السبت، 8 سبتمبر 2012

فى البدء تموت الكتب


الكتب ممزقة على الأرض.. حتى أولئك الذين يعتقدون أن معهم الحق، لا يعرفون الفارق بين إزالة «عربة فول» وكشك كتب، فى ما يفعلونه مع الاثنين ظلم وإثم كبير لو يعلمون، لا يمكن أن تشاهد جيوش الإزالة وهى تتعمد ألا تزيل شيئا بقدر ما تعطله، فتكسر لمتجول بائس عربة بضاعته وتتركها تشغل ذات الحيز الذى كانت تشغله على الرصيف، وتفرط بضاعة آخر على الأرض، وتمزق الكتب تاركة وراءها جبل قمامة، إلا ويصلك ذات الإحساس بأن الدولة وهى تحاول استعادة هيبتها، لا تحاول إلا مع الفقراء وبمزيد من الإمعان فى الإهانة والإذلال والإيذاء، لا فرق بين دولة مبارك وغيره، ثقافة الدولة واحدة لا تكترث بالمواطن، خاصة لو كان فقيرا، ولا تكترث بثروات الفقراء على ضآلتها ومحدوديتها، خاصة إذا كانت كتب.

الدولة المستبدة تتحرك بذهنية تحتقر الكتب، لذلك خلقت منابر لاختيار ما تشاء من عناوين وحجب ما لا ترغب، تعرف أن بقاءها مرهون ببقاء الجهل، والجهل ليس فقط فى عدم القدرة على فك الخط قراءة أو كتابة، لكن الجهل فى غياب القدرة على التفكير، وتنمية هذه القدرة، لأن المواطن الذى يفكر سيرفض بالضرورة أى استبداد، وقد خرجنا من ميراث استبداد طويل، ما زالت ثقافته مسيطرة على ماكينات الدولة ومفاصلها الأساسية، مسيطرة على انحيازاتها وأنماط أدائها ونظرتها الثابتة للأشياء، هناك أمل فى عبور هذه الثقافة ونسفها، لكن صناع الفراعين مازالوا يقاومون.

يعرف محافظ الإسكندرية الجديد على ما يبدو كل هذا التراث، لكن المؤكد أنه يعرف أن المحافظة التى ترأس جهازها التنفيذى بقرار دون انتخاب، هى المحافظة التى حطمت الأرقام القياسية فى مخالفات المبانى، وفى انهيارات العقارات، ووسط ذلك لديها إلى جانب بحرها تراثها المميز وشوارعها التى باتت جزءا من هذا التراث والشخصية الثقافية لعروس البحر المنفتحة المتنورة، فى قلب هذا التراث أكشاك الكتب فى شارع «النبى دانيال»، إذا كنت لم ترها مرة فقد فاتك كثير من متعة المشاهدة والمطالعة والشراء كذلك، بقيت هذه الأكشاك منحازة للفقراء كسور الأزبكية، تبيع المعرفة بسعر التكلفة.

توفر الكتب للباحثين والمبدعين والراغبين فى بناء عقولهم بأسعار زهيدة، حتى جاء للإسكندرية محافظ يعرف مشكلات المدينة، كما قدمه من رشحوه، يعرف أن العقارات تنهار، والخدمات تتداعى، وشبكات المياه والصرف الصحى تتآكل، وكثافات المدارس ترتفع، والانفلات الأمنى يتزايد، والكساد يدب، والبطالة تتوحش، وهو، ولأنه رجل يمثل الدولة وثقافتها وانحيازاتها ونظرتها للأشياء بامتياز، فقد بدأ عملية الإصلاح بالكتب، حطم رجاله الأكشاك ومزقوا الكتب وبعثروها على الأرض، كانت الكتب تلوث مشهد الرؤية أمامه، تحجب عنه مشهد العقارات الآيلة للسقوط فى الشوارع المجاورة، وتمنعه من تنسم روائح الصرف الصحى الطافح من خلف المشهد، الرجل يحمل رؤية إصلاحية يهدف بها إلى تحقيق نهضة وطفرة غير مسبوقة فى المدينة، والنهضة كما تعرفون تبدأ بإعدام الكتب، ومعاقبة من يمتهنون بيعها رخيصة سهلة،
 ليس من حق الفقراء فى الإسكندرية أن يقرأون، يكفيهم الموت تحت أنقاض العمارات المنهارة.. موتهم لا يزعج أحدا، لكن مشهدهم وهم يقرأون يعرقل النهضة والإصلاح والطفرات الحضارية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق