| «مراقبة الدولة هى إحدى دعائم الديمقراطية. ومراقب الدولة هو جزء من نظام التوازن والكبح فى الدولة الديمقراطية، ومكانته الرفيعة ضمن نظام مؤسسات الدولة هى أحد المؤشرات على مناعتها الديمقراطية. إن وجود مراقبة على السلطة التنفيذية يجسد مبدأ أن الموظفين العموميين والوزراء فى الدولة الديمقراطية أمناء على مصالح الجمهور وخادمون له، لا أسياده». لك أن تعرف أن تلك الفقرة ليست مقتبسة من كتاب أفلاطونى المزاج يسهب فى تكرار جمل رومانسية عن الحق والخير والجمال، ولكنها مقدمة النظام الأساسى لقانون مراقبة الدولة فى إسرائيل، وهى جمل تجد طريقها إلى تطبيق صارم، وليست مجرد حبر على ورق، وورق فى أدراج. ومراقب الدولة فى إسرائيل يوازى رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات عندنا، لكن فارقاً شاسعاً بين الاثنين، سواء فى طريقة الاختيار أو فى الصلاحيات، أو فى التقدير العام والتأثير والفعالية. يمكن أن تعتبر أن التشابه الوحيد بين «ملطنا»، الدكتور جودت الملط رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات، و«ملطهم» ميخا لند نشطراوس، مراقب الدولة ومندوب شكاوى الجمهور، أن كليهما قاض، فبينما تدرج الملط فى مجلس الدولة حتى رأس المجلس والمح كمة الإدارية العليا، تدرَّج لند نشطراوس فى المناصب القضائية الإسرائيلية من مدعٍ عسكرى عام إلى رئاسة المحكمة المركزية. لكن الفوارق الشاسعة بين الاثنين تبدأ من طريقة الاختيار، حيث يتولى مراقب الدولة فى إسرائيل منصبه بالانتخاب، ويحق لكل مواطن فى الدولة الترشح لشغل وظيفة المراقب العام، ومدة عمل المراقب العام ٧ سنوات غير قابلة للتجديد من لحظة انتخابه، ولا يجوز عزله، ويتبع فى عمله ومسؤولياته «الكنيست»، وهو برلمان «منتخب» بكل ما تحمله تلك الكلمة من معانٍ، حتى إن عرب ٤٨ ــ رغم كل ما يتعرضون له من ممارسات عنصرية وفكرية ــ ممثلون فيه عبر الانتخاب. وتمتد تلك الفوارق إلى صلاحيات واسعة فى رقابة الأداء المالى والإنفاق العام لجميع الوزارات والمصالح والشركات العامة، دون استثناء الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلى جانب التحقيق فى شكاوى الجمهور حول الخدمات العامة، إضافة إلى مراقبة الأداء العام وحيوية التعامل الحكومى مع الأزمات ومستوى أدائها وفاعلية مؤسساتها. لك أن تعرف أيضاً أن مراقب الدولة فى إسرائيل له أن يحيل رئيس الوزراء نفسه للتحقيق والمحاكمة الجنائية، وهو ما حدث مع أولمرت نفسه وعدد من وزرائه، إلى جانب رئيس الدولة السابق موشيه كاتساف. عندما يضع مراقب الدولة عندهم يده على مخالفات ــ مهما كانت تفاهتهاــ ينتهى عمله بلوم واسع وتحقيق جنائى للمتسبب فى المخالفات، ــ ونماذج ذلك كثيرة ومتعددة ــ فيما ينتهى عمل رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات عندنا بخطاب حماسى، ومدغدغ لمشاعر الجماهير وشهوة الإعلام، وتقرير ثقيل الوزن متخم بالمخالفات والكوارث ينتهى إلى رف فى مكتبة مجلس الشعب. يملك «ملطهم» إسقاط الحكومة وإنهاء مستقبل رئيسها لو وجد إهداراً لألف دولار، ولا يملك «ملطنا» إلا استعراض مهاراته الخطابية حتى لو وجد إهداراً لمئات الملايين من الدولارات. يملك «ملطهم» وضعاً مميزاً فى النظام السياسى يجعله نداً لرئيس الحكومة، ولرئيس الدولة، وشريكاً للبرلمان فيما يبقى «ملطنا» مجرد «موظف كبير». ورغم هذا النظام الصارم فى الرقابة تعترف تل أبيب بأن «فساد السلطة» أكبر عدو تواجهه، لذلك تحاول إضافة مزيد من التشدد والصلاحيات لمراقب الدولة، ولك أن تتخيل أن التحقيق الجنائى الذى يجرى مع رئيس الوزراء المنصرم إيهود أولمرت، بسبب منحه تسهيلات استثمارية لأحد أصدقائه، والاشتباه فى حصوله مع عائلته على تذاكر طيران لا تتجاوز قيمتها ألفى دولار كهدية عندما كان وزيراً للتجارة والصناعة، وتلك تهمة لا يعاقب عليها وزير مصرى بأكثر من طلب إحاطة ينتهى بالتصفيق للمتهم. المؤكد أن إسرائيل دولة عنصرية وهمجية ومارقة، وسجل جرائمها ضد شعوب المنطقة، وضد مواطنيها العرب، متخم بالمجازر، تلك مسلمات يقينية لا أجادلك فيها، لكن المؤكد أن فى إسرائيل حكومة لا تهدر أموال شعبها، وإذا حدث تجد من يحاسبها، المؤكد أن فى إسرائيل حكومة لا تخدع شعبها، وإذا فعلت تجد من يفضحها ويعاقبها. المؤكد أن فى إسرائيل حكومة تكترث بشعبها، وتعرف أنها تستمد شرعيتها من ناخب يملك وحده قرار بقائها أو إقالتها، ويتحكم وحده ــ عبر صندوق اقتراع نزيه ــ فى سياسات الدولة، فإذا أراد انفتاحاً جاء بحكومة منفتحة، وإذا أراد تشدداً جاء بحكومة متطرفة.. هذا الناخب هو الحاكم الفعلى فى مثل هذه النظم، وحتى نصل أنا وأنت والسامعون لمثل هذا المستوى سيبقى الفارق بيننا وبينهم مثل الفارق بين «ملطنا» و«ملطهم». |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 9 مارس 2009
ملطنا.. وملطهم
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق