المؤكد الوحيد فى واقعة السويس أن هناك شابا لقى حتفه مقتولا، لا تترك الجدل والحكاوى والتخمينات والتكهنات حول من قتله تنسيك هذه الحقيقة، مات أحمد حسين الطالب فى كلية الهندسة مقتولا، يقول والده إن ثلاثة «ملتحين» طعنوه بسبب سيره مع خطيبته قرب المغرب، مارسوا عليه نوعا من الحسبة حيت تدخلوا فى شأنه الخاص وسألوه عن العلاقة «الشرعية» التى تربط بينه وبين الفتاة، ويقول بيان لمن تسمى نفسها «هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» إن «دورية» لأعضائها كانت تفتش الطرق فجرا وفوجئت بشاب وفتاة يقفان فى الطريق، فاستجوب أعضاء الهيئة الشاب، وحاولا تقويمه بعصا خيرزان ولما رفض الشاب وقاوم عمليه «تهذيبه» طعنه أحد أعضاء الهيئة دفاعا عن النفس.
التيار السلفى نفى أن تكون هذه المجموعة تابعة له، وأعلن أنه شارك فى جنازة الضحية، والجماعة الإسلامية نفت كذلك، ورئيس الجمهورية أصدر بيانا يدين فيه ممارسة مجموعات لا صفة لها «الحسبة» فى الشوارع، وتوعد بملاحقاتها، ولم يتوقف الجدل منذ الكشف عن الحادث، المختلفون مع التيار الأصولى يستخدمون تلك الواقعة للهجوم عليه، وتفزيع الناس منه، وأبناء هذا التيار والمتعاطفين معه يشيرون إلى أصابع أمنية وراء ذلك، يقولون إن كل ما ينشر ويحدث فى الشوارع من قبل مجموعات من الرجال الملتحين، أو السيدات المنتقبات، للاعتداء على الحريات الخاصة للمواطنين، هى مؤامرة لتشويه التيار الأصولى بكل تفريعاته والتخويف منه، وأن هؤلاء الذين يتحركون فى الشوارع ليسوا إلا عملاء غير منتمين للتيار الدينى.
أيا كانت الحقيقة فقد بات من حق المواطن أن يقلق، إما أن هناك من يحاول أن يمارس الحسبة فى الشوارع ويعتدى على حرياته بالوعظ والتدخل والاعتداء، وإما أن هناك عصابات إجرامية تنتحل هذه الصفة لتشويه الأصوليين، وبالتالى فالنتيجة واحدة، أن المواطن ضحية ومعتدى عليه سواء كانت هذه الرواية هى الصحيحة أم الأخرى.
القضية أيضا تحولت إلى منطقة مكايدة سياسية بين طرفين فى إطار استقطاب نخبوى حاد، حتى كادت تتفرغ من أصلها الإنسانى، إن هناك مواطنا مات مقتولا دون ذنب بعيدا عن القانون، وأن من قتلوه مازالوا مطلقى السراح ولا أحد يعرف على وجه اليقين هوياتهم وانتماءاتهم، وأن هناك أسرة مكلومة، وفتاة «ترملت» قبل عقد قرانها، وفزع فى الشوارع.
لنترك التخمينات إذن جانبا ونمسك فى الحقيقة الوحيدة المؤكدة.. أن هناك جريمة قتل، وأن هناك قاتلا لابد أن يقدم للعدالة، وأن هناك قانونا لابد من إعماله بقسوة على كل من يفكر فى الاستهانة به أيا كان.
ليس كافيا أن تصدر الرئاسة بيانا تندد فيه بالواقعة، ولا أن يكتفى كل طرف بإعلان تنصله من «المجرمين»، ولا أن تغرقك الأطراف المختلفة فى تحليلات ومؤامرات أنت غير معنى بها، ما يعنيك أن تكون آمنا فى الشارع، وأن تتصدى الدولة لكل من يعتدى عليك، سواء كان ملتحيا أو غير ملتحٍ، منتميا للتيار الدينى أم عميل أمن دولة.. الجريمة هى الجريمة..!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق