| قبل أي شيء ارجعوا معي إلي القرن الثاني عشر عقب نجاح الثورة الفرنسية وإعلانها مبادئها الثلاثة الشهيرة «الإخاء والمساواة والحرية»، وتذكروا معي أن هذه الثورة التي تعد البداية المتفق عليها لتقويم الحريات، وضعت حرية الصحافة جنباً إلي جنب مع مبادئها الرئيسة، وهو ما جاء علي لسان خطيبها «ميرابو» في خطبة شهيرة له أمام ممثلي الشعب الفرنسي قال فيها: «فليعلن الآن أول قانون من قوانينكم: حرية الصحافة إلي الأبد، وهي حرية لا يجب أن تمس، ولا يصح وضع حدود لها، لأنها الحرية التي لا يمكن التمتع بالحريات الأخري بدونها». في البدء كانت حرية الصحافة كما ترون ومنذ قرون، وهي الحرية التي وصفها فولتير، فيلسوف فرنسا الأشهر، بأنها «آلة يستحيل كسرها»، ويكفي أن تعرف أن نابليون بونابرت بكل جبروته وسلطانه كان يعترف بأنه «يرتعد خوفاً من ثلاث صحف أكثر مما يتوجس خيفة من ١٠٠ ألف جندي»! تذكروا أيضاً أن الحاكم في بلادنا وفي أغلب المنطقة العربية إله علي وجه التقريب، كونه لا يمكن محاسبته أو مساءلته، ولا يوجد دستور أو قانون يسمح بذلك، وإن كان هناك نص ما في دستور هنا أو هناك فقد ثبت استحالة تطبيقه عملياً، هذا واقعنا وهذا حالنا، حيث يدخل الحاكم بمجرد بلوغه عرشه قلعة حصينة محصنة لا يأتيها السوء من قريب أو بعيد، هكذا تفعل النخب والبطانات به فترفعه عن منزلة البشر، ويسبح البرلمان بحمده صباحاً ومساء، كذلك الأحزاب التي من المفترض أن تكون نداً له ولحزبه الحاكم. تذكر كذلك أنه لولا أن الصحف المستقلة في مصر، وبعض الحزبية منها، وفرت «قدراً» من المساءلة والنقد لسياسات الرئيس والمتابعة لأخباره المسكوت عنها في صحف الدولة، لبقي منزهاً عن السؤال ومعصوماً من النقد وأقرب للألوهية منه إلي البشر، ولبقي سقف حرية الصحافة عند أعناق ممارسيها. بالطبع سنكون مجحفين إذا أنكرنا أن هذا السقف ما كان من الممكن أن يرتفع دون رضا الرئيس مبارك نفسه وقبوله وبدعم مباشر أو غير مباشر منه، لكن في الوقت نفسه كان هناك رجال تلقفوا هذه الإشارات وساروا خلفها في سياقها الطبيعي المرجو منها، لصناعة صحافة تلبي طموحات شعبها، وتحفر في الصخر لتكريس حريتها وتجاوز خطاً أحمر وراء خط حتي تكاد تنسف كل الخطوط الحمراء. جاء ذلك بينما تعبث خفافيش في السر والعلن ومازالت ـ كثير منهم من المحسوبين علي المهنة ـ لتعطيل قطار حرية الصحافة وقطع الطريق عليه، تارة بقوانين سيئة السمعة، وتارة أخري بأزمات مفتعلة ومزايدات هدفها تحريض النظام علي حرية الصحافة. يبدو لي أن منتصف تسعينيات القرن الماضي علامة فارقة بالفعل في تاريخ الصحافة المصرية في شكلها ومضمونها وخطابها وفي مسيرة حريتها وفي مستوي سقفها الذي بدأ بالفعل يتزحزح تدريجياً لأعلي منذ ذلك التاريخ الذي تواكب مع بدء ظهور الصحف المستقلة والتي وصلت إلي قمة توهجها في السنوات الثلاث الأخيرة، وتوالت عبرها أجيال صحفية شابة ومتحررة من التأثير الحكومي، وغير مكترثة بعدم نظامه ولا بجدارته، عملت بجد علي تحرير مناطق جديدة كانت خاضعة للتعتيم والصمت وإعادة صياغة الدور الحقيقي للإعلام في ظل انفتاح وحراك سيطر علي السياسة والإعلام معاً.وعملت علي رفع سقف حرية الصحافة إلي أعلي عليين حتي إنها نجحت في دخول قصر الرئاسة الذي كان محظوراً الاقتراب منه واليوم لابد أن ندرك أن «جرجرة» الصحفيين إلي النيابة لا تهدف إلي مجرد اسكات اشخاص بعينهم وإنما هدفها الحقيقي فرملة قطار حرية الصحافة وإبعاده عن أسوار قصر الرئاسة بعد أن كاد يستقر داخله، والعودة بمنطقة الرئاسة إلي زمن «ممنوع الاقتراب واحذر خطر الموت» وإبقاء كل ما يدور خلف هذه الأسوار بعيداً عن عيون الصحافة وبالتالي بعيداً عن الرأي العام. وعلينا أن نفهم أن القبول بالتراجع والانسحاب ضد المناطق التي حررتها الصحافة في منطقة الرئاسة وإعادة تحصينها ضد النقد، وضد التطفل الصحفي لن يضر جريدة بعينها، لكنه يعني بعدها مزيداً من الانسحاب وتحصين الحكومة والبرلمان كذلك ومن ثم المجتمع كله، فتعود الصحافة إلي المربع رقم صفر، لا تسمن ولا تغني ولا تقوي علي رفع سن قلم في وجه كبير أو صغير. يفخر الفرنسيون بمقولة لـ«شاتوبريان» تقول: ليس الدستور هو الذي أعطانا الحرية، إنما هي حرية الرأي التي أعطتنا الدستور» واليوم يجدر بنا أن نقول: ليس الدستور ولا المجلس الأعلي للصحافة، ولا البرلمان من منحونا حرية الصحافة، وإنما هو نضال أجيال متعاقبة ورجال حقيقيين مازلت أنا وأنتم والمجتمع كله يجني ثمار جهدهم بشكل أو بآخر. تذكروا نضال الصحفيين اليوم وأنتم ترون كل مسكوت عنه صار مباحاً ومسموحاً، وكل سور حصين عالٍ صار زجاجاً شفافاً، وتذكروا أيضاً أن التاريخ مازال يذكر أحمد حلمي والعقاد وتوفيق دياب وإحسان عبدالقدوس وكثيرين غيرهم.. لكنه لا يذكر أسماء من زجوا بهم في السجن. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الثلاثاء، 11 سبتمبر 2007
لا تغادروا قصر الرئاسة
الاثنين، 3 سبتمبر 2007
الواد منصور حبيب الرئيس
| «متي سيحلون مجلس الشعب»؟، ظل ذلك السؤال يتردد علي لسان منصور الهليب طوال العامين الماضيين منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لكنه هذه المرة كان أكثر إلحاحًا، لا يأتي لمشاركتنا قعدة العصاري علي مصطبة القرية إلا ويسأل: «مفيش أخبار عن حل المجلس»؟، ولما يسمع منا إجابات وتحليلات تجعل أمله في حل المجلس يتضاءل، ينزوي جانبًا وهو يتمتم داعيا: «ربنا يفرجها». لم يكن لرجائه في حل البرلمان أي بعد سياسي، فقد كان الرجل يريد عودة «هيصة» الانتخابات باعتبارها موسم استرزاقه حيث يحترف ترشيح نفسه في أي انتخابات، ورغم تضاؤل فرصه فإن النجاح لا يكون هدفه بقدر ما يهدف إلي التنغيص علي المتنافسين خاصة مرشح الحزب الحاكم، وتفتيت الأصوات حتي يضطر هذا المرشح إلي أن يدفع له ثمن انسحابه وتنازله.. «بالبلدي يعرقه»، ورغم انتماء منصور الأصيل للحزب الوطني فإن مرشحي الحزب في الدائرة كانوا دائمًا من ضحاياه. أنفق الرجل كل ما تقاضاه في الانتخابات وجلس يحلم بانتخابات قريبة تخرجه من حالة «الأشفرة» التي يعيشها حاليا. سوء حظه جعل دائرته لا تجري فيها انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشوري، وسوء حظه أيضًا جعل النظام يعمل علي تأجيل انتخابات المحليات إلي أجل غير مسمي. ويومها جاء وبشارات الفرج تلوح علي وجهه وفي يديه عدد من الصحف التي تحوي أخبارًا عن الانتخابات الداخلية في الحزب الوطني، سألناه إذا كان ينوي الترشح في أمانة المركز أو المحافظة، فأجاب بالنفي وقرأ علينا تصريحات لصفوت الشريف يطالب فيها شباب الحزب بإزاحة الكبار، ويعلن فتح باب الترشيح لرئاسة الحزب. سألته مندهشًا: هل تفكر في... ؟ أجاب بالإيجاب، وقال: سأرشح نفسي لرئاسة الحزب. بعد أن استقبلنا حديثه بالسخرية التي يستحقها سألته هل تعرف من الذي يرأس الحزب حاليا؟، أومأ بالإيجاب ، عدت وسألته: وتعرف لو رشحت نفسك من سيكون منافسك؟، قال: في الأغلب الرئيس مبارك، قلت له وهل تعتقد أن الرئيس قد يكترث بك؟، قال: بالطبع الرئيس لن يفعل لكن الحزب مكتظ برجال أعمال جميعهم «يتمني يخدم»، فكلهم يريدون الرضا ومستعدون لدفع أي مبلغ كقربان لهذا الرضا، وقد يبادر أحدهم ويفعلها. تحمس أحد الجالسين للفكرة، وأقسم أن كلها فوائد وقال لم نخسر شيئًا.. أما «نتعرق» وناخذ قرشين محترمين - تخيل واحد عايز رضا الرئيس حيدفع كام؟ - أو نحصل علي شهرة طاغية، ووقف يهتف: «قولوا لصفوت قولوا لسرور.. بكرة يجيلكوا الواد منصور». لسوء الحظ وربما لحسنه كان شيخ الخفر بين الحاضرين، سمع ما سمع، ولم ينس حسه الأمني وهو يعلق موجهًا حديثه لمنصور وهو يتوعده: قبل أن تطير بك الأحلام الأفضل أن تتذكر أنك باني بيتك علي أرض زراعية ومازالت القضية منظورة، ومازلت متهمًا في قضية سرقة كهرباء بعد أن وصلت «سلك ولمبة» من البيت إلي الزريبة.. «ودي قضية سرقة» يعني مخلة بالشرف، قالها وكأنه يحذره، وأضاف شيخ الخفر ناصحًا: «خليك علي قدك العب مع بتوع المحليات وكل عيش». وكأن شيخ الخفر ضرب «كرسي في الكلوب»، حيث بدأ المجتمعون يتفرقون من حوله، حتي الشاب الذي تطوع بالهتاف له، هب مغادرًا، وعاد منصور إلي منزله والحلم مازال يراوده ويوسوس له: «كفاية الشهرة والصحافة والتليفزيون».. فتحت أمه الباب وقبل أن يدخل أخبرته بأن مخبرًا من المركز جاء يسأل عنه وترك له استدعاء للمثول أمام رئيس المباحث في الصباح.. أخرج منصور مطواة قرن غزال من جيبه وجرح باطن كفه حتي تدفق من منه الدم، وعلي واجهة المنزل كتب بدمائه: «منصور الهليب يبايع الرئيس الحبيب حتي آخر العمر»!! |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)