السبت، 22 سبتمبر 2012

براءة عمر سليمان


ليس أمامك حل سوى أن تصدق د.ياسر على المتحدث باسم الرئاسة، دعك من تندر البعض عليه بوصفه بـ «النافى الرسمى»، لكنه فى النهاية مسئول عن نقل أفكار مؤسسة الرئاسة للرأى العام وتفسير قراراتها والرد عنها، وعندما يقول ياسر على إن قسم الرئيس الجديد لجهاز المخابرات العامة، ليس جديدا وموجودا فى القانون منذ عهد السادات، وتحديدا فى فى عام 1972، فحاول أن تستمع إلى حديثه بمزيد من حسن النية.

الآن عرفنا من ياسر على إن رؤساء المخابرات من عهد السادات وحتى عهد مرسى يقسمون بالولاء لرئيس الجمهورية تحديدا، وأن الرئيس مرسى الذى من المفترض أنه «منتمٍ» لثورة قامت على قوانين فاسدة تختزل الدولة فى شخص الحاكم، يريد أن يحترم القانون ويلتزم بالقوانين التى ورثها وينفذها بحذافيرها فيصبح القسم للرئيس، ويصبح كل الميراث القانونى لمبارك الذى للمفارقة كثيرا ما تظاهر ضده الرئيس مرسى شخصيا، أشياء جيدة وضرورية ولابد منها.

إذا كان ذلك كذلك.. هل تؤدى ممارسات الرئيس وتفسيرات المتحدث باسمه إلى رد كثير من الاعتبار لمبارك وأركان نظامه، فرئيس الثورة كما كان مبارك يقترض من صندوق النقد الدولى، وينفذ روشتة الصندوق والبنك الدوليين اقتصاديا، ويعتقد أن الطوارىء ضرورة، ويروج رجاله ووزراؤه إنها مذكورة فى القرآن، ويفض الاعتصامات بالقوة، ويسعى ووزراؤه وحكومته إلى تجريمها قانونيا. كان رجال أمانة السياسات يقولون إن الشعب غير مؤهل للديمقراطية.. وأصبح رجال مكتب الإرشاد يقولون إن مشروع النهضة يحتاج إلى شعب واعٍ ومؤهل، كانت مشكلة الديمقراطية فى الشعب فى عهد مبارك، وأصبحت مشكلة النهضة فى الشعب أيضا فى عهد مرسى، بقيت السياسات الاقتصادية والاجتماعية فى عهد مبارك منحازة ضد الفقراء ومازالت فى عهد مرسى، رفض نظام مبارك الضرائب التصاعدية ويرفضها نظام مرسى، رفض نظام مبارك فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية المتولدة دون إنتاج من المضاربات المالية ويرفض مرسى كذلك، ويستمر فى دعم رجال الأعمال من جانب وفى خطط رفع الدعم عن الفقراء من جانب آخر.

إذا لمبارك حسنات كثيرة كما ترى بما أن الرئيس مرسى يسير على ذات نهجه، ولا يجد داعيا للتغيير ويدافع ورجاله عن ذات السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التى كان يتخذها مبارك، هل هذا رد اعتبار لنظام قامت عليه الثورة أم محاولة من نظام الثورة أن يقيم تجربة مبارك بموضوعية فيقول للثوار إن سياساته لم تكن كلها خرابا فى خراب كما كنا نعتقد.

لكن فيما يخص حديث ياسر على عن قسم رئيس المخابرات بالولاء الكامل للرئيس، هل نعتبر ذلك تبرئة رئاسية لعمر سليمان، إذا كان رئيس المخابرات ولائه للرئيس أعلى من الولاء للوطن، فلماذا تلومون عمر سليمان أن كان رجلا «صادقا» أبر بقسمه الذى من المفترض أنه أداه أمام مبارك، وضرب «مثالا يحتذى» فى تقديم الولاء للرئيس على الولاء للوطن، وشراء رضا الرئيس على حساب رضا الشعب.

حسب كلام ياسر على، يصبح عمر سليمان رجلا مخلصا للقسم وللمهمة الوظيفية التى يحددها القسم فى القانون، أداها بكفاءة وتفانى وتجرد واخلاص.. وربما يستحق عليها التكريم أيضا.

السلطويون ملة واحدة

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

تعارفوا وتعايشوا


الأصل فى المؤمن أن يكون «كافرا» بعقائد الآخرين، الكفر بالشىء يعنى عدم الاعتقاد به، فالطبيعى جدا أن أكون مسلما «كافرا» بعقائد الآخرين كفرا مطلقا، وإلا لو اعتقدت للحظة أن عقيدة أخرى هى الأصح، لأصبح إيمانى محل شك، والعكس صحيح، فأى قناعة لدى مسيحى بصحة الإسلام، تستوجب أن تسأله، ولماذا لا تعتنقه وقد وصلت لهذه القناعة؟!

تلك إذا بديهيات، والحق أننى وأنت والجميع «مؤمنون» بما نعتقد و«كفار» بما يعتقد الآخرون، لكنه ليس بالضرورة كفر العداوة والبغضاء، الذى يدفعك لاستعداء الآخر أو ازدرائه.. هذه مسائل لها علاقة بطبيعة الإيمان، وحقيقة فهم إن التنوع الدينى والإثنى والعرقى هو فى الأصل مشيئة إلهية: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة».

لا مجال إذن لتقول بأنك تحاول التقريب بين الأديان، أو تدشين حوارات بينها هدفها الوصول إلى اتفاقات فى أمور تمس عقائد كل طرف، فمشيئة خالق هذا الكون أرادت هذا التنوع الدينى، ورفعت من قدر حرية الاعتقاد فى كل الشرائع، ولم تطلب من أحد أن يخوض فى دين الآخر ليحاكمه أو يفنده، وإن جرت تساؤلات - وأنت تحاول فهم عقيدتك - تخص عقائد الآخرين، فمكانها مسجدك أو كنيستك.

لكن أصل الأزمة أنك صرت تعيش فى مجتمع يندفع بفعل التشاحن السياسى والاحتقان الطائفى، إلى «تسييس» كل شىء، فينقل التفاصيل «العقيدية»، التى من المفترض أن يكون مكانها بين المختصين، إلى العامة فى وسائل الإعلام جميعها.

تلك الحالة المفرطة من التسييس هى التى تدفع رجال الدين «مشايخ وقساوسة» إلى تبنى مشروعات ذات طابع سياسى، والدخول فى سجالات «سياسية» متدثرة بغطاء الدين، حتى صار رجال الدين يخرجون إلى مريديهم كزعماء سياسيين، لا تجد فيما يقولونه وعظا إلا ما ندر، لكن الأغلب الأعم من أحاديثهم ينطوى على سياسة مفرطة، إعلانات تأييد لمرشحين سياسيين، ومساجلات مع الآخرين، وحديث فى الانتماءات الحزبية، والمواقف السياسية، وتخوين وتكفير للمعارضين.

عندما تصل إلى جوهر هذا التفكير وتتدبر هذه الحكمة من التنوع، ستضع يدك على الحل الذى تبحث عنه لوقف ازدراء الأديان والإساءة إليها، وستجد نفسك تلقائيا تلفظ من يمارس هذا التشنج الدينى باسمك أو عليك، لكن كل ذلك لن يتم إلا فى سياق أخلاقى حقيقى وعادل، يرى الصورة الكاملة ولا يتخندق طائفيا ليدافع عن دينه من الإساءة فيما هو يغض الطرف عن جرائم فى حق أديان الآخرين.

الخروج من حالة التشنج تلك فى أيدينا كلنا كما قلت، أولها أن نطرح النموذج فى احترام الأديان والمقدسات.. كل الأديان والمقدسات، وأن نوقف التمييز، وقتها سنستطيع أن نقف للعالم كله لندين أى إساءة وندافع عن أى معتقد ونحن لا تلطخ رءوسنا «بطحة» الازدراء ذاتها التى نهاجم الآخرين بسببها.

لا تنه عن فعل وتأت بمثله.. ولا تنشغل عن إيمانك بالبحث فى نقائص الآخرين، التنوع مشيئة ربك، فلماذا أراك كل يوم معترضا على هذه المشيئة؟ تعارفوا وتعايشوا يرحمكم الله.

الأحد، 16 سبتمبر 2012

ازدراء الأديان أم ازدراء الإسلام؟


هل نظامنا القضائى طائفى؟

هذا مجرد سؤال وليس اتهاما

ما هو مفهوم أعضاء النيابة العامة عن جريمة ازدراء الأديان؟ هل يدركون أنها جريمة تخص الأديان كل الأديان، أم أن لديهم اعتقادا أن واجبهم فقط هو حماية الإسلام من المتطاولين عليه والمسيئين له ولمقدساته؟

ازدراء الأديان جريمة واضحة.. «النيل من عقائد الآخرين بالشكل الذى يسىء إلى هذه العقائد وأتباعها ويحيطهم بالنقائص بشكل علنى يسبب جرح مشاعرهم وتحقيرهم بين المحيطين بهم»، هل هناك فارق بين متهم مسلم ومتهم مسيحى، أو بين إساءة للإسلام أو المسيحية أو أى معتقد آخر يؤمن به شخص بشكل يخصه ولا يفرضه على أحد، ولا يطلب سوى احترام حقه فى حرية العقيدة، وحقه فى ممارسة الشعائر، وحقه فى الحماية من الأذى واضطهاد بسبب عقيدته.

قبل أيام وفور ظهور الجدل حول فيلم مسىء للإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، أذاعت قناة فضائية دينية إسلامية اللقطات المتداولة على موقع «يوتيوب» باعتبارها الفيلم ومدتها 14 دقيقة تقريبا، وذلك عبر برنامج يتمتع بحجم مشاهدة عالية، يقدمه من يعتقد ويعتقد مشاهدوه أنه داعية إسلامى أو شيخ، مصحوبا بتعليقات تمتد من النيل من صناع الفيلم، إلى إهانة كل المسيحيين واحتقار عقيدتهم علنا وعلى الهواء مباشرة.

فى تلك الأثناء استبد الفضول بمواطن مصرى «مسيحى» كما استبد بالملايين بعد تلك الضجة عن الفيلم، بحث عنه وشاهده، وضغط على زر «شير» على موقع «يوتيوب» فنشر الفيلم على صفحته «الشخصية» التى لا يراها سوى أصدقائه.

وسط هذا الجدل قام رجل أيضا يعتقد أنه داعية إسلامى أو شيخ ويعتقد ذلك متابعوه لأنه أيضا مقدم برامج فى فضائية دينية يمتلكها بتمزيق الإنجيل المقدس لدى المسيحيين أمام الكاتدرائية وحرقه.

لديك 3 وقائع فيها «شبهات» ازدراء أديان، ولديك عشرات البلاغات المقدمة فى الوقائع الثلاث، لكن النيابة العامة تحركت فقط فى واقعة المواطن المسيحى الذى ضغط زر «الشير» أمرت بالقبض عليه، وأخضعته لتحقيق طويل ومكثف وانتهت بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق.

نشر الشاب القبطى الفيديو على صفحة هى فى النهاية شكل من أشكال التدوين الشخصى المحدودة الانتشار، أى أنه أتاحه فقط لأصدقائه على هذه الصفحة، لكن الشيخ الفضائى أتاح ذات المقاطع وذات الفيديو لآلاف على الهواء مباشرة مصحوبا باللعنات والشتائم للمسيحيين وعقيدتهم، أيهما منح الفيلم انتشارا أكثر، وأيهما استخدم وسيلة إعلام ذائعة الانتشار، وإذا أضفت لهم من مزق الإنجيل وحرقه وتباهى بفعلته فى محطته الدينية، فقط اسأل أى عضو بالنيابة العامة عن التوصيف القانونى لكل حالة على حدة.

لماذا تتحرك النيابة لمحاسبة وحبس شاب مسيحى نشر ما يسىء للإسلام، ولا تتحرك لمحاسبة شيخ مسلم حرق علنا الكتاب المقدس لدى المسيحيين؟ البلاغات موجودة وبعضها من محامين اسلاميين.. هل القانون يجرم ازدراء الأديان أم ازدراء الإسلام فقط.. هذا كما قلت سؤال وليس اتهاما..!



السبت، 15 سبتمبر 2012

تعالوا نبدأ بأنفسنا


هل أنت ضد ازدراء الأديان ومقدساتها ومعتقدات أصحابها عموما؟ أم أنك ضد ازدراء دينك ومقدساتك ومعتقداتك فقط؟

هل أنت ضد العنصرية القائمة على الهوية الدينية ترفض أى تمييز على أساس دينى أو أى تعميم للنقائص على أتباع الأديان، أم أنك فقط ضد التمييز ضدك وضد دينك وضد لصق النقائص بعقيدتك؟

هل تطالب بقواعد قانونية لمواجهة ازدراء الأديان كل الأديان، ومعاقبة كل من يمس عقائد الآخرين ويرميها بالفساد بشكل علنى، أم أن مفهومك عن هذه القواعد والقوانين والتشريعات يقتصر فقط على حماية دينك ومقدساتك؟

هذه أسئلة جوهرية حاول أن تجيب عليها فى معرض غضبك على الإساءات ضد الإسلام ورسوله، لا تفكر فى إجابات سابقة التجهيز فى معلبات المجاملات، ولا فى شعارات محفوظة وتتردد فى كل مناسبة أو أزمة، لا أريدك أن تجيبنى تحديدا فقط أريدك أن تجيب نفسك، أن تنقل لها حقيقة مشاعرك فى هذا الملف، وحقيقة موقفك وقناعاتك، وأرجوك كن صادقا ولا تخدع نفسك.

لن تستطيع أن تقنع العالم أنك غاضب لمقدساتك وعقيدتك، إلا إذا قدمت له النموذج أنك تحافظ على مقدسات وعقائد الآخرين، كما تطلب من الآخرين ذات الفعل، لن تجد دعوات إصدار تشريعات دولية لمواجهة ازدراء الأديان صداها، إلا إذا قدمت النموذج وبدأت بنفسك، لا أحد فى العالم سيمنع رئيس الجمهورية أن يصدر تشريعا لمكافحة ازدراء الأديان يطبق فى مصر على كل مواطن مصرى مسلم أو مسيحى بعدالة عمياء لا تقبل التمييز.

معنى أن يصدر هذا التشريع ويجرى تفعيله أنك ستمنع أى قس موتور أن ينال من الإسلام فى فضائية مسيحية، كما ستمنع بالتوازى فضائيات إسلامية من الخوض فى تفاصيل عقائد الآخرين وإهانتهم، ستمنع آلاف المنابر التى تلعن اليهود والنصارى كل يوم جمعة، ستمنع التعميم، وستكافح من يخرج فى وسيلة إعلام أو على منبر وميكروفون يسمعه الكافة ليقول إن «اليهود لا عهد لهم»، وهو أمر أنت تعرف أنه غير حقيقى على إطلاقه، فلا توجد نقيصة يمكن أن تعمم على أصحاب ديانة بأكملهم، حتى القرآن حين تحدث عن نقض العهود كان حديثه له مناسبة ولا يحمل تعميما: «وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم»، ولا يليق أن تأخذ الكل بجريرة فريق منهم، فلا اليهود ناقضو عهود لأنهم يهود، لأنك تعرف مسلمين كثر ينقضون عهودهم، ولا المسيحيين منحلين أخلاقيا لأنهم مسيحيين، لأنك تعلم تماما كل الحقائق التى قد تجرحك، ولا المسلمون إرهابيون لأنهم مسلمون، لأنك تدرك أن الإرهاب يكاد يكون عاملا مشتركا.

كلنا مؤمنون وكفار فى الوقت نفسه، كل مسلم هو كافر بالأسس العقيدية لدى الآخرين، والعكس، لكن ليس معنى ذلك أن ينشغل كل منا بما يعتقد أنه نقائص فى عقائد الآخرين على حساب انشغاله بإيمانه.

لن تستطيع أن تمنع مقارنات الأديان، ولا أن يشرح شيخ لتلاميذه الموقف الدينى من العقيدة المسيحية، ولا أن يشرع قس لأتباعه رؤيته النقدية للإسلام، لكن لتلك الأشياء محافلها الخاصة، أما أن تتحول إلى خطاب إعلامى عام يناقش جهارا نهارا، ويجرح الآخرين فهذا الذى يستحق الوقوف أمامه لأن النار بدأت من هنا.

تعالوا نبدأ بأنفسنا، ونقدم للعالم نموذجا لما نريده أن يكون عليه، أما أن نطالب بتشريع دولى لتجريم ازدراء الأديان فقط، فسنكون أول من يحاكمه ويجرمه هذا التشريع.. أو هكذا أعتقد..!


تعالوا نبدأ بأنفسنا


هل أنت ضد ازدراء الأديان ومقدساتها ومعتقدات أصحابها عموما؟ أم أنك ضد ازدراء دينك ومقدساتك ومعتقداتك فقط؟

هل أنت ضد العنصرية القائمة على الهوية الدينية ترفض أى تمييز على أساس دينى أو أى تعميم للنقائص على أتباع الأديان، أم أنك فقط ضد التمييز ضدك وضد دينك وضد لصق النقائص بعقيدتك؟

هل تطالب بقواعد قانونية لمواجهة ازدراء الأديان كل الأديان، ومعاقبة كل من يمس عقائد الآخرين ويرميها بالفساد بشكل علنى، أم أن مفهومك عن هذه القواعد والقوانين والتشريعات يقتصر فقط على حماية دينك ومقدساتك؟

هذه أسئلة جوهرية حاول أن تجيب عليها فى معرض غضبك على الإساءات ضد الإسلام ورسوله، لا تفكر فى إجابات سابقة التجهيز فى معلبات المجاملات، ولا فى شعارات محفوظة وتتردد فى كل مناسبة أو أزمة، لا أريدك أن تجيبنى تحديدا فقط أريدك أن تجيب نفسك، أن تنقل لها حقيقة مشاعرك فى هذا الملف، وحقيقة موقفك وقناعاتك، وأرجوك كن صادقا ولا تخدع نفسك.

لن تستطيع أن تقنع العالم أنك غاضب لمقدساتك وعقيدتك، إلا إذا قدمت له النموذج أنك تحافظ على مقدسات وعقائد الآخرين، كما تطلب من الآخرين ذات الفعل، لن تجد دعوات إصدار تشريعات دولية لمواجهة ازدراء الأديان صداها، إلا إذا قدمت النموذج وبدأت بنفسك، لا أحد فى العالم سيمنع رئيس الجمهورية أن يصدر تشريعا لمكافحة ازدراء الأديان يطبق فى مصر على كل مواطن مصرى مسلم أو مسيحى بعدالة عمياء لا تقبل التمييز.

معنى أن يصدر هذا التشريع ويجرى تفعيله أنك ستمنع أى قس موتور أن ينال من الإسلام فى فضائية مسيحية، كما ستمنع بالتوازى فضائيات إسلامية من الخوض فى تفاصيل عقائد الآخرين وإهانتهم، ستمنع آلاف المنابر التى تلعن اليهود والنصارى كل يوم جمعة، ستمنع التعميم، وستكافح من يخرج فى وسيلة إعلام أو على منبر وميكروفون يسمعه الكافة ليقول إن «اليهود لا عهد لهم»، وهو أمر أنت تعرف أنه غير حقيقى على إطلاقه، فلا توجد نقيصة يمكن أن تعمم على أصحاب ديانة بأكملهم، حتى القرآن حين تحدث عن نقض العهود كان حديثه له مناسبة ولا يحمل تعميما: «وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم»، ولا يليق أن تأخذ الكل بجريرة فريق منهم، فلا اليهود ناقضو عهود لأنهم يهود، لأنك تعرف مسلمين كثر ينقضون عهودهم، ولا المسيحيين منحلين أخلاقيا لأنهم مسيحيين، لأنك تعلم تماما كل الحقائق التى قد تجرحك، ولا المسلمون إرهابيون لأنهم مسلمون، لأنك تدرك أن الإرهاب يكاد يكون عاملا مشتركا.

كلنا مؤمنون وكفار فى الوقت نفسه، كل مسلم هو كافر بالأسس العقيدية لدى الآخرين، والعكس، لكن ليس معنى ذلك أن ينشغل كل منا بما يعتقد أنه نقائص فى عقائد الآخرين على حساب انشغاله بإيمانه.

لن تستطيع أن تمنع مقارنات الأديان، ولا أن يشرح شيخ لتلاميذه الموقف الدينى من العقيدة المسيحية، ولا أن يشرع قس لأتباعه رؤيته النقدية للإسلام، لكن لتلك الأشياء محافلها الخاصة، أما أن تتحول إلى خطاب إعلامى عام يناقش جهارا نهارا، ويجرح الآخرين فهذا الذى يستحق الوقوف أمامه لأن النار بدأت من هنا.

تعالوا نبدأ بأنفسنا، ونقدم للعالم نموذجا لما نريده أن يكون عليه، أما أن نطالب بتشريع دولى لتجريم ازدراء الأديان فقط، فسنكون أول من يحاكمه ويجرمه هذا التشريع.. أو هكذا أعتقد..!

الجمعة، 14 سبتمبر 2012

خسرنا المعركة


إذا كنت لم تدرك أنه فى اللحظة التى أعلن فيه مقتل السفير الأمريكى فى ليبيا، أننا خسرنا معركة الفيلم المسىء، فأنت مازلت تدفع بالأمور إلى مزيد من الخسائر الفادحة التى لن تتوقف عند إساءة مجموعة محدودة جدا، لكنها ستمتد إلى النيل من الإسلام كدين، وربما ترسيخ صورة ذهنية عنه للأسف الشديد قد تتوافق مع بعض ما جاء فى الفيلم.

عندما يعرف مواطن أمريكى أن هناك فيلما يثير الجدل بسبب صرخات غضبك وليس دعاية المنتجين، فسيكفيه دافع الفضول ليشاهد الفيلم.

تخيل الآن أن مواطنا أمريكيا محايدا، لا يملك معلومات كافية عن الإسلام شاهد الفيلم تحت تأثير الضجة التى كنت بطلها ومروجها، وعلى الشاشة التى أمامه شاهد من يزعم أن هذا الدين يحرض على العنف ويستهين بأرواح الأبرياء، ثم طالع محطة إخبارية وشاهد مشهدا مأساويا لعملية مقتل السفير الأمريكى، أى ربط يمكن أن يصل لعقله؟

الآن انتهت المسألة تماما، تحولت من فيلم هابط ومسف وفاشل حتى على المستوى التقنى والإنتاجى، وساذج فى حواره وفى أداء ممثليه، إلى العنف الذى انتجته والقتل الذى تورطت فيه، وكما حملت كل المسيحيين فى العالم مسئولية الفيلم، لم يعد ما يقال عن مقتل السفير الأمريكى إن مجموعة محدودة ومتطرفة قتلته، بل قتله المسلمون.

أنت تعرف أن السفير الأمريكى فى ليبيا ليس مسئولا عن الفيلم، لم يموله أو يشارك فى التمثيل فيه، أو يقدم له أى شكل من أشكال الدعم، وربما كنت تدين عملية قتله وتراه بالفعل ضحية لا ذنب لها إطلاقا، لكن سبق السيف العذل، أنت ومن قتل السفير سواء الآن أمام الرأى العام الغربى، مثلما جعلت أنت من قبل كل المسيحيين موريس صادق، وكل الأمريكان تيرى جونز.

كان لابد أن تغضب لا أجادلك فى ذلك.. لكن كيف تغضب وكيف تستثمر غضبك لتنتصر لقضيتك، غضبك دفع بك للاحتجاج أمام السفارات، للتورط فى قتل وإيذاء الأبرياء، للهجوم والتحرش على المسيحيين لمجرد أنهم مسيحيين، لكن غضب المسلمين فى بريطانيا دفعهم للتكاتف لإنتاج وتوزيع نسخ مترجمة من القرآن الكريم، هؤلاء يستغلون ما يثيره الفيلم من جدل ومن رغبة فى المعرفة ليقولوا للناس، إذا كنت شاهدت او سمعت ما يقال عن نبى الإسلام فلماذا لا تجرب أن تقرأ ما جاء به هذا النبى، وهم هناك لا يخشون من القراءة، ولا يعتبرون أن فتح كتب الآخرين المقدسة إثم ومعصية.

مازلت مقتنعا أن الفرصة مواتية لتحفيز العقول واستثمار الغضب، فى أزمة حرق المصحف قبل عامين قلت لصديق أمريكى مسلم كان جاره يستعد للمشاركة فى هذه الفعالية الشاذة: فقط قل له أنك وأنت تحرق المصحف تحرق عشرات الآيات التى تقول: «وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدى وَنُورٌ وَمُصَدِّقا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدى وَمَوْعِظَة لِّلْمُتَّقِينَ»، وعشرات الآيات الأخرى التى تمجد المسيح والعذراء مريم عليهما السلام، وهذا الحديث حرم دعاة حرق المصحف من أحد أنصارهم.

نحتاج للغضب دون حماقة لنربح المعركة لا أن نخسرها ومن الجولة الأولى..  والفارق كبير بين الغضب والحماقة.  

الخميس، 13 سبتمبر 2012

بين الغضب والحماقة


فى شتاء عام 2009 كنت فى اسطنبول فى وقت تصاعد فيه الاستهلاك العربى للدراما التركية، وفى مقر التليفزيون التركى سألت عدداً من الإعلاميين الاتراك عن «مهند ونور»، فلم يتعرف عليهما سوى من يجيدون العربية منهم، وقالوا انهم سمعوا عنهما لأول مرة من أصدقائهم العرب أو من خلال مطالعتهم للصحف العربية، كان ذلك فى وقت لو سار فيه مهند أو نور فى شوارع القاهرة لتزاحم عليه أو عليها الناس اكثر مما يتزاحمون فى الموالد.

وقبل سبتمبر ٢٠١٠ كان القس الأمريكى تيرى جونز يخدم فى كنيسة صغيرة ببلدة نائية، وحتى عامين مضيا لم يزد اجمالى من يترددون على كنيسته على ٥٠ شخصا على افضل تقدير، وما كان يمكن أن تجد لاسمه نتيجة واحدة على محرك البحث، لكن الرجل أطلق دعوة لحرق المصحف لم يسمع عنها جيرانه إلا بعد أن شاهدوا صداها فى شاشات الأخبار عبر مظاهرات العرب والمسلمين ضده فى أغلب الأقطار الاسلامية، وصار اسمه مصحوبا بآلاف النتائج على محركات البحث من بعدها.

وفى واقعة الفيلم المسىء للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، يثير الدهشة أنك تجد حتى لحظة كتابة هذه السطور، أغلب مظاهر الاحتجاج فى مصر وبعض التحركات التالية لذلك فى ليبيا واليمن، هل المسلمون العرب اكثر حباً وغيرة على الرسول من غيرهم من المسلمين فى العالم، ام أن للأمر بعدا سياسيا يمنح الغضب خصوصية مصرية مع مشاركة بعض أقباط المهجر فى صناعة الفيلم. والخصومة السياسية بين هؤلاء المتطرفين وكل أطياف المجتمع المصرى بما فيهم المسيحيون؟

لماذا لم تقتحم السفارات الأمريكية فى إسلام آباد ونيودلهى وأنقرة، السؤال الأهم: لماذا لم يغضب ملايين المسلمين الأمريكيين؟ وهذا السؤال تحديدا نقلته للصديق اصف على، وهو ناشط امريكى مسلم من اصل باكستانى، يعمل فى مجال الدفاع عن حقوق المسلمين فى أمريكا، فكانت المفاجأة فى رده، أنهم فى نيويورك عرفوا بأمر الفيلم من أخبار الاحتجاجات فى القاهرة، لكنه أضاف أن المسلمين الأمريكيين يدركون ماهية المنظومة القانونية هناك وحمايتها لحرية التعبير أيا كانت حتى إن كنائس وجمعيات مسيحية عجزت كذلك عن منع افلام تسىء للمسيح عليه السلام، الأزمة كما يقول ناصف أن الغضب فى الشوارع المصرية ونقله عبر الاخبار للمواطن الأمريكى يمثل دعاية مجانية تزيد من انتشار الفيلم الذى كان سيفقد اكثر من 98% من عدد مشاهديه لولا هذا الغضب غير العاقل.

لكن ناصف يشير الى وجه إيجابى فى المسألة، فالفيلم حتى بإساءاته سيدفع نصف مشاهديه على الاقل الى البحث عن مزيد من المعلومات حول الاسلام ورسوله وهذه دراسة علمية مجربة فى أزمات أبراج سبتمبر، ومسجد جراندو، وحرق المصحف، وهنا يكون دور المسلمين الحقيقيين فى استثمار ما تولده هذه الأزمات من شغف بالمعرفة لتوفير المعلومات الصحيحة والرد على التساؤلات المشروعة.

الفارق جد كبير بين الغضب والحماقة، لأن الغضب يمكن استثماره لتحويل آثار أى أزمة الى فوائد، أما الحماقة فلا أثر لها سوى أن يستمر المزيد من التافهين والمغمورين فى «أكل العيش على قفانا» والانتقال من كهوف العدم الى آفاق الشهرة والتأثير.

الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

عيد مصر والمصريين


حين بدأت الحياة على ضفتى نهر مصر، انشغل المصريون بالروح، وبحثوا عن الأديان، وحاولوا الإجابة عن أسئلة كثيرة حول الكون وخلقه، والحياة بعد الموت، والخير والشر والحساب.

آمن المصريون منذ فجر التاريخ بحتمية وجود آلهة لهذا الكون، تعبدوا وأقاموا المعابد، وتوصلوا لفكرة التوحيد، ورسموا على معابدهم صورا للحساب والبعث، وعندما وصلتهم الأديان السماوية كان ما تدعو إليه تلك الدعوات الإلهية يستقيم مع فطرتهم وتكوينهم الروحى والعقلى، لذلك احتضنوا هذه الأديان بفهمهم وإيمانهم وأرواحهم أيضا.

وعندما اعتنق المصريون المسيحية، مؤمنين بأنها رسالة من عند الله جاءت متوافقة إلى حد كبير مع فطرتهم التى تقدس الآلهة وتنزع إلى التوحيد، وتؤمن بالحياة الأبدية بعد الموت، أخلصوا لها ودافعوا عن إيمانهم بكل عزيز وغال، وتعرضوا لصنوف قاسية ومرعبة من العذاب على أيدى الرومان للتراجع عن إيمانهم والكفر برسالة الله، لكن كل المذابح التى تعرض لها المصريون، والفاتورة التى سددوها من أرواحهم، لم تزحزحهم عن إيمانهم بعقيدتهم.

لهذا كانت الفترة منذ دخول المسيحية مصر عام 63م حتى اعتناق الإمبراطور الرومانى قسطنطين للمسيحية عام 323م، والمسيحيون فى مصر يعانون ابتلاء ومحنة طويلة، وتكاد تكون متصلة تتصاعد وتيرتها وتخفت لكنها لا تتوقف عن التنكيل بالمؤمنين.

لكن فترة حكم الإمبراطور ديوقلديانوس، التى استمرت من عام 284م وحتى عام 305م، كانت أقسى سنوات المحنة والابتلاء والاضطهاد، قدم خلالها المصريون ما يقرب من مليون شهيد دفاعا عن عقيدتهم أمام جبروت إمبراطور وثنى متعطش للدماء ومدفوع بخرافات وثنية، فأصدر منشورات بهدم الكنائس وحرق الكتب المقدسة، وسجن رؤساء الكنائس وتعذيبهم بقصد إجبارهم على ترك الإيمان، ومحاولة إرغام جميع المصريين فى المدن والقرى فى أنحاء الإمبراطورية على التبخير والتضحية للآلهة الرومانية الوثنية.

واستمرت هذه المحنة حتى اعتزل ديوقلديانوس بعد أن مسه الجنون، حسب الروايات التاريخية، وبدأ عهد قسطنطين بالتسامح مع المسيحيين حتى اعتنق المسيحية وصارت ديانة الإمبراطورية.

ومنذ ذلك التاريخ يعتبر المصريون عام تولى ديوقلديانوس الحكم هو بداية التقويم القبطى، ويحتفلون منذ ذلك التاريخ برأس السنة القبطية التى يفتتحها «عام الشهداء»، وهو العام الأول لتقويم الشهداء، وظل التقويم المصرى للشهداء هو التقويم الرسمى المعمول به فى المصالح الحكومية حتى أواخر عهد الخديو إسماعيل عام ١٨٧٥م، حيث أمر الخديو باستعمال التقويم الإفرنجى بناء على رغبة الأجانب.

أما توت أول شهور السنة القبطية فمشتق من الإله تحوت إله المعرفة، وهو حكيم مصرى عاش أيام الفرعون مينا الأول، وهو مخترع الكتابة ومقسم الزمن، وطوال قرون احتفظ المصريون بمواقيت وشهور سنواتهم التى يعتمد الفلاح عليها فى الزراعة حتى الآن، ومنذ ذلك التاريخ وحتى أمس، حين احتفل الأقباط بعيد الشهداء «رأس السنة القبطية»، والمصريون يحتفلون بهذا العيد.

هذا جزء من تاريخ مصر والمصريين جميعا.. والشهداء الذين سقطوا قبل قرون شهداؤنا جميعا، وهذا العيد عيد لكل الوطن وليس للمسيحيين فقط.. وذكراه لابد أن تكون مصدر فخر لكل مصرى، هو أقدم عيد لأقدم أمة تحتضن رسالة التوحيد منذ بدايتها.. ويمنحها تنوعها وحلقات تاريخها قوة فى خدمة جوهر رسالتها.. بالأمس كان عيد «رأس السنة القبطية».. دخلنا العام 6254.. كم نحن أمة قديمة وعريقة.. كل عام ونحن جميعا بخير.  

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

مواطنون غير دستوريين


هل يمكن أن تقبل دستورا لا ينص على المساواة الكاملة بين كل المواطنين دون تمييز.. كل الدساتير المصرية والعالمية يكاد يكون فيها نص ثابت يقول «إن المواطنين سواء ولا يجوز التمييز بينهم بسبب جنس أو نوع أو عرق أو لون أو عقيدة».

 لا أحد فى حدود علمى داخل الجمعية التأسيسية مختلف مع ذلك، أو يحاول مثلا أن ينص الدستور الجديد على أن «المواطنين درجات وتصنيفات ويجوز التمييز بينهم والتفضيل بسسب العقيدة ثم النوع ثم العرق».

يؤمن إذن أعضاء الجمعية التأسيسية بمبدأ المساواة، يرون المصريين سواء ويصرون على مكافحة التمييز، لا أشك فى ذلك وفق ما يخرج من الجمعية من تصريحات وما أشاهده من جلساتها تليفزيونيا، وما أسمعه شخصيا من أصدقاء أعزاء ومحترمين أعضاء فى لجنة كتابة الدستور.

كذلك يؤمن أعضاء الجمعية جميعهم بمبدأ «حرية العقيدة»، هذا أيضا من المؤكد، ومن المؤكد أن الدستور الجديد سينص بوضوح على أسس المساواة وحرية العقيدة، لا أحد ضد ذلك حتى أولئك الذين تتصور أنهم «غلاة الإسلاميين» المتواجدين فى صفوف الجمعية، فهم فى النهاية لديهم نصوص حاكمة قرآنيا، وتراث إسلامى زاخر بالمساواة وحماية حرية الاعتقاد حتى إن الدولة الإسلامية فى جميع عصورها ازدهرت واستمرت ونشرت دعوتها، فيما يعيش بين مواطنيها مسيحيين ويهود ومجوس ولا دينيين وصابئة وحنفيين وأصحاب عقائد شاذة، يتعبدون فى هدوء ويترقون فى أعمالهم ويعيشون فى أمان.

لكن الأصل فى الدستور أن يعبر عن المجتمع بكل تفاصيله أو أغلبها على أقل تقدير، لا يستطيع دستور أن يعتبر عرقا معينا هو أصل الدولة ويتجاهل باقى الأعراق، ولا أن ينص على عقيدة معينة ويتجاهل الأخرى، من حق الدساتير أن تشير إلى عقيدة أغلبية سكانها، وأن تتخذ من هذه العقيدة أساسا لتشريعاتها فى كثير من مناحى الحياة باعتبار أن ثقافة الأغلبية هى المكون الرئيسى لثقافة المجتمع، لكن ذلك فى حالة النص على «المساواة بين جميع المواطنين» لا يستقيم دون الإشارة للآخرين بتقدير مواز وحماية واضحة، وتلك أيضا تكاد تكون من المبادئ المستقر عليها داخل الجمعية.

لكن الأعضاء يذهبون إلى الاعتراف فقط بالأديان السماوية الثلاثة ومن داخل الإسلام مذهب أهل السنة والجماعة، دون إشارة إلى واقع واضح وغير منكر أن بيننا من يدين بالإسلام على مذاهب الشيعة، أو من يدين بالبهائية.

الجمعية التى تضع الدستور ليست محفلا أكاديميا لمقارنة الأديان، وليس من مهمتها أن تبين رقى هذه العقيدة وفساد الأخرى، لكن مهمتها أن تعكس التنوع فى المجتمع حتى لو كان ضئيلا وهامشيا، لذلك عليها أن تواجه نفسها بسؤال واحد: هل يوجد مواطنون مصريون شيعة؟ وهل يوجد مواطنون مصريون بهائيون؟ السؤال فقط عن الوجود.. وإذا كان السؤال يجرحك يمكن أن تقوله بصيغة أخرى: هل يوجد ــ والعياذ بالله ــ مواطنون مصريون شيعة وبهائيون؟ لن تستطيع أن تجيب بالنفى، وإذا كنت لا تنفى، فقد انطبقت عليهم كمواطنين حقوق المساواة وعدم التمييز وحقوق حرية العقيدة، فإذا كانت الجمعية التى تضع دستور المصريين ترفض الاستماع لجزء من المصريين احتقارا لعقائدهم أو إحساسا بضآلتهم، فهل يعنى ذلك أن الدستور الجديد سيحكم على مواطنة عدد من المصريين بعدم الدستورية؟

هذا وطن المصريين كل المصريين أو هكذا نرجوه.. «اعدلوا هو أقرب للتقوى»..!

الأحد، 9 سبتمبر 2012

كأن شيئًا لم يمت


عندما تغيب الدولة تصبح الفوضى بديهية وأحيانا مبررة، وعندما يعجز القانون يصبح العنف احتمالا واردا وربما وحيدا.

أمام كل هدف مشروع آليات مشروعة أيضا تسمح بالنضال خلفه والسعى وراءه، لكن عندما تنسد كل المنافذ المشروعة، وتتعطل كل الآليات النظامية لا يكون اللجوء إلى الاستثناء استثناء، ويصبح الاستثناء ظاهرة، وتجد من يملك من الجرأة والمنطق ليدافع عن عنف أو فوضى.

عندما سد مبارك كل المنافذ الشرعية للتغيير والإصلاح، بقى الصندوق حلما مشروعا.. وكانت الانتخابات البرلمانية فى ٢٠١٠ أملا جديدا، لكن نظام مبارك أهدر فرصته الأخيرة. جاءت الانتخابات هزلية بالشكل الذى دفع كل أولئك الذين راهنوا على إصلاح النظام من الداخل إلى اليأس أو الاعتقاد بأن حراكا قادما قد يتحلى بقدر كبير من العنف ولن يستطيع أحد أن يدينه، وقتها لم يكن هناك مفر لطلب الإصلاح والتغيير من الشارع بعد أن انسدت كل البدائل الآمنة.

 لكن التغيير الذى جاء من الشارع كان أقل كلفة، تحرك سلمى وفاتورة رغم فداحة ما تحتويه من أعداد شهداء إلا أنها تبقى أقل من حدود التوقعات.. حتى هذه اللحظة وتحت تأثير مشروعية الحركة بعد انسداد باقى المنافذ لم يصمد من قال إن من هاجموا الأقسام، وحرقوا مقر الحزب الوطنى بلطجية.. فى ظرف عادى كان يمكن أن تتضامن مع قول كذلك. لكن فى لحظة ثورة تستمد مشروعيتها من أخطاء نظام سد كل آلافاق الهادئة لبلوغ الحقوق صار من يمسك الشعلة لحرق الحزب الوطنى ثوريا بامتياز.

فى ضوء ما سبق كله أرجو أن تفهم واقعة اقتحام الجماهير لمقر اتحاد كرة القدم. لا يمكن أن تزايد على ثورية ونبل الألتراس ودورهم الوطنى فى مرحلة حرجة الأرجح أنهم دفعوا ثمن هذا الدور من أرواح رفاقهم.. لوهلة من حقك أن تصف اقتحامهم لمقر الاتحاد بالبلطجة، لكن تعال لننظر لمحفزات هذا الهجوم.

أمامك مجموعة من الشباب فقدوا زملائهم فى مباراة كرة قدم، وليس فى ساحة حرب، ٧٤ شهيدا غير المصابين وأولئك الذين مازال هول الاحداث يطغى على نفسيتهم.

والدولة أمام هؤلاء الشباب هى القضاء الذى ينظر القضية بتباطؤ شديد انتهى إلى وقف أعمال المحاكمة بسبب رد هيئة المحكمة.. واتحاد الكرة الذى عجز طوال أشهر على اتخاذ قرارات حاسمة لمواجهة الكارثة أو تخفيف آثارها النفسية على الأقل.

فى كثير من بلاد العالم يموت مشجعو الكرة نعم، لكن لم يمت ٧٤ مشجعا مع سبق الإصرار والترصد كأولئك الذين ماتوا فى بورسعيد.. كما أن أى كارثة جماهيرية فى أى ملعب  فى العالم كانت تواجه فى اليوم التالى مباشرة بإجراءات وعقوبات.

الآن من المؤكد أن لهؤلاء الشباب حق يريدونه، وهناك من يحاول كنظام مبارك أن يسد أمامهم كل المنافذ الشرعية لبلوغه والنضال خلفه، والأكثر مرارة أن هناك من يطبق نظرية «خليهم يتسلوا» لينتصر للمصالح المادية فى بيزنس كرة القدم ويصر على أن تعود الملاعب، كما كانت بلاعبيها وجماهيرها وإعلاناتها، وكأن شيئا لم يمت.. قطعا استمرار الكرة مثل سنة الحياة، لكن أن يأتى كل ذلك دون أن تقدم لهؤلاء الغاضبين للحق شيئا يقربهم من حقهم أو على الأقل يشعر هم أنهم فى دولة تقدر حجم الكارثة، فهذا لا يعنى سوى أمر من اثنين.. إما أن تكون الملاعب عرضة لتكرار هذه المأساة، ومن عجز عن التصدى للأولى سيعجز بالتأكيد على التصدى للثانية، وهو ما يفتح أبواب الثأر مشرعة على مصراعيها، أو يدفع الألتراس إلى الإيمان أن لا مفر من الشارع، وقتها سينال اتحاد الكرة مصير الحزب الوطنى ونظامه، وستصل الثورة إلى حدود الجبلاية.

للألتراس حق.. فليشر عاقل لهم إلى طريق مشروع لبلوغ هذا الحق.. أو فلا تلومن إلا أنفسكم لو سددتم كل المنافذ، ولم تتركوا أمامهم إلا خيارا وحيدا فقط لا غير..!

السبت، 8 سبتمبر 2012

فى البدء تموت الكتب


الكتب ممزقة على الأرض.. حتى أولئك الذين يعتقدون أن معهم الحق، لا يعرفون الفارق بين إزالة «عربة فول» وكشك كتب، فى ما يفعلونه مع الاثنين ظلم وإثم كبير لو يعلمون، لا يمكن أن تشاهد جيوش الإزالة وهى تتعمد ألا تزيل شيئا بقدر ما تعطله، فتكسر لمتجول بائس عربة بضاعته وتتركها تشغل ذات الحيز الذى كانت تشغله على الرصيف، وتفرط بضاعة آخر على الأرض، وتمزق الكتب تاركة وراءها جبل قمامة، إلا ويصلك ذات الإحساس بأن الدولة وهى تحاول استعادة هيبتها، لا تحاول إلا مع الفقراء وبمزيد من الإمعان فى الإهانة والإذلال والإيذاء، لا فرق بين دولة مبارك وغيره، ثقافة الدولة واحدة لا تكترث بالمواطن، خاصة لو كان فقيرا، ولا تكترث بثروات الفقراء على ضآلتها ومحدوديتها، خاصة إذا كانت كتب.

الدولة المستبدة تتحرك بذهنية تحتقر الكتب، لذلك خلقت منابر لاختيار ما تشاء من عناوين وحجب ما لا ترغب، تعرف أن بقاءها مرهون ببقاء الجهل، والجهل ليس فقط فى عدم القدرة على فك الخط قراءة أو كتابة، لكن الجهل فى غياب القدرة على التفكير، وتنمية هذه القدرة، لأن المواطن الذى يفكر سيرفض بالضرورة أى استبداد، وقد خرجنا من ميراث استبداد طويل، ما زالت ثقافته مسيطرة على ماكينات الدولة ومفاصلها الأساسية، مسيطرة على انحيازاتها وأنماط أدائها ونظرتها الثابتة للأشياء، هناك أمل فى عبور هذه الثقافة ونسفها، لكن صناع الفراعين مازالوا يقاومون.

يعرف محافظ الإسكندرية الجديد على ما يبدو كل هذا التراث، لكن المؤكد أنه يعرف أن المحافظة التى ترأس جهازها التنفيذى بقرار دون انتخاب، هى المحافظة التى حطمت الأرقام القياسية فى مخالفات المبانى، وفى انهيارات العقارات، ووسط ذلك لديها إلى جانب بحرها تراثها المميز وشوارعها التى باتت جزءا من هذا التراث والشخصية الثقافية لعروس البحر المنفتحة المتنورة، فى قلب هذا التراث أكشاك الكتب فى شارع «النبى دانيال»، إذا كنت لم ترها مرة فقد فاتك كثير من متعة المشاهدة والمطالعة والشراء كذلك، بقيت هذه الأكشاك منحازة للفقراء كسور الأزبكية، تبيع المعرفة بسعر التكلفة.

توفر الكتب للباحثين والمبدعين والراغبين فى بناء عقولهم بأسعار زهيدة، حتى جاء للإسكندرية محافظ يعرف مشكلات المدينة، كما قدمه من رشحوه، يعرف أن العقارات تنهار، والخدمات تتداعى، وشبكات المياه والصرف الصحى تتآكل، وكثافات المدارس ترتفع، والانفلات الأمنى يتزايد، والكساد يدب، والبطالة تتوحش، وهو، ولأنه رجل يمثل الدولة وثقافتها وانحيازاتها ونظرتها للأشياء بامتياز، فقد بدأ عملية الإصلاح بالكتب، حطم رجاله الأكشاك ومزقوا الكتب وبعثروها على الأرض، كانت الكتب تلوث مشهد الرؤية أمامه، تحجب عنه مشهد العقارات الآيلة للسقوط فى الشوارع المجاورة، وتمنعه من تنسم روائح الصرف الصحى الطافح من خلف المشهد، الرجل يحمل رؤية إصلاحية يهدف بها إلى تحقيق نهضة وطفرة غير مسبوقة فى المدينة، والنهضة كما تعرفون تبدأ بإعدام الكتب، ومعاقبة من يمتهنون بيعها رخيصة سهلة،
 ليس من حق الفقراء فى الإسكندرية أن يقرأون، يكفيهم الموت تحت أنقاض العمارات المنهارة.. موتهم لا يزعج أحدا، لكن مشهدهم وهم يقرأون يعرقل النهضة والإصلاح والطفرات الحضارية.

الخميس، 6 سبتمبر 2012

الحق حق


هل نحن شعوب تحب الحق لأنه حق؟

الفارق كبير قطعا بين الحق وما يبدو حقا، وبين الحق فى كماله واكتماله ونصف الحق أو بعضه، والأخلاق هى عنوان الحق وإطاره، لكن هذا الحق يصبح مسخا حين ينطلق من مواقف سياسية أو منصات طائفية، ليتحدث عما هو صواب ليس من أجل الصواب فى ذاته لكن من أجل المصالح السياسة والطائفية.

لذلك ومن المبتدأ، لا تصدق سياسيا يقول لك انه يتبنى موقفا أخلاقيا من أمر ما، ويحاول أن يخدعك بالقول إن مواقفه تحركها معايير أخلاقية بحتة، ربما تجده يدافع عن قضية عادلة تستحق الدفاع، لكن ذلك يجب ألا يمنعك من الاستقصاء عما وراء هذا الالتزام الأخلاقى من مصالح، وعما فى داخل هذه الصورة من زوايا مهملة استجابة لهذه المصالح.

الإنسان إنسان فى أى مكان، يجب ألا يمنعك جنسه أو دينه أو عرقه أو حتى مواقفه السياسية من التضامن معه حين يبحث عن حقه وحريته ويتعرض لظلم بسبب سعيه خلف الحق والعدل والمساواة والحرية.

لذلك ربما أكرر عليك سؤالا قد تكون سمعته من قبل: هل أنت صاحب موقف أخلاقى من إسرائيل أم موقف سياسى؟ هل تضامنك مع الشعب الفلسطينى فى مأساته والجرائم التى ترتكب ضده يوميا تنطلق من التزامات أخلاقية وقيمية وإنسانية، أم بسب روابط سياسية ودينية وقومية؟، السؤال الأهم: هل رفضك للجرائم الإسرائيلية كان سيكون ذات الرفض بذات القوة والحجة والحماسة، لو كان ضحايا هذه الجرائم شعبا آخر ليس عربيا ولا مسلما ولا جارا ولا فى المنطقة كلها؟ هل لو قامت دولة إسرائيل فى هولندا أو أوغندا أو الأرجنتين كنت سترى الجرائم التى ترتكب ضد هذه الشعوب بذات النظرة؟.

هل تعتقد أن الموقف الأمريكى والخليجى والمصرى من النظام السورى موقفا أخلاقيا فحسب لنصرة شعب مظلوم يبحث عن حريته، هناك أكراد فى العراق وتركيا وإيران يبحثون عن حريتهم ولا يفوزون بذات المواقف الأخلاقية، وهناك شيعة فى البحرين يبحثون عن العدل والمساواة ولا يجدون أى تضامن أخلاقى.

أستطيع ببساطة وبجرأة أن أقول لك إنى ككاتب أتبنى موقفا أخلاقيا يفرض على أن أكون مناصرا للثورة السورية، وضد نظام بشار الأسد السفاح، لكن لأن المواقف الأخلاقية لا تتجزأ، فأنا مع الشعب السودانى الذى يحاول استعادة طريقه للحرية، ومع الشعب البحرينى الذى يبحث عن العدل والمساواة، ومع كل إنسان يتوق للعدل والكرامة والمساواة فى أى مكان فى العالم، لكن هل تصدق الرئيس مرسى حين يخبرك بأن موقفه من النظام السورى موقف أخلاقى؟

ربما يبدو كذلك بالفعل، لكنه موقف ناقص ومجتزأ يرى من يموت فى شوارع دمشق ولا يكترث بمن يموت فى شوارع المنامة، يرى من تكبل حريته فى حلب ولا يرى نظيره فى الخرطوم، يرفع شعارات أخلاقية لمواقف سياسية فى الأصل، والأكثر صعوبة أنها مواقف طائفية كذلك، تفسر الموت عرقيا وطائفيا، وتنتهى لنتيجة أن الحرية والعدل حق للمسلمين السنة وفقط، لكن غيرهم لا يستحق الحياة طالما أنه لا مصلحة من ورائهم.

السياسة الخارجية المصرية لم تكن يوما «أخلاقية» طوال الثلاثين عاما الماضية، وتتحرك الآن فى ذات الإطار الأمريكى الخليجى، مع إضافة بعد طائفى جديد على خطابها، إذا كنت لا تصدقنى أخبرنى إذن عن الفارق بين سفاح شيعى وسفاح سنى، بين سجين مسلم وسجين مسيحى، بين قتيل عربى وقتيل كردى، بين حاكم فى دمشق وحاكم فى المنامة.

الأربعاء، 5 سبتمبر 2012

خارج الدولة


يعتقد البعض أنك حين تطالب بتقنين أوضاع الجماعات وبوضع موازنات الهيئات والمؤسسات تحت عين المجتمع، أنك تريد السيطرة على هذه الموارد، وهو فهم قاصر تماماً، فالأمر لا يصادر حق الجماعات والهيئات فى تنمية مواردها طالما كان ذلك فى إطار قانونى واضح، وإنما يمتد لحق الرأى العام فى المعرفة والمعرفة فقط.

فى الآونة الأخيرة ثارت ضجة حول ثلاث مؤسسات تبدو خارج الدولة وخارج سياقها القانونى والرقابى، الأولى هى المؤسسة العسكرية وما يثور من جدل حول ميزانيتها وأنشتطها الاقتصادية وخضوع هذه الميزانية والأنشطة للرقابة المجتمعية سواء عبر البرلمان أو الأجهزة الرقابية والمحاسبية التى تتيح تقاريرها للرأى العام فى إطار حق تداول المعلومات الراسخ فى أى مجتمع يطمح أن يكون ديمقراطياً.

هذا مطلب رئيسى من مطالب الثورة، واختبار حقيقى للسلطة الجديدة التى جاءت بواجهة أنها خيار الثورة، ليس معنى ذلك أنك تريد إفقار الجيش، ولا حرمانه من موارد يضخها فى خطط تدريبه وتسليحه، أنت فقط تريد أن تعرف وتتأكد أن كل هذه الممارسات فى إطار القانون، وأن يحيطك إحدى بالشركات المملوكة للجيش، لتعرف إن كانت تحصل على أى مزايا تفضيلية فى التعامل مع الحكومة، وقانونية هذه المزايا وتأثيراتها على المنافسة فى الأسواق المختلفة، وأين تذهب العوائد من وراء هذه المشروعات.

الكنيسة كذلك لديها موازنة لا يعرف عنها المجتمع شيئاً، المؤكد أن هذه الأموال لا علاقة للدولة بها، تبرعات شعب الكنيسة وعشورهم، الدولة للأسف لا تساهم بمليم فى ترميم كنيسة أو بناء أخرى، وهذه قضية أخرى، لكن الأهم أن أحداً لا يطلب معرفة موازنة الكنيسة ليستولى عليها، لا أحد يمكن أن يسمح للدولة نفسها أن يكون لها نصيب من عشور أقباط هى لا تخدمهم عقائدياً كما تخدم المسلمين، واجب المجتمع أن يؤمن الكنيسة على أموالها، لكن حقه أن يعرف من أين تأتى هذه الأموال، وإلى أين تذهب، الإصلاحات والترميمات ومعيشة الكهنة والأساقفة والرهبان والنشاطات الاجتماعية والإعالات والدعم الصحى، كلها فى إطار مشروع لكن مشروعيتها تكتمل حين تكون تحت أعين المجتمع ومؤسساته، أيضاً هذه ضمانة للكنيسة نفسها أمام ما يثار حولها من دعم قوى أو سياسيين بعينهم، أو حتى توجيه بعض الأموال الكنسية فى اتجاهات سياسية.

جماعة الإخوان كذلك لغم كبير فى طريق الشفافية، الأخطر من ذلك أنها حالياً برئيس منتمٍ لها تمثل السلطة المنتخبة ديمقراطياً التى من واجبها أن تستعيد لك حقك فى المعرفة، وأن توفر لك المعلومات التى تطمئن بها، الحق فى المعرفة وحرية تداول المعلومات العمود الفقرى للديمقراطية، والجماعة كأى تجمع أهلى أموالها ــ المفترض ــ من مساهمات أعضائها، ونحن نريد المعرفة ولا نريد الأموال، لكن حقك أن تعرف حجم هذه الأموال ومصادرها وإلى أين تذهب، فإذا كانت جماعة دينية أو جمعية أهلية أو حتى مركز شباب فليس من حقها أن تمول باشتراكات أعضائها أنشطة سياسية، وإذا كانت غير ذلك فلتقل لنا، كذلك فى أموال هذه الجماعة شركات وأنشطة تجارية واقتصادية، من حقك أن تعرفها، ومن حقك أن تطمئن بعد أن صار للجماعة سلطة ونفوذ رسمياً ألا يحدث تضارب مصالح أو مزايا تفضيلية لشركات الجماعة التى لا نعرفها لدى الحكومة التى تدين بالولاء للجماعة.

عزيزى المواطن: حتى تمسك فى يديك تقارير الجهاز المركزى للمحاسبات عن المؤسسة الاقتصادية للجيش وعن الكنيسة وجماعة الإخوان، فلا تسمح لأحد أن يخدعك ويقنعك أنك أصبحت تعيش فى دولة ديمقراطية دستورية حديثة.

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

فى رثاء قائد كبير


رحل الجنرال الوحيد الذى يستحق التكريم والقلادات، غاب قائد حقيقى ملأ ذاكرتنا بتواريخ انتصاراته وانكساراته، أجهد حناجرنا فى الهتاف له، وأجهدها كذلك فى الهجوم عليه، كان اسمه عنوانا لافتا للأمل، كما ظل فى حين مرادفا للإحباط، كان «الجوهرى» حاضرا فى قلب المشهد فى وقت كان إنجاز كرة القدم هو الأمل، وطاقة كرة القدم هى المجال الوحيد المتاح للشعور بالحرية.

ظل الجوهرى حاكما ديمقراطيا لمملكة كرة القدم، يأتى بإرادة الجماهير ويرحل كذلك بإرادتهم، لم يكن لديه ترف الفرص الطويلة، الإنجاز يرفعه مباشرة على الأعناق، والإحباط يهبط به فورا أسفل الأرض، لكن حتى أولئك الذين يهبطون به، ويستبدلون التبريكات التى نثروها عليه فى زهو وسعادة باللعنات والسباب، لا ينسون الفضل بينهم، يعاقبونه بمحبة، وينادون بسقوطه دون أن ينسوا أنه الجنرال الذى ملأ صدورهم بنسائم السعادة من قبل.

لم يكن إنجازه فى الأرقام، بقدر ما كان فى التوقيت والزخم، فى إعادة هيكلة مفاصل صناعة كرة القدم وبنيتها الأساسية، كانت عظمته فى تأثيره، وفى قدرته أن يضع الخطط للصناعة وأن يطوع المناخ كله لخدمة هذه الخطط، تجربة سارت فى مصر خطوات للأمام وخطوات للخلف، لكنها تركت قدرا واسعا من الإنجاز، وثقافة حاضرة وحاكمة، وعددا هائلا من اللاعبين، أجيال وأجيال خرجت من أسفل عباءته إلى البساط الأخضر، بمواهبها ومشاكلها وهالاتها.

القادة فى مجتمعاتنا نادرون، لكن الجوهرى كان أحدهم، ليس الأمر مجرد مدرب ولعبة وجماهير، لكن الرجل كان نمطا مختلفا من الكرويين المحترفين الذين يمتلكون رؤية تخص الصناعة التى يعملون فيها، وهؤلاء فى غاية الندرة، ربما تجد لاعبا موهوبا أو مدربا كفئا، أو إداريا ناجحا، لكنك قلما تجد كل هذه العناصر مجتمعه لدى قائد يملك إلى جانب هذه المواهب رؤية استراتيجية ونظرة استشرافية لمستقبل صناعته، وقدرة على التعلم المستمر والتجريب المتواصل، كان نموذجا لا يخص الكرويين فحسب بقدر ما يخص كل مهنى لديه ولاء لمهنته.

كان الجوهرى رجلا لا يخاف من المبادرة.. كان يعلم أن المبادرة نصف النجاح إن لم تكن كله، ربما كان يغيظ جمهوره حين يشاهدونه يخالف المألوف والتقليدى، ينقل مدافع إلى موقع قلب الهجوم، ومهاجم إلى قلب الدفاع، يتحمل النقد والهجوم والسباب، لكنه فى النهاية ينفذ رؤيته، ويطوع الجميع لخدمة هذه الرؤية، يعرف تماما كأى حاكم ديمقراطى أنه يستمد شرعيته من الجماهير، لكنه يمارس مهامه بعد تفويضه بديكتاتورية تسمح له بتحقيق هذه الرؤية إلى حين.

هذا الجنرال فى الثياب المدنية، بعد رحلة فى الملاعب المصرية امتدت عقودا من الحلم والأمل والمبادرة والمناوئة والإنتصار والإنكسار، غادر إلى الأردن، وهناك لم يكن مدربا لفريق، بل كان رجل صناعة، شمر ساعديه ومد يديه فى كل المفاصل، أعاد إنتاج تجربته فى مصر بقليل من الصخب وقليل من التربص، ومزيد من الدعم، ثم غادر الحياة تاركا من يحكى فى الأردن عن النهضة التى كان عنوانها محمود الجوهرى

الاثنين، 3 سبتمبر 2012

«فيها فيل»


هل انتخبت محمد مرسى؟

إذن أنت واحد من ثلاثة، إما إنك عضو فى جماعة الإخوان ملتزم تنظيميا، بايعت المرشد وجماعته على السمع والطاعة، ولديك قناعات بمشروع الجماعة، فانحزت لاختيار التنظيم دون أن تشغل بالك بالشخص، لأنك تنتخب الفكرة والتنظيم القائم عليها بأى واجهة.

أو أنت لديك إيمان أو قناعة بالفكرة الأيديولوجية الأصولية، ربما أنت جزء من التيار الأصولى العريض، سلفى أو جهادى أو وسطى، أو حتى مواطن عادى استجاب للدعاية الدينية وبات منحازا للرجل الذى يقول إنه سيطبق «شرع الله».

أو أنت من أعضاء حزب «الليمون».. أولئك الذين كان هدفهم الرئيسى هو إسقاط أحمد شفيق كأولوية قصوى وليس إنجاح محمد مرسى، وهؤلاء قطاع عريض جدا بينهم ثوريون منتمون لتيارات مدنية مختلفة، ومواطنون عاديون ما كان لهم أن يقبلوا بعودة نظام مبارك من جديد، وكانت القناعة كاملة لديهم أن انتخاب أحمد شفيق يعنى عودة النظام السابق، ويعنى قطع الطريق على فكرة التغيير التى هى فى الأساس جوهر الثورة.

لا أحد إذن انتخب مرسى لأنه مؤمن بما كان يسمى «مشروع النهضة» فى الأساس لم تكن المعركة الانتخابية خاصة فى مرحلتها الأخيرة حين اقتصرت على مرسى وشفيق، لها علاقة بالبرامج الانتخابية، هكذا كانت تركيبة الناخبين الذين انتخبوا مرسى، وبالعكس كان الذين انتخبوا شفيق على شاكلتهم، بعض بقايا النظام القديم والمستفيدين منه وخلايا الحزب الوطنى الباقية، وكثير من الخائفين من الإخوان الذين ذهبوا وهدفهم الأساسى إسقاط مرسى وليس إنجاح شفيق.

ما كان يسمى إذن بمشروع النهضة لم يكن جزءا من التنافس الانتخابى، ولم يسهم فى تكوين قناعاتك لانتخاب هذا أو الإحجام عن ذاك، لذلك أنا استغرب صدمتك من تصريح نائب مرشد الإخوان خيرت الشاطر بأن المشروع «مجرد مقترح لا تملك الجماعة تصورا نهائيا وكاملا عنه»، هل صدمتك أن من يقول لك إنه لا يوجد مشروع للنهضة لكنها مجرد اقتراحات، هو الرجل الذى للمفارقة يطلقون عليه لقب «مهندس النهضة»؟ أم لأن أحدا غرر بك وأقنعك بوجود تصورات واضحة ومشروع متكامل للنهضة وعلى أساسه اخترت مرشحك للرئاسة؟ أنصحك ألا تخدع نفسك فلم يغرر بك أحد ولم تبن قراراتك الانتخابية إلا على جوانب شخصية وشكلية وكثير من الأمنيات فى النوايا الطيبة لمرشحك.

هناك من أقنعك أن «العلبة فيها فيل» فاقتنعت وتخيلت أن فى يده كل الحلول، وعندما اقتنعت استسلمت للذين ذهبوا بالمعارك الانتخابية إلى القشور والجوانب الشخصية ولم يتعمقوا فى التفاصيل، لم تسأل مرشحا وعدك بتأمين صحى لجميع المواطنين أو بكوب ماء نظيف من أين ستمول ذلك؟ تركت الناس يدغدغون أحلامك بالأمانى، يعرفون شكواك ويعدونك بالحل «بركاوى» دون خطط، لذلك كانت برامج كل المرشحين متشابهة فى جوانب كثيرة كالصحة والتعليم والخدمات، وكنت تقاوم من يجرك للتفاصيل ويطلب منك أن تلجأ لعقلك للحكم عليها.. آمنت للأسف أن الشيطان يكمن فى التفاصيل، فحاولت الابتعاد عن الشيطان بالذهاب للمجهول.

لا ألومك على شىء فكلنا مازال يتعلم الديمقراطية والاختيار.. والمرة القادمة حين تختار لابد أن تسأل.. وإذا سألت لابد أن تجد إجابة، وإلا ستجد من جديد من يقنعك بأن «العلبة فيها فيل»، ثم لا تجد الفيل ولا العلبة ولا مهندسها.