| أين الجديد؟.. مجزرة إسرائيلية بشعة فى قطاع غزة، أسقطت مئات الشهداء والمصابين؟ ليست المجزرة الأولى، والأرجح أنها لن تكون الأخيرة.. منذ خمسين عاماً وهذا الكيان العنصرى المتوحش يرتكب المجازر ويقتل المدنيين؟ تنديد وشجب واستنكار رسمى.. ومظاهرات فى الشارع العربى تتضامن مع غزة وتدين إسرائيل وتندد بالتخاذل العربى وتحمل الحكام العرب مسؤولية حمامات الدم.. لا جديد، والمشهد ذاته يتكرر كلما أرادت إسرائيل. الجديد أن الشارع المأزوم والمجروح من مشاهد جثث الشهداء والضحايا المدنيين والأطفال المذعورين، والمتظاهرين الذين تغلى صدورهم من الغضب، والمراهقين الذين تجيش مشاعرهم بالرغبة فى الثأر والانتقام، يدينون الجميع، ويوجهون اتهاماتهم للجميع، بدءاً من إسرائيل المعتدية وانتهاء بالحكام العرب المتخاذلين، لكن أحداً منهم لا يلوم حماس ولا يقترب نحوها بالنقد ولا يتخيل أن أداء حكومة «هنية»، التى تسيطر على قطاع غزة يمكن أن يكون أحد أسباب المجزرة. دعنى أقل لك إن هذا هو ما نجحت فيه حماس، وهذا هو المكسب السياسى الوحيد الذى حققته «حكومة هنية» على حساب جثث الشهداء ودموع اليتامى والأرامل. خسر هنيه والذين معه المعركة على الأرض وربحوا الشارع «العاطفى إلى درجة السذاجة»، وبدا أن المكسب العاطفى أهم ألف مرة من حياة الرعية وأمنهم، والبقاء فى السلطة أهم ألف مرة من مئات الشهداء. دعك من الحديث عن المقاومة ومشروعية المقاومة ودور حماس فى قيادتها، فلابد أن تدرك أن تلك الحركة منذ قبلت خوض الانتخابات، وجربت طعم الحكم وشهوته، لم يعد مشروعها تحرير فلسطين أو استعادة الأرض من البحر إلى النهر وغيرها من الأهداف والمشروعات العاطفية التى تدغدغ مشاعر الجماهير، وصار مشروعها الأسمى هو البقاء فى السلطة وعدم التنازل عن الحكم، حتى لو كانت فاتورة ذلك تكريس انقسام وتفتيت لم يشهده الفلسطينيون من قبل، وتكريس انفصال تجد سعادة فى بقائه على ما هو عليه ضامناً لها حكم غزة. أنهت تجربة «إمارة غزة» كل الأحاديث الرومانسية عن المقاومة..وصارت تلك المقاومة إحدى وسائل التسويق التى تهدف إلى الحفاظ على المغنم السياسى، ومنذ صار المغنم السياسى هدفاً وغاية تبررها الوسيلة، كانت الوسيلة هى إجهاض كل الجهود لمنع نشوب الحرب، وإفشال كل المحاولات لإعادة الوحدة الفلسطينية. الذين أحرقوا غزة ليسوا فقط الإسرائيليين بطائراتهم ومدرعاتهم، وليسوا فقط الحكام العرب بتخاذلهم، وليست فقط مصر بقبولها تراجع دورها الإقليمى إلى الحدود الدنيا.. الذين أحرقوا غزة هم أولئك الذين اختطفوها وانفردوا بها ونصبوا أنفسهم أمراء على «إمارة محاصرة على أرض محتلة فى وطن مفترض»، وتولوا مسؤولية شعبها، وكان من المفترض أن يراعوا أمان هذا الشعب وأمنه. الذين أحرقوا غزة هم أولئك المراهقون سياسياً، والمدججون بكل ما يملكه العرب من خطب حنجورية، الذين أفشلوا الحوار وتطاولوا على الكبار، الذين رفضوا النصيحة وقامروا بشعبهم، وأهدروا مصالحه فى صراع سياسى رخيص، لا يهتم بقضية ولا بأرض، السلطة فيه أولاً وقبل كل شىء، حتى قبل تحرير الأرض التى سيقام عليها الوطن..سلطة فى وطن محتل.. سلطة على بعض أرض، وشعب سقط فريسة فساد فى رام الله، وانتهازية فى غزة، ووحشية وجبروت عنصرى فى تل أبيب. الذين أحرقوا غزة هم أولئك المتعنترون الذين أنهوا التهدئة ورفضوا تجديدها، وأحبطوا جهود تمديدها، وقرعوا طبول الحرب دون أن تكون لديهم القدرة على مواجهة أعبائها، الذين اتخذوا قراراً سياسياً فى لحظة مراهقة سلطوية، دون تقدير لموقف أو اكتراث بعواقب، أو تخطيط لردود فعل، وعلى طريقة «ما تقدرش» فردوا صدورهم، وقدموا مئات الشهداء فى معركة كان يمكن تجنبها بسهولة. أنت مصدوم مما تقرأ، العاطفة تأخذك فى اتجاه معاكس، لكننى فقط أذكرك أن العاطفة كانت تجرفنا فى الفترة من ١٨ مايو ١٩٦٧، عندما طلبت مصر سحب القوات الدولية من الحدود مروراً بيوم ٢٢ مايو حين أغلقت خليج العقبة فى اختيار واضح لخيار الحرب، حتى كانت الحرب وكانت نكسة ٥ يونيو، عند اتخاذ القرارات الممهدة للحرب كنا عاطفياً نهتف ونهلل أننا سنرمى إسرائيل فى البحر.. وبعد سنوات وسنوات تعلمنا أن الحرب يجب ألا تكون فريضة غائبة، لكنها فى الوقت نفسه ليست لعبة أو نزهة أو مغامرة، ومن يتخذ قرار خوض معركة لابد أن يملك القدرة على ضمان الحد الأدنى من الحماية لشعبه أولاً. حاول ألا تستسلم لضغط الشارع، ولا تسايره، وفتش عن الحقيقة واسأل نفسك. هل مازالت حماس حركة مقاومة؟ شخصياً لا أعتقد ذلك منذ قبلت بإحدى آليات «أوسلو» وخاضت الانتخابات وشكلت حكومة تلو أخرى فصارت جزءاً من السلطة وطرفاً فى الصراع عليها، وصار البقاء فى السلطة هدفها الأسمى. المسألة بسيطة «المقاومة هدفها تحرير الأرض، والسياسة هدفها السلطة»، وحماس أجهضت الأولى ونجحت فى الثانية بامتياز، وسبقتها «سلطة أبومازن» على الدرب نفسه وأجادت. اسأل نفسك سؤالاً آخر: هل مازالت إسرائيل هى الخطر الأكبر على الفلسطينيين رغم مذابحها وبربريتها؟ شخصياً لا أرى خطراً على الشعب الفلسطينى أفدح وأخطر من هذا التفتت والانقسام والصراع على الحديث باسمه. لا أرى خطراً أفدح من غياب الهدف. كلنا نعرف ما تريده إسرائيل، لكن لا أحد يعرف ما يريده حكام رام الله وحكام غزة غير البقاء فى السلطة، وهى أخطار يهون أمامها خطر إسرائيل وقسوتها. الذين أحرقوا غزة هم أولئك الذين فعلوا كل هذا، هؤلاء من يستحق اللوم، وهم إما أحرقوها أو شاركوا فى تلك الجريمة بنصيب وافر، وإعفاؤهم من المسؤولية استخفاف بالعقول. واليوم لم يعد هناك حل سوى وقف العدوان فوراً وبأى وسيلة..وبعدها محاسبة حماس وعباس والتخلص من كليهما.. والبحث عن شرعية جديدة بوجوه أنظف ومشروع وطنى أوضح، وأياد ناصعة لم تتورط فى فساد ولا إفساد، وألسنة صادقة لم تتورط فى خداع أو انتهازية.. ووقتها فقط سيهون أمر إسرائيل. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 29 ديسمبر 2008
.. ولا أحد يلوم «حماس»
الاثنين، 22 ديسمبر 2008
معارك «التبول اللاإرادى»
| ربما لا تعرف أن مكتب المجلس الثقافى البريطانى، الذى بدأ نشاطه فى القاهرة قبل عشرات السنين، كان أول فرع لهذه المؤسسة العريقة خارج أوروبا، وينشط طوال هذه السنوات فى تنمية العلاقات الثقافية وتقديم البرامج التدريبية والتعليمية، خاصة فى مجال اللغات. والأرجح أنك تعرف أن السينما المصرية التى تخطت مئويتها بعدة سنوات، ساهمت على مدار هذا القرن وحتى الآن فى تشكيل الثقافة والوعى لأجيال متعاقبة من المصريين والعرب، وقدمت آلاف الأسماء من المبدعين، تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً وتصويراً، وحفظت ذاكرة مصر الثقافية والاجتماعية وصور شوارعها ومشاهد مدنها على اختلاف مراحلها العمرية، وسلوكيات أهلها وعاداتهم ونسائج قيمهم. طوال هذه السنوات الطويلة، كانت مصر وطن السينما، وكان مكتب المجلس الثقافى البريطانى فى القاهرة أيضاً أهم مكاتب هذا المجلس الخارجية وأكثرها نشاطاً.. طوال هذه السنوات أيضاً كانت مصر تملك برلمانها، ويتعاقب عليه النواب منذ أن أعلنه الخديو إسماعيل «مجلس شورى النواب».. وحتى حوَّله الرئيس السادات من مجلس «الأمة» إلى مجلس «الشعب».. وطوال هذه السنوات أيضاً لم تتوقف السينما عن إنتاج الأفلام، ولم يتوقف المجلس البريطانى عن تقديم المنح وتعليم شباب المصريين اللغة الإنجليزية، كما لم يتوقف البرلمان عن نشاطه ومناقشاته وتشريعاته وآليات رقابته. ولم يجد فؤاد المهندس، مثلاً، وهو يلعب شخصية المدرس على خشبة المسرح فى أكثر من عمل ــ بدأه بـ«الأرض كروية تلف حول نفسها»، وأنهاه بشخصية صابر الذى يرث عن شقيقه كباريه فى «علشان خاطر عيونك» ــ نائباً فى مجلس النواب أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب، يتهمه بإهانة ملايين المدرسين والحط من شأن المعلم ببدلته ذات «الرقع» أو بتنازله عن مهنة التدريس ليدير كباريه.. ولم يقل إن مسرحية مثل «علشان خاطر عيونك» أظهرت ناظر المدرسة وهو يحتسى الخمر ويطارد الراقصات. لم يكن فؤاد المهندس وحده الذى تقمص شخصية المدرس وقدمها بشكل ساخر، ولم تكن شخصية المدرس وحدها من نالت قسطاً وافراً من السخرية فى الفنون المصرية، لكن الأرشيف يثبت أن السينما والمسرح سخرا من الجميع بما فيها مهنة الممثل نفسها. وطوال هذه السنوات أيضاً لم يقف نائب فى مجلس النواب أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب ليتهم المجلس الثقافى البريطانى بمعاداة القيم الإسلامية والترويج لتقاليد وسلوكيات هدامة. لكن كل ذلك يحدث الآن.. السينما هى السينما بنفس أدواتها و«تيماتها»، والمجلس الثقافى البريطانى هو نفسه بنفس مناهجه وآلياته.. لكن البرلمان لم يعد كما كان.. ونائب الشعب لم يعد نائباً للشعب يعرف أن أصوات ناخبيه دفعت به إلى مقعده ليمارس دوراً تشريعياً ورقابياً يليق بمكانته كنائب للشعب وممثل لناخبيه فى مراقبة أعمال الحكومة وأوجه إنفاقها لو كان نائبك اليوم نائباً للشعب كما ينبغى أن يكون.. هل كنت تعتقد أنه سيهدر أدواته الرقابية ويهدر وقت برلمان مصر ليتقدم ببيان أو طلب إحاطة يتهم فيه المجلس البريطانى بالترويج للفجور، لأنه سمع أو قرأ فى إحدى الصحف، أن كتاب اللغة الإنجليزية الذى يشرف المجلس على تدريسه لطلاب جامعة الأزهر فيه صور لشاب وفتاة يشربان «مشروباً ما»، قال النائب إنه خمر وفسر الصورة بأنها ترويج لثقافة «البوى فريند» الغربية فى معقل جامعة الأزهر؟! لو كان نائبك اليوم نائباً للشعب كما ينبغى أن يكون.. هل كنت تعتقد أنه سيهدر أدواته الرقابية، ويهدر وقت برلمان مصر ليتقدم ببيان أو طلب إحاطة يطالب فيه بمنع فيلم محمد هنيدى الأخير من العرض فى دور السينما لأنه يهين المعلم، مستنداً فى ذلك لمشهد يبدو فيه هنيدى ــ الذى يؤدى دور مدرس ــ يبول على نفسه لا إرادياً تحت ضغط الخوف، بعد أن حاصره الطلاب داخل الفصل؟! يعتقد النائب المشغول بقضية «البوى فريند» أن المجلس البريطانى يسىء للإسلام، ويعتقد النائب المشغول بقضية «التبول اللاإرادى» أن محمد هنيدى يسىء إلى المعلمين، فيما لا يعتقد الاثنان ومن على نهجهما، أن انشغالهم عن هموم الناس الحقيقية بمثل هذه القضايا، هو الإساءة الحقيقية بعينها للبرلمان ونوابه قيمةً ومعنىً وأشخاصاً. بالأمس كان البرلمانى يؤدى دوره كما ينبغى، فيجرى خلفه الإعلام..واليوم يجرى النائب خلف الإعلام ويغازله بطلبات إحاطة وبيانات تحوى قضايا لا تستحق الوقوف عندها.. قل إن شئت «تافهة». مازالت السينما كما هى.. ومازال المجلس الثقافى البريطانى كما هو.. لكن الأرجح أن البرلمان لم يعد كما هو منذ أن انشغل نوابه بمعارك «التبول اللاارادى» وما على شاكلتها من قضايا! |
الاثنين، 15 ديسمبر 2008
مصر وحدها
| على مصر وحدها واجب لابد أن تنجزه ولا واجبات على غيرها.. لمصر دور لابد أن تؤديه ولا أدوار لغيرها.. على مصر أن تفتح المعابر وتسقط الحدود وتكسر الحصار عن غزة، ولا شىء على هنية وحكومته، وأبومازن وسلطته. مصر هى التى تقتل الفلسطينيين فى قطاع غزة بالحصار وهى التى تتعاون مع إسرائيل فى تجويع الشعب الفلسطينى، وتمتثل لإرادة إسرائيل وتنفذ أجندتها فى المنطقة حين تُبقى حدودها مغلقةً. بينما لا يتعاون هنية والذين معه مع إسرائيل حين يكرسون الانقسام والتفتيت.. لا ينفذون أجندة إسرائيلية حين يحولون كتائب المقاومة إلى ميليشيات توقد نار حرب أهلية، ويرفعون السلاح فى وجه الفلسطينيين ويفتحون السجون، التى طالما ذاقوا مرارتها، لغيرهم من المخالفين والرافضين. مصر وحدها من يتحمل كل الوزر، لا تلوموا أبومازن وسلطته على تشبثهم بالسلطة والميزات والسيارات والطائرات والمخصصات، ولا تلوموا حماس على جوعها وتعطشها للسلطة بأى ثمن، لا تلوموا اقتتالاً فلسطينياً داخلياً، لا تلوموا إخواناً لا يرحمون أنفسهم وأشقاءهم، وينتظرون الرحمة من الآخرين، مصر وحدها من يتحمل اللوم والوزر وتستحق التأنيب، فقط مصر ولا أحد غيرها. الجميع يفعل كل ما عليه إلا مصر، لا مقصر إلا هى، ولا مفرط إلا نظامها، ولا مستكين إلا شعبها، ولا متفرج فى الصراع إلا حماة أمنها. كلهم يخوضون معارك مقدسة لتحرير الأرض واستعادة القدس، ومصر وحدها تقود طابوراً خامساً، كلهم يطلقون الرصاص ومصر وحدها لم تطلق رصاصة، كلهم يقدمون الشهداء قرابين على مذبح القضية، ومصر وحدها لم تقدم شهيداً واحداً، كلهم ينقشون سجلاتهم النضالية بالتضحيات، ومصر وحدها بلا سجل ولا تضحيات. جميعهم يروج لنصر وتروج مصر لهزيمة، جميعهم يقبض على القضية دون اكتراث بحرارة جمرها، ومصر وحدها باعتها كما تبيع شركاتها الخاسرة، جميعهم كان قاب قوسين أو أدنى من القدس، لكن مصر وحدها أحبطت الزحف المقدس والفتح المبين. اجلسوا فوق جثث بعضكم البعض والعنوا مصر، اسبحوا فى دماء بعضكم البعض واحرقوا علم مصر، أشهروا فوهات بنادقكم فى وجوه بعضكم البعض، واخلعوا رؤوسكم على مصر. هاجموها على المنابر.. وارفعوا أيديكم بالدعاء عليها وعلى ولاتها وقولوا بحرقة والدموع تتساقط من أعينكم: «آمين»، حركوا الجوعى والمحاصرين والمتعاطفين والمتضامنين والمؤمنين فى الشوارع، يسألون فى استنكار عن مصر وعروبة مصر وإسلام مصر وجيش مصر وشعب مصر وإرادة مصر، انتهكوا شرف حدودها واستبيحوا أرضها، أشهروا بنادقكم جنوباً وغرباً، ازحفوا يساراً وافتحوا «رفح».. مصر هى العدو، وأرضها «أرض الإسلام».. حق فقط للمؤمنين. افعلوا أى شىء، واصنعوا كل شىء.. ولا تهتموا بمن يموت ومن يجوع، ولا تكترثوا بقطع رحم.. لا تقرأوا الفاتحة على شهداء مصر حين تتبدى أمامكم أموال طهران.. ولا تتذكروا رصاص مصر ومعارك مصر، وأنتم تشاهدون «صمود دمشق الساكن بلا رصاص». ازهوا برفضكم.. وباركوا نضالكم.. حررتم أنتم غزة وأضاعت مصر القدس.. حكمتم أنتم الضفة وأجهضت مصر الدولة .. بنيتم أنتم الوحدة وزرعت مصر الفتنة. العنوا مصر، فهذا جزاؤها، والوزر كله وزرها، والتقصير تقصيرها، دقوا الدفوف الشرعية لانتصاركم فى غزة، وارقصوا رقصةً متبرجةً ماجنةً فى الضفة. تسقط مصر ويحيا أبومازن سلطاناً على «بعض سلطة» فى الضفة..تسقط مصر ويعيش هنية أميراً على «حطام إمارة» فى غزة.. تسقط مصر وتسقط القدس ويسقط الدم وتسقط الذاكرة.. وتحيا رام الله، وغزة، وتل أبيب، وطهران، ودمشق. |
السبت، 6 ديسمبر 2008
إبراهيم عيسى.. من حرية الصحافة وإليها
| «فى البدء كانت حرية الصحافة».. وصفها فولتير فيلسوف فرنسا الأشهر بأنها «آلة يستحيل كسرها» وقبله فى القرن الثانى عشر عقب نجاح الثورة الفرنسية ـ التى تعد البداية المتفق عليها لتقويم الحريات ــ وإعلانها مبادئها الثلاثة الشهيرة «الإخاء والمساواة والحرية»، وضع الثوار حرية الصحافة جنباً إلى جنب مع مبادئها الرئيسية وقف «ميرابو» أمام ممثلى الشعب الفرنسى ليقول: «فليعلن الآن أول قانون من قوانينكم: حرية الصحافة إلى الأبد، وهى حرية لا يجب أن تمس، ولا يصح وضع حدود لها، لأنها الحرية التى لا يمكن التمتع بالحريات الأخرى بدونها». سنوات طويلة احتاجها العالم لترسيخ هذه الحرية.. ونضال مكثف خاضه الصحفيون لتأكيد حريتهم والربط بينها وبين حرية المجتمع وحقه فى المعرفة، ولم تكن مصر بعيدة عن هذا النضال ولم يكن صحفيوها بعيدون عن مواجهة بطش السلطة وضيق صدرها بحرية الأقلام فكانت الزنازين نصيب أحمد حلمى والعقاد وتوفيق دياب وإحسان عبدالقدوس وطابور طويل من الصحفيين قدموا حريتهم ثمناً لحرية الصحافة وحرية المجتمع.. واجهوا أنظمة متعاقبة وأيديولوجيات حكم متتالية اختلفت فى كل شىء واتفقت على العداء لحرية الصحافة. كان السيد عيسى «مدرس اللغة العربية» يعرف هذا التاريخ وكان يردد منه أمام أبنائه «منى وإبراهيم وتغاريد وعبير وشادى» بينما يراجع لهم دروسهم فى منزله بقويسنا، ويعنفهم أشد تعنيف حين يخطئ أحدهم فى بناء جملة ويكسر إحدى قواعد اللغة العربية، لكنه لم يكن يعرف أن أحد أبنائه سينضم لطابور حمل على عاتقه أمانه «حرية الصحافة».. لم يكن يعرف أن إبراهيم سيصبح أحد العلامات الفارقة فى تاريخ الصحافة المصرية وسينطلق من قويسنا مروراً برحلة طويلة من المعارك والملاحقات القضائية وحالة متتالية من المد والجذر بينه وبين السجون، إلى أن يستقرعند جائزة جبران توينى التى منحه إياها الاتحاد العالمى للصحف «شهادة بالتزامه بحرية الصحافة وشجاعته وقيادته وطموحه وتمتعه بالمعايير الإدارية والاحترافية العالية». قد تختلف مع إبراهيم عيسى وتدخل معه فى سجال مهنى تسجل فيه ملاحظات ويسجل عليك، لكنك لا يمكن أن تتمكن من إغفال دوره فى رفع سقف حرية الصحف وتوسيع دائرة النقد والمساءلة فى الصحف المصرية. عندما جاء عيسى من قويسنا قاصداً كلية الإعلام التى تخرج فيها عام ٨٧ كان قد حدد طريقه وكشف عن غرامه بالصحافة فانضم إلى مؤسسة «روزاليوسف» العريقة وقت أن كانت تلتقط المواهب وتصنع نجوم المهنة، وقبل أن يتجاوز الثلاثين من عمره كان يصنع حدثاً فارقاً فى تاريخ الصحافة ويترأس تحرير جريدة الدستور فى إصدارها الأول عام ١٩٩٥ الذى أسس لتجربة الصحافة المستقلة، بشكل جديد ولغة جديدة وخطاب جديد وسقف سياسى أعلى حمله عيسى ومن جاءوا بعده حتى ارتفع إلى أعلى عليين. كان منتصف تسعينيات القرن الماضى عند صدور الدستور الأولى علامة فارقة بالفعل فى تاريخ الصحافة المصرية أطلقت الصحف المستقلة التى وصلت إلى قمة توهجها فى السنوات الثلاث الأخيرة، وتوالت عبرها أجيال صحفية شابة ومتحررة من التأثير الحكومى، وغير مكترثة بعصا النظام ولا بجزرته، وعملت بجد على تحرير مناطق جديدة كانت خاضعة للتعتيم والصمت وإعادة صياغة الدور الحقيقى للإعلام فى ظل انفتاح وحراك سيطر على السياسة والإعلام معاً. قد تنتقد فيه تحولاته الفكريه ــ وهذا حقه ــ وقد تختلف مع أسلوبه فى إدارة العمل ومع صوته العالى ومع خلطه بين مهمة الصحفى ومهمة السياسى فى مجتمع ذابت فيه الفوارق بين الاثنين ودخلت فيه الصحافة لتعوض غياب الأحزاب، لكنك لا يجب أن تنكر أن كل ممارساته أضافت لحرية الصحافة وسقفها. فى فرنسا يقولون ما قاله «شاتوبريان»: «ليس الدستور هو الذى أعطانا الحرية، إنما هى حرية الرأى التى أعطتنا الدستور».. وفى مصر لابد أن ندرك أن حرية الصحافة ليست منحة من أحد وإنما هى نتيجة نضال أجيال متعاقبة ورجال حقيقيين مازلت أنا وأنتم والمجتمع كله يجنى ثمار جهدهم. |
الاثنين، 1 ديسمبر 2008
بين حظر النشر و«حصره»
| تخيل أنك متظاهر عتيد، تم اعتقالك فى مظاهرة شارك فيها آلاف غيرك، ثم وقفت أمام القاضى لتدافع عن نفسك، وبدأت حديثك بالكلمة الشهيرة مصرياً «اشمعنى»، وقلت للقاضى إنك لم تكن وحدك المتظاهر، وإن الضباط الذين ألقوا القبض عليك استثنوا من الإجراء نفسه بعضاً من ذوى الحظوة والنفوذ. خرجت أنت إذن من صلب القضية، التى لابد أن تتمحور حول حقك فى التظاهر، الذى من المفترض أن تدافع عنه وأن تدفع ثمنه دون أن تغضب من أن غيرك يمارس الحق نفسه دون أن يدفع الثمن، بسبب تمييز إدارى أو سياسى يفرض عليه قدراً من الحصانة. قضيتك إذن هى حقك فى التظاهر، الذى لابد من التمسك به وتعزيزه، والترحيب بمن يقدم على نيله حتى لو كان لا يقصد. وفى قضية «خرق حظر النشر» فى قضية «مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم»، المتهم فيها عدد من زملائنا الأعزاء فى صحيفتى «المصرى اليوم» و«الوفد» يبدو الموقف نفسه حاضراً، فالأصل فى المسألة هو حق النشر، الذى لا يجب التفريط فيه تحت أى زعم أو مبرر، فهو حق أصيل ومكفول من كل دساتير الدنيا، واتخاذ أى إجراء استثنائى لتقييده أو منعه هو حرمان للمجتمع كله من حقه فى المعرفة. ويقيناً لا يجب أن تكون مسألة إحالة زملائنا فى صحيفتى «المصرى اليوم» و«الوفد» إلى المحاكمة بتهمة خرق قرار حظر النشر، وفى المقابل استثناء بعض الصحف القومية من هذه الإجراءات.. هى المسألة الحاكمة فى مناقشة هذه القضية، رغم وضوح اشتراكهما فى الفعل «المؤثم» نفسه من قبل هيئة المحكمة نفسها. هذا الاستثناء لا يجب أن يبعدنا عن موضوعنا الأساسى وقضيتنا الرئيسية ويجرنا إلى معركة جانبية وهامشية، حتى لو كانت مقصودة، فلا يجب أن نبنى دفاعنا على منطق «اشمعنى»، حتى لو كان الطرف الآخر يقصد دون مواربة إحداث هذا التمييز وتطبيق قرارات المحكمة على أنها «حظر للنشر» على الصحف المستقلة والحزبية، و«حصر للنشر» للصحف القومية يعطيها دون غيرها حق النشر فى هذه القضية، ويمنحها أيضاً دون غيرها حصانة ضد المساءلة القانونية والقضائية. إذا كان ذلك قد حدث فقد حصلت الصحف القومية على «حق» أصيل فى النشر، وليس معنى أن الصحف المستقلة والحزبية حاولت الحصول على الحق ذاته وجرت ملاحقتها قضائياً ـ أن أصل المشكلة فى مساءلة أحد على ممارسة حقه وإعفاء الآخر. ربما تقول إن الصحف القومية لم تحصل على ما أصفه بـ «حقها فى النشر» نضالاً ودفاعاً عن حرية الصحافة، وإنما حصلت عليه بما لديها من ضمانات وحصانات وارتباط مباشر بالدولة، وليكن ذلك صحيحاً... لا مبرر أيضاً لمحاولات جرجرة الصحف القومية إلى القفص ذاته، ربما يكون ذلك مقبولاً سياسياً كمحاولة للضغط على نظام يدعم مثل هذه الإجراءات التعتيمية ويحبها ويروج لها، لكنه ـ حسبما أرجح ـ غير مقبول مهنياً، فربما كان خرق حظر النشر «تهمة»، كما تعتقد هيئة المحكمة، صاحبة قرار الحظر، وكما تفسر النيابة العامة مواد القوانين، وكما يروج محامو المتهم الثانى فى القضية.. لكن هذا ليس تهمة على الإطلاق كما نعتقد وتعتقد كل الجماعة الصحفية من يمينها إلى يسارها. قضيتنا مع حظر النشر هى قضية مهنية فى الأساس، لأنها تصطدم بحق أساسى وأصيل من حقوق الصحافة، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت توسعاً غير مبرر فى قرارات حظر النشر، بما يعيق الصحف عن ممارسة مهامها الأساسية، كما أنها قضية ملتبسة قانونياً، حيث استقر فى القانون أن الأصل فى المحاكمات أنها علنية وأن التحقيقات الابتدائية هى السرية، على أن المحكمة قد تجد فى بعض الأحيان، لدواعٍ تقدرها، أن تأمر بجعل الجلسة سرية، وفى هذه الحالة فقط لا يجوز نشر ما يجرى فى الجلسة السرية، وبما أن جلسات المحاكمة علنية، إلى جانب أن المادة ١٩٠ التى لجأت إليها المحكمة فى قرارها ترتبط بحظر النشر فى قضايا ترتبط بالآداب العامة والنظام العام ـ فقد أصبح واضحاً أن قرار حظر النشر لا يستند إلى مبرر قانونى واضح، أو على الأقل يجعل من السهل الطعن عليه لإلغائه، ومن بعد ذلك وضع ضوابط مستقبلية لتناول الصحافة مثل هذه القضايا، إلى جانب ضمانات لعدم تحول حظر النشر إلى قيد جديد من مئات القيود المفروضة على الصحافة. يبقى أن نحاول إقناع المحكمة بأن فكرة حظر النشر لم تعد مفيدة أو مجدية فى عالم اليوم، ولك أن تتخيل أن زميلنا فاروق الدسوقى، المتهم فى القضية، بعد أن يحضر جلسة المحاكمة يخرج ليرسل تفاصيلها إلى زملائه عبر الموبايل «sms» أو بالبريد الإلكترونى، ثم ينقل وقائع مصورة من الجلسة بـ«البلوتوث» وقد يضع مشاهد فيديو من المحاكمة على «يوتيوب» ووقتها ستنقل عنه كل المواقع الإلكترونية والصحف العربية والفضائيات دون أن تمسه عقوبات الحظر من قريب أو بعيد.. فأى حظر إذن يريدون؟ |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)