الاثنين، 15 أكتوبر 2012

القاضى المراوغ


قبل أسبوعين كنت ممثلا لـ«الشروق» فى اجتماع لرؤساء تحرير الصحف مع المستشار محمود مكى نائب رئيس الجمهورية، كان اللقاء هو الظهور الإعلامى الأول للقاضى محمود مكى بعد أن صار مسئولا سياسيا رفيعا بدرجة نائب لرئيس الجمهورية، لكن الرجل فى اللقاء رفض وضعه فى القالب السياسى للمنصب، وقال أنا قاض أمارس عملى فى هذه المؤسسة بروح القاضى وأدواته وقناعاته التى تدفعه للعدل وتلزمه بالحق.

لم يقل الرجل يومها معلومات جديدة غير تلك المتداولة فى الصحف، وربما بدا أن كثيرا من زملائنا رؤساء التحرير النافذين يعرفون أكثر منه فى بعض القضايا، ولكن ذلك لم يكن عيبا فى رجل يبدأ مشواره، ويحاول إنجاز مهامه، فقد كان التفاؤل كبيرا به، حتى الزملاء المعارضون بقسوة للإخوان والرئيس أكدوا أن وجوده فى مؤسسة الرئاسة مؤشر إيجابى، وضمانة حقيقية لصيانة دولة القانون.

مكى «القاضى» الذى أصر أمامنا على كونه قاضيا، قال إن مهمته الأهم والأسمى والأجل هى إدارة الحوار الوطنى، دعا الجميع للحوار وأظهر الرغبة فى التوافق، لكنه لم ينطق ببنت شفة حول الحوار الدامى الذى دار طوال الجمعة الماضية فى ميدان التحرير، اختفى كما اختفى رئيسه ورئيس وزرائه وحكومته تماما بينما الفرقاء يضربون بعضهم البعض والدماء تنزف والثارات تحتل النفوس وتعقد مهمته فى إدارة الحوار.
 
لم يجزع مكى كسياسى لأن ما يجرى على الأرض له علاقة مباشرة بملفه وصلاحياته المعلنة، وأمسك كقاض فى موقع مسئولية ناجزة عن قول الحق والحكم بالعدل،واستخدام موقعه ونفوذه وأدواته لوقف العنف، أو على الأقل دفع الدولة التى صار ركنا أصيلا فى بنيانها لأداء واجبها فى احتواء الموقف.

●●●
يسند مكى القاضى ظهره لجبل من النضال يكفيه ليبقى مخلدا فى أى ذاكرة وطنية، لكن من قال إن الماضى وحده يكفى، ألم يكن مبارك فى يوم من الأيام بطلا حقيقيا من أبطال الحرب؟! 

لكن الفارق كبير بين مكى القاضى وغيره، الرجل بطل معركة خالدة دفاعا عن استقلال القضاء، لذلك حين تفجرت فتنة إقالة النائب العام، لم أنزعج، فالمؤسسة التى فيها مكى القاضى لا يمكن أن تنزعج من قرار لها خصوصا إذا كان يمس القضاء.

لكن الرجل اختفى، ومؤسسته بمجرد أن فجرت القضية اختفت، وانتظر النائب القاضى 48 ساعة من الأزمة ليخرج معلنا أنه لم يكن هناك قرار ولا يحزنون.

لن أحدثك عما تردد عن مكى وشقيقه ورفيق نضالهما الغريانى، فى محاولة كسر القانون، فقط سأحيلك إلى رد قاله نائب الرئيس لى حين سألته عن الإضرابات، فقال إنه يتفهم الحقوق لكن أى احتجاج لا بد أن يكون فى إطار القانون، الرجل فى مؤسسة تريد تقنين الاحتجاجات المشروعة، وتحجيمها بالقانون، لكنها لم تحاول تقنين الانقلابات القضائية حتى لو كانت تستند فيها لشرعية ثورية يلبسها الرئيس حيناً، ولا يتورع عن خلعها دون اكتراث أحيانا كثيرا، جالدا هو وقيادات حزبه الأطباء والعمال والكادحين فى إضراباتهم بسيف القانون.

أمس الأول شاهدت القاضى مكى مراوغا أمام الكاميرات، يحمل الإعلام المسئولية وكأن الإعلام اخترع القرار، يتحدث كخطيب فى «الحرية والعدالة» يدافع عن حزبه ظالما أو مظلوما ويكاد يزرع فى داخلك الشك أن «طرفا ثالثا» حاول عزل النائب العام أو أن «جماعة أحمد شفيق» اخترقت مؤسسة الرئاسة.

لم يحاول «القاضى العادل المنحاز للحق» أن يعترف بخطأ أو يعتذر عنه، حتى عندما أشار لمستشار رئاسى تسرع فى إعلان مشارورات وليس قرارات، لم يسمه فى تستر واضح على موضف حكومى أرعن كاد يشعل أزمة تعصف باستقرار البلاد، حتى إنه قال إن معرفة اسم المسئول عن هذا الخطأ لا يهم أحدا، وهذا انتهاك جديد للحق فى المعرفة، ستعرف غضبى منه حين أخبرك أن مكى القاضى فى اللقاء الذى أشرت إليه سابقا تحدث عن الشفافية وحق الرأى العام فى المعرفة عشرات المرات حتى كدت أجزم أنه إمام الشفافية الجديد.

قال مكى إن مجلس القضاء قدم التماسا للرئيس، لكن رئيس المجلس نفى، ولم يقل مكى القاضى: هل يجوز لمجلس القضاء الذى دافع عن استقلاله أن يلتمس من الرئيس إلغاء قرار هو فى الأصل لم يصدر كما قال، وغير قانونى كما هو محسوم؟!

مكى القاضى كان أمام كاميرات التلفزيون موظفا كبيرا، يخشى التورط فى حسم أى شىء، ولا يريد أن يسمى الأشياء بمسمياتها، يراوغ ويتلاعب بالكلمات، يهرب من الأسئلة الصعبة ويضيق صدره أيضا، وينتقى الألفاظ والعبارات المطاطة، يؤكد الشىء وينفيه، لا ينحاز للعدل والحق، يتحاشى الحقيقة، وكأنه مجرد صورة «محسنة قليلا» من رموز عصر مضى.

هذه همسات فى أذن قاض، قال إنه يريد أن يبقى قاضيا، ونرجو أن يبقى كذلك ولا تنال منه السياسة كما نالت من غيره.

القاضى المراوغ


قبل أسبوعين كنت ممثلا لـ«الشروق» فى اجتماع لرؤساء تحرير الصحف مع المستشار محمود مكى نائب رئيس الجمهورية، كان اللقاء هو الظهور الإعلامى الأول للقاضى محمود مكى بعد أن صار مسئولا سياسيا رفيعا بدرجة نائب لرئيس الجمهورية، لكن الرجل فى اللقاء رفض وضعه فى القالب السياسى للمنصب، وقال أنا قاض أمارس عملى فى هذه المؤسسة بروح القاضى وأدواته وقناعاته التى تدفعه للعدل وتلزمه بالحق.

لم يقل الرجل يومها معلومات جديدة غير تلك المتداولة فى الصحف، وربما بدا أن كثيرا من زملائنا رؤساء التحرير النافذين يعرفون أكثر منه فى بعض القضايا، ولكن ذلك لم يكن عيبا فى رجل يبدأ مشواره، ويحاول إنجاز مهامه، فقد كان التفاؤل كبيرا به، حتى الزملاء المعارضون بقسوة للإخوان والرئيس أكدوا أن وجوده فى مؤسسة الرئاسة مؤشر إيجابى، وضمانة حقيقية لصيانة دولة القانون.

مكى «القاضى» الذى أصر أمامنا على كونه قاضيا، قال إن مهمته الأهم والأسمى والأجل هى إدارة الحوار الوطنى، دعا الجميع للحوار وأظهر الرغبة فى التوافق، لكنه لم ينطق ببنت شفة حول الحوار الدامى الذى دار طوال الجمعة الماضية فى ميدان التحرير، اختفى كما اختفى رئيسه ورئيس وزرائه وحكومته تماما بينما الفرقاء يضربون بعضهم البعض والدماء تنزف والثارات تحتل النفوس وتعقد مهمته فى إدارة الحوار.

لم يجزع مكى كسياسى لأن ما يجرى على الأرض له علاقة مباشرة بملفه وصلاحياته المعلنة، وأمسك كقاض فى موقع مسئولية ناجزة عن قول الحق والحكم بالعدل،واستخدام موقعه ونفوذه وأدواته لوقف العنف، أو على الأقل دفع الدولة التى صار ركنا أصيلا فى بنيانها لأداء واجبها فى احتواء الموقف.

●●●
يسند مكى القاضى ظهره لجبل من النضال يكفيه ليبقى مخلدا فى أى ذاكرة وطنية، لكن من قال إن الماضى وحده يكفى، ألم يكن مبارك فى يوم من الأيام بطلا حقيقيا من أبطال الحرب؟! 

لكن الفارق كبير بين مكى القاضى وغيره، الرجل بطل معركة خالدة دفاعا عن استقلال القضاء، لذلك حين تفجرت فتنة إقالة النائب العام، لم أنزعج، فالمؤسسة التى فيها مكى القاضى لا يمكن أن تنزعج من قرار لها خصوصا إذا كان يمس القضاء.

لكن الرجل اختفى، ومؤسسته بمجرد أن فجرت القضية اختفت، وانتظر النائب القاضى 48 ساعة من الأزمة ليخرج معلنا أنه لم يكن هناك قرار ولا يحزنون.

لن أحدثك عما تردد عن مكى وشقيقه ورفيق نضالهما الغريانى، فى محاولة كسر القانون، فقط سأحيلك إلى رد قاله نائب الرئيس لى حين سألته عن الإضرابات، فقال إنه يتفهم الحقوق لكن أى احتجاج لا بد أن يكون فى إطار القانون، الرجل فى مؤسسة تريد تقنين الاحتجاجات المشروعة، وتحجيمها بالقانون، لكنها لم تحاول تقنين الانقلابات القضائية حتى لو كانت تستند فيها لشرعية ثورية يلبسها الرئيس حيناً، ولا يتورع عن خلعها دون اكتراث أحيانا كثيرا، جالدا هو وقيادات حزبه الأطباء والعمال والكادحين فى إضراباتهم بسيف القانون.

أمس الأول شاهدت القاضى مكى مراوغا أمام الكاميرات، يحمل الإعلام المسئولية وكأن الإعلام اخترع القرار، يتحدث كخطيب فى «الحرية والعدالة» يدافع عن حزبه ظالما أو مظلوما ويكاد يزرع فى داخلك الشك أن «طرفا ثالثا» حاول عزل النائب العام أو أن «جماعة أحمد شفيق» اخترقت مؤسسة الرئاسة.

لم يحاول «القاضى العادل المنحاز للحق» أن يعترف بخطأ أو يعتذر عنه، حتى عندما أشار لمستشار رئاسى تسرع فى إعلان مشارورات وليس قرارات، لم يسمه فى تستر واضح على موضف حكومى أرعن كاد يشعل أزمة تعصف باستقرار البلاد، حتى إنه قال إن معرفة اسم المسئول عن هذا الخطأ لا يهم أحدا، وهذا انتهاك جديد للحق فى المعرفة، ستعرف غضبى منه حين أخبرك أن مكى القاضى فى اللقاء الذى أشرت إليه سابقا تحدث عن الشفافية وحق الرأى العام فى المعرفة عشرات المرات حتى كدت أجزم أنه إمام الشفافية الجديد.

قال مكى إن مجلس القضاء قدم التماسا للرئيس، لكن رئيس المجلس نفى، ولم يقل مكى القاضى: هل يجوز لمجلس القضاء الذى دافع عن استقلاله أن يلتمس من الرئيس إلغاء قرار هو فى الأصل لم يصدر كما قال، وغير قانونى كما هو محسوم؟!

مكى القاضى كان أمام كاميرات التلفزيون موظفا كبيرا، يخشى التورط فى حسم أى شىء، ولا يريد أن يسمى الأشياء بمسمياتها، يراوغ ويتلاعب بالكلمات، يهرب من الأسئلة الصعبة ويضيق صدره أيضا، وينتقى الألفاظ والعبارات المطاطة، يؤكد الشىء وينفيه، لا ينحاز للعدل والحق، يتحاشى الحقيقة، وكأنه مجرد صورة «محسنة قليلا» من رموز عصر مضى.

هذه همسات فى أذن قاض، قال إنه يريد أن يبقى قاضيا، ونرجو أن يبقى كذلك ولا تنال منه السياسة كما نالت من غيره.


