| لم تكن لدي النية أو الرغبة في تحويل غرفتي إلي ناد سياسي يتبادل فيه الزوار الأحاديث والآراء ويحتد بعضهم علي بعض، وتصل حدة المناقشات بينهم إلي الشجار بما لا يتناسب أبداً مع غرفة مريض يقضي أيامه في الفراش، منتظراً إعلاناً طبياً رسمياً بالتئام كسور العظام. لكن حضور المعلم «بيئة» لزيارتي أشعل الموقف تماماً، فالرجل منذ انضمامه للحزب الوطني يتعامل مع أهل القرية ـ المطحونين ـ وكأنه النائب الأول لأمين السياسات، واعتاد أن يقابل كل شكوي لأحدهم بدفاع مستميت عن الحكومة والحزب، شاهراً في وجوه الناس صوراً فوتوغرافية تجمعه بقيادات الحزب البارزين في مناسبات متعددة. و«بيئة» ليس اسمه وإنما الكنية التي عرفه بها أهل القرية بسبب طبيعة عمله ذات الصلة بمجال البيئة، حيث يحترف الرجل تنظيفها من جهة وتلويثها من جهة أخري، فهو مازال المتعهد الوحيد لجمع القمامة من منازل القرية وكذلك محتكر «نشل البكابورتات»، ومازالت وزارة البيئة تتهمه بتلويث الترعة الكبيرة وتحويلها إلي مصرف ومقلب قمامة دون أن تنجح في النيل منه. بدأ حياته بعربة كارو محملة بالبراميل والقفف ومازال أهل القرية يتذكرونه غاطساً في «البكابورت» يحمل «الجردل» علي كتفه ويفرغه في البرميل قبل أن يعود للغطس من جديد، لكن بضع سنوات قليلة من هذا الشقاء امتلك بعدها أسطولاً من الجرارات والفناطيس المزودة بالمواتير، والتي مكنته من توزيع نشاطه في القري المجاورة، واعتزال العمل بيديه وتوظيف عدد من شباب القرية بينما يجلس هو علي القهوة يجمع الإيراد ويدفع يوميات موظفيه. كان يتفاخر بأنه يعمل في النشاط الوحيد الذي لن يصيبه الكساد أبداً طالما الحياة مستمرة، وطوال سنوات ظل المحتكر الوحيد لهذا النشاط وكان طبيعياً أن تتنامي ثروته ويصبح من كبار ملاك الأراضي الزراعية وينخرط في الحزب الوطني ويتولي موقعاً إقليمياً فيه ويطوف المنطقة يحكي عن صداقاته بكبار الحزب وقادته. لما اندلعت «ثورة العطش» ووصلت أزمة المياه إلي المنطقة بدأ المعلم «بيئة» يستغل إمكاناته وجراراته وفناطيسه في نقل المياه من المدينة وتوزيعها علي الناس كدعاية للحزب الوطني علي أمل أن يفوز بدعم الحزب في الانتخابات التنظيمية التي سيجريها علي قواعده أثناء وبعد المؤتمر العام المقبل للحزب، كان كل «جركن» يحمل رمز الحزب وعبارات الفكر الجديد والعبور إلي المستقبل. تلك «الجراكن» الدعائية هي التي فجرت الأزمة في غرفتي. هاجمه شاب متحمس بعنف: حتي جراكنكم تتحدث عن الفكر الجديد والعبور إلي المستقبل، ٣٠ عاماً ننتظر المستقبل علي أيديكم وفي النهاية عدنا إلي عهد «البلاص والأبريق»، كيف يبشر أسيادك في القاهرة بالمستقبل وهم عاجزون عن توصيل المياه إلينا؟! كعادته تقمص المعلم «بيئة» شخصية القيادي البارز في الحزب الوطني وفتح «اللاب توب» ـ الذي يحمله في حقيبته دون أن يعرف كيفية تشغيله ـ وبدأ يتحدث عن الاستراتيجيات والخطط وأرقام التنمية وتكلفة خطوط المياه المرتفعة في ظل عجز الموارد. وفجر الرجل مفاجأة بقوله إنه أعد خطة لمواجهة أزمة المياه، وجهز ورقة عمل لطرحها علي المؤتمر العام للحزب المقرر عقده في سبتمبر المقبل. وأكد أن ورقته مدرجة علي أعمال المؤتمر وأخرج من حقيبته بالفعل ملفاً لما يسميه «استراتيجية العبور إلي الزير». عادة ما تكون العناوين والشعارات هي أبرز أدبيات الحزب الوطني وهو ما جعله مزهواً بفخامة كلمة استراتيجية، أما العبور فهي الكلمة الأثيرة لدي قيادات الحزب، بينما كان الزير هو محور هذه الاستراتيجية حسبما قرأت في الملف. يبني المعلم «بيئة» استراتيجيته علي عدة محاور، منها الاكتفاء بحنفية مياه عمومية واحدة في كل حي توفيراً للنفقات، وإنشاء ١٠ مصانع لإنتاج الأزيار والقلل القناوي، وعشرة مصانع أخري لإنتاج «الإرب»، ومصنعين لإنتاج الفناطيس، إلي جانب شركة قابضة لتوزيع الأزيار والقلل علي المواطنين بأسعار مدعمة ـ يمكن خصخصتها فيما بعد ـ وإنشاء معهد تعليمي راق لتدريب شباب الخريجين علي العمل «سقايين» في الأحياء. وتقارن الاستراتيجية بين تكلفة هذه الخطة والعائد منها وبين تكلفة مد خطوط المياه إلي جميع المواطنين، وتؤكد أنها توفر علي الدولة أكثر من ١٥ مليار جنيه علي الأقل. ويقدم المعلم «بيئة» في استراتيجيته ميزة صحية، مؤكداً أنه بهذه الطريقة يمكن التحكم في جودة المياه التي تدخل بيوت المواطنين وضمان مطابقتها للشروط الصحية، عبر تقطيرها قبل تعبئتها في «إرب السقايين» مباشرة ومنها إلي أزيار المواطنين، وذلك بدلاً من توصيلها عبر المواسير مما يعرضها للاختلاط بالصدأ والشوائب والحشرات. ويختتم المعلم «بيئة» استراتيجيته بقوله: «بذلك توفر هذه الاستراتيجية علي الدولة عشرات المليارات من الجنيهات، إضافة إلي خفض مصاريف صيانة شبكات المياه، ويمكن توجيه كل هذه الأموال إلي بناء مفاعلات نووية، وتمويل برامج غزو الفضاء للحاق بركب الدول المتقدمة في ظل الحكم الرشيد للحزب الوطني الديمقراطي أدام الله حكمه وأكثر من إنجازاته القومية العظمي». |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 30 يوليو 2007
استراتيجية المعلم «بيئة»
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)