الاثنين، 22 ديسمبر 2008

معارك «التبول اللاإرادى»

ربما لا تعرف أن مكتب المجلس الثقافى البريطانى، الذى بدأ نشاطه فى القاهرة قبل عشرات السنين، كان أول فرع لهذه المؤسسة العريقة خارج أوروبا، وينشط طوال هذه السنوات فى تنمية العلاقات الثقافية وتقديم البرامج التدريبية والتعليمية، خاصة فى مجال اللغات.
والأرجح أنك تعرف أن السينما المصرية التى تخطت مئويتها بعدة سنوات، ساهمت على مدار هذا القرن وحتى الآن فى تشكيل الثقافة والوعى لأجيال متعاقبة من المصريين والعرب، وقدمت آلاف الأسماء من المبدعين، تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً وتصويراً، وحفظت ذاكرة مصر الثقافية والاجتماعية وصور شوارعها ومشاهد مدنها على اختلاف مراحلها العمرية، وسلوكيات أهلها وعاداتهم ونسائج قيمهم.
طوال هذه السنوات الطويلة، كانت مصر وطن السينما، وكان مكتب المجلس الثقافى البريطانى فى القاهرة أيضاً أهم مكاتب هذا المجلس الخارجية وأكثرها نشاطاً.. طوال هذه السنوات أيضاً كانت مصر تملك برلمانها، ويتعاقب عليه النواب منذ أن أعلنه الخديو إسماعيل «مجلس شورى النواب».. وحتى حوَّله الرئيس السادات من مجلس «الأمة» إلى مجلس «الشعب»..
وطوال هذه السنوات أيضاً لم تتوقف السينما عن إنتاج الأفلام، ولم يتوقف المجلس البريطانى عن تقديم المنح وتعليم شباب المصريين اللغة الإنجليزية، كما لم يتوقف البرلمان عن نشاطه ومناقشاته وتشريعاته وآليات رقابته.
ولم يجد فؤاد المهندس، مثلاً، وهو يلعب شخصية المدرس على خشبة المسرح فى أكثر من عمل ــ بدأه بـ«الأرض كروية تلف حول نفسها»، وأنهاه بشخصية صابر الذى يرث عن شقيقه كباريه فى «علشان خاطر عيونك» ــ نائباً فى مجلس النواب أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب، يتهمه بإهانة ملايين المدرسين والحط من شأن المعلم ببدلته ذات «الرقع» أو بتنازله عن مهنة التدريس ليدير كباريه.. ولم يقل إن مسرحية مثل «علشان خاطر عيونك» أظهرت ناظر المدرسة وهو يحتسى الخمر ويطارد الراقصات.
لم يكن فؤاد المهندس وحده الذى تقمص شخصية المدرس وقدمها بشكل ساخر، ولم تكن شخصية المدرس وحدها من نالت قسطاً وافراً من السخرية فى الفنون المصرية، لكن الأرشيف يثبت أن السينما والمسرح سخرا من الجميع بما فيها مهنة الممثل نفسها.
وطوال هذه السنوات أيضاً لم يقف نائب فى مجلس النواب أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب ليتهم المجلس الثقافى البريطانى بمعاداة القيم الإسلامية والترويج لتقاليد وسلوكيات هدامة.
لكن كل ذلك يحدث الآن.. السينما هى السينما بنفس أدواتها و«تيماتها»، والمجلس الثقافى البريطانى هو نفسه بنفس مناهجه وآلياته.. لكن البرلمان لم يعد كما كان.. ونائب الشعب لم يعد نائباً للشعب يعرف أن أصوات ناخبيه دفعت به إلى مقعده ليمارس دوراً تشريعياً ورقابياً يليق بمكانته كنائب للشعب وممثل لناخبيه فى مراقبة أعمال الحكومة وأوجه إنفاقها
لو كان نائبك اليوم نائباً للشعب كما ينبغى أن يكون.. هل كنت تعتقد أنه سيهدر أدواته الرقابية ويهدر وقت برلمان مصر ليتقدم ببيان أو طلب إحاطة يتهم فيه المجلس البريطانى بالترويج للفجور، لأنه سمع أو قرأ فى إحدى الصحف، أن كتاب اللغة الإنجليزية الذى يشرف المجلس على تدريسه لطلاب جامعة الأزهر فيه صور لشاب وفتاة يشربان «مشروباً ما»، قال النائب إنه خمر وفسر الصورة بأنها ترويج لثقافة «البوى فريند» الغربية فى معقل جامعة الأزهر؟!
لو كان نائبك اليوم نائباً للشعب كما ينبغى أن يكون.. هل كنت تعتقد أنه سيهدر أدواته الرقابية، ويهدر وقت برلمان مصر ليتقدم ببيان أو طلب إحاطة يطالب فيه بمنع فيلم محمد هنيدى الأخير من العرض فى دور السينما لأنه يهين المعلم، مستنداً فى ذلك لمشهد يبدو فيه هنيدى ــ الذى يؤدى دور مدرس ــ يبول على نفسه لا إرادياً تحت ضغط الخوف، بعد أن حاصره الطلاب داخل الفصل؟!
يعتقد النائب المشغول بقضية «البوى فريند» أن المجلس البريطانى يسىء للإسلام، ويعتقد النائب المشغول بقضية «التبول اللاإرادى» أن محمد هنيدى يسىء إلى المعلمين، فيما لا يعتقد الاثنان ومن على نهجهما، أن انشغالهم عن هموم الناس الحقيقية بمثل هذه القضايا، هو الإساءة الحقيقية بعينها للبرلمان ونوابه قيمةً ومعنىً وأشخاصاً.
بالأمس كان البرلمانى يؤدى دوره كما ينبغى، فيجرى خلفه الإعلام..واليوم يجرى النائب خلف الإعلام ويغازله بطلبات إحاطة وبيانات تحوى قضايا لا تستحق الوقوف عندها.. قل إن شئت «تافهة».
مازالت السينما كما هى.. ومازال المجلس الثقافى البريطانى كما هو.. لكن الأرجح أن البرلمان لم يعد كما هو منذ أن انشغل نوابه بمعارك «التبول اللاارادى» وما على شاكلتها من قضايا!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق