| فوجئت عقب نشر مقالى فى هذا المكان الأسبوع الماضى، حول أحمد جودة عامل الكهرباء الذى فقد حياته أثناء عمله فى مشروع مدينتى، وما طرحته فى هذا المقال حول ظاهرة «الموت بلاثمن»- بعدة ردود أفعال جميعها مشروع. أولاً: هالنى أن يتحرك أناس لا يعرفون الشاب الذى لقى مصرعه بعد سقوطه من الطابق الرابع لإحدى العمارات فى مدينتى، ويتطوعوا لطلب مساعدة طفلته اليتيمة، وأرملته دون أن يصدر أى رد فعل من المسؤولين عن تشغيله، الذين لفظ الرجل أنفاسه وهو يؤدى عمله لديهم. ثانياً: هالنى أيضاً أن أعرف أن أحمد جودة لم يكن الأول، وأن عدد الحوادث التى تقع فى مثل هذ المشروعات العقارية كثير، وأغلبها لعمال غير مؤمَّن عليهم لا يتبعون الشركة الأم مالكة المشروع، وإنما يتبعون مقاولين صغارًا، لا يؤمِّنون على عمالهم ولو لفترات مؤقتة، ولا يتخذون تدابير الأمن الصناعى اللازمة لحماية حياتهم، ولا يقدمون لهم الدعم الكافى والمفروض حين تقع الإصابة فى مكان العمل أو تحدث الوفاة. ثالثاً: اعتبر آخرون أننى أُحمّل حادثاً فردياً ما لا ينبغى لأصنع من وراء ذلك قضية كبيرة بمستوى اسم الشركة مالكة المشروع وصاحبها، وتباهى آخرون فى إبراز فضل هذه الشركة وعدد العمال الذين تقوم بتوظيفهم فى مشروعاتها المتنوعة والضخمة.. وهو قطعاً ما لا أستطيع إنكاره، فيما تطرف البعض باتهامى بتقديم خطاب طبقى ضد الأثرياء عموماً. رابعاً: تلقيت اتصالاً هاتفياً من واحد من كبار رجال الأعمال فى مصر وتناقشنا حول ما كتبت، لم نختلف فى مضمون الرسالة وهى حقوق العمال، وإنما عاب علىَّ- حسب رأيه- حدةً فى الكتابة، وإحراجاً لشركة تمر بمحنة منبثقة من محنة صاحبها.. رجل الأعمال المرموق اتفق معى فى نفس الوقت على ضرورة مراعاة الجوانب التأمينية فى القطاع الخاص بما يكفى، مؤكداً أن العاملين فى منزله وسائقه الخاص مؤمَّن عليهم، وقال بالحرف: «ناس منهم أرزاقهم مرتبطة بى بشكل مباشر.. طب لو جرالى حاجة يروحوا فين». وفى كل ذلك يجدر بى أن أقول لك قولاً واضحاً: عندما تستأجر سباكاً أو كهربائياً ليؤدى لك عملًا ما ثم يحدث له حادث يؤدى إلى إصابته أو موته، فأنت مطالب أخلاقياً قبل أى حديث عن قواعد وقوانين العمل بأن تقدم له كل ما تقدر عليه من دعم، على الأقل تنقله إلى أقرب مستشفى وبطريقة أولاد البلد «تعزم عليه» بسداد فاتورة المستشفى. دقّق قليلاً فى كلمة رجل الأعمال المرموق، الذى يتحسب لمستقبل خادمته وسائقه الخاص، إذا حدث له مكروه- لا قدر الله- فما بالك بحدوث هذا المكروه للعامل نفسه فى شكل إصابة معجزة عن العمل أو وفاة. ما قاله الرجل هو تلخيص مباشر لما استهدفته من مقال الأسبوع الماضى، فلا خلاف على أن «مدينتى» مشروع كبير واستثماراته ضخمة ويستوعب عددا ضخما من العاملين، ويفتح بيوت آلاف المصريين، مثله مثل كل مشروعات الشركة التى لا خلاف أيضاً على أنها مؤسسة كبيرة تقود قطاعاً حيوياً فى الاقتصاد المصرى، وتستحق أن تبقى وتفصل بين أدائها وما يواجهه بعض أصحابها من محن وأزمات، لكن كما أنها مؤسسة كبيرة وعصرية، وتبنى مشروعات كبيرة وعصرية أيضاً، فلابد أن يكون تعاملها مع عمالها وموظفيها عصرياً كذلك، لا بد أن تكون العصرية فى كل شىء داخل «مدينتى».. وأن تتوافر قواعد السلامة المهنية والأمن الصناعى كاملة، وأن يتوافر التأمين اللائق للعمال ضد الحوادث وإصابات العمل والوفيات، وهو تأمين يمكن أن يكون «مؤقتاً» على قدر مدة المشروع بالنسبة للعمالة المرتبطة بمشروع معين أو مرحلة فيه. ستقول الشركة إن العمال يتبعون مقاولين هم المسؤولون عنهم، وهنا أيضاً لا بد أن يكون اختيار الشركة للمقاولين المتعاملين معها «عصرياً» كذلك.. باستبعاد من يستهينون بالعمال وأرواحهم، وبفرض شروط تأمينية على المقاولين نظير دخول العمال التابعين لهم إلى مواقع الشركة.. لا بد أن تتأكد الشركة «العصرية» أن مقاوليها يستخدمون قواعد «عصرية» فى تشغيل العمال، ولا يستغلون حاجتهم وعوزهم لدفعهم للتنازل عن أبسط حقوقهم وحقوق أبنائهم. قد تجد فيما أقول هجوماً، لكنك لو نظرت إليه من زاوية مختلفة فربما رأيته نصيحة.. تصب فى النهاية فى صالح هذه الشركة الكبيرة وغيرها من الشركات الكبرى.. التى يبقى بينها وبين صورة كاملة العصرية رتوش بسيطة لن تكلفها كثيرا من المال ولا كثيرا من الجهد.. ليس أكثر من ثقافة تحترم آدمية العمال.. تغرسها فى مديريها وكبار موظفيها.. وتفرضها على مقاوليها أيضاً، لتكون بالفعل شركة عصرية تبنى مدينة عصرية على أرض مصرية. |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 30 مارس 2009
أن تكون «عصريًا» فى مدينة عصرية
الخميس، 26 مارس 2009
ناصر ٢٠١٠ ..
|
معالجة فانتازية لأول مواجهة
كروية بين مصر وإسرائيل
|
|
(١)
- المطابع:
آلاف النسخ من الصحف اليومية
تتدفق على ماكينة الطباعة، بينما العمال ينقلون النسخ إلى سيارات التوزيع، أبرز
حدث فى صحف اليوم هو القرارات الجديدة للاتحاد الدولى لكرة القدم، وهى القرارات
التى تصدرت عناوين جميع الصحف بلا استثناء، «الفيفا يقترب من الإفلاس»، «هل يلغى
الفيفا كأس العالم بسبب الأزمة المالية؟»
- زيورخ – مقر الفيفا:
جوزيف بلاتر فى مؤتمر صحفى يعلن:
إجراءات لمواجهة الأزمة تبدأ بإلغاء كأس العالم للقارات للمنتخبات والأندية،
وإلغاء بعض بطولات الناشئين، ويتعهد بإقامة بطولة كأس العالم فى موعدها المحدد
صيف ٢٠١٠ بجنوب أفريقيا، لكن مع إجراء تعديلات فى المنافسات المؤهلة تهدف إلى
تقليص عدد الفرق المشاركة فى البطولة من ٢٤ فريقاً إلى ١٦ فريقًا، فى إطار
التقشف اللازم لضغط المصروفات بشكل استثنائى حتى تنتهى الأزمة.
- القاهرة – الجبلاية:
اجتماع طارئ لمجلس إدارة
الاتحاد المصرى لكرة القدم لتدارس الموقف بعد تعديل نظام التأهل فى المجموعات،
والتشديد على الجهاز الفنى للمنتخب الوطنى بضرورة اجتياز المباراة الفاصلة فى
المجموعة ضد منتخب الجزائر، وذلك لتصدر المجموعة حتى لا يدخل الفريق فى حسبة
برما ويضطر لانتظار أحسن الخاسرين فى آسيا وبعد اجتيازه ملاقاة أحسن الخاسرين فى
أوروبا قبل التأهل لكأس العالم.
- استاد القاهرة:
مدرب المنتخب الوطنى محاط بالصحفيين
على هامش التدريب الأخير للفريق قبل السفر إلى العاصمة الجزائرية لخوض اللقاء
الفاصل، التعادل فقط يكفى لتصدر مصر للمجموعة والتأهل لكأس العالم بعد غياب ٢٠
عاماً، ولا فرصة أمام الجزائر إلا فى الفوز.. صحفى يسأل عن موقف ناصر نورالدين
النجم المحترف وأسباب استبعاده من تشكيلة المنتخب، يرد المدرب بشكل حاسم: «لن
يعود للمنتخب.. وسنصل لكأس العالم بدونه».. الجماهير القليلة التى تشاهد
التدريبات فى المدرجات تهتف لناصر وتهاجم المدرب وتطالبه بإعادته للمنتخب وتجاوز
الخلافات الشخصية من أجل مصلحة مصر.. والمدرب لا يكترث.. «حمامة» كبير المشجعين
يصرخ مستنكراً: «عندك أحسن لعّيب فى العالم ومش عاوز تجيبه.. حرام عليك يا
كابتن».
(٢)
- المقهى:
كاد قلب «حمامة» يتوقف من الفرحة فى
نفس اللحظة التى شاهد فيها ناصر نورالدين يسدد ضربة الجزاء الأخيرة فى الفريق
الإسبانى، معلناً فوز فريقه الألمانى ببطولة دورى أبطال أوروبا.
- المطار:
فى صباح يوم تال كانت الجماهير تقف
أمام صالة الوصول فى مطار القاهرة، مستقبلة ناصر الذى يأتى إلى القاهرة فى إجازة
قصيرة.. الاتحاد الأوروبى يرشحه للفوز بلقب أفضل لاعب فى أوروبا.. والجماهير
المحتشدة تهتف له فور ظهوره خارجاً من المطار، يقف لتحيتهم.. يشتمون مدرب
المنتخب فينهرهم ويخطب فيهم: أنا تحت أمر الكابتن فى أى وقت.. بس دلوقتى كلنا
لازم نقف جنب منتخبنا بكرة وهو بيلعب المباراة المصيرية فى الجزائر.
- منزل ناصر:
الأسرة مجتمعة أمام شاشة التليفزيون
العملاقة، ناصر وشقيقه وأمه، تبدو صورة والد ناصر الراحل فى المواجهة أعلى شاشة
التليفزيون - كان صحفياً ومات فى الاجتياح الإسرائيلى لبيروت عام ١٩٨٢ حيث كان
يعمل مراسلاً لإحدى الوكالات - يشاهد ناصر وعائلته مباراة كرة القدم بين مصر
والجزائر، يبدو ناصر كمن يشارك فى المباراة من فرط الحماس.
- فوتومونتاج - شوارع القاهرة:
آلاف المشجعين على المقاهى يتابعون
المباراة، والوجوم على وجوههم، صوت المعلق الحماسى يعلن نهاية المباراة، ويبدو
من خلال شاشة أحد التليفزيونات، لاعبو الجزائر وهم يحتفلون، بينما تظهر دموع فى
عيون اللاعبين المصريين.
- الجبلاية:
«يادى المصيبة» يتحدث رئيس الاتحاد
المصرى لكرة القدم لزملائه فى مجلس إدارة اتحاد الكرة، ويضيف: دخلنا فى لعبة
سخيفة بعد أن كنا قاب قوسين من بلوغ كأس العالم.. صوت جماهير غاضبة يأتى من
ناحية الشباك تطالب بإقالة المدرب، وتدعو ناصر للعودة إلى المنتخب، يتحدث رئيس
الاتحاد لرفاقه: مفيش فايدة ناصر لازم يرجع.. والمدرب لازم يسمع كلامنا المرة
دى.
- استاد القاهرة:
ناصر والمدرب يطوفان ملعب التدريب
وكل منهما يمسك يد الآخر، يحييان الجماهير، والجماهير ترد لهما التحية، و«حمامة»
يبدو فى المدرجات يقود الجماهير، يهتف ويردون عليه: «زند ف زند.. هنروح طشقند»..
وفى نهاية يوم التدريب يعقد المدرب مؤتمراً صحفياً يعلن فيه استعداد الفريق
للسفر إلى العاصمة الأوزبكية طشقند لملاقاة منتخب أوزبكستان أفضل الثوانى فى
المجموعات الآسيوية.
- طشقند - ملعب كرة القدم الرئيسى:
مباراة شديدة السخونة بين
الفريقين.. المنتخب الأوزبكى ضاغط طوال الوقت والمنتخب المصرى ينفذ هجمات مرتدة
فى غاية الخطورة.
- القاهرة - مقهى شعبى:
«حمامة» والجماهير المحتشدة
فى المقهى ينتفضون فرحاً وهم يهتفون الهتاف التقليدى: «جوووووووون» ويغنون باسم
ناصر الذى سجل هدفاً مباغتاً فى وقت قاتل أنهى المباراة لصالح الفريق المصرى
بهدف مقابل لا شىء.
(٣)
- القاهرة:
مانشيتات الصحف تعلن بدء توغل
إسرائيلى جديد فى قطاع غزة.. وصور المذابح تتصدر الصفحات الأولى، فيما يبدو ناصر
والمدرب وزملاؤهم فى المنتخب فى أحد المستشفيات يتبرعون بدم تحت لافتات نصرة غزة
والتضامن معها، واللاعبون يرتدون تى شيرتات بيضاء مكتوباً عليها «كلنا غزة».
- فوتومونتاج:
- منزل ناصر: أمه وشقيقه وعدد من أقاربه
يشاهدون قناة «الجزيرة» ويتابعون مشاهد العنف فى غزة وجنازات الضحايا.
- المقهى: حمامة والذين معه من جماهير
الكرة يتابعون نفس المشاهد بدرجة الحزن والوجوم نفسها.
- مسجد الفتح:الشيخ سعيد مجتمع مع عدد من إخوانه
فى الجماعة ويتحدث إليهم: «لا حل إلا فى المخاطرة عند الحدود ومحاولة دخول غزة
عبر أحد الأنفاق.. لابد من صنع شىء أكثر من التبرعات.. ودخول المواجهة المباشرة
مع العدو».
- استاد القاهرة: فرحة طاغية فى الملعب، وتهليل
فى المقاهى وأمام الشاشات العملاقة فى الميادين، الجميع يهتف باسم ناصر، الذى رفعته
الجماهير فى الملعب وطافت به، بعد تسجيله ثلاثة أهداف حاسمة أنهى بها مباراة
العودة، مع أوزبكستان واقترب بمصر من الوصول إلى كأس العالم فى انتظار المحطة
الأخيرة.
- المقهى:
حوار ساخن بين الرواد حول الفريق
الذى ستواجهه مصر فى المباراة الفاصلة والنهائية للوصول إلى كأس العالم، مجموعة
«الثوالث» الأوروبية تتصدرها الدنمارك وتلاحقها اليونان على بطاقة التأهل
لملاقاة مصر، وربما السويد التى تبتعد عن اليونان بفارق نقطة واحدة، وإسرائيل
التى تأتى رابعاً وتبتعد عن السويد بفارق نقطة واحدة أيضاً.
حمامة: يا نهار إسود.. ده رديف
أوروبا كلهم فرق جامدة.
مشجع١: هنعمل إيه، كل مرة يحطونا فى
مواقف بايخة.. لو كنا عدينا الجزائر كان زمانا مرتاحين من الهم ده كله.
مشجع٢: متهيألى هترسا على الدنمارك
أو اليونان.
مشجع٣: يبقى مفيش فايدة.. دول
فريقين أبطال أوروبا ياجدع.
حمامة - بينما ينظر إلى التليفزيون
متابعاً نشرة أخبار تذيع أنباء اعتداءات وحشية فى غزة-: وليه متكونش إسرائيل.
تمتقع وجوه الحاضرين قبل أن يجيب
أحدهم بثقة.
مشجع٤: لا لا.. ده احتمال بعيد قوى،
دى إسرائيل محتاجة معجزة علشان تعدى، لازم السويد تكسب الدنمارك ٢/صفر، وإسرائيل
تكسب اليونان ٤/صفر.. وده مستحيل طبعاً.. دى حتى هتلاعب اليونان فى أثينا.
(٤)
- القاهرة - غرفة نوم السيد وزير
الداخلية:
يرن جرس الهاتف بعنف بينما يصحو
وزير الداخلية مغالباً نعاسه، يرفع سماعة الهاتف وينصت فى اهتمام، ويظهر فزع على
وجهه لا يليق بصرامته المعتادة كوزير للداخلية، ويرد بعنف: عارف يا سيادة اللوا
لو كنت بتهزر أو كلامك ده مش مؤكد أنا هاعمل فيك إيه؟.. يعنى إيه اللى بتقوله ده
حقيقى؟
- منزل ناصر:
أم ناصر وشقيقه يجلسان مذهولين أمام
شاشة تليفزيون يخرج منها صوت لمذيع رياضى يرطن بلهجة غير عربية.
- المبنى الأوليمبى باستاد القاهرة:
الفريق المصرى لكرة القدم
بكامل نجومه فى إحدى القاعات يتابعون شاشة كبيرة لنفس المباراة.. وعلامات الصدمة
على وجه الجميع.
- الجبلاية:
رئيس اتحاد الكرة ممسكاً رأسه وهو
يكاد يلطم:«يا نهار إسود .. يا نهار إسود».
- المقهى:
حمامة على المقهى يصرخ وسط الذاهلين
والمصدومين: «مؤامراااااااااااااة.. والنعمة الناس دى كلها قابضة».
- مسجد الفتح:
الشيخ سعيد للمجتمعين حوله: «الحمد
لله يا إخوانى المجاهدين.. سيأتينا العدو وسيوفر علينا عناء السفر إليه.. أبشروا
بشهادة قريبة».
- المطابع:
سير ماكينة الطباعة يدور وتبدو
مانشيتات الصحف واضحة: «صدمة: الطريق إلى حلم المونديال يبدأ من تل أبيب».. «أول
مواجهة كروية بين مصر وإسرائيل. «هل ضغطت أمريكا على اليونان لتخسر أمام إسرائيل
٥/ صفر لتقابل مصر؟».
(٥)
- لاظوغلى:
اجتماع أمنى عالى المستوى..
أحد اللواءات لوزير الداخلية:
«دى مجرد مباراة يافندم زى غيرها.. ده ماتشاتنا مع الجزائر والمغرب وتونس أسوأ
منها»..
يرد الوزير بعنف: «إنت عندك قصور فى
حسك الأمنى وتقديرك للمواقف يا سيادة اللوا، لازم تتخيل ماتش بين مصر وإسرائيل،
١٠٠ ألف متفرج فى استاد القاهرة شايفين العلم الإسرائيلى بيترفع قدامهم، والسلام
الوطنى الإسرائيلى بيتعزف، تسيطر عليهم إزاى، تسيطر على البلد كلها إزاى، خصوصاً
إن غزة بتنضرب دلوقتى والمظاهرات علشانها مبتهداش».. ينظر لضباطه الكبار: «عاوز
حركة سريعة وطوارئ وخطة واضحة».
- الجبلاية:
اجتماع لمجلس إدارة إتحاد الكرة،
رئيس الاتحاد لأحد الأعضاء:
«يا نهار إسود.. ننسحب.. يانهار إسود.. علشان الفيفا تشطبنا للأبد.. غير الكلام
بتاع معاداة السامية والحركات دى.. يانهار إسود»..
يرد العضو: «خلاص يبقى نلعب الماتش
وأمرنا لله»..
يرد رئيس الاتحاد: «يا نهار إسود..
نلعب الماتش.. وافرض اتغلبنا.. يا نهار إسود.. نتغلب من إسرائيل.. ده إحنا
هنتعلّق من رجلينا على باب الاستاد.. يانهار إسود».
- منزل ناصر - غرفته:
يجلس ناصر منطوياً فى غرفته.. تدخل
عليه أمه بصينية الطعام.. تضعها فى الغرفة ثم تخرج فى صمت.. وتعود بعد فترة
لترفعها كما هى فى صمت، بينما تنظر أمه لصورة زوجها الراحل على الحائط.. وينظر
ناصر لدمعتها الصامتة التى تنسرق منها وهى تنظر للصورة.
- فوتومونتاج:
- مظاهرات حاشدة فى جميع المحافظات
تندد بما يحدث فى غزة وتطالب برفض إجراء المباراتين الفاصلتين.
- المقهى: الصدمة لا تزال واضحة على
ملامح حمامة وزملائه فى رابطة المشجعين، حمامة يهتف: «انسحاب لأ.. ما صدقنا نبقى
قريبين من كاس العالم.. كده لسه هنستنى ٤ سنين تانى».
- دار الإفتاء: فتوى رسمية: «لا حرج فى
المنافسات الرياضية مع اليهود.. الرسول اشترى معهم وباع».. وفتوى مضادة:
«إسرائيل دولة احتلال تقتل إخواننا المسلمين.. اللعب معهم جريمة وإثم شديد».
- جريدة: كاتب كبير يكتب عن المؤامرة التى
أوقعت مصر مع إسرائيل ويرصدها، زاعماً أن جوزيف بلاتر متورط فيها وأن كل شىء تم
بسيناريو متفق عليه منذ أعلن بلاتر تعديل قرعة التصفيات.. ويتهم اللوبى الصهيونى
العالمى بالسيطرة على الفيفا وتوجيهه لخدمة مصالح إسرائيل.
- تل أبيب: إسرائيل تحتفى بالمباراة، ومتحدث
باسم حكومتها يعلن أن جميع أعضاء الحكومة سيسافرون إلى القاهرة بصحبة فريقها
لمشاهدة مبارة الذهاب.. ويأملون بالمثل فى لقاء العودة بتل أبيب، ويعرب عن أمله
فى أن تذيب المباراتان الجليد بين الشعبين.
(٦)
- فوتومونتاج:
حملات مداهمات واعتقالات فى مختلف
المدن، تستهدف نشطاء إسلاميين ويساريين ومن فئات متنوعة.
- لاظوغلى - الاجتماع الأمنى:
- اللواء يشرح لوزير الداخلية:
«بنينا خطتنا على عاملين.. الأول التحفظ على كل الناشطين اللى ممكن يندسوا وسط
جماهير الكرة ويثيروا الشغب، إلى جانب خطباء المساجد وأعضاء الجماعات اللى
بيروّجوا خطاب متطرف، وده نجحنا فيه بنسبة كبيرة.. والتانى: طلبنا نلعب المباراة
فى استاد أسوان، لأن أسوان مدينة صغيرة وسهل التحكم فيها والسيطرة
عليها، وثانياً طلبنا من الحزب الوطنى يرشح لنا ٤٠ ألف من كوادره يحضروا
المباراة ويحفّظهم الشعارات المناسبة اللى مفيهاش تجاوز»..
يهز الوزير رأسه بارتياح شديد
لكن اللواء يستدرك: «بس إسرائيل
رفضت موضوع أسوان ده وأصرت إن المباراة تتلعب فى استاد القاهرة»...
الوزير بغضب: «ليه التحكمات دى.. من
حقنا نلعب فى الملعب اللى يعجبنا»..
يرد اللواء: «عاوزين العاصمة»..
يرد لواء ثان: «بسيطة مشروع تعديل
دستورى سريع فى مجلس الشعب ونخلى أسوان العاصمة»..
يرد اللواء الأول قاطعاً النقاش:
«إسرائيل بعتت للخارجية وهددت لو المباراة الأولى اتلعبت بره القاهرة.. هتخلينا
نلعب مباراة العودة بره تل أبيب»..
يرد الوزير: «وإيه يعنى؟»
يجيب اللواء: «فى القدس
يافندم»..
يبلع الوزير ريقه ويتنهد فى يأس.
- منزل ناصر:
- ناصر وأمه يتواجهان لأول مرة..
تقترب منه وتسأله: «المفروض إنت
لاعب محترف فى أوروبا.. يعنى كان فيه احتمالات كتير تقابل فرق إسرائيلية»..
يرد ناصر: «كان فيه اتفاق جنتلمان
مش معلن بينى وبين النادى إنى ملعبش الماتشات دى وهما يقولوا السبب اللى
يناسبهم.. مرة يقولوا مصاب.. ومرة موفرينه.. ومرة فى أجازة»..
تقول أمه: «طب إنت عاوز تلعب الماتش
ده»..
ينظر لعينيها ثم ينهار بكاءً -
بينما يتذكر مشاهد له (فلاش باك) وهو طفل يلعب مع أبيه -: «لأ مش عاوز ألعب»..
يتدخل شقيقه فى الحوار: «خلاص اعمل
إن جاتلك إصابة»..
تنهره أمه: «عيب.. ابنى مايهربش
ولازم يتحمل نتيجة قراره ويدافع عنه».
- مانشيتات:
صحف تكشف انقطاع ناصر عن التدريبات
وتتزايد التكهنات حول رفضه لعب المبارة.. ولاعبو الفريق ينقسمون بين مؤيد للعب
المباراة ورافض لها.
- منزل ناصر:
- رئيس الاتحاد والمدرب يزوران ناصر
ويحاولان إقناعه بالانتظام فى التدريبات والاستعدادات للمبارة، بينما يخبرهم
ناصر أنه حسم أمره ولن يلعب هذه المباراة لأسباب أخلاقية..
يرد رئيس الاتحاد: «أخلاقية مين..
يا نهار إسود، يابنى حرام عليك تسيبنا فى ظرف زى ده إحنا هنلاعب إسرائيل يرضيك
نخسر منهم».
- رئيس الحزب المعارض يزور ناصر
ويعرض عليه تنظيم مظاهرات لتأييد موقفه وفضح الضغوط التى تمارس عليه ليلعب
مباراة غير مقتنع بها.. وناصر يرفض: «ماليش فى السياسة».
- رئيس الجماعة الدينية يزور ناصر
ويدعوه للقاء إيمانى لأداء صلاة الحاجة لتثبيته على موقفه الوطنى وناصر يرفض:
«لو على الصلاة هصليها هنا لوحدى.. ولو على التثبيت أنا متثبت لوحدى، كفاية أفتح
التليفزيون أشوف نشرة الأخبار، أو أبص لصورة أبويا على الحيطة».
ــ رئيس النادى الألمانى يصل إلى
القاهرة فى زيارة خاطفة ويزور ناصر محاولاً إقناعه بلعب المبارة إنقاذاً لسمعته
الرياضية الدولية.. ويذكره بمستقبله وجائزة أحسن لاعب.. لكن ناصر يتمسك برفضه.
- التليفزيون يعرض صوراً لصحف
إسرائيلية وألمانية تشن حملة على ناصر وتتهمه بمعاداة السامية والنازية.. ويعلن
أن إسرائيل احتجت رسمياً.
- وزارة الخارجية:
- وزير الخارجية يستدعى ناصر ويدير
معه حواراً تفاوضياً:
« ياابنى إحنا بينا وبينهم معاهدة..
ومعادتش فيه حرب، يعنى ده ماتش عادى»..
يرد ناصر: «أنا مفيش بينى وبينهم أى
معاهدات.. ممضيتش معاهم حاجة.. دى معاهدة بينكم وبينهم»..
يحاول الوزير كظم غيظه: «إحنا إيه
وإنت إيه.. إحنا بنمثلك»..
يرد ناصر: «مقدرش أقف فى ملعب وأشوف
علمهم قدامى وأسمع نشيدهم، وأسلم على الكابتن بتاعهم ويدينى العلم بتاعهم..
مقدرش ماشوفش الدم فى إيده»..
الوزير: «دم إيه يا ابنى.. دى كورة..
إنت إزاى كنت عايش فى أوروبا وتفكيرك كده»..
يرد ناصر: «دول قتلوا أبويا ولسه
بيقتلوا لحد النهارده»..
الوزير: «يابنى اللى هيلعبوا معاك
فى الملعب مقتلوش حد.. دول بتوع كورة زيك.. يا ابنى ١+١=٢، ومصر+ إسرائيل =
سلام»..
يرد ناصر: «بالنسبة لى١+١=/=٢»..
ينتهى اللقاء دون جدوى.. ناصر يخرج
بينما الوزير يهدده: «دى خيانة وطنية.. ولازم تندم عليها».
(٧)
- ملعب التدريب - غرفة الملابس:
- اللواء يجلس مع أعضاء الفريق يشحذ
عزيمتهم ويحثهم على ضرورة التركيز والفوز بالمباراة ويطمئنهم أن ناصر سيكون
معهم.. ثم يختلى بالمدرب لدقائق.. يخرج بعدها المدرب ورئيس الاتحاد إلى مؤتمر
صحفى:
«نحن جنود فى هذا الوطن سنلبى نداءه
وسنبقى نبذل أرواحنا لندافع عن اسمه وسمعته مهما كلفنا ذلك»..
يسأل الصحفيون عن ناصر..
يرد رئيس الاتحاد: «اللى حصل منه
مالوش غير اسم واحد.. خيانة.. ده خان بلده فى اللحظة اللى هيا محتاجاله فيها».
- الشارع - أمام منزل ناصر:
مظاهرتان متضادتان الأولى يقودها
حمامة تهاجم ناصر وتسبه وتتهمه بالخيانة والتآمر واتهامات له بالحصول على رشاوى
من إسرائيل مقابل الامتناع عن اللعب حتى تضمن الفوز.. والمظاهرة الثانية مؤيدة
لناصر وتحيى صموده ونضاله ويظهر فيها عدد من النشطاء السياسيين المعارضين.
- مانشيتات:
حملة ساخنة فى عدد من الصحف تتهم
ناصر بالخيانة.. وبرامج توك شو تستعرض ماضيه ومواقفه وتحصل على شهادات تطعن فى
علاقاته بأهله وأصدقائه.
- زيورخ:
الاتحاد الأوروبى يعلن سحب ترشيح
ناصر لجائزة أفضل لاعب.. والنادى الألمانى يدرس إنهاء عقده.. والاتحاد الدولى
يهدد بتغريمه وشطبه.
- لاظوغلى:
اجتماع لقيادات أمنية بحضور رئيس
اتحاد الكرة:
اللواء لوزير الداخلية: «سيتم فرض
حظر تجوال غير معلن طوال يوم المباراة.. بمعنى هنخوف الناس من الخروج بوسائل غير
مباشرة.. هنشترى كل تذاكر المباراة ومش هنسيب تذكرة واحدة تتباع بعيد عن عنينا..
الحزب الوطنى هيمدنا بـ٤٠ ألف مشجع.. وهنكمل بعساكر من عندنا»..
الوزير يسأل: «والمحافظات؟»..
يجيب اللواء: «متأمنة يافندم»..
يرد الوزير: «الحمد لله.. كده مفيش
مشكلة.. ياه ده كابوس.. ده أصعب موقف أنا واجهته أو هاواجهه فى حياتى».. يتدخل
رئيس الاتحاد بخوف: «معاليك الكابوس لسه موجود.. ناصر مش عاوز يلعب.. وده أحسن
لعّيب فى العالم وتقريباً نص الفرقة غير إنه عامل حالة إحباط عند
باقىاللعيّبة»..
يرد الوزير: «جرى إيه هو إحنا هنشيل
كل مصيبة فى البلد..أهو ده اللى ناقص.. مطلوب مننا نخلى اللعّيبة يلعبوا كمان»..
يرد رئيس الاتحاد: «أنا آسف سيادتك،
بس كده فيه احتمال كبير نخسر الماتش.. ودى هتبقى كارثة.. يا نهار إسود نخسر من
إسرائيل.. دى البلد هتبقى فوضى.. ولا فوضى ٧٧»
يعلق الوزير بتأمل: «كل حاجة دلوقتى
بقت بتعمل فوضى النت وحفلات الأغانى والسينمات.. والكورة والسياسة.. آه أنا
السبب عرضوا عليا أمسك المجالس المتخصصة.. رفضت ليه بس».
(٨)
- منزل ناصر:
الأسرة مجتمعة بينما يدق جرس
التليفون.. يرد ناصر.. يمتقع وجهه.. يحاول الرد ويفشل.. يستمع دون أن ينطق.. يضع
السماعة.. يتبادل مع أهله النظرات..
يسأله شقيقه: «هوه؟»..
يومئ ناصر بالإيجاب.. تضرب الأم على
صدرها صارخة: «يا مصيبتى.. وبعدين»..
يرد ناصر: «ولا قبلين.. كده كده
مستقبلى فى الكورة انتهى.. هما عاوزينى ألعب كأنى مكنة ملهاش مشاعر.. ناس كتير
من زمايلى ممكن يلعبوا ماتش زى ده أحسن منى لكن أنا لأ.. ليه مش عاوزين يفهموا..
ترد أمه: «والحل؟».
- فوتومونتاج - شوارع القاهرة: باعة الصحف يملأون الدنيا صخباً:
«اقرا الخبر.. اعتزال ناصر نورالدين.. ناصر يعتزل».
- أمام منزل ناصر: آلاف الجماهير تحتشد أمام المنزل
تطالب ناصر بالرجوع عن قرار الاعتزال..
وتهتف له: «يا ناصر يا حبيبنا..
إوعى تمشى وتسيبنا».. وائتلاف قوى المعارضة يندد بالضغوط التى تمارسها الدولة
على ناصر لإجباره على لعب المباراة.. والجماعة الدينية تدعو أنصارها إلى جمع
توقيعات تأييد لناصر، وتندد بالحكومة العميلة لليهود والصليبيين.
- لاظوغلى: وزير الداخلية مخاطباً ضباطه
الكبار بعنف: «الواد ده هيلعب بينا ولا إيه.. الواد ده لو ملعبش الماتش كلكم
هتطلعوا معاش فى يوم واحد».. ثم يستدرك: «وأنا تانى يوم بعديكم».
- كوبرى الجامعة: مظاهرة محدودة بعشرات الأشخاص
يقودها يحيى شقيق ناصر..
يستقبلها ضابط كبير: «اللى بتعملوه
ده غلط خصوصاً دلوقتى»..
يرد يحيى: «ده حقنا الدستورى»..
يعود الضابط: «يا ابنى من حقك تبوس
مراتك براحتك.. لكن لما تبوسها فى الشارع يبقى فعل فاضح وساعتها من حقى أحبسك..
الحقوق مش مفتوحة على البحرى كده.. والهتافات بتاعتكم دى لوحدها قضية.. وإحنا عندنا
طوارئ»..
يرد يحيى: «إذا كان الطوارئ بيمنع
الهتاف.. فأكيد ما بيمنعش الغُنا».. ثم يغنى ويغنون خلفه: «خلّى السلاح صاحى
صاحى صاحى.. لو نامت الدنيا صاحى مع سلاحى.. سلاحى فى إيديا نهار وليل صاحى..
ينادى يا ثوار.. عدونا غدار.. خلّى السلاح صاحى»..
- تحدث اشتباكات عنيفة بين الشرطة
والمتظاهرين.
- منزل ناصر: حديث حاد بين اللواء وناصر يبدو
فيه ناصر الطرف المنكسر وينهيه اللواء متوعداً:
«أخوك عنده ١٧ قضية لابساه.. أهيفها
مقاومة السلطات.. لكن كل ده ممكن يتسوى، وأخوك يرجعلك بمجرد ما نسمع صفارة الحكم
بنهاية الماتش».
- فوتومونتاج: جنود الأمن المركزى فى معسكراتهم
يتدربون.. ولاعبو الفريق فى الملعب يواصلون التدريبات.. وتمرينات على إطلاق
النار فى الصحراء بين مجموعة الشيخ سعيد.. وناصر يجرى تدريبات «سويدى» فى حديقة
منزله.. والشيخ سعيد يظهر مرتدياً ملابس عمال استاد القاهرة.. ويعمل فى جمع
الكرات من خلف المرمى.
إظلاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااام
|
الاثنين، 23 مارس 2009
الموت فى مدينتى
| الاسم: أحمد جابر عامر جودة. المهنة: مساعد كهربائى. تاريخ الوفاة: ٢- ٢- ٢٠٠٩. السن عند الوفاة: ٣٤ سنة. مكان الوفاة: مشروع «مدينتى» بالقاهرة الجديدة. التفاصيل: كانت «ميار» تبكى.. وكان عقله يستقبل بكاءها بمزيد من الخوف والقلق، تلك طفلة لم تتجاوز عامها الثالث، اسمها مقرون باسمه، ومستقبلها مرتبط بجهده، ذلك الجهد الذى لم يبخل به عليها يوماً، فخرج من قريته بحثاً عن الرزق، كان يفتش عنه فى كل مكان، ويتشبث به حين يجىء، ويحمد الله عليه حين يستمر، وينتظر بإيمان غيره حين ينتهى. علَّمته الكتب المدرسية أشياءً ظلت عالقة فى ذاكرته، خصوصاً قصة بناء الأهرامات الثلاثة، وما صاحبها من أقاويل حول إجبار الملوك والفراعنة فى ذلك الوقت لعموم المصريين على العمل فى بناء الأهرامات بالسُّخرة، ودون أجر، فكله يهون مقابل أن يطمئن فرعون على بناء القبر الذى سيؤوى جسده وكنوزه وذهبه، وسيصعد به إلى العالم الآخر. . ولم يكن درس الأهرامات وحده الذى بقى عالقاً فى ذاكرته من كل ما درس، كان درس حفر قناة السويس أشد حضوراً ربما لقربه زمنياً، لكنه كان يشعر أن السياط التى ساقت الكادحين من أجداده لحفر القناة سُخرة طالته، وربما اعتقد أن وجع ظهره الذى لازمه طوال عمره الذى لم يتجاوز الـ٣٥ عاماً من آثار هذه السياط.. مات مَنْ مات من أجداده واحتفل الخديو إسماعيل بافتتاح القناة، جمع الملوك والأمراء من كل العالم، شربوا الأنخاب دون أن يفكر أحدهم أن أسفل الماء آلاف القبور. كان يعرف أن هناك تشابهاً ما بينه وبين أولئك الذين بنوا الأهرامات وماتوا تحت حجارتها، ولفظوا- بتأثير سياط العسكر- أرواحهم وهم يحفرون للخديو مجده، وماتوا فى قاع المجرى الملاحى حين التقت مياه البحرين. عندما كان يسأل نفسه عن شكل هذا التشابه بينه وبين بناة الأهرام، أو أجداده الذين حفروا القناة، لم يكن يجد إجابة شافية، لكنه صباح يوم السبت ٢٤-١-٢٠٠٩ ربما عرف تحديداً إجابة سؤاله، حين توجه كعادته كل صباح إلى موقع عمله فى مشروع «مدينتى»، حيث كان يشارك فى زرع الصحراء بمدينة حددت سكانها من البداية. يومها، وعندما دقت الساعة التاسعة صباحاً كان يمارس عمله المعتاد بإحدى العمارات، وسقط من الطابق الرابع جثة هامدة.. أخيراً عرف الرجل إجابة سؤاله، وعرف ذلك أكثر حين اكتشف أنه مات بلا ثمن، ودون أن يضمن لطفلته «ميار» أى حق فى الحياة.. لا معاش ولا أمان ولا شىء. مات الرجل فى موقعه من أجل أناس لم يكترثوا به، بل الأدهى أنكروا أنه مات من أجلهم وفى موقعهم، ومن أجل إنجاز مشروعهم، قالوا: «كان عامل يومية يتبع مقاول أنفار».. هو بالنسبة لهم مجرد رقم فى «سَرْك».. لا يعرفون إلا المقاول الإسكندرانى الذى جلبه إليهم مثل تجار النخاسة، ثم تركه بعد موته، وضميره أكثر راحة لأنه صرف له «يومية» اليوم الأخير. هكذا تُبنى المشروعات الكبرى فى بلادنا.. مهمَّشون يعرقون، وأثرياء يسكنون، وكبار يُكدّسون الثروة.. عمال بلا حقوق تجبرهم قسوة العيش على التفريط فى أبسط معايير الأمان فى العمل، ويجبرهم أصحاب عمل لا همَّ لهم إلا زيادة هوامش أرباحهم على الدخول فى مغامرات البديل عنها هو الجوع، وتجبرهم حكومة تخلت عنهم- وحاولت دفعهم للعمل فى القطاع الخاص دون أن توفر لهم غطاءً من الحماية، وقوانين تطبق بصرامة على الجميع دون استثناء- على قبول «سخرة جديدة». عندما تزور الأهرامات لا بد أن تتذكر أنه بناء صعد على جثث الكادحين، وعندما تقف على شاطئ القناة فلابد أن تشم ريح الفلاحين الذين حفروها وماتوا وهم يحفرون، وعندما تسكن فى «مدينتى» فلابد أن تتذكر أحمد جودة وعشرات غيره.. ماتوا أسفل منك.. وطمس ذكراهم أسفلت الشوارع. |
السبت، 21 مارس 2009
غارقووووون
| «لا تأس على وطن يرفضك ويضيق عليك ويكتم أنفاسك ويحاصر أحلامك ويطارد طموحك ويسجن إبداعك ويستغلك ويمص دمك دون ثمن».. هكذا ناداه منادٍ من بعيد.. لم يعرف إن كان حقيقة أو حلم يقظة، كل ما أدركه أن هذا النداء لمس جزءاً منه، اخترقه، دغدغ ما بقى فى داخله من حب لأم منحها كل شىء، وأعطاها أقصى ما يستطيع، حفر فى الصخر ليمهد لها طريقاً آمناً، نام فى العراء ليبنى لها سكناً لائقاً، رضى منها بالقليل، قل بالفتات إن شئت.. لكنها لم ترض به وأصرت على إبعاده، لفظته وكأنه نطفة سوء وهو الذى أفنى العمر يعطيها ويراكم عطاءه. لم يكترث يوماً بعطائها القليل، لم يكترث أصلاً أن تبادله العطاء بثمن، لكن المخدوع كان يعتقد أنها تعرف العدل، ومثلما تقتر فى عطائه تفعل مع الآخرين، لكن قلبها الجاحد أعمى بصيرتها، جعلها لا ترى إلا من تريد، ولا تسمع إلا من يلقى كلامه هوى عندها، ولا تحس إلا بمن يخدعها، فوجئ بها تجزل العطاء لمن لا يعطى، تصطفى الأرباع والأنصاف، تمنحهم كل شىء، بينما تحرمه من أى شىء. الغريب أنها لا تمل أن تردد من معسول الكلام ما يكفى لشغل صفحات الصحف وملازم الكتب وحوائط المعابد والجداريات، تراها وهى تتحدث عن العدل، وكأنها نبى، وتسمعها وهى تحدثك عن الشفافية وكأنها قديس ملائكى لا يأتيه الباطل، تورد فى خطابها من القيم النبيلة ما تشاء، وكأنها مشعل إصلاح لا يهدأ ولا ينطفئ. منافقة هى؟ ربما .. وربما تتكسب من هذه الشعارات البراقة لتبدو وردية الصورة، بينما تفوح من داخل الأشياء رائحة العفن.. لبست قشرة الحضارة والروح جاهلية. كثيراً ما كان يسأل نفسه لماذا؟ يحسن بها الظن ويظن فى نفسه، يضاعف جهده لعل العيب يكمن فيه ولا يدرى، يروى عرقه أرضها فيخضر شجر، وتمتلئ صوامع، ويفيض خير، يبتسم ويتنهد ويجهز نفسه لاستراحة محارب، يمد إليها يده طمعاً فى بعض ثمار مما أنتج، ترده وتنهره.. وتقتسم مع من اصطفتهم من الأنصاف والأرباع الفاكهة التى حرث لها الأرض ورواها. يسبها بطريقة محب مصدوم فى حبيبته، يلعن أباها وأجدادها.. هذه الأم التى لا تعطى إلا الغرباء، تتركه عارياً وتكسوهم، تلفظه للتشرد وتأويهم، تسلمه للجوع فريسة بينما تمنح ثدييها لهم بارتياح. هذى البلاد ليست بلادك ــ عاد المنادى ليقول، هى بلاد من يأخذ بلا سبب، ويصعد بلا تعب، هذى البلاد ليست بلادك.. هى بلاد لا ترى أمثالك ممن يطلبون ودها بمهر من عرق، ولا تسمع أمثالك ممن يصرخون فى وجهها بالحقيقة، ولا تقول كلمة حق حين تُطلب شهادتها، هذى البلاد ليست بلادك.. هى بلاد تمنح من يتزلف، وتعطى من ينافق، وتصعد بمن يشهد الزور. أنت زرعت.. وغيرك حصد، أنت بنيت.. وغيرك سكن، أنت طحنت.. وغيرك تناول الخبز ساخناً، أنت دفعت من عمرك وصحتك ثمناً للاشىء.. فماذا تنتظر الآن؟ هذا هو السؤال الذى ظل يواجهه كلما خلا إلى نفسه، أو وقف أمام مرآة.. حتماً يعرف الإجابة، لكنه يكابر.. ربما لديه فى معشوقته أمل، أو استعذب الجراح، وربما يخاف! يعود المنادى: قوَّ قلبك الضعيف يا رفيق.. لا تأتمن من خانك، ولا تشتر من باعك، هذه الأم التى تغدر بك كل يوم لا تستحق البر.. ولا جناح عليك إن نهرتها.. هذه الأم التى تجحدك لا تستحق جهدك.. ولن تجدى معها المحاولة.. الأمان فى ظلها وهم.. والخوف بعيداً عنها طمأنينة. عندما يستبد به اليأس ويسيطر عليه يقرض شعراً: «علمونى أن حرث البحر يثمر.. شمرت ذراعى وانهلت فى جد على الأمواج أحرث.. وربضت خلف محراثى فى عرض البحر أنتظر الحصاد». البحر إذن.. ولا شىء غيره، لن يخسر الكثير، فليعجل بمحاولة.. فيها بصيص أمل تطرحه الاحتمالات، وتعوزه، الشجاعة. ماذا سينتظر.. هذه بلاد ليس لها مستقبل.. حتى لو بقيت ألف عام.. سيجرفها الأرباع والأنصاف، فينزعون منها طميها الخصيب، وفى النهاية سيتركونها للبوار.. وعندما يفور التنور، سيقفزون منها فى قارب نجاة، ويتركون ملح الأرض لملح البحر. تذكرته فجأة عندما جاءها نبأ وجوده على ظهر سفينة توشك على الغرق، بكت وانتحبت ولأول مرة صرخت: «ولدى»، عندما رأيته عائداً فى صندوق وهى غارقة فى بكاء مقنع.. لم أكن أدرى.. أدموع التماسيح تلك.. أم دموع الندم؟ أم عرفت أخيراً أننا جميعاً غارقون؟ |
الاثنين، 16 مارس 2009
ما لم تَقُلْهُ الأحلام لـ«سيد غنام»
| لا أكتب لك اليوم عن سيد غنام لأنه صديقى، أو لأننا ذات يوم تشاركنا «جُحراً» فى وسط البلد، فصار بابتسامته ووده وضحكته القروية متسعاً كما الأفق، الذى يمتد من سطح بناية متهالكة فى السيدة زينب، ليحتوى حدود القاهرة. لا أكتب لك عنه لأننا اقتسمنا الفرشة والغطاء واللقمة وشريط الدواء لثلاث سنوات أو يزيد، أو لأننا كنا «ننصص» زجاجة المياه الوحيدة لنغسل وجهينا المُعَفَّرَين ببقايا نومة رديئة تُنغِّصها الأحلام المتكاثرة، ونتوضأ بـ«المسح»، لأن المياه البلدية كانت تعجز كل صباح عن بلوغ سطوح «طارق عنبة».. لا غمراً ولا بـ«التنقيط». أنت لا تعرف سيد، وربما لا تكترث، لكننى حريصٌ اليوم على أن تقرأنى أكثر من أى وقت مضى.. حريصٌ على أن أحكى لك حكايته مع الأحلام.. وحكايته مع الموت، وبين حلم سيد وموته تشابه كبير، كلاهما كان مفرطًا فى الدهشة والمفاجأة والكارثية. تكاثرت الأحلام فى رأس سيد منذ غادر المنصورة قبل سنوات وسنوات، قادماً إلى القاهرة، دخلها بتربُّص غازٍ، وإحساس فاتح، ونهم جائع، وعزم فلاّح، استصلح أرضه ومهَّد طريق أحلامه الذى كان يمتد من مبنى التليفزيون حيث بدأ موظفاً، إلى كرسى رئاسة تحرير مجلة «روزاليوسف»، الذى كان يأمل فيه وينتظره بيقين يثير الدهشة، مرورًا بسنوات طويلة من صناعة الإعلام والصحافة من «الجزيرة» إلى الحياة اللندنية، ومن «البيت بيتك» إلى «mbc»، ومن قناة الساعة إلى «روزاليوسف». لم يملك سيد غنام مبرراً واحداً يُضفى على حلمه شرعية، تدخل به على الأقل فى عالم الاحتمالات، فى كل مرة كان يجاهر بقوله: «سأصبح رئيساً لهذه المجلة العريقة بعد ٧سنوات من تعيينى فيها.. وسأتركها عند الـ٥٠».. وفى كل مرة كان قطار التعيين فى «روزا» يتخطاه فيعود غير منكسر.. يُعدِّد العروض التى تأتيه من صحف أخرى، قبل أن يخبرك أنه حصل على وعود جديدة، وأنه سينتظر لأن الحلم يستحق. كان سيد صحفياً تليفزيونياً رفيع المستوى، احترف هذه المهنة وأجاد فيها- هل تذكر «ممنوعون» على «الجزيرة»- تعوَّد أن يعمل فى الظل واضعاً كل موهبته فى خدمة «طلّة» مذيعة.. أو تألق مقدم برامج، راضياً بحصيلة كان يراها وهى تُعينه على أسرته الكبيرة، مبرراً كافياً للرضا بالظل، وتأجيل الأحلام الكبيرة إلى حين. تلك الأحلام الكبيرة التى فتحت له آفاقاً أعانته فى مشوار كفاحه، إذا كانت أخبرته أنها قادرة على أن تضفى على أيامه طعماً جميلاً، وتمنح ابتسامته تألقاً واثقاً، ونظرة عينيه تفاؤلاً مشرقاً، إلا أنها لم تخبره أنها ستقتله فى النهاية حين تكاثرت على رأسه الصلب.. فانفجر. لم يَخَف سيد من الموت، كان يعرف أنه من أسرة يشتهى الموتُ رجالَها ثماراً ناضجة، ولا ينتظر أن يَخُطَّ الشيبُ فيهم فيغيّر من طعمهم الطازج، فعلها قبل ثلاث سنوات مع شقيقه الأكبر طارق الذى سقط مختنقاً بالغاز المسيل للدموع فى مظاهرة إخوانية بالمنصورة، سيد لم يكن إخوانياً.. لكنه كان مسلماً، أشهد أنى رأيته يصلى ويصوم ويبرُّ والدته، كما كان يسبُّ سائق التاكسى حين «يضل» فى الحساب، ويشجُّ رأس مقاول تشطيب بيته حين يسرق عبوات الدهان. كان يُعد نفسه لاستقبال فيروس كبدى، يقضى معه بهدوء عدة سنوات قبل أن يتخذ قراراً بالفتك به، لذلك ظن أن أمامه قدرًا من الوقت ما دام هذا الضيف لم يطرق بابه بعد.. كنا نتناول الكسكسى من «نصبة الناصرية» ثم «نضرب» سوبيا الرحمانى قبل أن نحبس بكوب من الشاى مقطوع النفس على قهوة عنبة، بعدها يبدأ فى الفضفضة: «سأشترى شقة كبيرة وأجلب عائلتى من المنصورة- أم وشقيقين وشقيقتين وأرملة أخ وأطفالها الثلاثة، إلى جانب زوجته وطفليه- عشر سنوات وأنا بعيد عنهم أزورهم بضع ساعات كل أسبوع أو أسبوعين.. أريد أن تكبر البنت والولد أمام عينى» لم يكن ما يقوله محض أمنيات، كان إحساسه بالغربة يتوحش، وعندها قرر أن يحصل على الجنسية القاهرية رسمياً، وأن يدفع حصيلة الغربة ثمناً لجوار عائلته.. لكن فى اللحظة التى أمن فيها كل شىء، البيت الكبير ومدارس الأطفال، وبدأ يتعاطى حياة جديدة، يرى أطفاله كل صباح وكل مساء، يبيت كل يوم فى حضن زوجة باعدت بينه وبينها قسوة الأيام لسنين، فى تلك اللحظة، فقط نسى الموت الذى كان ينتظره، أعطاه ظهره مطمئناً، ودَّع الغربة وأقبل على حياة «الونس»، تلك الحياة التى لم يذق طعمها الجديد إلا أشهراً معدودات، وانتهت مع تمرد الأحلام فى رأسه، ونزيف المخ. نسيت أن أجيب سؤالك: لماذا أحكى لك هذه الحكايا؟ ربما تفرغ من هذه السطور.. فلا تضنّ عليه بـ«فاتحة» أو دعاء. |
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)