الاثنين، 2 مارس 2009

عودة الوعى

يكذب من يحاول أن يقنعك بأن أزمة حرب غزة لم تنل من مصر نيلاً وفيراً، سواء فى سمعتها أو موقعها ودورها، أو حتى وضعها الإقليمى كنموذج يملك قدراً كبيراً من إمكانات القيادة، فى الوقت الذى تملك فيه إدارتها الحاكمة رؤية «تفريطية» لا تستوعب بالقدر الملائم هذا الوضع المميز، وهذه الإمكانات غير المستغلة، ولا هذا النموذج المفترض.. إدارة لا ترى مصر «كما ينبغى أن تكون»، وتحاول البقاء فى حدود المتاح دون مبادرة، وحدود المقبول دون مغامرة، وحدود الأمان دون حركة، وحدود الحركة دون تأثير.
لك أن تدرك أيضاً أن حالة من الهوس «الانكفائى» سيطرت على الخطاب السياسى فى مصر طوال ٣٠ عاماً، ومنذ إطلاق قطار السلام بين القاهرة وتل أبيب، ودعوة الانكفاء على الداخل تجر «انكماشاً» فى الدور المصرى خارجياً، وتجر مزيداً من القيود على حركتها فى محيطها الطبيعى، دون أن تقدم حلاً مجدياً لمشكلات الداخل، ورسخ ذلك معادلة سيطرت على العقل الجمعى لصناع القرار، أن بديل هذا هو الحرب، وكأنه لا طريق ثالثاً بين سلام يقيد الحركة ويخصم من رصيد مصر الإقليمى، وبين الحرب بكل ما تحمله من معانٍ وحسابات ومخاوف.
ربما كان الأداء السياسى المصرى فى أزمة غزة انعكاساً واضحاً لهذا الانكماش، الذى دفع بقوة ـ وحتى وقت قريب ـ لإحداث تغييرات جوهرية فى تعريف الأمن القومى المصرى وإعادة ترتيب محدداته، تكريساً لهذا الانكماش، وفرضاً لحياد لا يليق بمصر أخلاقياً، ويصطدم بمصالحها المباشرة وخطوطها الحمراء براجماتياً.
لكن بصيصاً من أمل يلوح فى الأفق، ويدفع إلى ترجيح أن هناك من يعيد صياغة المفاهيم، ويعيد تسليح الدور المصرى بمقومات الحركة..فى طريقه ــ إن بلغ نهاية الطريق ـ إلى استعادة الحيوية والنفوذ والتأثير.
تستطيع أن تدرك قدراً من ذلك من كلمة مصر فى افتتاح مؤتمر المصالحة الفلسطينية، التى ألقاها الوزير عمر سليمان، والمكلف مصرياً بالملف الفلسطينى بكل أبعاده الإقليمية.
وأكثر ما يمكن أن ترصده من هذه الكلمة وما سبقها من جهود لإنجاح المصالحة، وما سبق ذلك أيضاً منذ خطاب الرئيس مبارك عشية وقف إطلاق النار فى غزة ومروراً بخطاب الرئيس أيضاً فى قمة الكويت، إلى جانب الحركة المصرية فى الملف السودانى حالياً – أن الإدارة المصرية أوجعتها نتائج حرب غزة إجمالاً.
 والأرجح أن هناك فى الإدارة المصرية من استوعب دروس غزة، واستعاد الوعى بأهمية الحركة والمبادرة، وبدأ إعادة النظر فى معادلة العلاقات المصرية - الإسرائيلية، بهدف خلق مسار ثالث بين سلام يخصم من رصيد مصر، وحرب لا تريدها، مسار صاغته تركيا بمزيد من الاستعراض والحماسة، وحاولت مصر الاستفادة منه، وظهر ذلك واضحاً فى اعتراض مصر ـ غير المعلن ـ على إقالة عاموس جلعاد من مهمته التفاوضية مع مصر بشأن الأسرى وتثبيت التهدئة فى قطاع غزة، وتهديدها الضمنى بوقف التعاون مع غيره، حتى رضخ أولمرت وأعاد جلعاد إلى موقعه فى التفاوض.
وظهر ذلك أيضاً فى اهتمام مصرى مكثف بالملف السودانى، الذى يوشك على الاشتعال مع قرب إصدار مذكرة الجنائية الدولية بتوقيف البشير، وتهديدات حكومة الجنوب، ومتمردى دارفور بتسليمه، بدأ بزيارة لعمر سليمان، ووزير الخارجية، إلى الخرطوم، مروراً بزيارة البشير للقاهرة، كما لاح فى الأفق جهد مصرى لإعادة خلق حكومة قوية فى الصومال، إلى اختيار شيخ شريف رئيساً للصومال.
فيما يخص إسرائيل، مازالت القاهرة تملك الكثير من مقومات القوة الناعمة، التى تحتاج إلى تحريك سياسى يصب فى مصلحة تعظيم الدور المصرى، وفى الوقت نفسه كبح جموح تل أبيب فى المنطقة، خاصة أن حكومة بقيادة نتنياهو تحتاج إلى معاملة أكثر حدة وقسوة، لدفعها إلى الالتزام بالأطر العامة للعملية السلمية.
وفيما يخص السودان والصومال وغيرهما من دول شرق وجنوب حوض النيل، لن تجد القاهرة مفراً من إعادة توسيع مفهوم أمنها القومى، ليعود محيطها الحيوى كما كان ممتداً حتى آخر نقطة تأتى منها قطرة مياه فى نهر النيل جنوباً، وحتى باب المندب فى الجنوب الشرقى، دون أن تنسى نصف القطر الآخر من الدائرة الممتد من الخليج العربى شرقاً حتى حدود الهلال الخصيب فى الشمال الشرقى.
تحتاج الحركة المصرية المستجدة إلى جانب جهد الأجهزة السيادية، إلى رأس جديد للدبلوماسية المصرية، لديه وعى بقدر مصر ومكانتها، والقدرة على طرح نفسه كعنوان لمرحلة جديدة، وكواجهة لمصر «كما ينبغى أن تكون»، كما تحتاج إرادة سياسية تضمن لعملية استعادة الدور استمراريتها.
وُجدت مصر لتكون دولة قائدة ومحورية فى منطقتها.. دولة ذات إرادة نافذة وصوت مسموع، دولة ذات تأثير مباشر وحركة ناجزة.. هذا قدرها وحقها وواجبها.. والقبول بما هو أدنى من ذلك خيانة للتاريخ والجغرافيا، ولطبيعة الأشياء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق