انتهزت فرصة وجود الشيخ راشد الغنوشى فى «الشروق» لأساله من جديد حول ما يطرحه عن التمييز بين الدينى والسياسى. للرجل مفهوم أكثر تصالحا مع الواقع السياسى والفكرى المتعدد والمتنوع فى المجتمع. لديه ركيزة فكرية أساسية هى رفضه فصل الدين عن الدولة بالمعنى اليعقوبى الفرنسى. لكنه فى الوقت نفسه يطرح مفهوما مكملا لهذه الفكرة عنوانه التمييز بين ما هو دينى وما هو سياسى.
هذا التمييز يدفعه بهدوء إلى أن يدعو أنصاره إلى الانفتاح على القوى السياسية والفكرية والدينية الأخرى فى المجتمع. يحاول أن يؤسس مشروعا يحترم التنوع فى إطار مفاهيمه الأساسية. لا أعرف مدى ترجمة ذلك فى الحالة التونسية تحديدا لكن على الأقل أراه منطلقا لتذويب حدة الاستقطاب فى إطار تنوع محترم ومفهوم.
قال الغنوشى إنهم رفعوا شعار (لا لتحزيب المساجد).. من غير اللائق أن تصبح المساجد حزبية أو تدعو لمرشح ضد مرشح ثم يأتى يوم تصنف فيه المساجد سياسيا وحزبيا كما تصنف الصحف والكتاب.. هكذا قلت له وأضفت أن عندنا منابر زعمت أن التصويت لفلان فيه نصرة للإسلام والتصويت لفلان إثم.. ومنابر اعتبرت أن التزوير إذا كان لمرشح إسلامى فهو حلال.. والكذب السياسى إذا كان فى سبيل إقامة مشروع إسلامى فهو جائز أيضا.
اعتبر الغنوشى أن ذلك خطأ كبير لكنه أرجعه إلى البدايات وبدا واثقا أن كل هذه الممارسات ستصحح نفسها. وإلا فإن الخطورة أن يرفع متنافسون خطابات دينية ويقع الناخب فى حيرة.. أى من هؤلاء سيذهب بى إلى الجنة وأيهما سيوقعنى فى الإثم؟.
من هذا المفهوم الذى بدا واضحا لدى الرجل عرفت كيف وصل إلى مقولته الشهيرة (إن العلمانية ليست إلحادا.. بقدر ما هى ترتيبات وإجراءات لضمان حرية الفكر والمعتقد).. قد يكون هناك تطرف لدى بعض العلمانيين كما أن هناك تطرفا لدى غلاة الإسلاميين.
وعندما قال ذلك لفت إلى أن أول إجراء للنبى «صلى الله عليه وسلم» لما نزل بالمدينة أن أنشأ المسجد والإجراء الثانى أسس دستورا اسمه الصحيفة ربما تكون أقدم دستور فى العالم تضمنت مواثيق بين المسلمين المهاجرين من مكة والمقيمين فى المدينة، ونصت على أن المسلمين واليهود أمة من دون الناس وهنا الحديث ليس عن أمة الدين وإنما عن أمة السياسة، وهذا التمييز ربما أهم مصطلح طرحه الفكر الإسلامى الحديث وهو التمييز بين ما هو دينى وما هو سياسى.. لذلك يجب أن نقبل بالمواطنة فهذه البلاد ملك لكل مواطنيها بغض النظر عن معتقداتهم وجنسهم ولهم الحق فى التمتع بنفس الحقوق.
فى إطار هذا التمييز بين الدينى والسياسى تستطيع أن تحل المشكلة الكبرى.. ويبقى أن تقنع القائمين على السياسية والقائمين على الدين أن كتابة الدستور عمل سياسى يخص المجتمع بتنوعه.. والانتخابات عمل سياسى وليس مصارعة على معتقدات الناس الثابتة والرائجة منذ آلاف السنين دون وصاية من أحد.. وإدارة الدولة عمل سياسى وليس دينيا.
الغريب أننى وأنا أعبر له عن قناعتى بأن طرحه التمييز بين الدينى والسياسى فيه أمل جديد للاتفاق على مشترك وسط هذا الاستقطاب والإقصاء وازدراء التنوع.. قلت له مازحا: لماذا لا تأخذ إسلاميينا فى مصر بعثة تعليمية لديك بضع سنوات.. رد بتواضع أنه تعلم ذلك من مفكرين مصريين منهم الدكتور محمد عمارة والدكتور سليم العوا.. لكن رده ذهب بى لسؤال: لماذا يقصى هؤلاء من المشهد الفكرى الإسلامى ويتصدره من سماهم الشيخ القرضاوى بـ(فقهاء القبور) الذين يعيشون فى كتب السابقين أكثر مما يعيشون زمانهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق