السبت، 24 سبتمبر 2011

لهذا يسمونها ثورة


هل قامت الثورة من أجل خلع مبارك كشخص؟
البعض يعتقد أن هذا كان الهدف، وعند هذا النقطة لابد أن تكون النهاية، وعندما يضاف عليه محاكمة مبارك ورموزه تجد من يصرخ فى وجهك: «عاوزين إيه تانى».. والحقيقة أن شخص مبارك لم يكن يعنى شيئا فلم يكن خروج الملايين للمطالبة برحيلة تعبيرا عن كراهية شخصية للرجل، بقدر ما هو إدانة لسياسات يمثلها، وثقافة لم يخترعها لكنها دعمها وتركها تتوغل فى المجتمع حتى تسيدت وأفقدت كل شىء معناه الحقيقى، من معانى الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام القانون، وحتى مفهوم الشرف نفسه.

كانت هذه السياسات محور الأزمات التى تراكمت حتى بلغت بالغضب ذروته فى ميادين التحرير، وكان مبارك هو رمز هذه السياسات وصاحب قرارها، لكن حوله كان هناك صناع لهذه السياسات ومشاركين فيها، تختلف مساحة كل شخص من المشاركة لكن يبقى فى النهاية أن كل من كان قريبا من إذن النظام كان شريكا فى هذه السياسات.

وعندما يحاول أحد أن يقنعك أن الثورة انتهت بخروج مبارك، أو يدس لك سما فى عسل، من شاكلة هدم النظام وليس هدم الدولة، واعتبار كل غضب توجهه نحو بقايا النظام أو سياساته التى كانت ومازالت حاكمة، بأنها محاولة منك لهدم الدولة، ورفع هذه الفزاعة فى وجهك كلما حاولت أن تشير إلى أن مبارك وثقافته وذهنيته وربما أخلاقه مازالت حاكمة ومتحكمة.

أصارحك أن الأزمة تتجاوز الإدارة الحالية للبلاد، التى من الطبيعى أن تكون «ثقافة مبارك» جزء من تكوينها بحكم النظام الذى أنتج هذه الإدارة فى النهاية والذى كان متعايشا مع مبارك وسياساته طوال الثلاثين عاما، بكثير من التأييد المعلن، وقليل من المعارضة المكتومة، لكن الأمر يتجاوز السلطة إلى المعارضة، فهى الأخرى تربت داخل الإطار العام لثقافة مبارك وأخلاقه، فتعلمت حيله ووسائله وألفت التعاطى مع أجهزة أمنه، وخرجت فى أغلبها من إنتاج هذه الأجهزة، أو حتى ألفت التعاطى معها، فطغت أخلاقها عليها.

ثقافة مبارك وأخلاقه إذن لا تحكم السلطة فحسب، ولا الحكومة التى تستخدم ذات آليات حكومات مبارك فى التصدى للمشكلات، فهى من ناحية لم تألف غير هذه الوسائل التى تشاهدها تطبق طوال ثلاثين عاما، أى أنها فى النهاية جزء من الخبرات العامة، ومن ناحية أخرى هى أقل قامة من القيادة السياسية، ليس فقط بسبب صلاحيات منقوصة، ولكن بسبب صورة ذهنية موروثة أيضا من ثقافة مبارك وأخلاقه، ولديك كذلك ذات المعارضة فى مكوناتها الأساسية، التى تنافق المجلس العسكرى بذات الوسائل والآليات، وحين تعارضه جهرا يكون التفاهم معه سرا قائما، تتصدى لتحركات الشارع، وتؤيد الطوارئ ومد فترة حكم العسكر، ولا تنسى أنها كذلك خرجت من رحم ذات النظام الذى خرجت منه السلطة.

نجاح الثورة يتطلب إذن إسقاط سياسات مبارك، وليس إسقاط مبارك كشخص، القضاء على ثقافته وأخلاقه، وعلى معارضته التى صنعها بيديه، ومازالت عاجزة عن التحرر حتى بعد رحيله وتحاول إنتاج غيره لتتمسح فيه، رغم ادعائها القوة والشعبية.

عندما تدعو إلى حكم جديد.. بلا شركاء مبارك ولا بقايا حزبه ونظامه، وبلا معارضته أيضا، حكم يقطع كل خطوط الاتصال مع ثقافة مبارك وأخلاقه، فأنت لا تدعو إلى هدم الدولة، لكنك تطلب نظاما جديدا.. ومن شاركوا فى صنع الاستبداد لا يمكن أن ينجحوا فى صنع الحرية.. لهذا يسمونها ثورة.. ثورة..!

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

يسقط يسقط حسنى مبارك


قالها لكم اللواء ممدوح شاهين، الطوارئ ميراث مبارك، ومد العمل به يستمد شرعيته وقانونيته من أن «برلمان مبارك» هو الذى اتخذ القرار، وحتى تغيروا ذلك لابد أن يكون لديكم رئيس جمهورية لأن الدستور والقانون ومن بعده الإعلان الدستورى، لا يعطى حق وقف العمل بالطوارئ أو مده إلا لرئيس جمهورية، وحتى يأتى الوقت الذى يكون فيه فى هذه البلاد رئيس جمهورية منتخب، فليصمت الجميع وليقبل بالطوارئ وغيرها من قوانين مبارك.

يستند المجلس العسكرى إلى إعلان دستورى، تعرف مثلما أعرف كيف يتم خرقه وتجاوزه كل مره، كما تم خرق وتجاوز  الاستفتاء والدستور الذى جرى إعدامه وفق قرار سلطوى ضد إرادة الناخبين الذين انحازت أصواتهم لبقائه، يتمسك بمادة تلزمه باحترام اللوائح والقوانين السارية، ويتجاهل أن ذات الإعلان الدستورى يمنحه سلطة التشريع وسلطة رئيس الجمهورية وتمكنه من تعديل القوانين أو سنها فى مراسيم لها قوة القانون.

المجلس العسكرى وفق الإعلان الدستورى ــ الذى لم يستفت عليه الشعب ــ يحكم ولا يدير، يملك سلطات كاملة وواسعة وغير مسبوقة، وهى سلطات وصلاحيات تتجاوز وتفوق كل الصلاحيات شبه الإلهية التى كانت فى حوزة رئيس الجمهورية المخلوع، لأنها تجمع السلطة التنفيذية والتشريعية معا، وبالتالى لديه كل الفرص للاجتهاد والابداع ورسم الطرق المغايرة وابتكار الحلول المختلفة، لكنه رغم كل ذلك يتمسك بجزء من الإعلان الدستورى ويتجاهل آخر، واختار أن يسير فى إطار حلول مبارك وذهنيته وثقافته وآلياته، حتى المكاسب الثورية الأساسية التى يمكن أن تراها فى حل الحزب الوطنى واستعادة 3 شركات من ضحايا الخصخصة، وقبلها المحاكمات المختلفة لرموز حكم مبارك، هى انجازات تمت بيد القضاء الذى يؤكد المجلس العسكرى فى كل مرة على «استقلاله وعدم تدخله فى شئونه»، كذلك فرض تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وقصر بقاءه فى السلطة على مدتين رئاسيتين، هى من إنجازات الثورة الأولى التى فرضتها على مبارك نفسه وكانت محور الإصلاحات التى وعد بها وشكل من أجلها أول لجنة لتعديل الدستور قبل خلعه.

ولأن المجلس العسكرى أحد شركاء هذه الثورة بحكم المنطق، ووكيل إدارتها وليس صاحبها، فقد كان الأمل منه أن يمضى قدما بالثورة لآفاق أوسع تفوق عرض مبارك ووعوده، وتحمى المكتسبات وتؤكد انتماء هذا المجلس للثورة، حتى لو كان انتماء عاقل غير عاطفى، لكن المجلس الذى تمسك بقوانين مبارك واعتبارها الشرعية الوحيدة، رفض تفعيل ما منحه له ذات الإعلان الدستورى من صلاحيات تشريعية وقانونية، ليسن مراسيم مثل قانون الغدر أو اتخاذ اجراءات «عزل سياسى» لكوادر الوطنى، ليمتنع عن ذلك ويترك الحزب الوطنى يعود للحياة قى صور متعددة، ويمتنع عن المبادرة بتعديل قانون الجامعات ليترك التوتر والفوضى تضرب الحياة الجامعية لشهور، ويمتنع عن إحالة «الفلول» المتهمين فى قضايا عنف مثل «موقعة الجمل وقتل المتظاهرين» لمحاكم استثنائية فيما هو يتوسع فيها لمحاكمة النشطاء وصغار البلطجية.

لكن عندما تتذكر أن إعادة تفعيل قانون الطوارئ جاء بعد أحداث السفارة الإسرائيلية ومبررا بما خلفته من فوضى، وباحتجاج قانونى أن العمل به سار بالفعل منذ عهد مبارك وبشرعية برلمانه المزور، وتعرف أن التحقيقات تثبت أن رجال من الحزب الوطنى وقفوا وراء اقتحام السفارة بالتمويل واستئجار البلطجية، تعرف أن مبارك هو الذى يحكم ويدير، فقوانينه هى التى تسير وتحكم، وفلوله هى التى تحرك الفوضى والانفلات فى الشارع، فليسقط مبارك إذن من قوانينا ومن شوارعنا ومن مستقبلنا.. وحتى يحدث ذلك لابد أن يسقط أولا من عقول العسكر..!

الخميس، 22 سبتمبر 2011

بلد على كف (إضراب)


لا يمكن أن تنظر إلى موجات الاعتصامات والإضرابات التى تتزايد فى كل ربوع مصر، دون أن تربطها بالأداء السياسى لحكومة شرف، لا تكتفى فقط بالنظرة التى حاولت الحكومة تصديرها حول هذه الأزمات باعتباره تعبر عن مطالب فئوية لأصحابها أخطأت التوقيت، وتشكل ضغطا على الدولة فى مرحلة بالغة الحساسية من تاريخها.

لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تستسلم للرؤية الرسمية التى تستهل «وصم الاحتجاجات» وكأنها أنانية من أصحاب كل مهنة، تسعى لحل مشاكلها على حساب الوطن، فكيف يمكن أن تعتبر قضايا الأطباء مجرد «مطالب فئوية» أليست مصلحتك أن يكون لديك طبيب على قدر معتبر من التعليم والتدريب والكفاية، وأن ينعكس كل ذلك على الخدمات الطبية التى تتلقاها فى النهاية، هل تعرف أن الطبيب إذا حصل على أجر عادل فى مستشفى حكومى، لن يدور على المراكز والعيادات ليعمل 18 ساعة يوميا ثم يأتيك فى الصباح وهو مرهق فيضطر أن يهملك، أو أن يتاجر بك فيمنحك عنوان عيادته، أو يبيعك للمستشفى الخاص الذى يعمل به.

كذلك الحال مع «المعلمين» لا تعتقد أن قضيتهم مجرد مطالب فئوية، لا علاقة لك كمجتمع بها، على العكس من ذلك فهؤلاء الذين يبحثون عن كرامة المعلم وكفايته المادية يستعيدون لك بعض حقك الذى أهدرته الدولة خلال السنوات السابقة، ويحاولون إنقاذ مستقبل ابنى وابنك اللذين لن يحصلا على تعليم جيد من معلم مقهور ومديون ومشغول بلقمة عيشه، ومضطر للتعامل مع رسالته بمنطق تجارى، يجعله يدور على المنازل، فتتحمل أنت كل الفاتورة سواء فاتورة تردى المستوى التعليمى فى المدارس بسبب إحباط المعلم وانكساره، وانشغاله طوال الليل بلقمة عيشه، من لم يستغل طلابه فى دروس خصوصية، تجده على تاكسى أو بائع فى محل تجارى.

من حقك أن يكون لديك خدمة صحية جيدة تليق بك، وخدمات تعليمية تطمئن منها على مستقبل أبنائك، وخدمات نقل عام آدمية، تحترمك وتحترم المجتمع والقانون ولا تمثل عبئا على ميزانيتك، وأستاذ جامعة يملك من الموارد ما يسمح له بالتفرغ لرسالة تعليمية وبحثية تنهض بالمجتمع.

هؤلاء إذن الذين يناضلون لتحسين أوضاعهم، يملكون رؤية لتحسين أوضاعك أنت، لأن أى مكسب سيحصلون عليه لا شك سينعكس عليك، لكن كل ذلك مرهون بأن يكون لديك حكومة قادرة على أن تخلق من هذه المطالب رؤية حقيقية للنهضة تربط تحسين الدخول بتحسين الجودة وتسير فى المسارين، عبر مراجعة أولويات إنفاقها، وإعادة هيكلة القطاعات المختلفة بما ينعكس على العاملين فيها، ويعيد كل مؤسسة من مؤسسات الدولة لوظيفتها الأساسية التى تخدم المجتمع بكفاءة وجودة.

ستقول إن توقيت هذه المطالب صعب، ربما لكن الأمر فى النهاية يحتاج إلى أداء سياسى تفتقره حكومات مصر المتعاقبة حتى حكومة شرف تتخذ ذات سياسات «الطناش» التى اتخذتها سابقاتها، راجع أداء وزير التعليم وتعامله مع إضراب المعلمين مرة بالتقليل من شأن المضربين على طريقة «القلة المندسة» ومرة بادعاء أنه لا أحد فى المضربين يملك شرعية للتفاوض معه، على طريقة «من أنتم؟».

هذه حكومة تفتقر الخيال السياسى، كما أنها كسابقاتها تفتقر الرشد فى ترتيب أولويات الإنفاق، وتفتقر إرادة الحسم والإنجاز، فكما قلت لك سابقة أزمة كإقالة القيادات الجامعية كان يمكن حسمها قبل أشهر طويلة بكلمتين تضافا لقانون الجامعات، لكنها تدور فى حلقات مفرغة وتستهل وصم أنات الناس بـ «المطالب الفئوية»، وتنجح فى ذلك للأسف، لكن إياك أن تنظر لها كذلك، فلو شاهدت «جامعى القمامة» يطلبون تحسين أوضاعهم فاعلم أنك معنى بذلك بشكل أو بآخر.. ليس عيبا أن يكون فى بلادنا إضرابات لكن العيب ألا تكون لدينا حكومة..!

السبت، 17 سبتمبر 2011

فشل (الإدارة).. وليس الثورة


الأزمة أنك كنت تعتقد أن هناك خريطة للتحول الديمقراطى فى مصر، لكن كل يوم يمر يتكشف لك أن أحدا لا يعرف ما الذى من المفترض أن يجرى غدا وما هى الخطوة المقبلة التى لابد من إنجازها.

جزء من الأزمة يتمثل فى استئثار المجلس العسكرى برسم الخريطة المبدئية التى كان من المفترض أن تنتهى هذا الشهر وأن يكون لديك رئيس منتخب، وبرلمان، ولجنة تعكف على صياغة دستور الدولة الجديدة.

ضاع كثير من الوقت لتكتشف أنك مازلت تقف عند نقطة متراجعة جدا وتراوح نفسك فى إطار خطط مبدئية رسمها «مبارك نفسه» قبل خلعه، لاحظ أن المدة الرئاسية لمبارك كانت تنتهى هذا الشهر، بما يسمح لكثير من «المغرضين» الذين لا يعتبرون المحاكمات رغم تباطؤها إنجازا كبيرا، يروجون للعامة أن مبارك كان سيرحل هذا الشهر، وكنا سنجرى انتخابات رئاسية لاختيار خليفة له فى مناخ أفضل.

وهى أقوال مردود عليها قطعا، فيكفى حل الحزب الوطنى وإيداع رموزه فى الأقفاص التى يستحقونها، وإنهاء التوريث، وكسر سطوة النظام الأمنى، لكن رغم ذلك يتحمل المجلس العسكرى مسئولية ترويج هذا الطرح، وكل إحساس يتبادر فى أذهان الناس بأن أى وضع كان مناسبا أكثر من خلع مبارك والإطاحة به، وأن الفوضى التى تحدث عنها المخلوع حدثت وكأنه كسب منا الرهان.

كل قول كهذا يصب فى مرمى المجلس العسكرى، وليس فى مرمى الثورة، فالأول تسلم المسئولية وتعهد بالحفاظ على الثورة وتحقيق أهدافها وحماية مكتسباتها، إذن العيب اليوم فى وكيل الإدارة وليس فى الثورة، وإهدار الأشهر تلو الأشهر، فى حلقات مفرغة من الجدل السياسى الذى يتجاوز كل الجداول الزمنية التى سبق وألزم المجلس العسكرى نفسه بها ليقترب العام على نهايته، ولم يتحقق شىء، لكن وكيل الإدارة عن الثورة، بدلا من المضى قدما فى تعميق الحريات باعتبارها أهم مكتسبات الثورة، ارتد للخلف فجرم التظاهر والاحتجاج، ثم أعاد قانون الطوارئ للعمل، وتوسع فى محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

الواقع الآن أن المشهد يتصارعه تياران رئيسيان، ليسا المعسكر الإسلامى والعلمانى، لكنه تيار يرغب فى المضى قدما بالثورة لتحقيق آمالها، وبالتالى إشعار المواطن بالفارق الرهيب والجوهرى الذى يصب فى صالحه، وتيار يرغب فى احتواء الثورة إن لم يكن إجهاضها، والتشكيك فيها، وتحميلها مسئولية عشرات الكوارث والأزمات، حتى تأتى على المواطن لحظة يتحسر فيها على نظام مبارك، ويحن إليه، أو يقول يا ليتنا غادرنا الميدان بعد إقراره بالخروج.
والحقيقة أن المجلس العسكرى غارق بين الاثنين، أحيانا تبدو خطواته متجهة للأمام، وأحيانا يسير للخلف در، وفى الغالب يبدو ملزما نفسه بالحياد، ساق هنا والأخرى هناك، ليس تواطؤا ولكن ربما أقنعه أحد أن إنتاج ذات النظام القديم بمحسنات واضحة ووجوه جديدة ربما هو الأنسب للحالة المصرية.

قامت الثورة لإسقاط النظام إجمالا، وتعهد المجلس العسكرى بحمايتها وحماية مكتسباتها، وما يجب أن يفهمه بوضوح أن فشل هذه الثورة يعنى فشله هو بالتحديد وليس فشل الثوار، لأنه المسئول عن الإدارة، ولا بديل أمامه سوى إخراج كل الأفكار التى تحاول تقديم حلول وسط تربط الماضى بالمستقبل، والتفكير بثورية تقطع الطريق نهائيا على الماضى، هذا إذا أراد أن يعود لثكناته قريبا، وإذا أراد أن يتجنب الفشل..!

الجمعة، 16 سبتمبر 2011

علمانى ومسلم


أصبح أردوغان «سيئا» لأنه اعترف أمام آلاف من المصريين أنه «علمانى»، ودعا إلى فصل الدين عن الدولة، آلاف الإسلاميين الذين احتشدوا لاستقباله وتحيته والفخر به باعتباره فخر النماذج «الإسلامية» الحاكمة فى مصر، انقلبوا عليه، بعضهم قال إن نصيحته لمصر بوضع دستور علمانى، هو تدخل فى الشئون الداخلية المصرية، والبعض اعتبرها نصيحة غير مقبولة، وحاول البعض أن يوحى بأن هناك خطأ واضحا فى الترجمة، لكن الرجل كرر حديثه أكثر من مرة، وقال إن الادعاء بأن نظامك «إسلامى» معناه أن تلحق كل فشل تقع فيه بالإسلام، أما أن تكون مسلما متدينا، وتدير نظاما سياسيا مدنيا يحركه الاجتهاد، فستتحمل نتائجه وحدك.

لكن بقدر صدمة الإسلاميين فى أردوغان، بقدر فرحة خصومهم، الذين كان بعضهم قبل زيارته، تحت ذات التأثير بأنه «إسلامى» يتركون كل عنصر باهر فى تجربته ويركزون فى القضية الكردية، وفى تعامل السلطة التركية مع الأكراد، الذين يحاربون الدولة فى إطار مطالبهم التاريخية.
أنت أمام حالة من الفهم الخاطئ والمزدوج لحالة أردوغان، خضعت للأسف الشديد هى الأخرى، للاستقطاب الحاد بين معسكر الإسلام السياسى والتيار المدنى العلمانى، مثل كل الأشياء التى يجرى العراك عليها، وأحيانا لى عنقها لتناسب هذه الدعوات أو تلك.

لكن الحقيقة الواضحة أمامك، أن المرء يمكن أن يكون مثل أردوغان، «علمانى» يؤمن بالحقوق المدنية المتساوية للجميع، ويؤمن بمفهوم الدولة المحايدة التى لا تميز بين مواطنيها بسبب دين أو لون أو جنس، يؤمن بأن الدولة ملك جميع مواطنيها، ولأنها كيان اعتبارى من اختراع الإنسان لتنظيم حياته، فلا يجوز أن يكون لها دين تعتقد فيه، الواجب أن تقدر وتجل أديان مواطنيها على السواء، وأن تحضهم على تدين لا ينفى الآخر، ولا يحرض عليه، لا أن تتفرغ هى للعبادة وممارسة الوعظ والإرشاد.

كما أن المرء يمكن أيضا أن يكون مثل أردوغان «مسلما».. لا ينفصل عن ثقافته التى يشكل الدين عمودا فقريا فى بنائها، يحترم عقيدته، ولديه ولاء مفرط لها، وينعكس تدينه بشكل مباشر على أخلاقه، وعلى أدائه الوظيفى وتعاملاته مع الناس، وفى الوقت نفسه لا يستدعى الدين ونصوصه ورجاله لحسم مشاكل سياسية فى مجتمع تعددى ثقافيا ودينيا وسياسيا، يطبق الإسلام وأخلاقه وقيمه فى معاملاته، ولا يختزل ذلك فى مظهره، لم يفرض الحجاب على النساء لكنه يظهر فى كل مكان بزوجة محجبة يمكن أن تتخذها النساء قدوة دون توجيه.

ليس كل علمانى إذن «منحلا» لا يؤمن بقداسة الأديان، ويدعو للفجور والإثم والعصيان ومعصية الرسول، كما أنه ليس كل متدين ملتزما، متطرفا وإرهابيا وفاشيا، العلمانية ليست «كفرا»، كما أن الالتزام الدينى ليس «إرهابا» وإذ كان هناك فى هذا الطرف أو ذاك من ينحرف بالمسألة ويوغل فى التطرف، فهذا لا يعنى إطلاقا أن الجميع موغل فى التطرف.

الصدمة التى أحدثها أردوغان أنه ظهر أمامنا كإنسان طبيعى علاقته بربه مسألة تخصه وحده، وتدينه مسألة تخص علاقاته ومعاملاته مع الآخرين، وعلمانيته منهج عمل وإدارة، تستمد شرعيتها من الكفاءة وليس النصوص.. هذا والله أعلم

الخميس، 15 سبتمبر 2011

من يصنع الاحتقان؟


سأفترض معك الآن أن الوضع فى البلد يحتاج بالفعل قانون الطوارئ، ولا يحتاجه كنصوص فقط بقدر ما يحتاج إلى تطبيق حاسم وفورى، فالشارع ملتهب ومحتقن، والانفلات الأمنى سيد الموقف كما تدرى، ناهيك عن الفوران السياسى والفئوى الذى يستبد بالمجتمع ويغرقه فى دوامة من الفوضى.
لكنى أسألك.. من الذى يصنع الاحتقان ويغذيه فى الشارع، هل هى قوى أجنبية لديها أجندات ومصالح ولديها «عملاء» ينفذون هذه الأجندات، كما يذهب البعض داخل مؤسسة الحكم الانتقالى «حكومة ومجلس عسكرى»، أم فلول الحزب الوطنى وأمن الدولة وبقايا النظام السابق الذين يقودون ثورة مضادة لإجهاض الثورة وتقزيم مكتسباتها؟

أين الأزمة بالتحديد؟ هل فى القوى السياسية التى تفرقت شيعا وقبائل عقب التنحى ونظرت إلى مقاعد فى برلمان لم يبن بعد، وتعاركت عليها، وأهدرت لحظة التوافق العظيمة التى كانت فى ميدان التحرير، بحثا عن مغانم صغيرة وسريعة تكاد تهدر المغنم الأكبر المتمثل فى الثورة؟

ربما لكل ذلك نصيب فيما نعيشه الآن، لكنك بوضوح ودون مواربة، لا يجب أن تستثنى مؤسسة الحكم «المجلس العسكرى والحكومة» من المسئولية عن ترك الاحتقان دون جهد لاحتوائه، وربما تغذيته وخلقه وصناعته من الأساس.
هذه سلطة فى يدها مفاتيح كثيرة لتجفيف الاحتقان وجلب الاستقرار ولا تستخدمها، وأحيانا تشعر أنها تتعمد أن تلقى الناس فى دوامة من الحيرة المفرطة، وتنهك قواها فى الجدل والجهد فيما حلول كثير من الأزمات فى غاية السهولة والبساطة.

خذ عندك أزمة الجامعات، والاحتقانات الطويلة التى استمرت لأشهر لإقالة القيادات وتعديل نظام اختيارهم، والسلطة تشاهد عن بعد وتتفرج، مرة تقبل بالإقالة وترهن الأمر لنهاية العام الدراسى، ومرة ترفض وتسوف حتى بعد نهاية الدراسة وإقبال العام الجديد، والمسألة برمتها كان يمكن حسمها من اليوم الأول بتعديل بسيط فى قانون بإضافة جملة واحدة تنص على انتخاب القيادات، وأن توفر على هذا الوطن كل هذا الجدل والجهد والاحتقان إذا كنت ترغب فعلا فى ذلك.

الأمثلة من ذلك كثيرة وجميعها مرتبط بتوافر الإرادة الحقيقية لدى السلطة لحل الأزمات التى تواجه البلاد، لكنك تستشعر أن هناك من يحاول قصر الجهد الرسمى على سياسات احتواء تقتصر على تسكين الأوضاع دون حلها جذريا لتبقى قنابل جاهزة للانفجار فى أى بلحظة سواء عفويا أو بترتيب.

يدخل فى ذلك الانفلات الأمنى، الذى أثبتت الأحداث أن الشرطة قادرة على علاجه والتصدى له فى مناطق بعينها، وتركه يعيث فسادا فى مناطق أخرى، من ذلك المقارنة البسيطة بين الأداء الأمنى فى مواجهة «الألتراس» فى موقعة الاستاد، ردا على استفزاز لفظى، وذات الأداء أمام السفارة فى مواجهة خرق بين للقانون واقتحام خطير لسفارة دولة على أراضينا.

لا تحتاج السلطة إذن إلى قانون طوارئ، لكنها تحتاج إلى أمانة فى الإدارة، تدفعها لتؤدى دورها بكفاءة وإخلاص، وأن تمتلك إرادة الحل وتحولها لواقع، فتطبيقها الصارم لقانون العقوبات عبر المحاكم المدنية يكفى لو جرى بإرادة وعدم تمييز، تحتاج إلى حلول سياسية وليس تدابير أمنية، إلى إجراءات فى يدها وتتكاسل «بقصد وبدون» عن اتخاذها أو ستبقى جزءا من منظومة صنع الاحتقان والتوتر فى هذا البلد وهذا هو الأخطر من الانقسام والأجندات والفلول والثورة المضادة..!

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

رسالة إلى الشقيق الكويتى

عندما التحق بالقوات المسلحة المصرية، أوائل التسعينيات، كان يعتقد أن مدة تجنيده ستمضى فى هدوء مثل سابقيه، عرف أن حرب أكتوبر هى آخر الحروب كما كان يقول السادات، لكنه مثل كل مصرى وعربى استيقظ فى الثانى من أغسطس عام 1990 على كارثة الغزو العراقى للكويت، وبعد ذلك ببضعة أشهر كان ضمن القوات المصرية التى عسكرت فى «حفر الباطن» بالمملكة العربية السعودية استعدادا لخوض حرب تحرير الكويت. 

حين قامت الحرب، دخل مع فرقته الأرض الكويتية، وشارك فى تحريرها شبرا شبرا حتى توقف عند الحدود العراقية ــ الكويتية، ممتثلا لقرار برفض التوغل فى الأراضى العراقية. 

خلال المعارك شاهد مئات المصريين يلاقون وجه ربهم، وآخرين يعودون بإصابات بالغة، تضمهم إلى قوائم المعاقين، وعندما أنهى مهمته فى الكويت وأنهى مهمة تجنيده، عاد ليبدأ الحياة من بدايتها، يدور فى دوامة البحث عن عمل، ويغرق فى منظومة الإهانة، يدفع ليحصل على وظيفة، ويضرب حين يدخل قسم شرطة، وتُسب أمه ويُلعن أبوه، يُطرد من عمله فلا يجد ملجأ ولا قانونا، ويهيم محاولا الاسترزاق بـ«صنعة» فى يديه، تعطيه يوما وتحرمه أياما.

ولما قامت ثورة يناير كان فى ميدان التحرير، يهتف بسقوط نظام أفقره وجوعه وانتهك كرامته وحقوقه الإنسانية، وقزمه فهان على الجميع، هناك شاهد الكثير من رفاق سلاحه الذين كانوا يشاركونه فترة التجنيد فى أوائل التسعينيات، وشاركوا فى الحرب، ليس لأنهم كانوا «مرتزقة» يستأجرون لأداء مهام قتالية، لكن لأنهم كانوا جزءا من منظومة عسكرية لديها عقيدة ثابتة فى حفظ المنطقة، وهى عقيدة كانت موجودة ومجربة فى الستينيات حين منع عبد الناصر غزوا مماثلا للكويت، وستبقى كذلك مهما كان الرأس الذى يحكم البلاد. 

فى الميدان كان يطوف مع المئات الصينية فى تمرين حماسى يكسر ملل انتظار التنحى، ويساعد صديقه الذى «يزك» لأن رصاصات «صدامية» استقرت فى فخذه، وعندما عاد من الحرب التحق بشركة «عامة»، لكن مستثمرا خليجيا اشتراها وفرض عليه المعاش المبكر، ومنحه فى عمره ومستقبل أبنائه «ثمنا بخسا»، بمعاونة نظام فاسد باع كل شىء وقبض ثمنه حتى كرامة شعبه.

نظرة واحدة بينهما كانت كفيلة بتذكر عشرات الشهداء الذين سقطوا فى دفاعهم عن الكويت أمام أعينهم، والقذائف التى أراد الله أن تتجنبهم لتسقط غيرهم، صور الشهداء وأسماؤهم مازالت فى الذاكرة، وربما لبعضهم أبناء فى هذا الميدان يهتفون بسقوط الطاغية، ويبحثون عن أمل جديد فى الحياة يتحملون فى سبيله قنابل الغاز وخطر المجهول.

عندما عرف أن محامين كويتيين يحاولون الدفاع عن مبارك، يرفضون وصفه بالمخلوع ويعتبرونه الرئيس الشرعى، يقولون إنهم يردون له جميل حرب خاضها معهم، تحسس «ندبة» فى رأسه، وجرحا غائرا فى رقبته، وتذكر صور الموتى والمصابين والمقعدين، الذين عادوا من الكويت بعد حرب ضد ظلم، وثاروا أو ثار من يحملون أسماءهم فى الميدان ضد ظلم أقسى وأشد.

يحاول أن يجد أحد هؤلاء المحامين ليسأله: أيها الكويتى «النذل» لماذا تحفظ الجميل لشخص وتنكره على شعب، عطاؤه أكبر وأعظم هو الذى حارب ومات وأصيب ودفع كل الثمن، وكان أولى بوفائك؟ 
أيها الكويتى النذل: من أخبرك أن الجنود الذين دفعوا أرواحهم ودماءهم وأعضاءهم من أجل حريتك، ليسوا هم الذين ثاروا وثار أبناؤهم ودفعوا ثمن حريتهم بأنفسهم ودون مساعدة من أحد؟
أيها الكويتى النذل: المؤكد أنك فرد لا تمثل شعب الكويت ولا أهله!

أيها الكويتى النذل: لماذا ندفع الدم من أجل حريتك فيما أنت تستكثر علينا الحرية؟!

الاثنين، 5 سبتمبر 2011

الزمن التركى

 إذا صحت الأخبار المتداولة حول عزم رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان، زيارة قطاع غزة بنفسه عبر البحر وفى حماية الأسطول البحرى التركى، تكون المنطقة أضيف لها بعد جديد ربما يوازى فى تأثيره ما حدث ويحدث بها من ثورات.

انتقلت السياسة التركية نحو إسرائيل من الخطاب الشعبوى القادر على دغدغة مشاعر الجماهير العريضة فى تركيا والعالم العربى، إلى فعل بذات السمات، يتحرك فى إطار تصعيد غير مسبوق ضد إسرائيل، لكنه حتى الآن خطاب بعيد عن المواجهة المباشرة، وفى إطار إمكانيات دبلوماسية «الحركة الفعالة» التى تتخذها أنقرة حاليا. 

لن تنشب حرب تركية إسرائيلية، لا أنقرة تسعى لذلك ولا تل أبيب يمكن أن تغامر بالجنوح نحو هذا الهدف على الأقل فى ظل ثورات شعبية لا تعرف مداها، وشارع عربى ملتهب، ومحيط متوتر فلديها من العقلاء من يدفعونها إلى ضرورة تجنب أن يتوجه هذا الفوران العربى باتجاهها، لكن الدرس التركى فى القدرة على استخدام كل الأدوات التى تحقق تأثير الحرب دون طلقة، وتأتى بثمار النصر دون معركة.

والمؤكد أن دخول أردوغان غزة دون تفاهمات مع إسرائيل وعبر البحر وفى حراسة قواته البحرية، هو هزيمة حقيقية ومدوية للدولة العبرية على الأرض، وربما تحقق هدفين فى آن واحد، الأول هو تنصيب الأتراك على عرش قيادة المنطقة دون منازع تقريبا، وتعزيز وضعها الإقليمى الذى تستند عليه الإمبراطورية الأردوغانية الجديدة لتكريس وضع دولى يتعامل بندية مطلقة مع كل الأطراف بما فيها الاتحاد الأوروبى الذى رفض دخول الجار التركى لناديه، والثانى التماهى مع الثورات العربية واحتوائها وتوجيهها فى اتجاه طبيعى معاد لتل أبيب ومنبهر بأنقرة، وهو شكل من التحالف ينسجه الأتراك هذه المرة مع الشعوب قبل الأنظمة، فتبدو أنقرة الدولة التى تملك القدرة العملية على عقاب إسرائيل بالقول والفعل معا، إلى جانب الانحياز إلى حقوق الشعوب العربية بمواقف جادة وصارمة سواء فى القاهرة أو طرابلس أو حتى فى دمشق. 

ربما يستعد أردوغان لتدشين رسمى لما يمكن أن نسميه «الزمن التركى» بزيارة إلى غزة ربما تمثل فى حد ذاتها التهديد الأكبر لإسرائيل فى المنطقة، وهو تهديد يفوق أى تهديد عسكرى ممكن وتداعياته حال حدوثه، ستكون بالغة الأثر على الدولة العبرية، وستضعها لأول مرة فى حجمها داخل حدودها المغتصبة قبل 67، وربما تكون النتائج أكثر أثرا إذا توازى ذلك مع إعلان عربى للدولة الفلسطينية من جانب واحد. 

لكن هل إسرائيل بالغباء لتترك هذه الزيارة تحدث بكل ما تمثله من هزيمة مباشرة لها؟ المؤكد أنها ربما تحاول تجنب ذلك حتى لو اضطرت لتنفيذ كل مطالب أردوغان وتقديم اعتذار مهين عن حادث أسطول الحرية. 

تمنح تركيا درسا قديما للعرب ولمصر تحديدا بأن القسوة مع إسرائيل لا تعنى بالضرورة الحرب، لكننا لا نرغب فى فعل مباشر ولا كلام مباشر، وربما حتى لن نحفز رسميا على الزيارة الأردوغانية لغزة على الأقل لنعادل الضغوط لمنعها، ونستفيد من أثرها حتى لو بدعم «الزمن التركى» لأن ذلك للأسف هو «أضعف الإيمان»..!

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

جيش العار

هذا رادع لا يردع ولم يسبق له أن فعل، هذا مقاوم لم يقاوم ولم يسبق له أن فعل، هذا جيش كان يحكم الدولة بشرعية حرب لا يخوضها، وبتفويض مقاومة لا يمارسها، وبإعلاء لصوت معركة تحرير لا يقدم عليها ولم يفعل طوال 40 عاما أو أكثر هى عمر الاحتلال السورى لأرض الجولان.

أحدثك عن الجيش العربى السورى، الذى انتظرت منه الجماهير العربية الحرة فى كل مكان أن يخوض المعركة المستحقة، بعد سنوات من تدجين الناس وشحذ هممهم ودغدغة عواطفهم، بعد 40 عاما من توجيه كل مقدرات شعبه إلى التسليح والاستعداد للحرب، بعد سنوات من التجويع على حساب نصرة المقاومة، والإفقار على حساب الاحتفاظ بالكرامة، لكن هذا الجيش يخوض الآن الحرب، ليس لتحرير الأرض التى خان عهدها وتكاسل عن مهمته فى استعادتها، وجبن فى مواجهة تحدياتها، لكنه يخوض الحرب فى الشوارع ضد شعبه، يواجه الغاضبين العزل بالدبابات التى دفعوا له ثمنها، ويحصد أرواحهم برصاص جاعوا من أجل أن يملأ خزائن ذخائره. 

المسألة لم تعد بشار الأسد، فهو مثل كل طاغية يقاوم الرحيل، يعتقد أنه بالفعل وريث، وأن هذا الوطن إرثه ونصيبه من تركة أبيه، وأن هؤلاء الثائرين فى الشوارع والميادين ليسوا أقل من خدم يحاولون تحسين ظروف معيشتهم، ورفع رواتبهم، لا يدور فى مخيلته أن هؤلاء أصحاب الوطن، وأن معهم عقود الملكية، ويوثقونها الآن بدمائهم ليستعيدوا ملكيتهم، ويستعيدوا إدارة ما يملكون بأنفسهم، بعد أن تجبر عليهم المرتزقة وجنرالات الهزائم، وسماسرة المعارك الرديئة، وأمموهم لعقود طويلة باسم المعارك والمقاومة والصمود، وفى النهاية وجدوا أنهم هم من يخوضون المعارك، بأقواتهم، ويقاومون الإفقار والقهر، ويصمدون أمام الديكتاتورية، فيما سكان القصور يعرفون كل شىء، وفى أدراجهم أوراق البيع والشراء. 

هذا جيش العار بامتياز، ليس جيشا وطنيا ولا يمت للوطنية بالصلة، تلك كتائب مملوكية بقيت من قرون مغامرات المماليك، ونجحت فى القفز على السلطة واختطافها، وتدافع عنها اليوم كما يدافع المماليك عن المغانم، بلا عقيدة ولا رؤية ولا هدف إلا أن هذا ملكنا، وهؤلاء الثائرون يحاولون أن ينزعوه منا. 

سيسقط بشار اليوم أو غدا، إن هى إلا أيام طالت أم قصرت لكن النهاية واحدة، وسيترك من خلفه جيشا ملوثا بدماء شعبه، جيشا خان شعبه مرتين، الأولى أنه ساهم فى احتكاره واحتقاره والاستبداد به، وساعد الديكتاتوريات أن تقهره وتقمعه، وباع له الوهم فى الكرامة والتحرير، وخذله فى كل المواقف ورضى بهدنة على الأرض بينما الحرب تملأ مفردات الكلام، وخانه فى المرة الثانية حين انحاز للطاغية ظنا أنه من يمنحه «راتبه الشهرى وزيه الرسمى» لكنه لا يعرف أن تلك الطلقة التى يستدير بها للوراء ليقتل بنى وطنه دون أن يجرؤ مرة أن يوجهها للأعداء، دفع ثمنها الشهداء الذين لهم المجد فى كل صفحة من التاريخ، يقابلها صفحات من العار تلطخ سيرة بشار والذين معه، كل من أطلق رصاصة أو أصدر أمرا، كل من اختار الماضى على حساب المستقبل، الظلام على حساب النور، الاستبداد على حساب الحرية، كرامة الزعيم على حساب كرامة الشعب، الحاكم على حساب الوطن، العار على حساب الشرف..!