الحافظ، أو الممارسات المجمع على رداءتها وفحشها، لكنها ستمتد لتشمل كل عمل إعلامى يرى أى قاضٍ وفق تأويله أنه ضار بالمجتمع أو فيه خروج عن قيمه.

ثانيا: يمثل الحكم عقوبة جماعية لمؤسسة بأكملها بجميع العاملين فيها من إعلاميين وموظفيين وفنيين، بسبب جريمة شخص أو برنامج، وقبل أن أسهب، أؤكد أننى مؤيد تماما لكل حيثيات المحكمة حول تجاوزات وخروقات وفحش البرنامج المتهم ومقدمه، لكن هل تعرف مبدءا قانونيا اسمه «العقوبة فردية»، هل تعرف وأنت محكوم بدستور نافذ مرجعيته الأساسية الشريعة الإسلامية، أنه استقر بالنص أن «لا تزر وازرة وزر أخرى» و«كل نفس بما كسبت رهينة».

من غير المقبول إذن أن يرى قاض أو متقاضٍ أن ما أكتبه فى هذه الجريدة مسىء أو جارح أو متجاوز للقانون ولقيم المجتمع، فيحكم بإغلاق الصحيفة كلها، فيتضرر غيرى ممن لم يرتكبوا ذات الإثم وربما عارضوه،ولم يقبلوا به إلا إيمانا بحرية الرأى، ويتضرر مجتمع يخسر من رصيد طاقته الإعلامية نافذة كان يمكن ترشيدها بالقانون أيضا.

هذا لا يعنى أن المؤسسات لا تعاقب على تضامنها مع المتجاوزين فيها، لكن المؤسسات كهيئات يمكن تغريمها لكن الغلق الكامل فضلا عن كونه عقوبة جماعية، هو عين الاعتداء على حرية الإعلام بشكل عام.

القضية الآن ليست قناة وإنما نمط فهم لواقع الإعلام يجعله مهددا باستمرار أكثر مما هو مهدد، ويمنح العصف به أسانيد دستورية وقانونية وسوابق قضائية، لا تجعل ما سيأتى بعد هذا الحكم من أحكام يبدو شاذا أو مستغربا وصادما.

يحتاج الإعلام إلى تنظيم من الداخل، وإلى مواجهة ذاتية لكل أشكال الخرق المتفق عليها وليست المفسرة سياسيا بعيون وأهواء حزبية، تلك الضوابط المهنية هى التى ستحمى الجميع داخل الصناعة وخارجها، أما تسليم الأمر لنصوص لا تحترم حرية الإعلام، وتشف سياسى فى هذا الخصم وذاك، سينتهى وقد فقد المجتمع كله حقه فى إعلام حر لا تحتويه سلطة لا بسيفها ولا بذهبها.

الأحد، 13 يناير 2013

الربيع الطائفى



دخلت المنطقة زمن الفرز الطائفى منذ وقت بعيد، وبينما كانت البشارات بالديمقراطية تأتى من الداخل وسط ضيق بممارسات الأنظمة الحاكمة، كانت البشارات تأتى من الخارج أيضا وسط إلحاح على التغيير فى إطار منهج تبنته الإدارات الأمريكية عقب أحداث الحادى عشر من سبتمبر.

ظلت الأنظمة الاستبدادية العربية رغم قسوتها وعدائها للقوى الديمقراطية والأصولية فى مجتمعاتها، محافظة إلى حد كبير على وحدة الخريطة، وعلى خفوت أصوات النزعات الطائفية والعرقية، بقدر من الإكراه الواسع دون تبنى أى عملية سياسية واجتماعية لتحويل التنوع الطائفى أو العرقى إلى مزايا وطنية تصب فى صالح البلاد، لكن التعاطى مع هذه الملفات باتهامات التخوين والتسفيه، منح لها الزخم عند اندلاع الثورات، وحاول القائمون عليها ترجمة قهر السنين إلى مكاسب مباشرة ومغالية فى أهدافها إلى حدود الانفصال.

لكن الواضح فى هذا الوقت أن كل ذلك لا يزعج أحدا، خصوصا اللاعبين الأساسيين فى المنطقة، إدارات أمريكية مازالت تدير عملية التغيير فى المنطقة بتدخل مباشر كما فى العراق وليبيا، وباحتواء مباشر كما فى مصر، وقوى حاكمة صاعدة لا يزعجها «لبننة» المنطقة بأثرها، فتتورط فى خطابات الاستقطاب الدينى والعرقى، أو تتركه يتم برعايتها.

بشر الأمريكيون بالديمقراطية فى العراق، فإذا هم يستلهمون النموذج الطائفى اللبنانى لكن دون انضباط، وانتهى الأمر إلى عراق طائفى عرقى تتصارع قواه ولا تتعاون، وتتحين أطراف فيه الفرص للتنكيل بالأطراف الأخرى أو الخروج تماما من جغرافية الوطن إلى حلم الدولة المستقلة.

ومن داخل الثورات الشعبية فى مصر وتونس خرج الفرز الطائفى بصورة مقيتة، وارتفعت أصوات التكفير والتخوين بشكل قسم المجتمع ووضع الأقليات الطائفية فى موقف أكثر خطورة وتهديدا عن ما كان قبله فى عهود الاستبداد والقمع.

عندما انفصل جنوب السودان، بشر غلاة الأصوليين الحاكمين بزمن النقاء الإسلامى، اعتبروا أن الشمال استقل أخيرا عن الجنوب الصليبى الوثنى، وأن الفرصة جاءت لتطبيق الشريعة دون تنغيص من «الآخر».

ويبقى التقسيم الطائفى حاكما فى إدارة الصراع فى سورية، فذات النعرات الأصولية التى تزدرى الآخر قائمة، وذات الذكريات الثأرية بين الطوائف باقية، والأحلام القومية للأكراد التى فشلت الأنظمة فى إيران والعراق وسوريا وتركيا فى احتوائها فى إطار وطنى يحترم التنوع قائمة، ونصب عينها نموذج فى العراق يترسخ وينمو ويقوى وسط معادلات إقليمية ملتبسة.

ومن أشهر الأناشيد الرائجة لقطاع من المقاتلين ضد نظام بشار الأسد فى سوريا نشيد يقول: «العلوية فى التابوت.. والنصارى على بيروت»، هذه إذن ذهنية من يملك السلاح ويخوض المعارك، دعك من أحاديث السياسيين المغلفة بالتسامح، لكن الواقع أن الثورة السورية جرى أيضا سحبها إلى المنطقة الطائفية السوداء، بما يعقد أى تصورات عن سوريا ما بعد الأسد، وهل ستظل سوريا الموحدة أم المقسمة جغرافيا، أم المقسمة طائفيا وعرقيا على غرار النموذج اللبنانى أو العراقى.

تعتقد الولايات المتحدة أن تغيير خريطة المنطقة اعتمادا على الفرز الطائفى والعرقى، سيساعدها فى تحويل بوصلة الصراع الرئيسية فى المنطقة من العرب فى مواجهة إسرائيل، إلى السنة فى مواجهة الشيعة، وتجد من يقدم نفسه لهذه المعركة بخطاب يرفض الآخر تماما، ويطلب السلطة فى مقابل أن يكون رأس الحربة فى الصراع الجديد، هذه حسابات اللاعبين فيما الشعوب فى مقاعد المتفرجين.

الخميس، 10 يناير 2013

رسالة من الشارع


كان صديق عزيز فى طريقه إلى أحد الكافيهات الشهيرة بوسط القاهرة لحضور اجتماع مع مجموعة من الناشطين فى مجال العمل الأهلى، الرجل لا خبرة له على الإطلاق بوسط القاهرة وشوارعها، قضى جزءا كبيرا من عمره فى الخارج، والجزء الآخر لا يبرح ضاحية مصر الجديدة وجوارها، لذلك كان مضطرا أن يسأل عن المكان الذى يقصده.

توسم الصديق فى بائع يبدو ملتزما وسأله عن المكان المقصود، فرد عليه البائع: «هو هنا فى هذا الشارع لكننى لا أستطيع أن أدلك عليه»

تعجب الرجل من الرد، وفى الوقت نفسه تحسب أنه ربما يقصد مكانا قد يلحق ضررا بسمعته، فاستفسر منه عن سبب امتناعه فقال له البائع: «لعن الله صانعها وناقلها وشاربها.. واللى يشاورلك عليها»، وأضاف: «ده بيقدم خمور وبيرة».

رد عليه الصديق أن المكان إلى جانب ذلك يقدم خدمات أخرى تقليدية، مأكولات ومشروبات، وليس شرطا أن كل من يرتاده مدمن خمر، وقال له أنا شخصيا سأتناول القهوة مع بعض الأصدقاء وجميعهم لا يتناولون أى كحوليات، لكن ذلك لم يكن مقنعا للبائع الذى رفض تماما أن يشير بإصبعه للمكان، فما كان من الرجل إلا أن سأله، هل تعرف أين أجد المحل المجاور لهذا الكافيه؟ فأشار له البائع على مكان المحل ووصل صديقى إلى مقصده، فيما البائع راضٍ أنه لم يأثم حتى وهو يعلم أن النتيجة النهائية أنه دل الرجل على مقصده ولو بشكل غير مباشر.

تفتق خيال صاحبى إلى حل «توافقى» لأزمته الصغيرة، لم يحاول أن يسفه من إيمان البائع ولا تمسكه بمبدأ حتى لو رأى فيه مغالاة أو تزيدا وإضافة من قلب فهمه للحديث الشريف، والأرجح أن الرجل كان يفهم المقصد من تغيير السؤال من أين الكافيه؟ إلى أين المحل المجاور للكافيه؟، ووجد فيه حلا لغريب يسأل، والمؤكد أنه سيؤجر إن دله، وهو يعلم قطعا أنه «لا تزر وازرة وزر أخرى».

بعض الأزمات فى بلادنا وما أكثرها تحتاج إلى خيال حقيقى من جانب وإلى إطار من الثقة وافتراض حسن النية فى جانب ثان، وأى حوار ترجو من ورائه نتيجة لابد أن يستلهم فى القلب منه مثل هذا النموذج الذى حقق مصلحة الطرفين المتحاورين فى الشارع، فدل الرجل على مقصده، ومنح الثانى تخريجا يبدو شرعيا لتزيده، البائع رغم قناعاته تلك لم يستقبل الرجل باتهامات الانحلال والفجور، لم يفتش فى ضميره ويسأله ماذا ستفعل هناك وهل ستشرب بيرة أم قهوة؟ لم يركز فى إيمان من يقف أمامه، ولم يحدثه بسوء ظن، هو فقط انشغل بإيمانه وبقناعاته، وبحرصه على تطبيق هذه القناعات على نفسه أولا، دون أن يقتحم حياة الطرف الثانى لا بتفتيش أو تخوين ولا بتكفير وتأثيم، فى مقابل رجل عاقل كان يمكن أن ينصرف عنه ويسأل غيره، لكنه وجد حلا يحترم قناعات محاوره، ويحقق مقاصد الجميع دون غالب ولا مغلوب.  

الأربعاء، 9 يناير 2013

وجه واحد للأخلاق


لم يكن شرطا أن يكون الحقوقى والمحامى البارز أحمد سيف الإسلام حمد، مقتنعا بكثير من دوافع ورؤى الأصوليين المتشددين حتى يكون حاضرا ومدافعا عن كل من تم انتهاك حقوقه من هذه الجماعات فى أحداث العنف خلال الثمانينيات والتسعينيات، الأخلاق يجب ألا تقبل التحزب والتسييس، هناك مواقف أخلاقية فى الأساس، تدفعك لكونك إنسانا من الأصل أن تكافح أى تمييز أو اعتداء على الحقوق والحريات أيا كان انتماء المجنى عليه السياسى أو الدينى.

بهذا المنطق وجدت المنتقبات فى فرنسا من يتضامن مع حقهن فى ارتداء ما يردن، حتى لو كان المتضامنون ليبراليين بينهم كاشفات حسب أحدث خطوط الموضة الباريسية، ووجد معتقلو جوانتانامو من داخل المجتمع الأمريكى من يدين الممارسات بحقهم، ووجد ضحايا أبوغريب من يكشف خطايا البنتاجون من داخل الإعلام والمجتمع الأمريكى.

هؤلاء يرون صورة مواقفهم الأخلاقية باكتمال واضح، لا يقبلون باجتزائها، ولا ربطها بأيديولوجية أو تحزب، يتحركون من منطق حق الإنسان كونه إنسانا، دون تركيز مع لونه أو جنسه أو عقيدته أو مرجعيته السياسية.

خلال الأيام السابقة دشنت ناشطات «محجبات» حملة إلكترونية واسعة لمقاطعة أحد المطاعم فى إحدى ضواحى القاهرة، سبب الحملة أن المطعم يرفض تشغيل المحجبات، فتضطر بعض العاملات فيه أن يخلعن حجابهن عند دخول المطعم لمزاولة العمل، ثم يعدن ارتداءه وهن فى الطريق لمنازلهن.

هذا تمييز غير مقبول بلا شك، لكنه مجرد وجه من وجوه التمييز فى العمل، فعلى الجانب الآخر هناك مطاعم ومتاجر «إسلامية» لا تقبل توظيف غير المحجبات، ولا تقبل توظيف الأقباط، وتشترط على سبيل المثال حدا معينا من حفظ القرآن لقبول «بائع» لديها، وهناك كذلك شركات تمنح الأولوية فى وظائفها للأقباط.

هذه صورة كاملة كلها تمييز، لكن تحزيب المواقف الأخلاقية يدفع البعض لأن يرى جزءا من هذه الصورة بإدانة غليظة، وجزءا آخر من ذات الصورة بتأييد معلن أو مستتر.

كيف يمكن أن تحترم من يرى منع المحجبات تمييزا، ولا يرى منع الكاشفات تمييزا كذلك ؟


لديك قضية أخلاقية أخرى فى توريث المناصب القضائية، ومع احتدام التشاحن السياسى ودخوله باستقطاباته وصراعاته داخل المؤسسة القضائية للأسف الشديد، خرج من يلفت الأنظار إلى أن تعيين أبناء المستشار أحمد الزند ومن هم فى معسكره فى القضاء توريثا وفيه قدر كبير من انتهاك العدالة والنزاهة والمساواة بين المصريين، ورد عليه من نشر ما يفيد تعيين أبناء المستشار أحمد مكى ومن هم فى معسكره فى ذات المواقع القضائية، وبذات الإجراءات المطعون عليها مجتمعيا، لكن كلا الطرفين لا يرى إلا جزءا من الصورة، أو يرى الوجهين فيدين وجها ويؤيد وجها منطلقا من خصوماته الحزبية.

إذا كان هناك هدف أخلاقى كبير فى منع توريث المناصب القضائية وضمان عدالة ونزاهة إجراءاتها، فلابد أن تكون الصورة كاملة غير حزبية، وإذا كان هناك هدف أخلاقى كبير فى منع التمييز فى العمل بسبب العقيدة أو المظهر أو الجنس، فلابد أن تكون الصورة كاملة، لكن تحزيب المواقف الأخلاقية يفسد الأخلاق، ولا ينتج إلا مجتمعا لا يعرف الإنصاف كفضيلة، ولا العدالة كأساس للحكم.

للأخلاق وجه واحد.. لكن أغلبنا بوجهين

الثلاثاء، 8 يناير 2013

بين الدين والسياسة


لولا الخلافة ما ظهرت خوارج ولا شيعة. 

عندما تقرأ كتاب المفكر الكبير أحمد أمين «يوم الإسلام» لا تخرج سوى بهذه النتيجة، أحيانا تحتاج إلى قدر واسع من التدبر والتأمل فيما مضى، ليس لتسوق الحجج لمواقفك، أو تستنبط الشواهد لرؤاك، لكن لتبحث عن حلول محددة لأزمات تعصف بك بين اتجاهات شتى بعضها متناقض وجميعها للغرابة يعتقد أنه يحتكر الحق واليقين.

الخلافة المقصودة ليست فى حد ذاتها نظام الحكم الذى اختاره المسلمون وليس الإسلام، الفارق كبير بين اجتهاد المسلمين، وأحكام الإسلام كما تعرف، لكن المقصود بها السياسة والصراع على الحكم.

ترك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأمة بعد أن اكتمل الدين، دون أن يضع نظاما محددا لحكم الدولة التى كان يجمع فيها استثنائيا سلطة الحكم وسلطة الدين معا، ترك ذلك لاجتهادات صحابته من بعده، وتباينت هذه الاجتهادات فى كل اختيار مع الخلفاء الأربعة قبل أن تصبح الخلافة ملكا يورث.

لكن صراعا على الخلافة نشب بعد الشيخين بشكل معلن، ورغم أنه صراع سياسى بين وجهات نظر متباينة ومتفاوتة على الدولة، فإن كل فريق لجأ إلى الدين ليدعم حقه، تم استدعاء أحاديث تبدو متعارضة أو تأويلات تبدو متناقضة كل يفهم من الدين ما يدعم حضوره السياسى وطموحه فى الدولة وليس الدين.

لم يكن فى صدر الإسلام علمانيين من أولئك الذين يدعون بتطرف لفصل الدين عن الدولة قطعا، لكن كان هناك حاجة للتمييز بين الدينى والسياسى، حماية للدين ولقدسيته قبل أى شىء، وضمانا لعدم اتخاذه وسيلة وذريعة لتحقيق مكاسب سياسية.

لكن ذلك لم يحدث، وانقسم المسلمون بين سنة وشيعة وخوارج، وكل منهم يرفع شعار: «إن الحكم إلا لله»، حتى وصل الأمر بتكفير من لا يمكن تكفيره، ولعن من لا يقبل الله لعنه، وسط نهر دم فاض طوال هذه السنوات بدماء صحابة أطهار.

ما الذى جعل صحابيا يقف فى وجه رفيق نضاله السابق من أجل الإسلام يواجهان بعضهما بالسيف وكل منهما يحتكم للدين ذاته، هل خلاف على الدين أم الدولة؟

الحقيقة أنه خلاف على الدولة استخدم فيه كل طرف ما رآه من حجج دينية وتأويلات تنتصر له على خصمه، فصار لكل حزب فقه ولكل تأويل مذهبا ولكل مذهب طقوس، ولكل طقوس أتباع، ولكل أتباع ذرية وانتهى الأمر إلى أن استقر كل منهم بما ورثه مخلوطا بالسياسة من إطار دينى.

واليوم لولا صراع سياسى على الدولة ما اهتم البعض بالتفتيش فى إيمان البعض الآخر وتكفيرهم، وما ادعى آخرون أن الصناديق الانتخابية تذهب بك إلى الجنة أو النار، ولا قال آخر إن الإثم يحوطك فى معارضة سياسية والحسنات تغمرك فى معسكر التأييد، ولا استخدمت مساجد فى التحزب والترويج للتحزب.

لا يمكن نفى الدين فى مجتمعات مشغولة به بإيمان كما يحاول معسكر، ولا يمكن إقحامه فى صراع سياسى واستدعاؤه والتجارة به والحشد لنصره دون تهديد كما يحاول معسكر آخر، لكن يمكن التمييز بين الدينى والسياسى كما هو جوهر الدين وأصله، دون تحزيب الفتاوى والآيات ومنابر المساجد، وإلا فإن فتنة قسمت المسلمين بين سنة وشيعة، ستقسم المصريين بين أديان وعقائد ومذاهب شتى.. فانتبهوا.

الأحد، 6 يناير 2013

العم جورج


كان الرجل لا يمل من إلقاء الصباحات والمساءات والسلامات، يدخل فيقول «سلامو عليكم»، أقول له: يا عم «جورج» قل صباح الخير، فيرد: «صباح الفل»، ثم يأتى فى يوم تال ليقول: «صباح الخير».. فأرد عليه: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته» فيقع فى ضحك مجلجل.

تمر الأعياد فلا نلتفت، لا نعرف عنها شيئا إلا عندما نلاحظ غيابه، أو يسأل عنه زميل يفتقد صباحه، ويعرف أنه فى إجازة عيد، لكننا جميعا كنا نعرف أن العم جورج بـ«يعيد» عندما يأتى فى اليوم التالى لانتهاء إجازته ويوزع الكعك على الجميع، فنأكل وربما ننسى أن نقول له: «كل سنة وانت طيب»، أو يقولها أحدنا بسينمائية أحمد مظهر: «هل هنأتم أخاكم جورج بعيد الميلاد».

كان العم جورج مثل أبى وأبيك، مثل ملايين ينتشرون فى مناكب الأرض بحثا عن رزق شريف، قد يطاوعه ويأتيه فيشكر ويقول لك: «نحمد ربنا»، وقد يعانده فيصبر، وينتظر، ويحاول بجلد حتى يأتى فيشكر الله مجددا على نعمة الصبر وفضل الرزق.

كان العم جورج مؤمنا وودودا، من أولئك الذين أثنى القرآن الكريم على مودتهم وقال فيهم: «وأنهم لا يستكبرون»، لذلك حين أعرف أن هناك من يحرم تهنئة المسيحيين بأعيادهم، أسأل: وهل يعرف أصحاب الفتاوى هؤلاء العم جورج، هل صافحوه مرة وهو يلقى سلاما ودودا، أو يدعو دعاء صادقا؟

كيف تأثم وأنت تهنئه بالعيد، أو تعوده فى المرض، أو تستمع إليه فى المحنة، وهو زميلك الذى يشاركك العمل، يأتيك يوما ويذكرك بعزاء عند زميل أو بتهنئة مستحقة لآخر، أو يصحح لك كلمة فيما كتبت، أو ينبهك إلى جملة رابطة سقطت من أفكارك وأنت تكتب مقالك فأحدثت انفصالا بين جزء من المقال وآخر.

رحل العم جورج قبل عامين، نعيته وقتها وتذكرته الآن وأنا أرى سيل التحريمات عن التهنئة بالأعياد، عشرات التفسيرات العقيدية التى تخرج مصطدمة بالعقل والنص وفطرة المسلم الحنفى، قبل أن ينقسم إلى سنى وشيعى ووهابى وسلفى وإخوانى.

كان العم جورج يفشى السلام ويطعم الطعام، ويعمل بضمير لا ينام، ويتبسم فى وجوه إخوانه، ويأكل حلالا، ولا يؤذى أحدا بكلمة، ولا يجرح زميلا بلسان.

لا يهم إذا كانت «تنيحت» روحه، أو صعدت إلى بارئها، لا فرق إن كان انتقل إلى «الأمجاد السماوية» أو إلى «رحمة الله»، فالله «العادل» وحده يملك الحكمة والمصير، وينظر للقلوب والأعمال، ويكافئ الودعاء الطيبين فى نهاية المدى.

استفت قلبك وهنأ أخاك وجارك وزميلك بعيد الميلاد، لا تلتفت لفتاوى القبور والكراهية والجهامة، هذا ميلاد المسيح عيسى بن مريم الذى تعلمت أن السلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا، فإذا كان القرآن احتفل بميلاد المسيح، فما الذى يضيرك أن تحتفل وتهنئ من يحتفلون، بنية إيمانك به وبجوهر رسالة «رحمة العالمين» الذى جاء من بعده.

السبت، 5 يناير 2013

تخريد سيناء


المصريون أنواع..
المصرى الذى لا يحمل جنسية أخرى.. والمصرى المتجنس، الذى حصل على الجنسية المصرية، والمصرى مزدوج الجنسية الذى حصل على جنسية أخرى، واحتفظ فى الوقت نفسه بجنسيته المصرية.

ينص الدستور النافذ حاليا على أن «المواطنين أمام القانون سواء ولا يجوز التمييز بينهم»، لكن قانون تملك الأراضى فى سيناء ولائحته التنفيذية لم يعترفا بهذا النص الدستورى، ووجدا أن المواطنين من الجائز التمييز بينهم، فالمصرى الذى لا يحمل سوى جنسيته المصرية من حقه أن يتملك فى سيناء، والمصرى المتجنس الذى حصل على الجنسية المصرية وتنازل عن ما عداها من حقه، لكن المصرى المزدوج الجنسية ليس من حقه التملك.

ينص الدستور النافذ على «كفالة وحرمة الملكية الخاصة ويحمى هذا الدستور حق الإرث فيها»، لكن القانون ولائحته التنفيذية يمنحان المصرى غير المتمتع بجنسية آخرى حق تملك الأراضى فى سيناء، لكنهما يحرمانه من حق توريث ما يملكه إذا كان وريثه أجنبيا أو مصريا مزدوج الجنسية.

ما معنى ذلك؟
معناه أن الدكتور محمد مرسى على سبيل المثال من حقه تملك أراض أو عقار فى سيناء، لكن ليس من حقه نجليه اللذين يتمتعان بالجنسية الأمريكية أن يرثا هذه الأرض أو العقار. ليست المشكلة الملحة فى أبناء الرئيس مرسى قطعا، لكن فى آلاف غيرهم من المصريين والمصريات «البيور» لكن أزواجهم أو زوجاتهم أو أبناؤهم يحملون جنسيات آخرى إلى جانب المصرية.

لاحظ أن ذلك يتم بعد إقرار دستور يستند إلى الشريعة الإسلامية، والقرآن الكريم ما فصل شيئا بدقة مثل المواريث ولم يتركها لتأويلات الفقهاء، ولم يحم شيئا بنصوص قاطعة أكثر من حق الإرث.

لكن الأهم أن بين التفاصيل ما زال هناك شياطين كثيرة، يكفى أن تعرف أن القانون ولائحته التنفيذية وهما يغلان أيادى بعض المصريين عن التملك، سمحا لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء باستثناء العرب من هذا القانون والسماح لهم بالتملك فى سيناء.

ما معنى ذلك؟
معناه أن الدكتور مجدى يعقوب على سبيل المثال ليس من حقه أن يتملك غرفة فى سيناء، لكن أى أمير خليجى من حقه أن يمتلك آلاف الأفدنة وعشرات القرى والمدن طالما حصل على الاستثناء من رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية.

شيطان آخر فى التفاصيل يكمن فى إنفاذ القانون بأثر رجعى على أوضاع قائمة ومستقرة ومشروعات جاهزة وليست تحت الإنشاء، لكن الشيطان الأكبر أن مهلة توفيق الأوضاع التى يمنحها القانون لمن لا تنطبق عليه شروط التملك لا تزيد على 6 أشهر، انتهى منه أكثر من أربعة، ومطلوب من كل مالك أن يتصرف فيما يملك بالبيع لمصرى، أو لعربى لديه استثناء فى أقل من شهر ونصف.

ما معنى ذلك؟
معناه أن تنهار الأسعار المنهارة بالفعل، ضغط الوقت وقلة من يملك السيولة من بين شريحة محدودة من المشترين تعنى أن المطلوب أن تباع معظم المشروعات القائمة فى سيناء «خردة» بأى ثمن متاح، لأى شخص بـ«عقال»أو بدون لكن «فلوسه حاضرة»
الارتباك فى صياغة القانون ولائحته التنفيذية والتضارب فيما بينهما، وتناقضهما مع الدستور فى أول اختبار لجدية احترامه، والمهلة القصيرة جدا المتاحة للبيع، كل ذلك يطرح السؤال: لمصلحة من يجرى تخريد سيناء؟

الجمعة، 4 يناير 2013

حكومة ـــ لا مؤاخذة ــ النهضة


الحكومة تعترف أخيرا بالفشل.
الحكومة تستنجد بالقوات المسلحة.

لا أحدثك عن الأزمة الاقتصادية الخانقة، ولا عن تراجع الجنيه أمام الدولار، ولا قضايا الإنتاج والنهضة الكبرى، ولا الانطلاقة التى وعد بها هشام قنديل رئيس الوزراء، ومن فوقه الرئيس، ومن فوقهما مكتب الإرشاد.

أحدثك عن حديقة «الأسرة» التى كانت تسمى حتى أمس الأول حديقة «سوزان مبارك للأسرة»، والكائنة فى القاهرة الجديدة.

عليك وأنت تنتظر من حكومة الرئيس مرسى أن تنهض بهذا الوطن نحو آفاق كبرى تتمناها، أن تقرأ بعناية البيان الصادر عن مجلس الوزراء بشأن الحديقة، ربما تعتقد لوهلة أن المسألة هامشية، أو أنها من صغائر الأمور، لكنها فى الحقيقة دليل واضح على كفاءة هذه الحكومة ومدى قدرتها على العمل فى فريق، ومدى استعدادها لتحمل المسئوليات الجسام ذات العلاقة بمصير الوطن والمواطنين.

البيان الصادر عن مجلس الوزراء يشير إلى تغيير اسم الحديقة بشطب سوزان مبارك من لافتتها وأوراقها الرسمية، هذا جانب لدغدغة عواطفك والتأكيد أن الحكومة منحازة للثورة حتى لو حدث هذا التغيير بعد عامين من قيام الثورة.

لكن دع كل ذلك جانبا وانظر إلى أن البيان المنشور فى جميع الصحف، الذى تم عرضه فى كل نشرات الأخبار، تحدث عن نقل تبعية إدارة الحديقة إلى جهاز الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع.

قبل هذا القرار كانت مسئولية إدارة الحديقة واقعة على وزارة الزراعة بالمشاركة مع وزارات البترول، والتموين، والبيئة، والطيران، لكن بيان مجلس الوزراء تحدث عن «الصعوبات التى يواجهها مشروع تطوير الحديقة من جانب الوزارات المعنية»، وحسب تصريحات وزير الزراعة الدكتور صلاح عبدالمؤمن فقد تم نقل تبعية الحديقة إلى الجهة «الأقدر على استكمال الإنشاءات والإدارة والتشغيل».

لديك الآن 5 وزارات مهمة فشلت فى إدارة حديقة واعترفت بذلك واستنجدت بالجيش ليغطى فشلها ويستكمل ما عجزت عن استكماله، فلماذا تنتظر منها أن تنجح فى إدارة مشروعات قومية عملاقة من تلك التى تعدك بها فى كل تصريح وتبشرك بها فى كل طلة تليفزيونية.

الحديقة التى تقع فى مدينة القاهرة الجديدة، تضم نماذج محاكاة للعديد من الأماكن السياحية الشهيرة فى مصر، مثل حديقة حيوان الجيزة، ومكتبة الإسكندرية، وحديقة الأورمان، إلى جانب مجمع علمى ثقافى، وآخر ترفيهى، إضافة إلى مسطحات خضراء على مساحة 35 فدانا من إجمالى 70 فدانا، وسلسلة مطاعم تتسع لأكثر من 600 فرد، والدخل المتوقع منها حسب بيان الحكومة يصل إلى 30 مليون جنيه أرباحا سنوية، بخلاف توفير نحو 1300 فرصة عمل جديدة فى مختلف قطاعات الحديقة.

إذن هذا مشروع اقتصادى وتشغيلى حقيقى وليس فقط إطارا بيئيا وجماليا فى المنطقة يحقق دخلا ويوفر وظائف ويجذب استثمارات، هذا نموذج صغير لقدرة الحكومة على الإدارة والتخطيط والتنفيذ.. والحكومة تعترف أنها غير قادرة لا على الإدارة ولا التنفيذ.

رحم الله حكومة عرفت قدر نفسها.

الخميس، 3 يناير 2013

غسل الأخبار بماكينة تشوميسكى


ضع اسم المفكر الأمريكى نعوم تشوميسكى على محركات البحث بكل اللغات، وابحث عن أصل لما نسبته وسائل إعلام مصرية له أنه ألقى محاضرة بجامعة كولومبيا تعرض فيها للشأن المصرى وهاجم الإمارات.

حاول أن تعرف من أين نقلت هذه الوسائل نص هذه المحاضرة، هل كان لها مراسل هناك؟ أم نقلته وكالة أنباء؟ واسأل نفسك كذلك متى قال تشوميسكى هذا الحديث، وهل قاله بالعربية أم الإنجليزية، وأين النص الإنجليزى للمحاضرة؟ دون أن تجهد نفسك بتحليل مضمون المحاضرة «المنسوبة» للرجل وأنت تسأل هل هذه لغته ومصطلحاته وطريقة تفكيره؟

تعرف قطعاً أن هناك أزمة حقيقية بين جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم وبين دولة الإمارات، أو مسئولاً فيها، وهى أزمة استمرت حتى انعكست على العلاقات بين الدولتين، ووصلت ذروة تأزمها بالقبض المتعسف على مصريين هناك بحجج أمنية لا يمكن تبريرها أو تصديقها.

وسط هذا المناخ تم إخراج «تشوميسكى» ليكيل الاتهامات لدولة الإمارات من العمل مع الموساد إلى العداء لكل الثورات العربية.

تخضع أنواع من الأخبار لعمليات غسل مثلها مثل الأموال التى لا تعرف مصدرها؟

الأخبار أيضا تحتاج دائما إلى شرعية، حتى تحوز مصداقية محددة، وشرعية الخبر فى مصدره المعلن، سواء كان هذا المصدر تصريحا من شخص، أو حدثا معلوما، أو وثيقة، أو ناقلا صحفيا من «الثقات».

فى عالم السياسة والمخابرات تحديدا هناك أخبار يجرى غسلها، كأن تقرأ خبرا عن قدرات الردع النووى الإسرائيلية، فى صحيفة إسبانية، تنقله وكالة أنباء يابانية، ثم تنشره مجلة تركية، وأخيرا تذيعه محطة فضائية عربية، لينتهى بترسيخ ما فيه من معلومات فى ذهن المتلقى العربى، أو يصل برسالة ما لصانع القرار العربى، بعيدا عن أى ظهور إسرائيلى فى مسار الخبر المنشور منذ خروجه فى أقصى الغرب إلى استقراره فى المنطقة العربية.

هى لعبة باتت تستخدم بكثافة فى مصر، خاصة مع تزايد التنافس السياسى، وتصاعد الاهتمام بالشبكات الاجتماعية على الإنترنت، التى أصبحت مجالا مفتوحا بلا رقيب لتسريب الأخبار أو الشائعات، وهى درجة محدودة من«الغسل» لكن الدرجة الأعلى كما قلت لك هى استخدام وسائل إعلام معتبرة لنقل الخبر.

فى بداية الثورة المصرية راجت قصة عن رسالة للزعيم الأفريقى نيلسون مانديلا لثوار مصر وتونس دعا فيها للتسامح والتصالح مع الماضى، احتفى بعض وسائل الإعلام بالرسالة، لكن مكتب مانديلا نفاها فى اليوم التالى.

«الرسالة المنسوبة لمانديلا» نشرتها جريدة «موريتانية» ثم التقطتها مواقع عربية ومصرية، وظلت تتنقل حتى وصلت إلى صحف مطبوعة ومحطات فضائية ذات اعتبار وسمعة ومصداقية.

استخدمت أطراف منسوبة للأنظمة السابقة فى مصر وتونس، اسم مانديلا للترويج لمصالحة تمنع عنهم الحساب والمساءلة، والأرجح أن أطراف معادية للإمارات أو تحاول أن تؤجج الأزمة أكثر بينها وبين مصر.. تستخدم اسم تشوميسكى للطعن به.

وكما سارعت وسائل إعلام معتبرة للاحتفاء برسالة مانديلا، سارعت أخرى للاحتفاء بمحاضرة تشوميسكى، وكما ثبت أنه لا توجد رسالة من مانديلا، الثابت أنه لا توجد محاضرة لتشوميسكى، لكن المؤكد أنه مازال أمام إعلامنا الكثير من الجهد ليحقق فضيلة «الدقة» وسط الكثير من الفضائل المهنية الغائبة.

الثلاثاء، 1 يناير 2013

كن عامنا الذى نريد


مات عام، ومصير الآخر أن يموت، تتغير أرقام التاريخ، فيما تقويم الثورة ثابت عند 2011 لا يغادرها حتى وإن تمنى، ولا يخرج منها حتى لو تساقطت الأوراق وريقة وريقة من نتيجة الحائط، تعلن بحسابات الزمن دخول عام جديد، فيما حسابات العيش والحرية والكرامة الإنسانية تؤكد أنها مازالت متشبثة بلحظة توهجها الأولى، وبعام مطالبها المستحقة، تقاوم أن تتوالى السنون وكأنها ترفض أى محاولات لردم الحلم بأيام بائسة وانتكاسات متوالية وانقسامات متزايدة، فيسقط العيش والحرية والكرامة فى نسيان أو تناسٍِ يجعل من كان ينشد الفردوس يقبل بريح الجنة من بعيد، ومن خرج ليتحدى المستحيل يرضى بما هو متاح من خيالات منتمية للماضى لم تبادر يوما باختراع الغد الجديد أو السعى له، لكنها استحوذت عليه بمجرد أن جلبه أبناء المستقبل من رحم الاستبداد والفساد والجمود. 

مات عام ولحقه آخر، لم تكن هناك فوارق كبيرة بين 2011، و2012، استمرت قوافل الشهداء فى المغادرة قافلة وراء أخرى، تغيرت 3 أنظمة فى 25 شهرا فقط، اختلفت فى المسميات والوجوه، الرئيس الأب المستبد، والجنرال المتحفظ المرتبك، والرئيس المؤمن المنتخب، واستمر المصريون فى السير خلف الجنائز، بذات الحزن الذى يخنق الأمل، وذات الدموع المجروحة التى تلسع الصدور، تعددت الأنظمة والموت واحد، لا فرق فى الموت بين نظام الاستبداد والانتقال أو الصندوق..الخرطوش هو الخرطوش، والرصاص الحى الذى يصطاد الرءوس، والضربات التى تفقأ العيون .. ربما لا تعرف من ضغط على الزناد، لكنك على الأقل تعرف من صمت على الموت ولم يحم حياة شعبه. 

مات عام وجاء آخر.. فهل تتوقف قوافل الشهداء؟ وكيف تتوقف وما عيش تحقق ولا عدالة أنجزت؟، والسلطة الجديدة على درب من سبقها يضيق صدرها مرة وراء مرة، والناس فى الشارع يجأرون بالشكوى، لا يجدون مفرا من الشارع، وهم يعلمون أن فى القاعات من يقايض بآلامهم لقاء مقاعد حكم لم تغنهم من جوع ولم تؤمنهم من خوف.

هل تتوقف قوافل الشهداء فى وطن مقسوم بفعل فاعل، يصنف فيه الناس بأضدادهم بين مؤمن وكافر.. مسلم ومسيحى.. ثورى وفلول، يستدعى فيه الناس للدفاع عن عقائدهم التى لم يجرؤ أحد على تهديدها طوال قرون، فيموتون بنية الدفاع عن العقيدة، فيما هم يموتون فى سبيل مكاسب الدنيا، وقودًا لصراع أمراء الطوائف على المغانم الحرام.

هل تتوقف قوافل الشهداء فى وطن مازال فيه الفقراء يدفعون ثمن كل شىء، يهبطون حتى يصعد الساسة، يجوعون حتى يشبع الكبار بأرباحهم، يموتون حتى يعيش الحكام بخطاباتهم العصماء ومنابرهم المزيفة المتحزبة الطائفية.. يسددون فاتورة كل أزمة من أعمارهم، وأرزاقهم، وأحلامهم البسيطة فى العيش والحرية والكرامة والعدالة.

استمرت قوافل الشهداء لأننا نزعنا ورقة 2011 من صدورنا، غادرنا لحظة 11 فبراير بتجليات وحدتها وحضور أهدافها بلا عودة فغرقنا فى تخبط وانقسام دفع ثمنه الفقراء الذين تاهت أصواتهم وسط دوى الصراخ بإسقاط النظام، وضجيج الهتاف بتأييده، ففقدوا كل شىء، حتى الحلم فى العام الجديد بأن يكون عامنا الذى نريد.. تعود فيه الضمائر إلى 11 فبراير، وتتوقف فيه قوافل الشهداء، ولا صوت يعلو فيه على أصوات الفقراء التى فى عقولهم وحناجرهم وبطونهم.. وليست فقط فى صناديق الانتخاب!.