الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

فى رثاء قائد كبير


رحل الجنرال الوحيد الذى يستحق التكريم والقلادات، غاب قائد حقيقى ملأ ذاكرتنا بتواريخ انتصاراته وانكساراته، أجهد حناجرنا فى الهتاف له، وأجهدها كذلك فى الهجوم عليه، كان اسمه عنوانا لافتا للأمل، كما ظل فى حين مرادفا للإحباط، كان «الجوهرى» حاضرا فى قلب المشهد فى وقت كان إنجاز كرة القدم هو الأمل، وطاقة كرة القدم هى المجال الوحيد المتاح للشعور بالحرية.

ظل الجوهرى حاكما ديمقراطيا لمملكة كرة القدم، يأتى بإرادة الجماهير ويرحل كذلك بإرادتهم، لم يكن لديه ترف الفرص الطويلة، الإنجاز يرفعه مباشرة على الأعناق، والإحباط يهبط به فورا أسفل الأرض، لكن حتى أولئك الذين يهبطون به، ويستبدلون التبريكات التى نثروها عليه فى زهو وسعادة باللعنات والسباب، لا ينسون الفضل بينهم، يعاقبونه بمحبة، وينادون بسقوطه دون أن ينسوا أنه الجنرال الذى ملأ صدورهم بنسائم السعادة من قبل.

لم يكن إنجازه فى الأرقام، بقدر ما كان فى التوقيت والزخم، فى إعادة هيكلة مفاصل صناعة كرة القدم وبنيتها الأساسية، كانت عظمته فى تأثيره، وفى قدرته أن يضع الخطط للصناعة وأن يطوع المناخ كله لخدمة هذه الخطط، تجربة سارت فى مصر خطوات للأمام وخطوات للخلف، لكنها تركت قدرا واسعا من الإنجاز، وثقافة حاضرة وحاكمة، وعددا هائلا من اللاعبين، أجيال وأجيال خرجت من أسفل عباءته إلى البساط الأخضر، بمواهبها ومشاكلها وهالاتها.

القادة فى مجتمعاتنا نادرون، لكن الجوهرى كان أحدهم، ليس الأمر مجرد مدرب ولعبة وجماهير، لكن الرجل كان نمطا مختلفا من الكرويين المحترفين الذين يمتلكون رؤية تخص الصناعة التى يعملون فيها، وهؤلاء فى غاية الندرة، ربما تجد لاعبا موهوبا أو مدربا كفئا، أو إداريا ناجحا، لكنك قلما تجد كل هذه العناصر مجتمعه لدى قائد يملك إلى جانب هذه المواهب رؤية استراتيجية ونظرة استشرافية لمستقبل صناعته، وقدرة على التعلم المستمر والتجريب المتواصل، كان نموذجا لا يخص الكرويين فحسب بقدر ما يخص كل مهنى لديه ولاء لمهنته.

كان الجوهرى رجلا لا يخاف من المبادرة.. كان يعلم أن المبادرة نصف النجاح إن لم تكن كله، ربما كان يغيظ جمهوره حين يشاهدونه يخالف المألوف والتقليدى، ينقل مدافع إلى موقع قلب الهجوم، ومهاجم إلى قلب الدفاع، يتحمل النقد والهجوم والسباب، لكنه فى النهاية ينفذ رؤيته، ويطوع الجميع لخدمة هذه الرؤية، يعرف تماما كأى حاكم ديمقراطى أنه يستمد شرعيته من الجماهير، لكنه يمارس مهامه بعد تفويضه بديكتاتورية تسمح له بتحقيق هذه الرؤية إلى حين.

هذا الجنرال فى الثياب المدنية، بعد رحلة فى الملاعب المصرية امتدت عقودا من الحلم والأمل والمبادرة والمناوئة والإنتصار والإنكسار، غادر إلى الأردن، وهناك لم يكن مدربا لفريق، بل كان رجل صناعة، شمر ساعديه ومد يديه فى كل المفاصل، أعاد إنتاج تجربته فى مصر بقليل من الصخب وقليل من التربص، ومزيد من الدعم، ثم غادر الحياة تاركا من يحكى فى الأردن عن النهضة التى كان عنوانها محمود الجوهرى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق