الخميس، 19 يوليو 2012

التربص بالديمقراطية


من داخل معسكر ما يسمى بـ«القوى الديمقراطية»، هناك خطر حقيقى على الديمقراطية، ومن داخل التيار الإسلامى أيضا هناك مكامن لهذا الخطر، بعض المنسوبين للديمقراطية فى القوى المدنية ممن ظل ينادى بها ويُظهر السعى إليها، كأنه أراد ديمقراطية تفصيل، تأتى نتائجها بما تشتهى سفنه وحسب، وعندما يخرج الصندوق بنتيجة مغايرة، يتخلى عن حقه فى الاختلاف والمعارضة القوية بذات الأساليب الديمقراطية، ويتحول إلى عدو حقيقى يحرض على قلب الطاولة على إرادة الشعب، ويبدى تعاطفا مع استمرار حكم العسكر، ويدعو دون خجل قادة الجيش للتحرك فى تحريض واضح على الانقلاب.

وفى داخل القوى الإسلامية من لم يستوعب الفكرة الديمقراطية، رغم أنها وحدها هى التى أخرجته إلى مؤسسات الدولة وبرلمانها ومنحته الأحزاب والمنابر السياسية ووضعته فى لجان صياغة الدستور، لكن فى عمق تفكيره أن النظام الديمقراطى وضع مؤقت، وأن الإسلام لا توجد فيه ديمقراطية تنافسية، وإنما «شورية توافقية»، وأن الحاكم فى الإسلام يختاره «أهل الحل والعقد» ولا يخضع لمزايدات العامة فى تنافس مع آخرين على صندوق انتخابات، كما أنه لم يثبت أن حاكما فى عصور المسلمين التى يستند إليه غادر منصبه بعد انتهاء مدة أو ولاية، فالحاكم يبقى فى موقعه حتى يتوفاه الله، أو يعزله أهل الحل والعقد لو خالف ثابتا من ثوابت الأمة، ولا حزبية فى المجتمع الإسلامى باعتبارها مفسدة.

هؤلاء موجودون.. وهؤلاء موجودون.. كلاهما خطر حقيقى على الديمقراطية رغم ضعف تأثير كل منهما فى معسكره، لكنك إن رصدت عن قرب مواقف الفريقين ربما تلتمس قدرا من العذر لمن يستهدف الديمقراطية فى المعسكر الإسلامى، ولا يجد لديه إيمانا بآلياتها ويعتقد أن لديه فى مرجعيته ما هو أفضل منها، ففى النهاية تلك قناعاته، وعلى هذه الأسس تأسست أفكاره، فيبدو متسقا معها، ومدافعا عنها.

لكن ما عذر الديمقراطيين الذين تأسست أفكارهم على قيم الديمقراطية وآلياتها، ما قيمة ادعائك أنك ديمقراطى فيما أنت تفضل حكما عسكريا انقلابيا على حكم مدنى منتخب، حتى لو كانت لديك هواجس فى أنه قد يأخذك إلى الدولة الدينية، ما معنى نضالك من أجل الديمقراطية ثم رفضك نتائجها، وبدلا من أن تبنى نفسك كمعارضة وطنية فى نظام ديمقراطى يسمح بتداول السلطة، تسعى لحرمان الشعب من الآلية التى امتلكها أخيرا، فتعود بالبلاد عقودا للوراء.

على مستوى الأخلاق يمارس أعداء الديمقراطية فى المعسكر الإسلامى «تقية».. تشكل خطرا حقيقيا إذا تمكنت.. لكن كبحها سهل بأجيال جديدة من الإسلاميين الديمقراطيين لديهم وعى حقيقى بأن النظام الديمقراطى هو الوعاء الحقيقى الصالح لإدارة الدولة والعلاقات بين مؤسساتها وأطراف مجتمعها بتنوعهم، وأن مكاسبهم الحقيقية لم تتحقق إلا بعد اندماجهم فى المجتمع وقبولهم بقواعد العملية السياسية الديمقراطية.

لكن ما يمارسه المنتسبون للديمقراطية من عداء لنتائج الديمقراطية واستعداء عليه هو «عار أخلاقى» أولا.. وتضييع لفرص بناء قوى وطنية ديمقراطية حقيقية قادرة على أن تلعب دورها كمعارضة نشطة وذات كفاءة، وكمنافس حقيقى فى الاختبارات الانتخابية القادمة..
 احموا الديمقراطية يرحمكم الله.

الأربعاء، 18 يوليو 2012

حكايات سياسية ليست قديمة


لم يكن شراء «الزعيم»، كما كان يحب أن يسميه أعضاء حزبه، حصة فى إحدى شركات القطاع العام المخصخصة، المفارقة الوحيدة فى وضعه كرئيس حزب معارض، وضع الهجوم على برنامج الخصخصة كأحد أهم محاور برنامجه السياسى، وجند صحيفته الرئيسية لانتقاد سياسات التحول الاقتصادى والتفريط فى الملكية العامة للشركات.

لم يعرف أحد متى بدأ حياته السياسية، لم يره أى من المشتغلين بالسياسة ويحملون تاريخا من النشاط السياسى على ظهورهم، فى أى فعالية أو مظاهرة أو معتقل، حتى عندما تأسس الحزب لم يكن اسمه بين الأعضاء المؤسسين، وعندما شكل الحزب بعد التأسيس لجانه وأماناته الرئيسية والفرعية، وحتى لجان المحافظات والمراكز والأحياء والقرى، لم يكن بين كل هؤلاء.

لكنه ظهر فجأة قبل بضع سنوات عندما انفجر الحزب من الداخل، وقيل وقتها إن هناك تنازعا على رئاسته، وأن الرجل عقد مؤتمرا عاما جرى فيه انتخابه رئيسا للحزب، وفى شهور قليلة وعلى غير عادتها اعترفت لجنة الأحزاب به، وتدخلت السلطات لتسليمه مقر الحزب الرئيسى وصحيفته.

كانت علاقته برموز الحكومة والحزب الحاكم تتجاوز ما كان يسميه «الود»، وكان ذلك الود يفرض عليه أن يمنع أى مرشح لحزبه من خوض الانتخابات فى الدوائر التى يترشح فيها رموز وقيادات للحزب الحاكم، كان يقول إن معركة الحزب الحاكم مع التيار الإسلامى المتشدد هى معركة حزبه، وأن واجبه يفرض عليه ألا يضع مرشح الحزب الحاكم فى دوائر الإسلاميين فى مواجهتين، لكنه لم يكن يرد حين يباغته عضو مشاغب من حزبه بسؤال:

ولماذا لا نخوض الانتخابات ونهزم الاثنين معا.. «التشدد والفساد»؟

لكن تلك كانت أحلام عضو متحمس، فالحزب الذى يتبنى خطابا أقرب للجماهير، وأكثر تعاطفا مع الفقراء، لم يكن ينجح منه، فى أى انتخابات، سوى مرشح أو اثنين على الأكثر، لكن الزعيم حجز مقعدا دائما فى البرلمان من حصة المعينين.

عندما تعرفت عليه لأول مرة كنت أجرى معه حوارا لصحيفة عربية، وقتها قطع الحوار ودعانى لحضور حفل صغير فى قاعة الاحتفالات بمقر الحزب، ولما انتقلنا إليها، كانت لجنة المراسم بالحزب تنظم بالفعل حفلا لتوديع «ضابط أمن الدولة» المكلف بمتابعة نشاط الحزب، بمناسبة ترقيته ونقله ليدير مكتب الجهاز فى محافظة ساحلية.

تسابق زعيم الحزب وقياداته الأقل منه فى الإطراء على الضابط بكلمات الشكر، والإثناء على السنوات التى قضاها معهم، والتعاون المثمر الذى نجح فى تفعيله بين الجانبين.

ذات يوم سألتنى فتاة شابة من أعضاء الحزب مندهشة من قدرة الزعيم على مغادرة المظاهرات التى يقودها قبل اتخاذ قوات الأمن قرار الضرب بدقائق معدودات، كانت معجبة بحدسه وحسه الأمنى العالى، وكانت ترفض ما يشاع عنه من أنه يتلقى «اتصالا» من جهة أمنية يقول له: «هنضرب»، فيختفى تاركا شباب حزبه لهراوات الأمن المركزى.. لكنها اليوم لا تساورها أى دهشة من إعلانه فى غرف الحزب دعمه لأى انقلاب عسكرى محتمل على الديمقراطية الوليدة..!

الثلاثاء، 17 يوليو 2012

هوامش على دفتر «المحلة»


كان الرجل هناك فى قلب الاحتجاجات التى سيطرت على المصنع الذى يعمل فيه منذ 27 عاما، هو حاضر فى كل الاحتجاجات مثل كل مصرى حذر، يشارك ولا يتصدر، يطمح فى مطالب الاحتجاج، لكنه يخشى عواقبه، فى 2007، بدأت الاحتجاجات الكبرى فى غزل المحلة، بيانات الإضراب تتوالى، وهو لا يستطيع أن يكتم تعاطفه.

فى قطار العمال الذى يجمع عمال الشركة من أول السنطة وحتى مدينة المحلة الكبرى مارا بقرى عديدة، يتجمع العمال من قرى مختلفة، تتحول عربات القطار إلى حلقات نقاش عن أحوالهم الضيقة، يتحمس ويشكو بصوت عال، يمسك قسيمة راتبه ليسأل: كيف أعيش؟

كلهم فى الهم سواء، لكن بعضهم كان يخدم السلطة، وينقل أحاديث القطار، عندما تزداد الأوضاع سخونة يستدعيه الضابط: «ابعد عن الإخوان»، ويكيل أمامه الاتهامات للجماعة باستغلال العمال لإشاعة الفوضى والخراب، يتجاهل حديثه بمجرد أن يتحسس جيبه فلا يجد ثمن كيلو فاكهة يدخل به على عياله، وعندما يتحسس بطنه فى لحظات نشاط الفيروس الكبدى، ويتذكر وقفته فى مستشفى التأمين فى انتظار نظرة رحمة من طبيب، وكيس دواء بفعالية رديئة، يقول مع نفسه إذا كان للإخوان أجندة خاصة، فإن له أجندة عامة مثل كل العمال، الذين لا يهمهم أن يحكم اليمين أو اليسار، الولى الفقيه أم الجنرال، الحاكم المنتخب أم المستبد، كل ما يهم أن يعيش إنسانا، وألا تكون حصيلة 27 عاما من الوقوف أمام المكن لا تتعدى بحوافزها وبدلاتها ثمن علبة دواء غير مختومة بخاتم التأمين الصحى.

عندما اندلعت انتفاضة العمال فى إبريل من عام 2008، كان هناك فى قلب ميدان الشون، لم يصعد على الأكتاف فى التظاهرات ليهتف، كان متوجسا كعادته، اختار أن يكون بين الكورال يردد الهتافات خلف القائد، كانت سعادته غامرة، وهو يشاهد صورة مبارك تهوى فى قلب الميدان وتداس بالأقدام، استبدت به الفرحة شارك فى حفل التنكيل بصورة الاستبداد، كان فقره أكبر محرض، لكن الضابط فى اليوم التالى عاجله بالاتهام: «انت إخوان؟».

لم تكترث السلطة بشهادة الفقر التى يحملها، بقدر ما اكترثت بالسؤال: هو إخوان أم إلى أى تنظيم يتبع؟.. حتى عندما قامت الثورة وتفاعل معها ظل الاتهام يواجهه، أنت إخوان وميدان التحرير كل من فيه إخوان.

لكن الثورة انتصرت وتبدلت الوجوه، وغادر نزلاء السجون إلى مقاعد الحكم، وانتقل زبانية الحكم إلى الزنازين، وبقى «جيبه ومرضه ووجعه» كما هو، لكنه اليوم يدخل فى إضراب جديد، هذه المرة دون خوف أو توجس، يحاول أن يتصدر الواجهة فقد حررت الثورة الإرادة وكسرت حواجز الخوف، لكنه يواجه بسؤال مضاد هذه المرة: «أنت فلول؟»، ومثلما كان يقول له أحدهم، الإخوان يريدون هدم الدولة، صار الإخوان يقولون له الفلول يريدون هدم الدولة وإفشال الرئيس.

السلطة تصنع أعداءها، وتفتش عنهم فى أوجاع الناس، دون أن تكترث بالوجع ذاته، هذه خبراته مع السلطة التى فشلت طوال سنوات أن تفهم إنه ليس إخوان أو فلول.. هو فقط يريد أن يعيش.. «جماعة العيش هى الحل».  

الأحد، 15 يوليو 2012

البشير وبشار


سوريا هى البلد العربى الذى يعيش الثورة الآن، هكذا أرادت قمة الربيع العربى أن تقول، الرئيسان المتشابهان فى كثير من الظروف، كل منهما تحدث عن سوريا وعن شعبها، وتعهد بدعم ثورتها، لكن لا أحد تحدث عن السودان.

فى السودان ربيع، يسميه البشير صيف حارق، ويحاول أن يستفيد من التغيرات الدولية والاقليمية التى دفعت الإسلاميين إلى الحكم فى أكثر من دولة عربية، وأهمها مصر، وغيرت نظرة المجتمع الدولى للإسلاميين المدنيين الديمقراطيين، يحاول البشير أن يضع نفسه ونظامه مع الديمقراطيين من نظرائه الإسلاميين، رغم أنه جاء إلى السلطة بانقلاب على الديمقراطية، وكرس فى السودان حكم الفرد، وخاض الحروب فى كل مكان دفاعا عن بقائه.

حقوقيا يعرف الرئيس التونسى، وهو الناشط الحقوقى البارز، أنه لا فارق كبيرا بين بشار وبين البشير، لكنه لم يشر بكلمة إلى السودان، وهو الرجل الذى جاء للسلطة بعد ثورة شعبية لمجتمع طمح إلى الحرية والديمقراطية وانهاء حكم الفرد، هو يعلم أن الفارق الوحيد بينهما أن البشير محسوب على التجربة الإسلامية، هو قريب ونسيب العائلة الإسلامية فى تونس بشكل أو بآخر، وتحالفه مع هذه العائلة هو السبب الرئيسى فى وجوده رئيسا لتونس.

الرئيس المصرى ليس فى وضع مغاير، هو أيضا واجهة لنظام إسلامى يعتبر البشير أقرب إليه من بشار، وبقاؤه فى الحكم جزء من قدرة المشروع على التفاوض مع العالم لضمان استمرار الدعم للتجربة الإسلامية فى الحكم، لا يقدر مرسى المسافة الشاسعة بينه وبين نظيره السودانى، فهو الرئيس القادم بالديمقراطية، فيما نظيره قادم على ظهر مدرعاته، وهو الرئيس القادم عبر الثورة السلمية الشعبية، فكيف لا يرى نفس المشاهد من تظاهر وقنابل غاز وانتهاكات فى ميادين السودان.

فى الأغلب لا يكفى غضب الشعوب حتى تنجح الثورات، لابد أيضا من الدعم الدولى، والحقيقة أن الشعب غضب فى مصر، لكن مبارك لم يستسلم لمطالب شعبه إلا بعد أن فقد الركيزتين اللتين اعتمد عليهما فى بقائه «تأييد الجيش والدعم الغربى»، ولم تنجح الثورة فى ليبيا دون دعم دولى، فيما بقيت الثورة السورية تراوح مكانها، لأن الأطراف الدولية لم تحسم أمرها، وفى البحرين هناك حراك وانتفاض، لكن لا أحد يتعاطف مع المنتفضين، عربيا ودوليا. وفى اليمن انتهت الثورة إلى لا شىء، لأن العالم فرض الحل الخليجى لكبح فورانها.. واليوم يواجه السودانيون مصيرهم وحدهم دون دعم من أحد، حتى الأنظمة التى جاءت بها الثورات لا تحاول الانتصار لمبادئها، ولو بالكلمة، لا تقل لى إن هناك من تعهد بعدم التدخل فى الشئون الداخلية لدول الجوار.. هل هذا التعهد يسرى على البشير فقط.. ولا يسرى على بشار؟!

السبت، 14 يوليو 2012

سلامة فى خير


كقابض على جمر الضمير عاش، قال كلمته ومضى، هادئ وعاقل وواضح وشجاع، حين يكتب ويختلف وينتقد، وحين يرحل مغادرا العالم الذى تركه خلف ظهره ومضى، عاش سلامة أحمد سلامة فى خير، اكتسبه من سكينة ارتضاها، فمضى لا يحمل «بغضا» لأحد حتى لو سن قلمه فى انتقاده، ولا يحمل «ولها» بأحد حتى لو ذهب إلى مديحه، لم يكترث بالأشخاص قدر اكتراثه بالأفكار والأفعال، مارس دور الناقد السياسى ببراعة ونزاهة عززها باستقلال حقيقى عن ذهب السلطة، وشجاعة حقيقية فى مواجهة بطشها.

من قلب مناخ كان يعتقد أن «الخوف صبر.. والجمود عقل.. والتطور جنون.. والتجديد إلحاد.. والحرية كفر.. والتفكير جريمة.. والضعف نعمة.. والجُبن قيمة.. والشجاعة رذيلة.. والصمت حكمة.. والجهل فضيلة.. والتمرد زندقة.. والاختلاف خيانة.. والظلام نور.. والظلم عدل.. والطغيان قوة.. والإرهاب قانون.. والحكم إله.. والمرأة حيوان.. والشعب عبيد.. والتاريخ أسطورة.. والماضى مقدس.. والحاضر مقبول.. والمستقبل ملعون»، عاش سلامة أحمد سلامة يروج لكل شىء معكوس فى هذه المنظومة المشوهة من القيم التى سادت وتسيدت طوال العقود الثلاثة الأخيرة، ينتصر للحريات بكل معنى، ويبقى مخلصا لذلك، بعيد عن الاستقطاب السياسى، يمارس الكتابة باستقلال حقيقى، لا تحركه مصلحه، ولا يسقط فى إغواء منفعة، ولا ينتظر موقعا، ولا يخشى من خسارة، ولا تتبدل قناعاته بتبدل المواقف، أو بتغير المعطيات.

واجه السلطة بالزهد فيما لديها، وواجه زمن الفتن والتحولات بالثبات على المبدأ، دعا لحرية يستحقها الجميع، ولم ينزعج إذا ما رفعت ريح الحرية من يختلف معهم فى التفكير أو من يتخوف من طرائق تفكيرهم، انتصر لحقوق الإنسان، أى إنسان فى مصر أو فى العالم، أى كان جنسه ولونه ودينه، حارب التمييز والفساد وإهدار القانون، وعندما قامت الثورة لم يفكر لحظة فى الضفة التى يجب أن يقف عليها، كان تلقائيا على ضفة التغيير والحلم، فى ذات اللحظة التى أدرك فيها أن الوطن الذى بشر بقيمه فى العدالة والمساواة والحريات وحقوق الإنسان ومناهضة التمييز والديمقراطية وسيادة القانون، صار على مرمى البصر.

لكن الأستاذ سلامة رحل قبل أن يطمئن على وطن قطع شوطا فى الاتجاه الصحيح، لكن مازالت تهدده الانقسامات، فيما الأطراف كلها تتخوف من بعضها وتتحسب ويغرق الجميع فى استقطاب حاد تضيع وسطه كلمة العقل غير المتلونة بهوى السياسة وأمراضها، وغير المؤقتة باللحظة وأغراضها، فى هذه المحنة تحديدا التى سيطرت على كل شىء، وليس الصحافة فحسب، تجد الاحتياج لسلامة وكلمته النافذة المستمدة من صدقها واستقلالها وموضوعيتها وتجردها من الهوى والمصلحة، لكن السماء اختارت للرجل مكانا آخرا، ومنزلة أخرى، لكنها لم تأخذ سيرته، وتركتها ملهمة لكل من يريد أن يواصل هذا الدرب ويسير فيه.

اليوم سلامة فى خير، عاش متسقا مع ذاته وأفكاره، منصفا فى أحكامه، مخلصا لمهنته وللحقيقة، ومات غير حاقد على أحد، راضيا بقدره، تاركا لتلاميذه من كرامات الاستقلال ما يكفى لتطمئن به قلوبهم.  

الأربعاء، 11 يوليو 2012

تكوير القانون


بنيت لعبة كرة القدم على قاعدة تقول «إن الحكم سيد الملعب»، وطوال تاريخ اللعبة بقيت قرارات حكم الكرة نافذة ونهائية وغير قابلة للطعن، حتى لو كان خطؤها واضحا وظاهرا للجميع، لم يلغ الاتحاد الدولى لكرة القدم نتائج مباراة الأرجنتين وانجلترا، رغم اعتراف «مارادونا» نفسه بأنه سجل هدف الحسم بيده، ورغم رؤية الجماهير كلها للمباراة وقبضة الساحر القصير تحول الكرة إلى الشباك، ورغم ما استقر من أوضاع بعد هذا الهدف أدت إلى فوز الأرجنتين بكأس العالم، إلا أن كل العالم كان يقول شيئا، و«سعيد بلقوله» حكم المباراة وحده قال شيئا وبقى نافذا.

وفى مصر كما العالم استقرت بنية اللعبة على حجية حكم المباراة ونفاذ قراراته، ألغى «محمد حسام الدين» هدفا وضعه «حسن شحاتة» فى مرمى «إكرامى» موسم 81 كان احتسابه كفيلا بفوز الزمالك بالدورى، ومازال الجدل التاريخى مستمرا حوله هل هو تسلل أم لا.

لكن لم تفسد الملاعب ويتصاعد الشغب إلا بعد إسقاط هيبة الحكام، توجيه الاتهامات لهم والتعليق على قراراتهم، حتى جاء وقت فقدت فيه الفرق المصرية تماما أى ثقة فى الحكام المحليين، وظهرت موضة استقدام حكام أجانب للمباريات المهمة والمصيرية، ورغم ذلك يندر فى أى موقف خلافى أن تجد فريقا مهزوما يخرج متقبلا هزيمته بشجاعة دون أن يعلقها على شماعة الحكم ودون أن يكيل له الاتهامات من كل صوب وحدب بدءا من الانحياز الكروى، وحتى الفساد والرشوة.

وفى المجتمعات الحديثة كما كرة القدم، بنيت على قاعدة سيادة القانون، وأن الحُكم سواء جاء منصفا لك أو ظالما بشكل بين وظاهر، هو فى النهاية «عنوان الحقيقة» بالمعنى القانونى، من حقك الاعتراض عليه فى درجات التقاضى، ومن حق القانونيين التعليق عليه وتفنيده، لكنه طالما جاء حكما باتا ونافذا ونهائيا فقد صار احترامه واجبا وليس اختيارا، واحترامه يعنى تنفيذه ولا شىء آخر.

لكن قضاءنا أصابه ما أصاب حكام كرة القدم من تشويه وفساد، بعضه ادعاء وبعضه حقيقة ثابتة وراسخة، حتى فى اعترافات القضاة أنفسهم، ويكفى أن تذكر قول القاضى الجليل حسام الغريانى وهو يطالب القضاة بالبدء فى إصلاح وتطهير أنفسهم.

يحتاج القضاء إذن لتطهير وإصلاح وإعادة هيكلة، ويحتاج بكل مؤسساته ومحاكمه إلى تنقيته من شبهات التدخل الرسمى والحكومى عبر قانون جديد للسلطة القضائية يعزز استقلال القضاء بحق، لكن حتى يحدث كل ذلك، هل نفعل مثلما فعلوا فى كرة القدم فنستقدم قضاة أجانب، لحسم القضايا المصيرية، أم نعطل العمل فى مرفق العدالة كله حتى تنتهى عملية إصلاحه وتطهيره وإعادة هيكلته، ونستبدله بلجان شعبية تحكم بين الناس؟ أم نقبل بأحكامه كما قبل الإنجليز بحكم «سعيد بلقوله»، لأن خسارة مباراة لا تساوى أبدا هدم الأساس القانونى للعبة كلها الذى يحفظ استقرارها وديمومتها وبقاءها رغم التنازع والتعصبات والاستقطابات.

يقسم رأس الدولة على احترام سيادة القانون.. والقضاء هو صاحب الكلمة الأخيرة فيما يخص القانون.. وقبول أحكامه نقرة.. وإصلاحه المرفق ذاته نقرة أخرى.. وأى قاضٍ مهما كان مخطئا ومتجاوزا فى نظرك، حكمه نافذ وواجب الاحترام طالما مازال يجلس على المنصة.. وما دون ذلك هو الفوضى والظلم كله.

واحد وواحد لا يساوى اثنين


يا مثبت العقل.. لا تستطيع أن تنظر للمشهد فى مصر دون أن تهتف بهذا القول المصرى التاريخى الذى يردده المصريون عادة حين تختلط بهم الأمور وتتشابه عليهم المواقف ويغرقون بين الحجج والأسانيد.

لم تكن «فتنة عودة البرلمان» هى الأولى التى تجد فيها طرفين كل منهما يتحدث باسم الشرعية وسيادة القانون، كلاهما حجته الأولى هى احترام أحكام القضاء، فإذا كان الطرفان يستهدفان احترام أحكام القضاء فمن ينتهكها إذن.. وإذا كان الخلاف فى مجرد تباين أسلوب احترام الأحكام وتنفيذها، فلماذا يبلغ الجدل هذا الحد من التخوين والازدراء المتبادل؟

لديك أطراف مدنية ــ وضع ألف خط تحت كلمة مدنية ــ تدعو القوات المسلحة علانية إلى الانقلاب على الرئيس المنتخب وخلعه فتصرخ منهم «يا مثبت العقل»، وأطراف مدنية كذلك لديها مخاوف على الديمقراطية وتعتقد أن قرار الرئيس فيه انتهاك لحكم المحكمة الدستورية، يعطى لمن فى نفسه مرض داخل القوات المسلحة العنوان الذى يتحرك على أساسه لقلب الطاولة مُصدرا للعالم أنه يحمى سيادة القانون ويدافع عن الشرعية الدستورية، فيواجهون بحملات شرسة كأن العقل سبة أو خيانة فى هذا الزمن الذى تذكرنا فيه الإجراءات الثورية بعد عام ونصف من السير فى الإجراءات القانونية والدستورية التى توجت بانتخاب رئيس مدنى لأول مرة.

وسط كل ذلك طلب برلمان «منحل» بحكم قضائى نافذ على الأقل فى ثلثه، من محكمة النقض الفصل فى صحة عضوية نوابه، وأمام محكمة النقض حكم من الدستورية العليا مفصل بحيثيات وأسانيد تجعل هذا البرلمان منعدما، وقانون للمحكمة الدستورية يمنع الطعن على أحكامها، ويعطيها وحدها حق تفسيرها، والفصل فى المنازعات بشأنها، فهل ستفصل محكمة النقض فى صحة عضوية أعضاء «منعدمين» بنص حكم الدستورية، وهل يعلم من أحال الطلب أن المحكمة يمكن أن تعتبره بلا صفة لإحالة الأمر إليها، وهل كان يعلم رئيس الجمهورية أن كل هذا اللغط سيحدث بقراره، وهل تحسب لردود الأفعال، أم أنه اقتنع أن لديه ماكينة تشويه ستصم كل من ينتقد قراره بأنه «فلول» أو من العبيد اللذين يفضلون العيش فى ظل العسكر.

ما يدعوك أيضا لتهتف «يا مثبت العقل» إن هناك من يردد أن من صمت على انتهاك القضاء والدستور فى عهد مبارك وحتى فى عهد العسكرى لا يجب أن يعترض على قرار مرسى، وكأننا نقول للرئيس المنتخب افعل ما كان يفعله مبارك أو أقل قليلا، أو نعاقب من صمت وتأمل خيرا وتغييرا فى العهد الديمقراطى القانونى الدستورى، أو نبرر لرئيس منتخب أن يعتقل عشرة أشخاص، فإذا ما اعترض أحد نلجمه بالقول: ولماذا كنت تصمت حين كان مبارك يعتقل 10 آلاف، أو نسمح لحكومة منتخبة أن تهدر مليون جنيه، وحين يعترض أحد نتهمه أنه كان يصمت على إهدار المليارات، وكأن كل أملنا فى الديمقراطية والدولة الجديدة فسادا أقل، وانتهاكا للقضاء أقل، وأن نبقى فى دوامة المقارنة بين ما هو قائم وما كان قائما، وليس التطلع لما هو مفترض أن يكون.

لكن الأصعب من كل ذلك أن تتشتت وسط نخبة قانونية عاجزة أن تحسم أمرا فيما يخص قرار الرئيس، ولكل فريق منهم منطقه وأسانيده وهواه السياسى أيضا، رغم أن القانون مثل المسائل الحسابية 1+1=2، لكن فى زمن تسييس كل شىء، ربما تجد غدا من يقنعك أنك كنت مخدوع وحاصل واحد وواحد لا يساوى اثنين.. تحسس عقلك.

الثلاثاء، 10 يوليو 2012

القانون.. وجهات نظر


كان «شريف خيرى» فى سهرة مع أصدقائه فى خضم أزمة صدمته بمجاورة السفارة الإسرائيلية، وجد أمامه على الشاشة كاتبا قومجيا يتحدث عن استحالة السلام مع إسرائيل، ويعدد خطايا وجرائم الدولة العبرية فى حق العرب والمصريين، فيهز شريف خيرى رأسه قائلا: «الراجل ده بيقول كلام زى الفل».. ثوانى قليلة ويظهر على الشاشة كاتبا تطبيعيا من أنصار السلام، يتحدث عن واقع ميدانى وسياسى أن مصر ليست فى حالة حرب مع إسرائيل وهناك اتفاق سلام يجمعهما، فيهز شريف خيرى رأسه مجددا وهو يقول: «..والراجل ده بيقول كلام زى الفل».. ينقل الرجل المحطة التليفزيونية ليجد مغنية فى ثياب راقصة تقول: «حط النقط على الحروف.. قبل ما نطلع سوا ع الروف»، فيهز رأسه أكثر وأكثر وهو يقول: «..والست دى بتقول كلام زى الفل».

يجسد هذا المشهد الذى كتبه يوسف معاطى وأداه عادل إمام فى فيلم «السفارة فى العمارة»، جزءا كبيرا من الأزمة التى نعيشها طوال العام والنصف من المرحلة الانتقالية، وتتجسد أكثر فى الانقسام القانونى والسياسى والمجتمعى حول قرار رئيس الجمهورية بعودة مجلس الشعب للانعقاد، هل هو إهدار لسيادة القانون وأحكام المحاكم، أم أنه وسيلة لإنفاذ حكم محكمة، هل خان الرئيس قسمه الذى أداه باحترام الدستور والقانون، وتعهده أمام المحكمة الدستورية باحترامها، أم أنه لم يقترب من القضاء والغى فقط قرارا إداريا صادرا عن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

الإنقسام الآن ليس بين معسكر ثورى ومعسكر مضاد، لكنه من قلب المحسوبين على الثورة سواء بين الفقهاء الدستوريين أو القضاة أو السياسيين، تقرأ نص المادتين 48، و49 من قانون المحكمة الدستورية لتكتشف أن أحكام المحكمة غير قابلة للطعن، كما أنها هى وحدها التى تملك حق تفسير أحكامها، وما يصدر عنها من أحكام وتفسيرات وقررات ملزمة لجميع أجهزة الدولة وللكافة، وتسمع مستشار الرئيس القانونى يقول لك أن الرئيس التزم بحكم المحكمة لكنه وفق أعمال السيادة التى هى من صلاحياته منح المجلس مدا زمنيا قبل الحل، ولم يتعرض للحكم لكن تعرض لقرار إدارى بإنفاذه، دعا الكتاتنى المجلس للانعقاد اليوم، لكن المستشار طارق البشرى يقول ان انعقاد المجلس باطل لأن ثلثه على الأقل بلا شرعية.

فقيه دستورى معتبر مثل د.عاطف البنا يعتبر قرار الرئيس شرعيا وقانونيا، وفقيه دستورى معتبر مثل د.إبراهيم درويش يعتبره انتهاكا فاضحا لأحكام المحكمة الدستورية، أستاذ قانون مثل د.محمد محسوب يرى القرار فى إطار صلاحيات الرئيس، وأستاذ قانون مثل د.جابر نصار يعتبره تغولا تنفيذيا على سلطة قضائية مستقلة، سياسى معتبر ولا أحد يزايد على انتمائه للثورة مثل الدكتور البرادعى يراه إهدارا لاستقلال القضاء، وسياسيون معتبرون كذلك من قلب الثورة لا يرون فيه أى إخلال بالشرعية، قاض بمحكمة النقض مثل أحمد مكى يؤيد القرار، وقاض بمحكمة النقض مثل زغلول البلشى يرفضه.. الجميع يقول «كلاما زى الفل» يبدو مقنعا ومتسلحا بالحجج والأسانيد التى تجدها مقبولة.. هى أزمة سياسية إذن وليست قضائية، لكن خطورتها أنها تحول القانون لوجهات نظر، والأحكام لتفسيرات تحمل كل الأوجه فى وقت واحد، ومازلنا فى انتظار من يحكم بينهم ويضع «النقط على الحروف»، وهذا دور المحكمة الدستورية فى القانون لكن للسياسة وجهات نظر أخرى.. حتى فى القانون..!  

القانون.. وجهات نظر


كان «شريف خيرى» فى سهرة مع أصدقائه فى خضم أزمة صدمته بمجاورة السفارة الإسرائيلية، وجد أمامه على الشاشة كاتبا قومجيا يتحدث عن استحالة السلام مع إسرائيل، ويعدد خطايا وجرائم الدولة العبرية فى حق العرب والمصريين، فيهز شريف خيرى رأسه قائلا: «الراجل ده بيقول كلام زى الفل».. ثوانى قليلة ويظهر على الشاشة كاتبا تطبيعيا من أنصار السلام، يتحدث عن واقع ميدانى وسياسى أن مصر ليست فى حالة حرب مع إسرائيل وهناك اتفاق سلام يجمعهما، فيهز شريف خيرى رأسه مجددا وهو يقول: «..والراجل ده بيقول كلام زى الفل».. ينقل الرجل المحطة التليفزيونية ليجد مغنية فى ثياب راقصة تقول: «حط النقط على الحروف.. قبل ما نطلع سوا ع الروف»، فيهز رأسه أكثر وأكثر وهو يقول: «..والست دى بتقول كلام زى الفل».

يجسد هذا المشهد الذى كتبه يوسف معاطى وأداه عادل إمام فى فيلم «السفارة فى العمارة»، جزءا كبيرا من الأزمة التى نعيشها طوال العام والنصف من المرحلة الانتقالية، وتتجسد أكثر فى الانقسام القانونى والسياسى والمجتمعى حول قرار رئيس الجمهورية بعودة مجلس الشعب للانعقاد، هل هو إهدار لسيادة القانون وأحكام المحاكم، أم أنه وسيلة لإنفاذ حكم محكمة، هل خان الرئيس قسمه الذى أداه باحترام الدستور والقانون، وتعهده أمام المحكمة الدستورية باحترامها، أم أنه لم يقترب من القضاء والغى فقط قرارا إداريا صادرا عن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

الإنقسام الآن ليس بين معسكر ثورى ومعسكر مضاد، لكنه من قلب المحسوبين على الثورة سواء بين الفقهاء الدستوريين أو القضاة أو السياسيين، تقرأ نص المادتين 48، و49 من قانون المحكمة الدستورية لتكتشف أن أحكام المحكمة غير قابلة للطعن، كما أنها هى وحدها التى تملك حق تفسير أحكامها، وما يصدر عنها من أحكام وتفسيرات وقررات ملزمة لجميع أجهزة الدولة وللكافة، وتسمع مستشار الرئيس القانونى يقول لك أن الرئيس التزم بحكم المحكمة لكنه وفق أعمال السيادة التى هى من صلاحياته منح المجلس مدا زمنيا قبل الحل، ولم يتعرض للحكم لكن تعرض لقرار إدارى بإنفاذه، دعا الكتاتنى المجلس للانعقاد اليوم، لكن المستشار طارق البشرى يقول ان انعقاد المجلس باطل لأن ثلثه على الأقل بلا شرعية.

فقيه دستورى معتبر مثل د.عاطف البنا يعتبر قرار الرئيس شرعيا وقانونيا، وفقيه دستورى معتبر مثل د.إبراهيم درويش يعتبره انتهاكا فاضحا لأحكام المحكمة الدستورية، أستاذ قانون مثل د.محمد محسوب يرى القرار فى إطار صلاحيات الرئيس، وأستاذ قانون مثل د.جابر نصار يعتبره تغولا تنفيذيا على سلطة قضائية مستقلة، سياسى معتبر ولا أحد يزايد على انتمائه للثورة مثل الدكتور البرادعى يراه إهدارا لاستقلال القضاء، وسياسيون معتبرون كذلك من قلب الثورة لا يرون فيه أى إخلال بالشرعية، قاض بمحكمة النقض مثل أحمد مكى يؤيد القرار، وقاض بمحكمة النقض مثل زغلول البلشى يرفضه.. الجميع يقول «كلاما زى الفل» يبدو مقنعا ومتسلحا بالحجج والأسانيد التى تجدها مقبولة.. هى أزمة سياسية إذن وليست قضائية، لكن خطورتها أنها تحول القانون لوجهات نظر، والأحكام لتفسيرات تحمل كل الأوجه فى وقت واحد، ومازلنا فى انتظار من يحكم بينهم ويضع «النقط على الحروف»، وهذا دور المحكمة الدستورية فى القانون لكن للسياسة وجهات نظر أخرى.. حتى فى القانون..!  

الاثنين، 9 يوليو 2012

عن البشير.. وشيماء عادل


قبل يومين من إعلان النتائج النهائية على استفتاء انفصال جنوب السودان، زف الرئيس السودانى عمر البشير، للناس أنه آن الآوان لتطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان، ما جعل السودانيين غارقين فى الدهشة، من الرجل الذى يحكم منذ 23 عاما باسم الشريعة الإسلامية فعل فيها كل ما يمكن فعله من ممارسات مغلفة بالصبغة الإسلامية، ثم يأتى بعد ربع قرن تقريبا ليقول إنه «آن الآوان» وكأن الـ23 عاما مضت كانت مجرد «بث تجريبى» حسب تندر السودانيين.

الحقيقة أننى كنت أتفهم ذلك فى ظل «كارثة وطنية» انقسم فيها الوطن لقطعتين، وبدلا من أن يعترف النظام الحاكم بفشله فى أن يبقى البلاد موحدة كما تسلمها ومسئوليته عن ذلك مع أطراف أخرى، حاول أن يروج للبسطاء فى الشمال بخطاب عاطفى جديد، أن الانفصال فرصة لتطبيق الشريعة فى الشمال بعد التخلص من الجنوب الصليبى والوثتى، حتى أن إعلاما مقربا من البشير يقوم عليه «خاله»، اعتبر أن انفصال الجنوب هو يوم الاستقلال الحقيقى للسودان، لأن إلحاق هذا الجزء «الكافر» بالشمال «المؤمن» من البداية كان جزء من مؤامرة صليبية على الإسلام فى السودان.

كانت تلك حيلة دفاعية تعبر عن أن النظام فى مأزق، وبالأمس قال البشير أيضا إنه سيشكل لجنة لإعداد «دستور إسلامى» يكون نموذجا لدول الجوار، وهى دلالة أيضا على وجوده فى مأزق وبحثه عن حيلة دفاعية جديدة ضد الانتفاضة التى تطالب بإسقاطه فى شوارع السودان الآن، لكنه فى هذه المرة يغازل دول الجوار بأن دستوره الإسلامى الذى سيضعه بعد ممارسة الحكم 23 عاما باسم الإسلام سيكون نموذجا.

وسط كل ذلك لست متعجبا إطلاقا من إصرار أجهزة أمنه على مواصلة اعتقال الزميلة شيماء عادل الصحفية المصرية الشابة والنابهة، التى حركتها مهنيتها وإقدامها وشجاعتها لتغطية أحداث الانتفاضة من داخل شوارع السودان، فسجل البشير فى الجور على حرية الصحافة واسع ولا مثيل له، وفى العام الأخير فقط أغلق 12 صحيفة وحجب عشرات المواقع، وطارد أصحاب الأقلام وتعامل مع كل مخالف ومعارض له باعتباره شاذا أو عميلا أو صهيونيا أو كافرا.

يكفى أن تعرف أن شيماء عادل قبل أشهر كانت فى قلب المعارك فى ليبيا، تنقل ما يجرى على الأرض فى إطار حرب ضروس انتهت بخلع وقتل الديكتاتور معمر القذافى، وعادت من هناك دون أن يمسسها سوء من نظام مجرم، لكنه وقعت بين يدى سجان «إسلامى» يبشر الأمة بـ«الدستور الإسلامى»، دون أن يخبرنا وفق أى مادة فى الدستور الإسلامى يعتقل شيماء عادل، ووفق أى معيار شرعى يغدر بالرسل، الذين دخلوا دياره بعهد أمان، وكان معروفا لجلاديه عند لحظة وصولها إلى مطار الخرطوم إنها صحفية وفى مهمة عمل مهنية.

يعتقد البشير أن بإمكانه حجب الحقيقة باعتقال الصحفيين، وغلق الصحف وتعطيل الاتصالات، والتنكيل بالناس، يحاول أن يبدى من الشجاعة ما يجعله يقف مغترا وسط كتائب أمنه وكأنه فى برج مشيد.. والحقيقة أنه أضعف مما يعتقد، أضعف إلى درجة أنه يخشى من الصغيرة شيماء عادل، فإلى متى سيصمد أمام الأحرار فى السودان؟


الأحد، 8 يوليو 2012

ليست مجرد جناية


تنفس وزير الداخلية الصعداء، وهو يعلن أن «المشايخ» الثلاثة كما يطلق عليهم فى السويس، الذين قتلوا الطالب بعد رفضه «النصح والإرشاد»، لا ينتمون إلى أية أحزاب أو تنظيمات سياسية أو دينية، كما فعلت مثله الأحزاب الإسلامية وهى تؤكد أن هؤلاء لا ينتمون للتيار الإسلامى، والمؤكد كذلك أن العاملين فى أمن الدولة كانوا سعداء كذلك بعد كل ما راج أن من يخوفون الناس باسم «الأمر بالمعرف والنهى عن المنكر» هم عملاء أمن دولة يقصدون تشويه التيار الإسلامى.

وزير الداخلية أيضا وقف سعيدا ليعلن أنه لا وجود لتنظيم أو جماعة اسمها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ضباطه لم يجدوا مع الجناة الثلاثة «كارنيهات» تدل على انتمائهم لمثل هذ التنظيم، كما أن التحريات أثبتت أن سجلات وزارة الشئون الاجتماعية خالية من أى جمعية تحت هذا الاسم، وكذلك سجلات وزارة الشباب خالية من أى رابطة بهذا المعنى أو المضمون، وكل الأوراق الرسمية، تؤكد أن كل ذلك إشاعات مغرضة هذه المرة تهدف إلى تشويه جهاز الأمن والتيار الإسلامى على السواء.

كل الأطراف باتت سعيدة إذن على المستوى السياسى، حتى على المستوى الجنائى المفترض أن أسرة القتيل فى وضع أفضل بعد أن عرفت قتلة ابنها وشاهدتهم محتجزين، فيما عدا طرف لم يكترث به أحد اسمه «المواطن»، الذى لا يهمه إن كان القتلة منتمون سياسيا أم لا، لتنظيمهم وجود أم مجرد أقاويل، لأن حادث القتل ليس إشاعة، كما قلت هو المؤكد الوحيد فى الواقعة، والذى صار مؤكدا أيضا أن القتلة ربما لا ينتمون رسميا لتنظيم اسمه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لكنهم ينتمون فكريا وثقافيا لأفكار تدعوهم للسير فى الشوارع لحماية الفضيلة حسب فهمهم، والاعتداء على من يشاءون وقتله لو تطلب الأمر وهم يظنون أنهم يقتلون باسم الله، وتكفيهم ركعتين وبضع كفارات للتخلص من إثم القتل، الذى ما فعلوه إلا بنية حسنة تستهدف فى النهاية رضا الله.

الكل ينام قرير العين بعد أن ثبت أن جناة السويس «مستقلون»، لكن لا وزير الداخلية ولا الرئاسة ولا الأحزاب السياسية، وهى تتفاخر بعدم وجود التنظيم عقبت على وجود الفكرة ورواجها، ووجود مشايخ فضائيات يدعمونها، ويروجون لشبان كثيرين أنها فريضتهم السادسة التى يجب أن يقوموا عليها بأنفسهم حتى يكتمل إيمانهم، لم تقل الدولة كيف ستواجه هذا الفكر، ولم تبلغ مواطنى السويس وكل البلاد عن ضماناتها لعدم تكرار ذلك، وكيف لا يتحول 3 فى السويس إلى 30 بعد أسبوع ثم 300 ثم 3 آلاف ثم 30 ألفا ينتشرون فى شوارع مصر يروعون الناس ويقتلونهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

بالنسبة لوزير الداخلية لا يوجد تنظيم، وبالنسبة للمجتمع توجد أفكار تتلقفها مبادرات فردية للتطبيق، وإذا كانت المسألة عند الوزير مجرد قضية جنائية تنتهى بالقبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة، فالقضية بالنسبة للمجتمع غير ذلك، وأداء الأطراف المختلفة فى هذه القضية لا يعنى سوى أن تعرف أن شاب السويس لن يكون الأخير.

السبت، 7 يوليو 2012

نصف ساعة مع الغنوشى


انتهزت فرصة وجود الشيخ راشد الغنوشى فى «الشروق» لأساله من جديد حول ما يطرحه عن التمييز بين الدينى والسياسى. للرجل مفهوم أكثر تصالحا مع الواقع السياسى والفكرى المتعدد والمتنوع فى المجتمع. لديه ركيزة فكرية أساسية هى رفضه فصل الدين عن الدولة بالمعنى اليعقوبى الفرنسى. لكنه فى الوقت نفسه يطرح مفهوما مكملا لهذه الفكرة عنوانه التمييز بين ما هو دينى وما هو سياسى.

هذا التمييز يدفعه بهدوء إلى أن يدعو أنصاره إلى الانفتاح على القوى السياسية والفكرية والدينية الأخرى فى المجتمع. يحاول أن يؤسس مشروعا يحترم التنوع فى إطار مفاهيمه الأساسية. لا أعرف مدى ترجمة ذلك فى الحالة التونسية تحديدا لكن على الأقل أراه منطلقا لتذويب حدة الاستقطاب فى إطار تنوع محترم ومفهوم.

قال الغنوشى إنهم رفعوا شعار (لا لتحزيب المساجد).. من غير اللائق أن تصبح المساجد حزبية أو تدعو لمرشح ضد مرشح ثم يأتى يوم تصنف فيه المساجد سياسيا وحزبيا كما تصنف الصحف والكتاب.. هكذا قلت له وأضفت أن عندنا منابر زعمت أن التصويت لفلان فيه نصرة للإسلام والتصويت لفلان إثم.. ومنابر اعتبرت أن التزوير إذا كان لمرشح إسلامى فهو حلال.. والكذب السياسى إذا كان فى سبيل إقامة مشروع إسلامى فهو جائز أيضا.

اعتبر الغنوشى أن ذلك خطأ كبير لكنه أرجعه إلى البدايات وبدا واثقا أن كل هذه الممارسات ستصحح نفسها. وإلا فإن الخطورة أن يرفع متنافسون خطابات دينية ويقع الناخب فى حيرة.. أى من هؤلاء سيذهب بى إلى الجنة وأيهما سيوقعنى فى الإثم؟.

من هذا المفهوم الذى بدا واضحا لدى الرجل عرفت كيف وصل إلى مقولته الشهيرة (إن العلمانية ليست إلحادا.. بقدر ما هى ترتيبات وإجراءات لضمان حرية الفكر والمعتقد).. قد يكون هناك تطرف لدى بعض العلمانيين كما أن هناك تطرفا لدى غلاة الإسلاميين.

وعندما قال ذلك لفت إلى أن أول إجراء للنبى «صلى الله عليه وسلم» لما نزل بالمدينة أن أنشأ المسجد والإجراء الثانى أسس دستورا اسمه الصحيفة ربما تكون أقدم دستور فى العالم تضمنت مواثيق بين المسلمين المهاجرين من مكة والمقيمين فى المدينة، ونصت على أن المسلمين واليهود أمة من دون الناس وهنا الحديث ليس عن أمة الدين وإنما عن أمة السياسة، وهذا التمييز ربما أهم مصطلح طرحه الفكر الإسلامى الحديث وهو التمييز بين ما هو دينى وما هو سياسى.. لذلك يجب أن نقبل بالمواطنة فهذه البلاد ملك لكل مواطنيها بغض النظر عن معتقداتهم وجنسهم ولهم الحق فى التمتع بنفس الحقوق.

فى إطار هذا التمييز بين الدينى والسياسى تستطيع أن تحل المشكلة الكبرى.. ويبقى أن تقنع القائمين على السياسية والقائمين على الدين أن كتابة الدستور عمل سياسى يخص المجتمع بتنوعه.. والانتخابات عمل سياسى وليس مصارعة على معتقدات الناس الثابتة والرائجة منذ آلاف السنين دون وصاية من أحد.. وإدارة الدولة عمل سياسى وليس دينيا.

الغريب أننى وأنا أعبر له عن قناعتى بأن طرحه التمييز بين الدينى والسياسى فيه أمل جديد للاتفاق على مشترك وسط هذا الاستقطاب والإقصاء وازدراء التنوع.. قلت له مازحا: لماذا لا تأخذ إسلاميينا فى مصر بعثة تعليمية لديك بضع سنوات.. رد بتواضع أنه تعلم ذلك من مفكرين مصريين منهم الدكتور محمد عمارة والدكتور سليم العوا.. لكن رده ذهب بى لسؤال: لماذا يقصى هؤلاء من المشهد الفكرى الإسلامى ويتصدره من سماهم الشيخ القرضاوى بـ(فقهاء القبور) الذين يعيشون فى كتب السابقين أكثر مما يعيشون زمانهم.

الخميس، 5 يوليو 2012

الرئيس المستهدف


عاش نظام مبارك طيلة فترة حكمه يروج لك أن «مصر مستهدفة» دون أن يخبرك مستهدفة مِنْ مَنْ؟ من حلفائه الأمريكان، أم من أصدقائه الإسرائيليين، وتحت هذا العنوان خرج إعلامه يفسر للناس كل فعل معارض باعتباره مؤامرة أجنبية وجزءا من هذا الاستهداف، فصارت جماعة الإخوان المسلمين عميلة لإيران، وصار البرادعى عميلاً للأمريكان، وأصبحت الثورة مؤامرة أجنبية، وميدان التحرير تحركه «الأجندات» ووجبات «الكنتاكى».

أخشى أننا ننتقل الآن من مرحلة «مصر المستهدفة» إلى مرحلة «الرئيس المستهدف» فتحت هذا العنوان الجديد يحاول أنصار الإخوان والمتعاطفون معهم كبح أى انتقاد يمكن أن توجهه للرئيس بدعوى أنه مستهدف، وأن هناك مؤامرة لإفشاله وإظهاره بمظهر الرئيس العاجز، وأن هذه المؤامرة يديرها المجلس لعسكرى والأجهزة الأمنية، وبالتالى فلابد أن يتحصن الرئيس من أى انتقاد حتى لا تصبح دون أن تدرى جزءاً من هذه المؤامرة.

الذين يحدثونك عن مؤامرة المجلس العسكرى لا يردون عليك حين تسأل، ولماذ سلمه السلطة أصلاً، ألم يكن ممكناً طالما أن المجلس العسكرى متآمر هكذا أن يتآمر من المنبع، وان يدير المرحلة الانتقالية بشكل مغاير، وهذه الأجهزة الأمنية والمخابراتية التى تتآمر على مرسى، أين كانت طوال العام والنصف الماضيين، لماذا لم تبدأ التآمر إلا عندما صار مرسى رئيسها وصاحب الكلمة العليا عليها، وفى يده الآن قبل غد أن يقيل وزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن الوطنى ورئيس المخابرات إن أراد؟

كل شىء حولك صار جزءاً من المؤامرة، المظاهرات الفئوية هناك من يحركها فى الخفاء لإحراج الرئيس، من إذن الذى كان يحركها قبل انتخاب الرئيس ومن الذى كان يقصد إحراجه وقتها؟

الإعلام هناك من يحرضه ويوجهه، لكن أحداً لا يسأل: من الذى كان يحرض هذا الإعلام حين كان يتحدى نظام مبارك ويتعامل مع الجماعة دون حظر ويفتح صفحاته وشاشاته لمرشديها وقياداتها، ومن الذى كان يحرض هذا الإعلام حين فضح ممارسات المجلس العسكرى وأدانه فى ماسبيرو والبالون ومحمد ومحمود ومجلس الوزراء والعباسية وغيرها؟

لا أجد جدوى من وراء أسطورة «الرئيس المستهدف» سوى أمر من اثنين، إما أنه تبرير مسبق لأى فشل يمكن أن يحدث على الطريقة المصرية فى خلق الشماعات لتعليق التقصير عليها، أو أنه محاولة لتحصين الرئيس من النقد بإرهاب كل صاحب رأى بفكرة المؤامرة وبتوجيه الاتهامات المسبقة أيضاً لكل صاحب رأى معارض بالمشاركة فى هذه المؤامرة، وفى كلتا الحالتين الأمر مقلق وخطير.

إذا كان الرئيس مستهدفاً فعليه أن يخوض معركته ضد من يستهدفونه، وإذا كان هناك داخل أجهزة الدولة من يسعى لإفشاله، فعليه أن يتعامل معهم، لا حجة لديه، بيده القرار وهو رئيس هذه الأجهزة جميعها، أما أن يكون ذلك مبرراً لحرمان مواطن أو صاحب رأى من محاسبة الرئيس إذا رأى قصوراً، والتعليق على أدائه إذا وجد ما يستوجب الانتقاد، وإرهاب الناس بالصوت العالى، وإلقاء كل شىء على شماعة الاستهداف فتلك «اسطوانة مشروخة» تعود بنا للوراء.. للوراء كثيراً.

الأربعاء، 4 يوليو 2012

جريمة السويس


المؤكد الوحيد فى واقعة السويس أن هناك شابا لقى حتفه مقتولا، لا تترك الجدل والحكاوى والتخمينات والتكهنات حول من قتله تنسيك هذه الحقيقة، مات أحمد حسين الطالب فى كلية الهندسة مقتولا، يقول والده إن ثلاثة «ملتحين» طعنوه بسبب سيره مع خطيبته قرب المغرب، مارسوا عليه نوعا من الحسبة حيت تدخلوا فى شأنه الخاص وسألوه عن العلاقة «الشرعية» التى تربط بينه وبين الفتاة، ويقول بيان لمن تسمى نفسها «هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» إن «دورية» لأعضائها كانت تفتش الطرق فجرا وفوجئت بشاب وفتاة يقفان فى الطريق، فاستجوب أعضاء الهيئة الشاب، وحاولا تقويمه بعصا خيرزان ولما رفض الشاب وقاوم عمليه «تهذيبه» طعنه أحد أعضاء الهيئة دفاعا عن النفس.

التيار السلفى نفى أن تكون هذه المجموعة تابعة له، وأعلن أنه شارك فى جنازة الضحية، والجماعة الإسلامية نفت كذلك، ورئيس الجمهورية أصدر بيانا يدين فيه ممارسة مجموعات لا صفة لها «الحسبة» فى الشوارع، وتوعد بملاحقاتها، ولم يتوقف الجدل منذ الكشف عن الحادث، المختلفون مع التيار الأصولى يستخدمون تلك الواقعة للهجوم عليه، وتفزيع الناس منه، وأبناء هذا التيار والمتعاطفين معه يشيرون إلى أصابع أمنية وراء ذلك، يقولون إن كل ما ينشر ويحدث فى الشوارع من قبل مجموعات من الرجال الملتحين، أو السيدات المنتقبات، للاعتداء على الحريات الخاصة للمواطنين، هى مؤامرة لتشويه التيار الأصولى بكل تفريعاته والتخويف منه، وأن هؤلاء الذين يتحركون فى الشوارع ليسوا إلا عملاء غير منتمين للتيار الدينى.

أيا كانت الحقيقة فقد بات من حق المواطن أن يقلق، إما أن هناك من يحاول أن يمارس الحسبة فى الشوارع ويعتدى على حرياته بالوعظ والتدخل والاعتداء، وإما أن هناك عصابات إجرامية تنتحل هذه الصفة لتشويه الأصوليين، وبالتالى فالنتيجة واحدة، أن المواطن ضحية ومعتدى عليه سواء كانت هذه الرواية هى الصحيحة أم الأخرى.

القضية أيضا تحولت إلى منطقة مكايدة سياسية بين طرفين فى إطار استقطاب نخبوى حاد، حتى كادت تتفرغ من أصلها الإنسانى، إن هناك مواطنا مات مقتولا دون ذنب بعيدا عن القانون، وأن من قتلوه مازالوا مطلقى السراح ولا أحد يعرف على وجه اليقين هوياتهم وانتماءاتهم، وأن هناك أسرة مكلومة، وفتاة «ترملت» قبل عقد قرانها، وفزع فى الشوارع.

لنترك التخمينات إذن جانبا ونمسك فى الحقيقة الوحيدة المؤكدة.. أن هناك جريمة قتل، وأن هناك قاتلا لابد أن يقدم للعدالة، وأن هناك قانونا لابد من إعماله بقسوة على كل من يفكر فى الاستهانة به أيا كان.

ليس كافيا أن تصدر الرئاسة بيانا تندد فيه بالواقعة، ولا أن يكتفى كل طرف بإعلان تنصله من «المجرمين»، ولا أن تغرقك الأطراف المختلفة فى تحليلات ومؤامرات أنت غير معنى بها، ما يعنيك أن تكون آمنا فى الشارع، وأن تتصدى الدولة لكل من يعتدى عليك، سواء كان ملتحيا أو غير ملتحٍ، منتميا للتيار الدينى أم عميل أمن دولة.. الجريمة هى الجريمة..!

الثلاثاء، 3 يوليو 2012

الإجابة دائما: السودان


لم يتحدث الرئيس عن السودان.. مصر الرسمية كلها بدت غير مكترثة بما يجرى فى السودان، هل لذلك علاقة بأن الرئيس تعهد بعدم التدخل فى الشئون الداخلية لدول الجوار؟ قياسا على ذلك ألا يعد حديثه عن سوريا تدخلا فى الشأن الداخلى؟

ما الفارق بين عمر البشير وبشار الأسد؟ على المستوى العملى لا فرق، كلاهما جاء للسلطة بدعم عسكرى انقلابى، الأول صنعه بتحالف مع القوى الأصولية وكاهنها المغضوب عليه حاليا حسن الترابى، والثانى أجرى الانقلاب أبوه وسلمته أجهزته العسكرية السلطة عقب موته.

قتل بشار ويقتل فى شعبه، جعل من الأراضى السورية مسرحا لحرب أهلية عريضة واستقطابا دوليا واسعا، لكن البشير أيضا قتل شعبه فى دارفور والجنوب وجبال كرفان، أشعل حربا أهلية طاحنة ضد جزء من وطنه لم يطلب إلا العدالة والمساواة، رفع فى وجهه رايات الجهاد ونصوص التكفير والتوثين، وانتهى به الأمر إلى تقسيم البلاد بين دولتين، دون أن يشعر بخزى أو عار، أو حتى يعتذر على تفريطه فى وطن اغتصبه موحدا.

اليوم فى السودان انتفاضة شعبية، يستعد بها السودانيون لخلع الجنرال الثالث، وانهاء الانقلاب الثالث أيضا فى تاريخهم، بحثا عن ديمقراطية رابعة تستمر محصنة من الانقلابات العسكرية، لكن جنرال هذه المرة ليس كمثله جنرال، فهو يمثل العسكر والتيار الأصولى معا، الذى سيسقط فى السودان هو نظام العسكرتارية الأصولية، وهو نظام محسوب على إطارات الأصولية الدينية السياسية بشكل أو بآخر، لذلك ربما لم يهتم الرئيس المصرى المنتخب بما يجرى، وفعلت مثله كل الدولة.

لكن حظ السودانيين مع مصر هو الأصعب، نال السودان استقلاله بعد انفصال عن مصر، وبدأ ربيعا ديمقراطيا قصيرا، فى وقت تصاعد فيه نفوذ الثورة المصرية بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر، وكانت «الموضة» هى التنظيمات الشمولية، لذلك لم تحتمل مصر الستينيات ديمقراطية على حدودها الجنوبية، فانقلب عليها الجنرال عبود بدعم أو صمت مصرى لا فرق، لكن السودانيين انتفضوا قبل أن ينتهى عقد الستينيات وأطاحوا بعبود فى ثورة شعبية بدأوا بها نضال الشعوب العربية نحو الديمقراطية.. لكن التجربة الديمقراطية الثانية أجهضت أيضا بانقلاب لجعفر نميرى، أعاد فيه الحكم العسكرى للبلاد أيضا بدعم أو بصمت مصرى.

لكن الشعب السودانى عاود الانتفاضة ضد نميرى وخلعه بثورة شعبية سلمية منتصف الثمانينيات، وسلم سوار الذهب الدولة لحكومة منتخبة فى تجربة ديمقراطية لم تستمر سوى ثلاث سنوات انتهت بانقلاب عسكرى إسلاموى وفر له مبارك غطاء سياسيا دوليا جلب له اعترافا سريعا، قبل أن تتدهور العلاقات بين نظام مصر العسكرى، ونظام السودان العسكرى الأصولى.

لم تتحمل مصر مع رؤسائها الثلاثة السابقين، أى مشروع للديمقراطية فى السودان، كانت تخشى من عدوى الديمقراطية، ووقفت عمليا مع الأنظمة الاستبدادية العسكرية، وللحق أيضا تآمرت ودبرت كل اجهاض للديمقراطية.

واليوم ثارت مصر من أجل الديمقراطية وجاءت صناديق الاقتراع بحكم بمرجعية إسلامية، وتثور السودان ضد العسكرتارية الإسلامية، فهل تواصل مصر منح ظهرها لحرية الشعب السودانى، لأن مصادفة قدرية جديدة أسكنت رئيسا إسلاميا القصر فى القاهرة، وتهدد رئيسا إسلاميا آخر بالمغادرة مخلوعا فى الخرطوم؟!

الاثنين، 2 يوليو 2012

انتصار الديمقراطية


من لم يفرح بالأمس بتنصيب أول مدنى رئيسا للجمهورية، فليفرح بانتصار الديمقراطية، من يخاف اليوم من وجود رئيس منتمٍ لجماعة الإخوان، فليطمئن طالما بقيت الديمقراطية، من يبحث عن هدف وسط حالة الاستقطاب التى خرجت بها البلاد مثخنة بجراحها من مرحلة انتقالية صعبة، فلتكن قضيته هى «حماية الديمقراطية».

أخيرا انتصرت الديمقراطية فى مصر.. وعندما تنتصر الديمقراطية ليس يهم أسماء المنتصرين وأسماء المخفقين، المهم أن هذا الشعب امتلك آلية للعيش والمشاركة والمساواة وصنع القرار، امتلك حق الاختيار، وعرف الطريق الآمن والحضارى للتغيير والمحاسبة، وأنهى زمن الفراعين بكل ما كان يحمله من استبداد وتأليه، وأيضا زمن الحكام المتقدسين بزعم أنهم وكلاء الله فى الأرض.

معركة جولة الإعادة تحديدا بين محمد مرسى الذى كان يمثل التيار الأصولى العريض، وبين أحمد شفيق الذى كان يمثل النظام السابق، كانت أكبر رد اعتبار للديمقراطية، فالمتنافسان اللذان خرجا من مدارس فى أصلها لا تقدر الديمقراطية ولا تقيم لها وزنا، طرف يعتبرها «كُفرا» أو على الأقل اعتبر الأوائل منه التنافس الحزبى والديمقراطى والكفر سواء، وطرف ازدراها وشوهها، وحاول تدجينها والسيطرة عليها فى إطار ديكورى بحت زاعما أن الشعب غير ناضج لممارسة اختياره، لكن الطرفين اضطرا فى محطة تاريخية فارقة، أن يلجآ لصندوق الاقتراع النزيه، وأن يمارسا الديمقراطية الحقيقية التى يكون الحكم فيها للشعب وإرادته، فعبر من عبر إلى مقعد الرئاسة بفارق ضئيل، منهيا أسطورة الـ99%.

انتصرت الديمقراطية حتى فى عقر دار خصومها داخل المجتمع.. منحت السلطة لتيار فشل فى الحصول عليها طوال عقود من العنف المسلح والعمل السرى، ولجأ إليها من أطاحت بهم الثورة وتعلقوا بأهدابها لعلها تعيد لهم ما ضاع فمنحتهم شرف المنافسة فى وقت عز فيه ما يتشرفون به.

حتى تجارب الحكم الأصولية فى المنطقة.. أنت لا تجزع إلا من تجارب اعتلا فيها الأصوليون الحكم بانقلابات عسكرية أو بعد حروب أهلية، والفارق هائل بين تجربة بدأت بانقلاب فى السودان.. وأخرى بدأت بصندوق اقتراع فى تركيا.

فى نظام ديمقراطى ودولة دستورية حديثة أنت لست فى حاجة إلى تطمينات من أحد، فالديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع نزيه، لكنها فى المقام الأول مجموعة قيم أساسية تفرض على المجتمع أن يحترم اختيار الصندوق ويحمى حق الأغلبية فى إدارة الحكم، كما تفرض على الأغلبية حماية حقوق الأقلية فى الاختلاف، وتضمن شكل الدولة ومقوماتها الأساسية فلا تتغير بتغير الأحزاب الحاكمة، وتضمن آليات تداول السلطة، وحماية الحريات العامة بكل ما تندرج تحته من حماية للحريات الدينية والثقافية والاجتماعية وكفالة المساواة الكاملة بين المواطنين دون تمييز على أى معيار دينى أو جنسى أو عرقى وكل مكونات حقوق الإنسان، إلى جانب قوة آليات المحاسبة ونفاذها والسيادة الحقيقية للقانون.

الديمقراطية كانت الحل وتبقى دائما الحل للمؤيدين والمعارضين، للمطمئنين والخائفين والمترددين.. هى التى انتصرت يوم تسليم السلطة أمس، ولو لم تجلب الثورة ودماء الشهداء غيرها لكفى بها إنجازا.. احموا الديمقراطية يرحمكم الله!  

الأحد، 1 يوليو 2012

رئيس إن أراد


لديك حقائق ثابتة الآن.. الرئيس المنتخب محمد مرسى هو رئيس كل المصريين، بالصندوق والقانون وإرادة غالبية الناخبين، كيف يحكم الرئيس المنتخب؟ ما هو الدستور الذى أقسم على احترامه أمام قضاة المحكمة الدستورية أمس، هل هو الدستور الذى لم تبدأ صياغته بعد، أم ذلك الذى سقط بقرار رغم موافقة الشعب على تعديله، أم الإعلان الدستورى الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بجزءيه الأول والثانى؟.

قالها المستشار فاروق سلطان واضحة وهو يدعو الرئيس لأداء القسم: «لما كانت الفقرة 3 من المادة 30 من الإعلان الدستورى المكمل تنص على أداء اليمن الدستورية أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية فإننى أدعوك لأداء اليمين الدستورية».

إذن رئيس الجمهورية أقسم أمام المحكمة الدستورية لأن الإعلان الدستورى يقول ذلك، والإعلان الدستورى نص على ذلك لأن هناك فراغا تشريعيا بعد حل البرلمان دستوريا، والدستور الذى أقسم الرئيس على احترامه هو «الإعلان الدستورى الأول والمكمل معا.. باعتبارهما الدستور المؤقت الذى يحكم البلاد».

اليوم هناك أطراف تقبل انتخاب مرسى لكنها لا تقبل الدستور المؤقت، وهناك أطراف تؤيد الدستور المؤقت لكنها لا تؤيد مرسى، وأطراف لا تؤيد هذا ولا ذاك، ووسط الثلاثة تغرق البلاد فى مزايدات ولغط وعبث بالجماهير تحت عناوين ثورية عريضة، فيما الأهداف الأساسية حبيسة الغرف المغلقة.

لكن المؤكد أن القبول بكل ذلك مجتمعا لم يعد اختيارا، رئيس الجمهورية فعل الصواب، لكن مطلوب منه وهو يطرح نفسه كرجل دولة، ألا يترك تنظيمه وحزبه يدغدغ مشاعر الجماهير للاحتجاج على إعلان قبله وأقسم على احترامه وصار جزءا من مشروعيته، هذه هى الحقيقة فالرئيس المنتخب بإرادة شعبية حرة، الذى فوضه الشعب فى شئونه أقسم على احترام الإعلان الدستورى وبالتالى فقد اكتسب هذا الإعلان مشروعية الدستور المؤقت الحاكم، وكأنه تم الاستفتاء عليه بالضبط لأن ممثل الإرادة الشعبية الذى هو الآن رئيس الجمهورية اعترف به وأقسم على احترامه.

هذه هى سياسة الواقع.. أيضا لا تصدق من يقول لك إن الرئيس بلا صلاحيات كما صدقت من قال لك إن الاعتصام فى الميدان هدفه إسقاط الإعلان المكمل، فحتى لو كانت سلطة التشريع فى يد المجلس العسكرى، وهى مسألة مؤقتة، فمن حق رئيس الجمهورية أن يدعو الناخبين لانتخاب برلمان جديد وقتما يشاء، هذا قراره وحده، كما أن من حقه أن يقر القوانين التى سيشرعها المجلس العسكرى فى وقت احتفاظه بسلطة التشريع أو يرفضها، بمعنى أن موافقته وتصديقه على القوانين شرطا لنفاذها والعمل بها، كذلك فمن حقه تعيين الحكومة والمحافظين وكل الأذرع التنفيذية المسئولة عن قضايا المواطن وهمومه.

هو رئيس كامل إن أراد.. وعليه أن يمارس كل صلاحياته.. وعندما يجد أنه ممنوع من فعل شىء، فعليه فقط أن يصارح شعبه بالحقائق، بالتفاصيل، لا يوجد رئيس فى العالم لا يواجه جماعات ضغط، لكنه يستطيع كما قال إن يعود للجماهير التى انتخبته، أما أن يسير وعلى رأسه بطحة أنه بلا صلاحيات فلن ينجز شيئا، ولن يكون مقبولا منه ولا من تنظيمه وحزبه عندما يأتى وقت الحساب. تبرير أى فشل بالصلاحيات الغائبة.