| الأرجح أن السيدة في بداية الخمسين من العمر، رغم أن السواد الذي تتشح به يحيلها إلي الستين وما فوقها. لا أعرف بالضبط إذا كان هذا السواد قد طرأ عليها بسبب حدادها علي طفلها الذي فقدته مؤخرًا، أم أنه رداء العمر الذي توحي به ملامح الشقاء والحزن الغائرة في وجهها، والتي تبدو موغلة في الزمن ومتجاوزة مصرع الطفل. مثل كل امرأة مصرية فقيرة ومطحونة وغارقة في دوامات الحاجة والإهمال، تعيش الحياة في تجديف دائم، وصراع مرير مع أمواج لا تهدأ دون أمل في بلوغ شط قريب. بالطبع لا توجد صلة قرابة تربطها بالدكتور فتحي سرور، فهي مجرد أم مكلومة فقدت طفلها في «سلخانة» مركز شرطة المنصورة، والذي لفظ أنفاسه بعد تعذيب وحرق وسلخ، ورقد في مثواه الأخير في ليلة ظلماء بعيدًا عن عينيها ومحرومًا من شفاعة دموعها لحظة الوداع. بينما هو رئيس مجلس الشعب الذي من المفترض أن يصوغ التشريعات والقوانين، وينوب عن الفقراء في محاسبة ورقابة الحكومة ومن يمثلها ويتصدي لانتزاع حقوقهم، والذي كان من المفترض أيضًا أن يغضب ويثور لمصرع طفلها، باعتبار موقعه السياسي والوظيفي، وبوصفه أستاذ قانون بارزا. لكن ما أدركته سعيدة سرور أن طفلها محمد ممدوح عبد الرحمن المشهور صحفيا بـ«قتيل شها» لا يهم أحدًا غيرها، ولا يكترث بموته إلا قلبها الذي ينخر فيه الحزن ويكاد يدميه. وقلب سعيدة قلب مؤمن يعرف الله ويسلم بمشيئته، لكن ألمها يأتيها بعنف كلما ذكرتها الدنيا أنها وحيدة بلا ظهر ولا سند، وأن قوانين الدنيا وشرائع كل الأديان لا تستطيع حمايتها أو القصاص لدم طفلها، «لا كرامة للفقراء في زمن لم يعد العدل فيه هو أساس الملك» - هكذا علمتها الأيام. سمعت سعيدة سرور كثيرًا عن البرلمان والفكر الجديد والمجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة و«خط نجدة الطفل» لكنها أدركت أن كل ذلك جبال أوهام وأكاذيب، وأنها ليست المرأة التي يقصدونها، ومطلوب منها أن تخلع «الجلابية» وتظهر بـ«نيولوك» لتعترف بها «ماما سوزان» كامرأة وأم مكلومة وتعطي أوامرها لخط نجدة الطفل ليقبل شكواها ولا يقطع الحرارة في وجهها. ألف بيان لوزارة الداخلية عن موت طفلها بشكل طبيعي، وألف تليفزيون حكومي وألف تامر أمين لن ينجحوا في تزوير الحقيقة وإقناع سعيدة سرور بأن طفلها مات «موتة ربنا»، فإضافة إلي إحساسها كأم يرفض عقلها الذي لم ينل قسطًا من التعليم تصديق هذه الروايات المضللة، فالداخلية لا تتطوع بدفن كل متهم يموت «موتة ربنا» في الظلام بعيدًا عن أهله، ولا تجري لكل متهم يصاب بمرض أثناء احتجازه جراحة داخل قسم الشرطة وكأنهم لا يعرفون أن هناك اختراعا اسمه المستشفي. كانت سعيدة سرور تحاول ما استطاعت تجهيز طفلها محمد وشقيقه الأكبر إبراهيم ليكونا لها ظهراً وسندًا في هذا «الزمن القاسي» الذي لا يعترف للفقراء بأي حق أو آدمية، لكن جزاري سلخانة قسم شرطة المنصورة اغتالوا نجليها، أنهوا حياة محمد بالحرق والصعق بالكهرباء واغتالوا نفسية إبراهيم وشرفه عندما أجبروه علي شهادة الزور ليبرئ الزبانية ويهدر دم شقيقه ويدعي أنه مات «موتة طبيعية» رغم أنه مات أمام عينيه من التعذيب. أصبح الطفل محمد جثة متحللة، ولاتزال أمه سعيدة سرور تحلم بنظرة أخيرة علي عظامه بعد أن حرمها الجلادون من حقها الطبيعي في إسبال عينيه ومنحه الحضن الأخير والسير خلف جنازته، انتزعوه من حضنها حيا وميتًا ودفنوه سرًا وليلاً للتخلص من جثته مثلما يتخلصون من كلابهم النافقة. إنها ليست مجرد جريمة تعذيب.. إنها إهدار لكل شيء.. كل شيء!! * قبل أسبوعين استفتيت فضيلة د. علي جمعة في شأن التعذيب ومن يمارسه ومن يصمت عليه ومن يقبل به ولم يرد حتي الآن.. واليوم أستفتيكم أنتم في شأن «الساكت عن الفتوي». |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 27 أغسطس 2007
«سعيدة سرور»
الاثنين، 13 أغسطس 2007
اسألوا فضيلة المفتي
| وأنت تطالع هذه الأيام أخبار عمليات التعذيب في السجون وأقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، وتقرأ عن انتهاكات ضباط وأفراد من الشرطة في حق المواطنين في كل مكان داخل الأماكن الرسمية وفي الشارع وفي منازل الضحايا، ربما تسأل نفسك السؤال الشعبي الدارج عن التعليق علي ظلم واضح: «همه الناس دول مايعرفوش ربنا؟!» أنت مثل كل الناس، وسؤالك طبيعي ومنطقي، وربما هو التعليق الأول الذي يجري علي لسان أي منا، حين يعرف ما يمارسه ضباط وأفراد شرطة من تعذيب للمتهمين بالحرق والضرب والصعق بالكهرباء وهتك العرض والقذف من النوافذ والشرفات، واحتجاز النساء رهائن حتي يستسلم أزواجهن وأبناؤهن… إلخ… إلخ… إلخ. سؤالك ليس له إجابة مباشرة، فليس من حقي ولا من حقك أن تفتش في ضمائر الناس، أو تضع بجوار قلب كل ضابط «ترمومتر» يقيس لنا درجة إيمانه، وخاصة إذا عرفت أن كثيرًا من ضباط الشرطة الذين يمارسون التعذيب بمنهجية واعتياد يعتقدون أنهم يؤدون واجبهم، ويؤمنون «أن العمل عبادة»، ومن ثم يظنون أنهم يتقربون إلي الله مع كل صفعة تهوي علي وجه متهم، وبعضهم ينهي وصلة التعذيب ويهرع للحاق بصلاة ما، قبل أن يفوته موعدها!! حيرتك في تفسير هذه السلوكيات التي تراها متناقضة، في الوقت الذي تبدو فيه شديد القلق من تنامي حوادث التعذيب ووصولها إلي درجة غير مسبوقة من البشاعة والوحشية، فيما يأبي ضميرك أن يصدر حكمًا انطباعيا مباشرًا قد يبدو تفتيشًا في الضمائر، وتجاوزًا لسر روحاني، رغم اتفاقه مع العقل والمنطق والقانون، وقواعد القياس الفقهية المعروفة، فلا يترك كل ذلك أمامك سوي حل واحد: أن تضع كل ما لديك من شواهد ووقائع أمام فقيه بوزن الدكتور علي جمعة مفتي الديار باعتباره المرجعية الدينية «الرسمية»، والمكلف الوحيد بحكم منصبه بمهمة الإفتاء. ربما تحدثك نفسك بأن فضيلة المفتي إذا كان يريد الدخول في هذه القضية لكان قد فعل منذ زمن، فليس من المعقول أنه لم يسمع عن كل هذه الوقائع التي تمس كرامة المواطنين وإنسانيتهم، لكن المطلوب منك في البدء أن تقدم حُسن النية وتفترض أن الرجل لا يعرف، ولنبدأ في تعريفه ما يجري. مولانا فضيلة المفتي.. إليك آخر أخبار التعذيب: «قتل ضابط شرطة بمعاونة مخبريه المواطن نصر عبد الله الصعيدي، الذي لفظ أنفاسه وهم ينهالون عليه ضربًا بالقرب من منزله في المنصورة، كما ألقي ٣ أمناء شرطة المواطن ناصر صديق جاد الله من شرفة منزله بالطابق الرابع بعد اتهامه أحدهم بسرقته، فيما أشعل ضباط شرطة في قسم سيوة النار في المواطن يحيي عبد الله عتوم. وقد رصدت جهات حقوقية وقائع التعذيب في شهر يوليو الماضي فقط بـ ٢٦ حالة تعذيب بينها ٣ حالات وفاة علي الأقل». يا صاحب الفضيلة: إذا كنت لم تعرف كل ما تقدم فها قد عرفته، وإذا كنت عرفته وفضلت التزام الصمت، لأن أحدًا لم يدعك للحديث فها نحن ندعوك ونسألك مباشرة ودون مواربة: «ما حكم الإسلام يا مولانا في ضابط شرطة ينتهج التعذيب ويمارسه باعتياد سواء لعقاب متهمين أو لانتزاع اعترافات؟» قل لنا - لا أسكت الله لك حسًا - ما قول الشرع الحنيف في ضابط حرق مواطنًا وأشعل النار في جسده؟، وما القول في آخر هتك عرض متهم؟، وثالث احتجز أمًا وزوجة رهينتين دون سند من قانون لإجبار الزوج علي تسليم نفسه؟.. هل يقبل الإسلام أن يعاقب المرء بجريمة أخيه، وتؤخذ الزوجة بفعل زوجها، «هل تزر وازرة وزر أخري» يا صاحب الفضيلة؟ أخبرنا باللّه عليك هل يمكن اعتبار «نصر» الذي سحلوه وقتلوه ضربًا في المنصورة، و«ناصر» الذي ألقوا به من شرفة منزله في الجيزة شهيدين تنطبق عليهما شروط الشهادة الشرعية بعد أن لقيا حتفهما جراء ظلم فادح وواضح؟.. وهل يقبل الله صلاة ضابط شرطة يؤديها بعد أن يفرغ من تعذيب متهم؟، هل يقبل الله من يده الملوثة بالاعتداء علي آدمية أخيه المسلم أي صدقة؟، هل يمكن أن يكون صومه مقبولاً وقد سب هذا، وضرب هذا، وصعق هذا بالكهرباء، وحرق هذا بالنار، وهتك عرض هذا؟ أفتنا يا صاحب الفتوي في مسؤول يري مرؤوسيه يمارسون التعذيب بمنهجية ولايردعهم، ومسؤول يسمع صرخات الضحايا ولا ينقذهم، ومسؤول يعرف كل ذلك ولا يكترث، ومسؤول لا يري ولا يسمع ولا يعرف ولا يرعي أمانته. نعرف حكم القانون في كل ذلك.. وأزعم أننا نعرف حكم الإسلام أيضًا، لكننا نسألك «لتطمئن قلوبنا»، ونطلب منك اليوم فتوي رسمية ممهورة بخاتم دار الإفتاء بشأن التعذيب، ومن يمارسه، ومن يشجعه، ومن يقبل به ومن يصمت عليه، «سمعنا صوتك» وقل لنا كلمتك بوصفك مفتي الديار ليس إلا. يا صاحب الفضيلة: قد يكون «بول الرسول» مباركًا وقد لا يكون، بماذا سينفع المسلمين اليوم وقد انقطع البول وتوفي صاحبه؟! وقد يكون قتل المرتد عن الإسلام واجبًا، وقد لا يكون، بأي شيء سيعود علي المسلمين قتله أو إبقاؤه حيا؟! لكن التعذيب موجود، قد يكون منهجيا أو حالات فردية، لكن المواطنين يكتوون بناره اليوم، وضباط الشرطة الشرفاء يلاحقهم عاره اليوم، ووقفه وردع ممارسيه أولي بفتاواك من قضايا «البول وشركاها». نعرف أنك ربما لا تريد خوض معركة كهذه، من حقك أن تكون لك حساباتك، لكننا لا نريد رأيك الشخصي.. فقط نريد حكم الإسلام.. الإسلام يا صاحب الفضيلة. |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)