الخميس، 4 أكتوبر 2012

من تحرير الأرض.. إلى تحرير النصر


يقول المثل الأفريقى: «إلى أن يكون للأسود مؤرخوها.. ستظل حكايات الصيد تمجد الصيادين»، هكذا قالوا فى عمق القارة السمراء، فيما يترجم الغربيون المعنى إلى أن «التاريخ يكتبه المنتصرون»، وفى مصر ظل التاريخ ملكا حصريا لفرعون، ملكا للقوى، يحكى لك أن «خوفو» بنى الهرم الكبير، دون أن يخبرك من حمل الحجارة على ظهره؟، ولا من وضع الهيكل الهندسى لهذا البناء العظيم الذى يقاوم الزمن، لا يذكر لك من تاريخ قناة السويس سوى أسماء الخديوى إسماعيل وديليسبس، لا يكترث بمن حفر، ورفع على كتفيه التراب فيما السياط تلهب ظهره.

جينات السلطة واحدة أورثها فرعون إلى الإمبراطور، والإمبراطور إلى الخليفة، والخليفة إلى الوالى، والوالى إلى السلطان، والسلطان إلى الملك، والملك إلى الرئيس، كانت لوحات الشرف ومازالت على كل بناء على هذه الأرض، تمجد صاحب السلطة، تقول إن هذا البناء بنى فى عهده وبتوجيهه، لكنها لا تكترث بذكر من بناه.
  
تأتى ذكرى نصر أكتوبر هذه العام فى وقت تحرر فيه معنى النصر من احتكارات السلطة، وبات واجبا إعادة صياغة تاريخ النصر بموضوعية وإنصاف، لا يهون من دور أحد بسبب حسابات السياسة، ولا يعظم من دور أحد بسبب ترهيب السلطة.

بقيت معجزة نصر أكتوبر فى «الفرد المقاتل» هو الذى واجه بشجاعته أحدث نظم التسليح فى العالم، هو المهندس الذى أعاد تأهيل وهيكلة السلاح القديم ليؤدى به مهمة مغايرة لتلك التى صنع من أجلها، هو نصر المشاة والمدرعات والمدفعية، نصر الصاعقة والدفاع الجوى والطيران والسلاح البحرى، نصر التخطيط والاستخبارات، نصر الشعب الذى ربط على بطنه الأحزمة ليوفر لجنوده ثمن الطلقة، نصر المصريين لا نفرق بين أحد منهم.

كان نصر أكتوبر نصر «مصر العفية»، نصر عبدالعاطى وعبدالمسيح، نصر الشهداء الذين روت دماؤهم الطاهرة الأرض الطيبة، منهم من رقد فى قلب الرمال «على رجاء القيامة»، ومنهم من استقبل «القبلة» مؤمنا أنه سيلحق بأولئك «الأحياء عند ربهم يرزقون».

كانت قذائف العدو مثل «دستور مثالى» لم تفرق بين المصريين بسبب اللون أو العقيدة، وحين نزفت دماؤهم على الرمال لم تميز الأرض الطيبة بينهم ولم تجد فرقا بين دم «صليب» ودم «هلال»، كلاهما كان له نفس اللون والطعم والرائحة.

اليوم نحتفى بالناس، نبدأ خطوة أولى فى تأريخ جديد للنصر، يكتبه كل من شارك فيه، دون تمييز بينهم بسبب الرتبة أو العقيدة أو الدور، ننقل ما كتبه جنود المعركة خصيصا لـ«الشروق»، وما قاله الجنود الإسرائيليون عن المعارك، نحكى دون شعارات تزامن الصيام الإسلامى المسيحى وقت الحرب، وعن الكنيسة التى طلبت من أبنائها أن يفطروا ليواجهوا أعباء الحرب، وعن العم «مرقص» الذى رفض الإفطار فيما بقيت قطعة اللحم فى صحنه هدية لرفاق السلاح.

اقرأ حكايات العريف مرقص والرقيب حسب الله ورجل المقاومة الشعبية محمود خليفة، والفدائى عبدالمنعم، والأسير العائد من خلف خطوط العدو العريف عبدالرحمن، وقصص الضابط جلال عامر عن مصر التى كانت عفية وقوية ومؤهلة للحرب وجديرة بالانتصار، عن البشر الذين أخرجوا من الذاكرة لإفساح المجال لفرعون والذين معه.

 هذا نصر أبى وأبيك، هذا وجع أمى وأمك، هذا دعاء مسجدى وكنيستك، هذا نصر مثل «الدعم» يحتاج أن يذهب لمستحقيه بعدالة بعد طول حرمان.