السبت، 21 مارس 2009

غارقووووون


«لا تأس على وطن يرفضك ويضيق عليك ويكتم أنفاسك ويحاصر أحلامك ويطارد طموحك ويسجن إبداعك ويستغلك ويمص دمك دون ثمن».. هكذا ناداه منادٍ من بعيد.. لم يعرف إن كان حقيقة أو حلم يقظة، كل ما أدركه أن هذا النداء لمس جزءاً منه، اخترقه، دغدغ ما بقى فى داخله من حب لأم منحها كل شىء، وأعطاها أقصى ما يستطيع، حفر فى الصخر ليمهد لها طريقاً آمناً، نام فى العراء ليبنى لها سكناً لائقاً، رضى منها بالقليل، قل بالفتات إن شئت.. لكنها لم ترض به وأصرت على إبعاده، لفظته وكأنه نطفة سوء وهو الذى أفنى العمر يعطيها ويراكم عطاءه.
لم يكترث يوماً بعطائها القليل، لم يكترث أصلاً أن تبادله العطاء بثمن، لكن المخدوع كان يعتقد أنها تعرف العدل، ومثلما تقتر فى عطائه تفعل مع الآخرين، لكن قلبها الجاحد أعمى بصيرتها، جعلها لا ترى إلا من تريد، ولا تسمع إلا من يلقى كلامه هوى عندها، ولا تحس إلا بمن يخدعها، فوجئ بها تجزل العطاء لمن لا يعطى، تصطفى الأرباع والأنصاف، تمنحهم كل شىء، بينما تحرمه من أى شىء.
الغريب أنها لا تمل أن تردد من معسول الكلام ما يكفى لشغل صفحات الصحف وملازم الكتب وحوائط المعابد والجداريات، تراها وهى تتحدث عن العدل، وكأنها نبى، وتسمعها وهى تحدثك عن الشفافية وكأنها قديس ملائكى لا يأتيه الباطل، تورد فى خطابها من القيم النبيلة ما تشاء، وكأنها مشعل إصلاح لا يهدأ ولا ينطفئ.
منافقة هى؟ ربما .. وربما تتكسب من هذه الشعارات البراقة لتبدو وردية الصورة، بينما تفوح من داخل الأشياء رائحة العفن.. لبست قشرة الحضارة والروح جاهلية.
كثيراً ما كان يسأل نفسه لماذا؟ يحسن بها الظن ويظن فى نفسه، يضاعف جهده لعل العيب يكمن فيه ولا يدرى، يروى عرقه أرضها فيخضر شجر، وتمتلئ صوامع، ويفيض خير، يبتسم ويتنهد ويجهز نفسه لاستراحة محارب، يمد إليها يده طمعاً فى بعض ثمار مما أنتج، ترده وتنهره.. وتقتسم مع من اصطفتهم من الأنصاف والأرباع الفاكهة التى حرث لها الأرض ورواها.
يسبها بطريقة محب مصدوم فى حبيبته، يلعن أباها وأجدادها.. هذه الأم التى لا تعطى إلا الغرباء، تتركه عارياً وتكسوهم، تلفظه للتشرد وتأويهم، تسلمه للجوع فريسة بينما تمنح ثدييها لهم بارتياح.
هذى البلاد ليست بلادك ــ عاد المنادى ليقول، هى بلاد من يأخذ بلا سبب، ويصعد بلا تعب، هذى البلاد ليست بلادك.. هى بلاد لا ترى أمثالك ممن يطلبون ودها بمهر من عرق، ولا تسمع أمثالك ممن يصرخون فى وجهها بالحقيقة، ولا تقول كلمة حق حين تُطلب شهادتها، هذى البلاد ليست بلادك.. هى بلاد تمنح من يتزلف، وتعطى من ينافق، وتصعد بمن يشهد الزور.
أنت زرعت.. وغيرك حصد، أنت بنيت.. وغيرك سكن، أنت طحنت.. وغيرك تناول الخبز ساخناً، أنت دفعت من عمرك وصحتك ثمناً للاشىء.. فماذا تنتظر الآن؟
هذا هو السؤال الذى ظل يواجهه كلما خلا إلى نفسه، أو وقف أمام مرآة.. حتماً يعرف الإجابة، لكنه يكابر.. ربما لديه فى معشوقته أمل، أو استعذب الجراح، وربما يخاف!
يعود المنادى: قوَّ قلبك الضعيف يا رفيق.. لا تأتمن من خانك، ولا تشتر من باعك، هذه الأم التى تغدر بك كل يوم لا تستحق البر.. ولا جناح عليك إن نهرتها.. هذه الأم التى تجحدك لا تستحق جهدك.. ولن تجدى معها المحاولة.. الأمان فى ظلها وهم.. والخوف بعيداً عنها طمأنينة.
عندما يستبد به اليأس ويسيطر عليه يقرض شعراً: «علمونى أن حرث البحر يثمر.. شمرت ذراعى وانهلت فى جد على الأمواج أحرث.. وربضت خلف محراثى فى عرض البحر أنتظر الحصاد».
البحر إذن.. ولا شىء غيره، لن يخسر الكثير، فليعجل بمحاولة.. فيها بصيص أمل تطرحه الاحتمالات، وتعوزه، الشجاعة.
ماذا سينتظر.. هذه بلاد ليس لها مستقبل.. حتى لو بقيت ألف عام.. سيجرفها الأرباع والأنصاف، فينزعون منها طميها الخصيب، وفى النهاية سيتركونها للبوار.. وعندما يفور التنور، سيقفزون منها فى قارب نجاة، ويتركون ملح الأرض لملح البحر.
تذكرته فجأة عندما جاءها نبأ وجوده على ظهر سفينة توشك على الغرق، بكت وانتحبت ولأول مرة صرخت: «ولدى»، عندما رأيته عائداً فى صندوق وهى غارقة فى بكاء مقنع.. لم أكن أدرى.. أدموع التماسيح تلك.. أم دموع الندم؟ أم عرفت أخيراً أننا جميعاً غارقون؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق