الأحد، 31 يوليو 2011

ليست مجرد أغلبية

بعض الناس يستهل الحديث عن الديمقراطية باعتبارها حكم الأغلبية وفقط، يرفع فى وجهك هذا المفهوم وكأنه صالح للتطبيق فى جميع القضايا، من أول اختيار موقع لإنشاء محطة صرف صحى، وحتى وضع المواد الدستورية وبناء هويات الأوطان.

والحقيقة التى يجب أن تضعها نصب عينيك أن الديمقراطية الراشدة ذات جناحين أساسيين أحدهما حكم الأغلبية، والثانى هو حماية حقوق الأقلية، فليس من حقك مثلا وأنت صاحب أغلبية 80 % فى البرلمان أن تقر قانونا يسقط الجنسية عن جزء من المواطنين المختلفين معك سياسيا أو دينيا، أو أن تستخدم أغلبيتك فى سن قانون يقصر الوظائف العامة على المسلمين دون المسيحيين، أو تتصور أن آخر مطالب بأن يحترم إرادة الأغلبية ونتائج صندوق الاقتراع، حتى لو استخدمت هذه الأغلبية فى حرمانه من حق إنسانى ثابت فى كل الشرائع السماوية قبل المواثيق الدولية والدستور، ويدور حول المساواة وتكافؤ الفرص وحرية الرأى والتفكير والعقيدة. 

جزء من قيمة الديمقراطية أيضا أنها توفر آلية للحوار، لكنه حوار مرهون بالاعتراف بالآخر والقبول بالتنوع، والالتزام بالقيم الأساسية للمجتمع، وتلك القيم الأساسية للمجتمعات ومنها هويتها الأصل فيها أن يجرى بناؤها بالتوافق وليس بالأغلبية، وأن تعبر عن كل الشعب وليس عن أغلبيته أو التيار الرابح فى صندوق الاقتراع، ومن حق كل فرد فى هذا المجتمع أن يجد نفسه ومعتقده الدينى والسياسى، وعرقه إن كان فى مجتمع متعدد الأعراق، فى هوية وطنه ودستوره. 

وكما أنه ليس من حق الأغلبية الانفراد برسم هوية الوطن، ليس من حق الأقلية أيضا تعويق إرادة شعبية غالبة، لكن من حق الطرفين أن يجدا صورتيهما فى الصورة النهائية لهذه الهوية لتخرج معبرة عن التنوع حتى ولو فى إطار نسبة كل طرف ومساحته داخل المجتمع. 

لذلك أقولها لك مرة أخرى، تبنى هوية الأوطان بالتوافق وليس بالأغلبية، لذلك فقد فزعت فزعا شديدا عندما شاهدت بعض الإخوة السلفيين يقارنون بين الوضع فى مصر ونظيره فى أوروبا، ويخبرونك بأن الملكة فى بريطانيا هى رئيسة الكنيسة، وأن المواطنين المسلمين فى أوروبا وأمريكا ما زالوا يفتقدون حقوقا أساسية وفرصا سياسية، وأنهم ليسوا جزءا من هوية أوروبا ولا دساتيرها، وقطعا أنت تدرك الفارق الرهيب بين مسلمين فى أوروبا وأمريكا، حديثى الإسلام، أو مهاجرين من بلاد إسلامية، وبين مسيحيين مصريين مواطنين، ليسوا حديثى التنصر، ولا مهاجرين. 

المسلمون فى أوروبا وأمريكا كانوا شيئا لاحقا للدولة والمجتمع وهويته، لكن المسيحيين فى مصر كانوا شيئا سابقا للدولة والهوية، وليس من حقك أن تعامل شريكك فى الأرض والوطن والتاريخ والنشأة، مثلما يعامل الغرب مهاجرين أو أقلية مستحدثة. 

الديمقراطية يا عزيزى ليست غاية فى حد ذاتها، لكنها وسيلة لبلوغ الحكم الرشيد، والحكم الرشيد هو الحكم الذى يعبر عن الشعب كل الشعب، ولا يقصى أحدا لمجرد أنه لا يملك الأغلبية..!

السبت، 30 يوليو 2011

هوامش على «غزوة» الميدان

كل المؤشرات قبل الأمس كانت تقول إن ميدان التحرير سيشهد بالفعل جمعة للم الشمل، لكن ما رأيته حتى كتابة هذه السطور، كان جهدا فى طريق لم الشمل، يقابله جهد أكبر فى اتجاه تعميق الشق، واستعراض القوة فى الحشد.

بالأمس فقط تستطيع أن تتلمس قيمة التيارات الإسلامية المسيسة، التى مارست السياسة بكل أشكالها، وانخرطت فى حوارات متواصلة مع قوى المجتمع الأخرى، وتحرك خطابها فى اتجاه أقرب للواقع السياسى والاجتماعى المصرى.

الخبرات السياسية التى اكتسبتها التيارات الإسلامية وشبه الإسلامية أو المحافظة وأعنى هنا الأحزاب الخارجة من رحم جماعة الإخوان المسلمين جميعها إلى جانب حزب الوسط وبعض العناصر داخل الجماعات الإسلامية، تبين لك الفارق الشاسع الذى شاهدته فى الميدان بين «إسلامى» يرفع مطالب توافقية، ولا ينفى التنوع واحترامه على الأقل فى تصريحاته، وبين إسلامى يرفع صورة بن لادن ويخاطب الولايات المتحدة بقوله: «يا أوباما كلنا هنا أسامة». 

قطعا لم تقم الثورة من أجل أسامة بن لادن أو غيره، ولم تقم ليرفع من يقولون إنهم الثوار «أعلام السعودية»، لم يخرج الشعب المصرى بكل فئاته وطوائفه وتحمل قنابل الغاز والسحل والضرب والموت، لأنه كان يتوق للعيش فى نموذج حكم كذلك الموجود فى المملكة العربية السعودية، مع احترامى لاختيار السعوديين أو رضاهم أو حتى معادلاتهم الخاصة التى ارتضوها فيما بينهم، لكن داخل النموذج السعودى ذاته هناك حركة ظاهرة لتطويره وتقليص نفوذه الدينى المباشر.

أنت الآن أمام تحد حقيقى فهذه التيارات الإسلامية «غير المسيسة» لم يكن لها حضور حقيقى قبل الثورة، بعضها مارس السياسة بالعنف وتراجع عن ذلك فيما بعد، وبعضها أغلق عليه مسجده وحلقة علمه وابتعد عن السياسة مفضلا التوغل فى المجتمع بأفكار وهابية المصدر.

ليس لدى اعتراض فى أن يتبنى أى طرف ما يشاء من أفكار، أو يختار طريقة تعبده كما يشاء، لكن المشكلة فى التعامل مع السياسة باعتبارها «غزوة» والخروج بالثورة المصرية التى قامت فى الأساس تنشد الديمقراطية والعدالة، فى اتجاه خطاب لا يعترف بالديمقراطية ولا يؤمن بها، ولا يعترف بالتنوع ويحترمه، ولا يعتقد فى أن الانتقاص من حقوق الشركاء المغايرين دينيا فيه أى تجنٍ على مبدأ العدالة الذى يظل مقوما أساسيا لمنطق وفكرة ورسالة الإسلام بمعناها الحقيقى. 

مازالت التيارات الإسلامية الجديدة، تحتاج إلى دراسات وتدريب سياسى واحتكاك متواصل مع الأطراف الأخرى، لذلك لا يجب النفور منها أو الابتعاد عنها لأن فى ذلك خطر حقيقى سيدفعها لمزيد من الانغلاق حول رؤية أحادية، لكن الانفتاح على هذه التيارات المستجدة وجرها للحوار والنقاش وجهد التوافق سيكون أفضل وسيلة لاحتواء هذه التيارات وتحويلها إلى إضافة للمجتمع وليس خصما منه.

وهو حوار واجب خاصة أن الفكرة الإسلامية ذاتها فى صورتها السياسية تجاوزت صورة «أمير المؤمنين» ودعوات الخلافة والحاكمية بالتوكيل الإلهى المطلق وولى الأمر الواجب طاعته، وباتت تنشد المؤسسات وآليات المحاسبة والرقابة واحترام الحقوق والحريات أو هكذا أعتقد..!

الجمعة، 29 يوليو 2011

مَنْ يصنع الفتنة؟

ستكون مخطئا لا شك، إذا ذهبت إلى ميدان التحرير اليوم، معتقدا أن المليونية موجهة ضد المجلس العسكرى. لديك تحفظات على أداء المجلس وعلامات استفهام كثيرة أيضا وأنا معك، لكن جزءا من مهمة مليونية التوافق هذه هى كسر حدة الاحتقان الموجه إلى المجلس العسكرى، ووقف محاولات اعتماده «خصما للثورة» ووقف الشطحات التى تدعو لإسقاطه.

لكن هل هذه مهمة الميدان فقط، الحقيقة أن القول بذلك فيه قدر كبير من الإجحاف، خاصة إذا أغفلت أن جزءا كبيرا من حالة الاحتقان والخصومة صنعها المجلس العسكرى بنفسه، عبر خطابه أو خطابات بعض المعبرين عنه، التى عاثت فى الناس اتهاما وتخوينا وتجاهلا. 

لا تستمع إذن إلى العسكر وهم «يهيبون بالشرفاء» التصدى للفتنة وتفويت الفرصة على دعاتها، دون أن تراهم يبدأون بأنفسهم ويهيبون بجنرالاتهم التصدى للفتنة وتفويت الفرصة على دعاتها عبر الصمت العاقل أو الحديث الواثق المدعم بدلائله. 

ليس من حقك إذن أن تتهم شابا ينادى بسقوط حكم العسكر بإثارة الفتنة، دون أن توجه الاتهام ذاته لجنرال أسهب فى إطلاق اتهامات التخوين والعمالة دون أسانيد موثقة، واعتمد لغة ولهجة النظام المخلوع فى التعامل مع المعارضة، ودخل فى تلاسن سياسى غير لائق بوضع المجلس العسكرى ولا مهمته المؤقتة، ولا مكانته الراسخة فى الوطن. 

لن تصل لحل مشكلة دون أن تضع كل أطرافها أمامك، ودون أن ترصد كل الأخطاء من مصادرها، وليس من حقك أن تتحامل على طرف دون آخر، فالبداية الناجعة أن تضع كل طرف أمام أخطائه، لتصل فى النهاية إلى نتيجة واضحة تفيد بأن الاحتقان الحاصل ناتج عن تراكم أخطاء لجميع الأطراف وعلى رأسهم المجلس العسكرى ذاته، سواء بتصريحات رجالاته، أو حتى بأدائه المتباطئ فى ملفات إدارة الدولة وتطهيرها، ومحاكمات الفساد، أو حتى فى علامات الاستفهام التى تدور حول انفراده بقرارات إصدار القوانين دون مشاورات كافية. 

يملك العسكر فى أيديهم مفاتيح وأد الفتنة فى مهدها، كما يملك الميدان مبادرة واضحة فى هذا الاتجاه، واليوم أنت فى الميدان لتقدم مبادرتك، وتخطو خطوتك نحو التهدئة، وبقيت الخطوة الأهم من المجلس العسكرى، لو أراد أن يخطوها..!

الخميس، 28 يوليو 2011

استعادة روح الميدان

لا يمكن أن تنظر إلى الجهد الذى دار بين الأمس واليوم لكسر حدة الاحتقان بين معسكرى «التحرير» و«رمسيس» لوقف أى صدامات متوقعة بين التيارات الإسلامية وقوى الثورة المعتصمة بالتحرير، إلا بقدر كبير من التقدير، ليس فقط لأن هناك من بادر ودعا للحوار والتلاقى على أرضية مشتركة، ولكن أيضا لأن القوى السياسية بدأت حتى ولو متأخرا فى القيام بواجبها الحقيقى نحو الحفاظ على الثورة ومكتسباتها وزخمها، ووقف محاولات تفتيتها وتقسيمها شيعا وقبائل، وإعادة نموذج ميدان التحرير الموحد الذى صنع الثورة.

الأزمة التى حدثت مع قوى الثورة، أنهم فور إعلان الانتصار المبدئى عقب تنحى مبارك، جرى كل منهم على الغنائم «كيوم أحد»، فانشغل كل فريق بشكل مبكر جدا بوضعه المستقبلى، فغادر الميدان كل من أراد تشكيل حزب، ودخل الجميع فى حوارات وصفقات تمهيدية لضمان مقاعد البرلمان وشكل المنافسة الانتخابية، وأعلن العشرات ترشحهم لانتخابات رئاسية غير واضحة المعالم. 

تسارع الجميع نحو المغانم ونسى الثورة، التى ظن البعض أنها نجحت واستتبت بمجرد تنحى رأس النظام، دون إدراك بأن كل ذلك يمكن أن يتبخر وتعود البلاد للمربع رقم صفر، وتجد نفسك أمام ذات النظام بوجوه مغايرة، وذات الممارسات مع مزيد من المحسنات الشكلية. 

أهدرت قوى الثورة أشهرا طويلة 
فى السعى خلف المغانم، ومحاولة إزاحة بعضها بعضا، ففقدت أهم ما كان يميز ميدان التحرير، ويستحق البناء عليه، والذى تمثل فى خلق تيار رئيسى مصرى متماسك ومتوحد، وقادر على استيعاب التنوع وتوحيده فى اتجاه أهداف قومية عليا. 
جزء مهم من انتكاس الثورة هو فقدها لهذه الروح، وعجزها عن الاحتفاظ بحالة ميدان التحرير، والبناء عليها لتحويل الوطن كله إلى ميدان تحرير متماسك ومتوحد يحترم التنوع والتباينات بين تكويناته المختلفة، ويستفيد من هذا الزخم فى بناء مناخ مفيد للجميع.

لكنك الآن أمام حالة استقطاب حادة ومتطرفة، ربما يكون محورها المجلس العسكرى، فأمامك تياران رئيسيان كلاهما متطرف فى اتجاهه، الأول يسير تحت عباءة المجلس العسكرى بمنهج أنه «ولى الأمر» الواجب طاعته دون جدال أو نقاش، وهو تطرف مفرط فى التفويض والموالاة وربما النفاق فى بعض حالات، وتيار على الجانب الآخر لديه ذات القدر من التطرف فى الاتجاه المعاكس، يبدو وكأنه يناصب المجلس العسكرى العداء، وتخرج منه دعوات ليس لها «عقل سياسى راشد» بإسقاط آخر مؤسسة منظمة وقادرة على تحمل مهام المرحلة الانتقالية. 

لا تحتاج مصر لمن ينافق المجلس العسكرى على طريقة «وأولى الأمر منكم» كما لا تحتاج من يدعو لإسقاطه، لكنها تحتاج من يملك القدرة على أن يحمل العسكر مسئولياتهم فى إدارة المرحلة الانتقالية وفق خريطة الطريق التى خرجت من الميدان والتزم بها المجلس، وأن يضغط عليهم لتسريع حركتهم، وإظهار ولائهم المطلق للثورة، وأن يحاسبهم بقسوة عند الإخفاق أو اتخاذ مواقف تعود بنا للوراء، وفى الوقت نفسه يتصدى لمن يدعو لإسقاط المجلس.

يستطيع التيار الرئيسى الذى خلقه ميدان التحرير فى بداياته أن يصنع كل هذا وأن يضبط هذه المعادلة، لذلك فالواجب الآن ليس الانشغال بالدستور أو الانتخابات أو حتى المحاكمات، لكن باستعادة روح الميدان، فهى الآلية الأقوى لصنع توازن سياسى مع العسكر، والضمانة للاستقرار ووضوح الرؤية، وربما تكون جمعة الغد بداية جديدة على الطريق الصحيح. 

الأربعاء، 27 يوليو 2011

الشيخ المراوغ يعظ

 أتحسس قلبى وأنا أشاهد الدكتور حسن الترابى، يتجول بين النخبة فى مصر ناصحا وواعظا، يعرض مشروعا سياسيا، متنصلا من أى أخطاء فى الماضى، يروج لنموذج حكم مستمد من أفكاره، فيما نموذجه الذى شارك فى صناعته بنفسه، قائم أمامنا ولم يحصد منه السودان سوى الحرب والانقسام والانفصال وتكريس الاستبداد وإقصاء الآخر.

شاهدت الدكتور حسن مع القديرة منى الشاذلى وشاركت فى جزء من الحوار عبر مداخلة تليفونية، فتذكرت الدكتور فتحى سرور الذى قضى كل عمره السياسى فى خدمة النظام ثم خرج بعد الثورة ليتنصل من كل الأخطاء ويظهر كما لو كان ناصحا ومعارضا من داخل النظام. 

الفارق شاسع قطعا بين الترابى وسرور، فالأول مفكر حقيقى لا تستطيع أن تنزع عنه إسهامه الفكرى والفقهى والسياسى مهما اختلفت معه، لكنه ربما يستغل أن من يلتقيهم فى مصر غير مطلعين بما فيه الكفاية على تاريخ السودان ودور الترابى المحورى فيه. 

تحدث الدكتور عن تاريخية أزمة الجنوب وحروبها، رافضا ربطها بتطبيق قوانين سبتمبر الإسلامية عام 83، لكنه أغفل أن النميرى كسر هدنة كانت الأطول فى تاريخ العلاقة بين الشمال والجنوب، والأكثر استقرارا وتكريسا لنظام الحكم الذاتى، الذى كان كفيلا بحماية وحدة السودان، تحدث كذلك عن مؤلفاته المنحازة للحقوق والحريات، لكنه تنصل من إعدام المفكر محمود محمد طه بسبب آرائه وأفكاره، رغم وجوده داخل نظام نميرى، الذى طبق فى أواخر عهده نموذجا إسلاميا مستمدا من أفكاره، وكان الترابى مسئولا عن ملف العدل فى حكمه، يتحدث عن خلاف عميق بينه وبين طه الذى قد يكون شطح فى التفكير، جعله يحيد نفسه لا يقول عنه كلمة جيدة أو سيئة، لكنه لم يتحدث عن دمه الذى يحمله تلاميذه بين أكفهم، وعن مؤلفاته فى الحقوق والحريات التى منعته من التضامن مع حق مواطن فى الحياة لمجرد أنه لا يحب أفكاره، ولم يخبرنا ماذا فعلت مؤلفاته «النظرية» مع «بيوت الأشباح» التى أودع فيها المعارضين فى ظل وجوده داخل الحكم كشريك أو مرشد.

يتحدث الترابى عن رؤية مستنيرة فيما يعرف بـ«الردة» فيما هو وشركاؤه فى الحكم من أول من أزهق الأرواح تحت ستار الردة، ينفى مسئوليته عن تأسيس الجيش الشعبى، ثم يقول إنه كان يحاضر الشباب المتطوعين فيه، كان يخبرهم بأن حرب الجنوب «جهاد» والموت فيها استشهاد، ويصم مواطنيه من أبناء السودان الجنوبيين بالكفرة والوثنيين، ثم يعود ليقول الآن بعد الانفصال إنه أكثر سياسى شمالى شعبية فى الجنوب، والحقيقة أن ذلك ربما يكون صحيحا فقد كان خطابه محفزا على وضع الجنوبيين أمام خيار واحد لا ثالث له وهو الانفصال، وكأنه كان يبنى معهم دولتهم طوال الثلاثين عاما الأخيرة.

يتحدث الترابى أنه كان قائد ثورة أكتوبر ضد نظام عبود، وتلك مغالطة تاريخية يعرفها جيدا، فقد جاء إلى الخرطوم من الخارج قبل الثورة بشهر واحد فيما كانت القوى السياسية تعد لها منذ سنوات، لكن الرجل الذى يطرح نفسه باعتباره ثائرا على الديكتاتورية العسكرية وداعية ديمقراطيا، لا يخفى مشاركته فى إجهاض التجربة الديمقراطية والتخطيط للانقلاب العسكرى الذى جاء بالبشير، يقول إنه دخل السجون وينسى أنه أيضا شارك فى الحكم، وكل حاكم سجنه إما شاركه حكمه قبل السجن أو بعده.

صنع الترابى فى السياسة السودانية كل شىء، نظم الميليشيات للحرب، ثم تصدر دعاة السلام، شارك العسكريين والديكتاتوريين فى حكمهم، كما شارك فى الحكومات الديمقراطية أيضا، دعا إلى الديمقراطية بمفهومها الليبرالى، ودعا أيضا للديمقراطية الديكورية تحت رئاسة العسكر، قال إن الجنوب دار كفر وجهاد واستشهاد، ثم خطب ودهم ودعم انفصالهم.

هذا حصاد نموذج الترابى: فأرجوكم إذا كان لابد لمصر أن تعيش نموذجا إسلاميا فليكن مصريا خالصا، ولتعلموا أن «روشتة الترابى» فى ظاهرها الرحمة وفى باطنها العذاب»..!

الثلاثاء، 26 يوليو 2011

فى مديح دينا عبدالرحمن

لا أكتب لك اليوم عن صديقة عزيزة، وإعلامية متميزة فقط، حتى لو قرأت انحيازى فى السطور، ولمست الشخصنة فى الكلمات، لابد أن تدرك أن القضية برمتها ليست مقدمة برنامج ناجح توقفت عن الظهور استبعدت أو استقالت، لكنها فى ثقافة الإقصاء التى باتت تهدد كل النوافذ التى تحرص على استقلالها فى زمن بات الصحفى والإعلامى مطلوبا منه إما أن يوالى سلطة حكم أو سلطة مال دون بديل ثالث، فيما تشهر سيوف المنع والحذف والإقصاء فى وجه من يسعى لموالاة الناس باستقلال، والانحياز لهم بالحقيقة وليس على حسابها.

لدينا عبدالرحمن موهبة تحميها وتكفيها، موهبة معززة بالفهم، وحضور يكاد يستبد بالكاميرا فيملؤها من جمال طلتها، ورزانة ابتسامتها، ووضوح جملتها، وثبات مواقفها، وشجاعتها حين تواجه النقد أو تستقبل الهجوم، وقدرتها على السيطرة على القادمين من بعيد عبر أثير المداخلات التليفونية، وإلزامهم لائق الكلام، والدفاع عن الغائب فى الحديث.

الأرجح أنها مثل أولئك الذين يناضلون لانتزاع استقلالهم وحمايته والدفاع عنه، كانت تعرف أنه سيأتى يوم تدفع فيه ثمن مواقفها، هذا النوع يجهز نفسه لهذا اليوم ربما قبل أن يبدأ، أو على الأقل حين يتخذ قرارا واضحا ومستمدا من قناعة داخلية، بأن التغريد داخل سرب يعزف ذات اللحن، لا يمنح قارئا أو مشاهدا ما يسد رمقه، فى لحظة يعانى فيها من ظمأ إلى الحقيقة، وشوق إلى اليقين، ولهفة نحو الصدق.

أولئك أيضا يستقبلون لحظة دفع الثمن برضا وارتياح، لا يعبأون بخسائر، ولا يكترثون بمكاسب ربما تأتى إذا خفض المرء رأسه قليلا لقبضة ريح تعبر، يدركون أن الله تعالى إذا كان قد ضمن لعباده العزيزين «الرزق والعمر» فلم يعد لكل من يحمل صفة البشر حجة فى حرص عليهما على حساب الكرامة، أو بيع القناعات والمبادئ، أو رهن الأوطان وتسليمها فريسة سهلة للاستبداد.

لكن الأرجح أنك تدرك أن ما حدث فى قناة دريم، لم يكن فقط إقالة لدينا عبدالرحمن، أو إلغاء لطلتها، وإسكاتا لصوتها الذى كان انحيازه للثورة واضحا ومباشرا منذ اللحظة الأولى ومن قبلها لسنوات مضت، لكنه يعكس روح الاستبداد المتوغلة فى جينات السلطة أيا كان الوجه الذى يشغلها، وشريعة «المصالح أولا» التى تحكم رأس المال، دون اكتراث بما هو أبعد.

وللأمانة فإن جزءا من مخاوف رأس المال، هى ثقافة الاستبداد والتسلط ذاتها التى تستسهل ممارسة الضغوط على رأس المال، لقصف قلم أو إظلام شاشة، يجب ألا تتنكر لحجم ما تعرض له أحمد بهجت منذ أسس قنواته من ضغوط من النظام السابق، وما دفعه من فواتير من ورائها، لكن مع كل التقدير لذلك، هل نقبل منه أن يتراجع فى آخر الطريق فيما الوطن كله قاب قوسين أو أدنى من بلوغ نهاية الاستبداد؟ 
إذا لم تجلب الثورة الإعلام المتحرر من قيد السلطة وهيمنة رأس المال، فيا ليتها لم تقم، على الأقل لم تكمم أفواهنا قبلها..!

الاثنين، 25 يوليو 2011

عن نجلاء بدير والسيد كاطو

لا أعرف إذا كان اللواء عبد المنعم كاطو يعبر فى تصريحاته وتخميناته عن المجلس العسكرى أم يعبر عن نفسه فقط، لكن المؤكد أن حديثه فى جميع الأحوال لا ينفصل كثيرا عن رؤية العسكرى، وطريقة فهمه للأمور وإدارته لشئون البلاد.

لكن المؤكد أيضا على الأقل بالنسبة لى أن كل من يحب المجلس العسكرى ويحتفظ له بولاء وتقدير وانتماء، عليه أن يقنع الجنرالات من أعضاء المجلس بأن يقللوا ظهورهم التليفزيونى ومداخلاتهم وحضورهم الإعلامى المكثف، مادام هذا الحضور مرهونا بخطاب يميل إلى الحدة والتخوين والاتهامات المرسلة وضيق الصدر، واعتبار كل مخالف فى الرأى يملك رؤية نقدية لأداء المجلس العسكرى، «مخربا» بالضرورة.

تعرف أن العسكر يواصلون اتهامهم لحركة 6 أبريل بالعمالة والتخريب، ومازلنا ننتظر من المجلس أن يدعم اتهامه بوثيقة واحدة أو يقدم ما لديه من دلائل لجهات تحقيق محايدة، لكن السيد كاطو أضاف بالأمس الكاتبة الكبيرة نجلاء بدير إلى قائمة «المخربين»، ليس لأنها كانت تجهز زجاجات المولوتوف للبلطجية فى ميدان العباسية مثلا، أو أصدرت أوامر بحماية البلطجية الذين يشهرون السيوف فى وجه الثوار بينما يحوطهم جنود الأمن المركزى، لكن نجلاء فعلت ما هو أبشع من ذلك فى نظر اللواء كاطو، كتبت رأيها فى جريدة التحرير، علقت بكل احترام وصدق وموهبة على خطاب اللواء الروينى، فتحولت فى نظر كاطو إلى «مخربة»، وإذا كان كاطو غير مقتنع بالرد المفحم الذى كالته له بشجاعة ووضوح وصدق الإعلامية دينا عبدالرحمن التى دافعت عن نجلاء ودعته للسؤال عنها وعن مواقفها، فربما أزيده من الشعر بيتا، وأقول له إننى لا يمكن أن أدافع جازما عن 6 أبريل، وكل ما أستطيع قوله إن من لديه وثائق فليبرزها، لكننى أملك من الوقائع والحكايات ما يدفعنى للدفاع عن نجلاء بدير بكل يقين، فقد كانت ومازالت منذ سبعينيات السادات فى صف الحق، قريبة من فقراء هذا الوطن، تخدمهم بإيمان وإخلاص ودون رياء أو ادعاء، تتحرك كمؤسسة «صحة وتكافل» موازية فى الوقت الذى كان النظام السابق الذى كان كاطو جزءا منه بحكم الوظيفة، يثرى على حساب هؤلاء الفقراء ويصدر لهم المرض والجهل ويسرقهم ثم يدعى الشرف والبطولة.

لكن للحق، فالمسألة تتجاوز الغضب من أجل نجلاء بدير، التى لم أندهش أن كاطو لا يعرفها، كما لا يعرف مصر الموازية التى كانت تقاوم فساد مبارك وفشل نظامه فى كل مجال، وحقيقة التحول الذى حدث فيها، ولم يدرك أن الثورة لم تقم إلا على هذا النمط من التفكير التآمرى والتخوين والمستبد والإقصائى والرافض للرأى الآخر، لكن الخطورة أن هذا الحديث «الكاطواوى» يعبر عن نمط التفكير ذاته، وبالتالى سأنضم أنا بعد هذا العمود إلى قائمة المخربين الذين يحملهم اللواء كاطو فى جيبه، ويطلق نيران تخوينه نحوهم فى كل طلة تليفزيونية.

كلنا مخربون إذن مادمنا نقول: لا، حتى لو كانت مرهونة بنصيحة صادقة تعبر عن خوف على هذا الوطن وفى القلب منه المؤسسة العسكرية.

الثورة إذن فى خطر حقيقى، لأن من يحميها ويملك توكيل تحقيق مطالبها يتحرك بعقيدة مبارك وأسلوبه وقناعاته.

كتبت هذه السطور قبل أن أعرف بقرار استبعاد الإعلامية دينا عبد الرحمن من قناة دريم بسبب مواقفها ومداخلتها الشجاعة مع السيد كاطو: دخلنا إذن مرحلة تكميم الأفواه، ويبدو أن هناك من يدفعنا إلى أن نقول: «ولا يوم من أيامك يا مبارك»..!

الأحد، 24 يوليو 2011

مطلوب من العسكر

المؤكد أن السادة المحترمين أعضاء المجلس العسكرى يعرفون أكثر من غيرهم، أن مصر فيها مؤسسة قضاء وتحقيق، والمؤكد كذلك أنك تعرف أن المجلس العسكرى بصلاحياته الثلاث «رئاسة الجمهورية، وسلطة التشريع والرقابة، وقيادة القوات المسلحة» يملك بأى صفة من هذه الصفات الحصول على ما يشاء من وثائق ومستندات.

لذلك وبوضوح وقولا واحدا، لا يليق أن يلقى المجلس العسكرى اتهامات جزافية ومرسلة على أى طرف أيا كان وأن يدخل فى تلاسن سياسى مع أى طرف، فأمامه طريقان لا ثالث لهما، إما أن يمسك داخل نفسه عن أى معلومات مرسلة غير موثقة بأدلة قطعية، أو يقدم كل ما لديه لجهات التحقيق المستقلة ويقبل بالاحتكام إلى القضاء الطبيعى الذى طالما دافع عنه، خاصة فيما يتعلق بمحاكمات رموز النظام السابق. 

تذكر أنه رغم كل ما يخرج من المجلس العسكرى من تأكيدات لنواياهم بتسليم السلطة للمدنيين عقب الانتخابات، وكل ما يقدمونه من إشارات وتطمينات بأنهم ليسوا طامعين فى السلطة، إلا أن جزءا من أدائهم يذكرك دون شك بأداء الرئيس السابق ونظامه، ليس فقط فى بطء الاستجابة للشارع، وبطء اتخاذ القرارات المهمة فى الأوقات المناسبة، ولكن فى منطق التخوين والاتهام المرسل، فكما اتهم المجلس العسكرى حركة 6 أبريل بالتآمر وتلقى أموال أجنبية لتنفيذ أجندات خارجية، فقد سبق لنظام مبارك أن اتهم ميدان التحرير كله بكل قواه ومكوناته بالعمالة وتنفيذ الأجندات الخارجية، وتلقى الأموال المشبوهة. 

إذا كانت 6 أبريل متهمة فليفصل القضاء الطبيعى فى هذا الاتهام، ولكن ما المطلوب من المجلس العسكرى إذا كان لا يملك من الدلائل ما يدعم اتهامه، هل يعتذر، هل يمكن لشباب الحركة الذين قذف المجلس العسكرى فى حقهم واتهمهم باتهامات لو صحت لوجب احتقارهم بين أبناء وطنهم، أن يقاضوا المجلس العسكرى، وإذا كان هذا قطعا من حقهم قانونا، هل ينظر دعواهم قضاء مدنى أم عسكرى؟

كل هذا اللغط سببه أن المجلس بدأ يمارس السياسة بمنطق الفصيل أو الحزب أو الطرف، فدخل فى ملاسنات من تلك التى يتبادلها الفرقاء السياسيون، وهى مسألة لا تناسب وضعه ولا مكانته التى تلزمه بالتدقيق فى كل كلمة تخرج منه، وأن يبدأ بنفسه فلا يستسلم لمناخ التشويه الذى يطول كل شىء، ولعبة تصفية الحسابات، ولا يصبح جزءا من هذه اللعبة البغيضة، ويقدم نموذجا لهؤلاء بأن من لديه معلومات أو وثائق فليقدمها للقضاء ويتحمل مسئوليتها أو فليصمت تماما.

أما فيما يخص تحرك أمس باتجاه مقر وزارة الدفاع، فالمؤكد أنه خطأ فادح سياسيا واستيراتيجيا، وأيضا تسببت فيه معلومات غير مؤكدة وشائعات، ولو توثق كل طرف من معلوماته قبل أن يتحدث أو يتحرك أو يصدر بيانات لتجنبت البلاد كثيرا مما يقع فيها من نوائب.. أو هكذا أعتقد..!

السبت، 23 يوليو 2011

عودة الشيخ حسن

بعد 23 عاما من الغياب والقطيعة يعود الشيخ حسن الترابى إلى القاهرة، يعود داعيا إلى مراجعة التجربة الإسلامية فى السياسة، ومنددا بالحكم العسكرى فى السودان، ومنظرا عن انفصال الجنوب وهو يحمِّل نظام البشير المسئولية عن حدوثه، دون أن يحمِّل نفسه أى مسئولية عما جرى، دون أن يعتذر للشعب السودانى ولمريديه الكثيرين فى العالم العربى كمفكر إسلامى بارز، أنه سقاهم فكرا حالما يبشرهم بـ«الأممية» وعودة الخلافة ووحدة العالم الإسلامى، فإذا بمشروعه ينتهى إلى أن أصبح السودان سودانين، وكل الآمال معقودة أن يبقى كذلك ولا يزداد «طبق الصينى تفتتا». 

شاء الترابى أم أبى، حالف البشير أو اختلف معه، فلا يمكن القول بغير أن هذا المشروع القائم فى السودان مشروعه، نبته وزرعه وثماره أيضا، وليس من حقه أن يترك كل ذلك وراء ظهره، ويتحرك دون أن يجد ثقل الماضى يحد من حركته ويعرقل خطوته.
هذا الشيخ الثمانينى صاحب المسيرة الطويلة التى تثير الإعجاب رغم الاختلاف، وبعض التقدير رغم مرارة سوء التدبير، نحتاجه فى هذه اللحظة كما لم نحتجه من قبل، هذا هو وقته بالفعل، ليس من أجل إعادة إنتاج أفكاره القديمة وترويجها لنا فى مصر حتى لو بمحسنات فى المنتج الجديد، ولكن فقط ليحدثنا عن نموذجه القائم فى الخرطوم، ليراجعه معنا، وليحدثنا عن أخطاء الماضى قبل أن يروج لنا آمال المستقبل. 

يبقى الترابى، سؤالا بلا إجابة كاملة فى السودان، فرض نفسه كجزء من تاريخ السودان ومعادلاته فى مرحلة ما بعد الاستقلال، يبهر أقرانه من السياسيين بقدراته على التحالف مع الديمقراطيات التى حكمت السودان بنفس القدر الذى يتحالف به مع العسكر الذين يأتون لإجهاض تلك الديمقراطيات، هذا غير تحولاته الفكرية، واجتهاده الدينى المثير للجدل دائما. 

صورة الترابى فى ذهنك هى ذلك الفقيه الذى خرجت من عباءته التنظيمات الإسلامية فى السودان، التى يحكم أحد أجنحتها الآن، لكن هل تعرف أن هذا الفقيه بتلك الصورة الذهنية عنه له فتاوى دينية مثيرة فى خطها، فسبق أن أفتى بجواز زواج المسلمة من كتابى «مسيحى أو يهودى»، وأنكر ما تزخر به كتب الفقه حول «عذاب القبر»، واعتبر أن اعتقاد المسلمين الشائع فى «ليلة القدر» فيه قدر كبير من المبالغة وسوء الفهم.

ومن جدل فى الدين إلى جدل فى السياسة، بدأه فور عودته، حاملا الدكتوراه فى القانون من جامعة السوربون، وقبل أشهر من انتفاضة أكتوبر التى أطاحت بنظام الفريق إبراهيم عبود، يقول شهود العيان، كانت القوى السياسية تعمل من أجل هذه الانتفاضة لسنوات، وبعضها فى المعتقلات، ثم جاء الترابى فى الأشهر الأخيرة ليقطف الثمرة، ويصبح شريكا فى الانتفاضة، وشريكا فى الديمقراطية الثانية التى جاءت بعدها.

غادر الإخوان المسلمين، وانقسم بفريق منها مؤسسا حركة إسلامية جديدة انطلقت فى آفاق أبعد ما بين مشاركات ديمقراطية وانتخابية، ودعم لأنظمة عسكرية ومشاركة فى القمع، وحتى دخول المعتقلات والصدام العنيف مع الأنظمة الحاكمة، وحتى حمل السلاح فى وجهها، ونفذ إلى جميع القوى السياسية فى السودان من أصهاره «المهدية» فى حزب الأمة، وحتى التفاهم مع الحركة الشعبية فى الجنوب، وقيادات التمرد فى دارفور الذين نالوا تلمذة طويلة على يديه سياسيا وفكريا. 

دخل فى صدام مع حكم النميرى وتجربة اعتقال طويلة، سرعان ما انتهت بتحالف أثمر عن إعلان النميرى تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان، شارك النميرى فى القمع وفرض الشريعة وإقامة المحاكمات باسمها للتنكيل بالمعارضين، وقبل بضعة أشهر من الإطاحة بالنميرى كاد ينقلب عليه ويدخل فى صدام عنيف معه ويعود للمعتقل، ويسقط النميرى بفعل انتفاضة شعبية، ويعود الترابى مغسولا من جديد وشريكا فى الإطاحة بالديكتاتور، وجزءا من معادلة النظام الديمقراطى الجديد، الذى أجهضه فى عام ١٩٨٩ انقلاب جديد بقيادة البشير تم هذه المرة بدعم الترابى وقيادته. 

بقى الترابى شريكا أساسيا فى نظام البشير، وأكثر من شريك، ظل مرشدا روحيا للثورة، فجميع قياداتها تلاميذه الذين كانوا يهتفون له فى الحشود قبل عدة سنوات، ولم تأت فترة تمكن فيها الترابى من السلطة كالنصف الأول من عمر ثورة الإنقاذ، حتى أطاح به تلاميذه، ودخل معهم فى صدام جديد، ما بين مناوشات واعتقالات كذلك.

لا تتحدثوا مع الشيخ حسن عن المستقبل، قبل أن يصارحكم بأخطاء الماضى، ويجيب على سؤال: لماذا تبقى تجارب الإسلاميين فى العالم العربى ضد الديمقراطية، وأقرب للسلطوية القمعية، وتنفى الآخر «الدينى والسياسى» إن لم تكن تحتقره، وما ضمانات ألا نذوق فى مصر كأس السودان، فيما كانت أمانينا تتجه نحو أردوغان؟

الجمعة، 22 يوليو 2011

حكومة «المصطبة»

هذه المرة هذا ارتباك غير طبيعى وغير مبرر بالمرة، ويزيد تأكيدك أن هناك شيئا خطأ فى مجلس الوزراء، غير معقول أن يتواصل الإعلان عن تعيين الوزراء وإعفائهم هكذا، دون إعلان الأسباب الحقيقية للإعفاء، وقبلها مبررات الاختيار. 

هذه أدلة جديدة على أن هناك إما استسهالا وعشوائية فى الاختيار، أو أنك أمام رئيس وزراء أضعف من المهمة الموكولة إليه، يغير اتجاهاته إلى اليمين بمجرد همسة فى أذنه اليمنى، ثم يحيد مرة واحدة إلى اليسار بمجرد همسة فى أذنه اليسرى.

قبل أن تسأل عن مبررات إعفاء كل الوزراء الذين أعلن عنهم قبل أن يتسلموا مهام عملهم، لابد أن تسأل عن معايير وآلية الاختيار، لابد أن تحاول أن تفهم لتدرك أنك أمام مدرسة «مصطباوية» فى السياسة، يعقد رئيس الوزراء مجلسه كما كان يعقد العمدة مجلسه فى الدوار، يميل عليه شخص ويخبره أنه يعرف رجلا يصلح للوزارة اسمه كذا، فيعينه، وبعد أن يعلن قرار تكليفه، يفاجأ بمن يخبره أن فى هذا الرجل عيوبا كذا وكذا، فيعفيه من منصبه، أو يستسلم أمام بعض مظاهرات وبيانات لو عودتها على الاستجابة المطلقة لرفضها لن ترضى عن أى شخص يتولى الوزارة حتى لو كان واحدا منهم. 

من يفكر لرئيس الوزراء؟ ومن يقدم له المعلومات، ومن يجمع له التحريات ويضع أمامه الملفات والاستطلاعات حتى تساعده على اتخاذ القرار، الأرجح أنه لا شىء، أو أن هناك من لا يؤدى واجبه بأمانة داخل مجلس الوزراء، إما معاونو رئيس الحكومة، أو رئيس الحكومة نفسه، الذى يظن أن «مصطبته» و«حنيته» يصلحان لإدارة أمور البلاد فى هذا الظرف السائل والضبابى، الذى تنشط فيه ماكينات التشويه، ويستسهل الجميع فيه الرفض. 

بأمانة شديدة تحتاج مصر إلى رئيس وزراء قوى، على الأقل يملك برنامجا واضحا ومستقلا للمرحلة الانتقالية، ويفهم أن دوره ليس «تسيير الأعمال» بمنطق «خلى الأيام تعدى» وإنما تمهيد الأرض لحكومة تأتى من بعده وتبدأ فى البناء، يضع ملامح الطريق لهذه الحكومة حتى تأتى لتبدأ العمل فورا دون أن تغرق فى تفاصيل المفترض أن تكون محسومة.

تحتاج مصر لرئيس وزراء على الأقل يملك القدرة على الدفاع عن اختياراته، ويملك القدرة على التبرير المقنع لتراجعه عن اختياراته أيضا، يكاشف الشعب بوضوح إلى حد الصدمة، وينتزع صلاحياته بنفسه إن لم تكن موجودة. 

رئيس وزراء يملك ما هو أكثر من شرعية ميدان التحرير، الذى عبر عليه ليلقى السلام ففوجئ بنفسه فى رئاسة الحكومة دون حول منه أو قوة.. أو هكذا أعتقد..!


الخميس، 21 يوليو 2011

خلف كل جنوب ينفصل.. جنوب جديد

ربما كنت تعتقد أن السودان، بعد فصل الجنوب عنه، سيعيش فى الشمال حالة من التماسك السياسى والثقافى والعرقى، وأن الرئيس السودانى عمر البشير حين بشَّر الجميع بتطبيق الشريعة الإسلامية، وقال إنه بعد انفصال الجنوب لا مجال للحديث عن التعدد والتنوع فى السودان كان محقا، لكن الحقيقة أنه تصوّر مجافٍ تماما للواقع، فالتنوع فى السودان قائم فى الشمال كما هو حتى بعد فصل الكتلة الأكبر فى الجنوب.

فالمسيحيون غير الجنوبيين موجودون فى الشمال، وكذلك الأقباط التابعون لكنيسة الإسكندرية، الذين استوطنوا الشمال قبل مئات السنين، أو اعتنقوا المسيحية حين كانت الديانة الأولى لدولة النوبة العظيمة، التى استقرت على ضفاف النيل فى شمال السودان. 

أضف إلى ذلك التباين القَبَلى والعرقى بين القبائل الرئيسية المكونة للنسيج العام لمجتمع الشمال، سواء فى الشمال حيث يوجد النوبيون، أو فى الغرب حيث قبائل دارفور، أو فى الشرق حيث القبائل العربية المتبادلة بين شرق السودان والجزيرة العربية، أو فى مناطق الوسط التى ظل أغلبها أيضا مناطق مقفولة إما بشكل طبيعى بسبب الوضع الجغرافى أو بسبب القيود السياسية الاستعمارية، التى استمرت مع سياسات التهميش والإقصاء من المركز طوال السنوات الماضية منذ زمن الاستقلال. 

الأرجح أنك تعرف الكثير عن أزمة الغرب فى دارفور بسبب التركيز الدولى عليها، والاهتمام الإعلامى بها، لكنك لابد أن تلتفت إلى أن هناك «جنوبا جديدا» يتشكل فى السودان من المناطق التى كانت، حسب الخريطة الكاملة للسودان الواحد، تقع قرب الوسط، وتحوّلت مع الانفصال إلى مناطق حدودية بين الشمال والجنوب. 

عندك منطقة «أبيى» المتنازع عليها بين الشمال والجنوب، لكن الأهم منها هى مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان وجبال النوبة، التى باتت تمثل جنوبا جديدا ممتدا حتى الحدود الشرقية مع إثيوبيا، ولديه ذات المشاكل من تهميش وإقصاء للثقافات المحلية وبطء التنمية، وتدور فيه الآن نزاعات وتوترات مسلحة. 

مسألة «أبيى» بسيطة رغم التوترات، فقد حسمتها اتفاقية «نيفاشا»، التى جلبت السلام ومنحت الجنوبيين حق تقرير المصير عبر استفتاء محلى، لكن الأهم أن الاتفاقية ذاتها اعتمدت نظام «المشورة الشعبية» فى الولايات الحدودية، صحيح أنها حسمت تبعيتها للشمال، إلا أن المزاج العام فى النيل الأزرق الذى يفضل طلب «حكم ذاتى» للولاية، ونصيبا من الثروة والسلطة، يرسخ تشكّل هذا الجنوب الجديد حتى بعد استقلال الحركة الشعبية بدولتها فى «جوبا».

حاكم ولاية النيل الأزرق «مالك عقار»، هو أيضا رئيس الحركة الشعبية فى الشمال، وأعلن أنه طلب فى استمارة «المشورة الشعبية» الخاصة به «الحكم الذاتى»، واحتج مؤخرا على انفراد الخرطوم بإقرار قانون «المشورة الشعبية» ولم يستبعد اللجوء إلى الفاعليات الدولية لتطوير هذا المطلب إلى «تقرير المصير» ليترجم مقولة زميله الجنوبى فى الحركة «إدوار لينو» بأن «السودان مثل طبق الصينى الذى سقط من يد البشير ليصطدم بالواقع ويتفتت».

بقى أن تعرف أن ولاية النيل الأزرق هى امتداد طبيعى للهضبة الإثيوبية، وإذا كانت هناك أهمية استراتيجية لجنوب السودان تتعلق بمياه النيل، فأهمية منطقة النيل الأزرق أكبر، لأن ٨٠% من المياه الواردة إلى الشمال تمر عبرها.

هناك «جنوب جديد» يتشكل فى السودان الشمالى إذن، بنفس المشكلات التى أدت إلى انفصال الجنوب القديم، ولا يبدو أن هناك من يستوعب هذه التحديات، لأن الخطاب الرسمى مازال مستمرا فى رفض الاعتراف بالتنوع، وسيواصل السودان دفع الثمن.. حتى بعد أن صار نصف سودان!

الأربعاء، 20 يوليو 2011

الميدان أيضًا يسىء الاختيار

 لا يمكن أن تفهم قصة «توزير» عبد الفتاح البنا كوزير دولة للآثار وإعفاءه منها، بعد 24 ساعة وقبل حلف اليمين، وما جرى من لغط حول ذلك، دون أن تربط كل ذلك بالارتباك والعشوائية اللذين ميزا حكومة شرف الأولى، ويبدو أنهما سيستمران مع الثانية، وكأن أصل المشكلة فى الرجل دمث الخلق وقليل الحيلة ومحدود الإرادة الذى يجلس على مقعد رئيس الوزراء.

حكى لى الدكتور على الغتيت رئيس المجلس الاستشارى السابق لرئيس الوزراء الذى تم حله، أشياء كثيرة، ألتقط منها ما هو متاح نشره حول ملابسات استقالته أو عزله أو حل المجلس الاستشارى كدليل على ما سبق وقلته، يقول الغتيت إنه كان يجلس مع الدكتور شرف فى اجتماع ثنائى يتدارسان أحد الملفات ويبحثان مشروعات مستقبلية، ثم تركه وذهب إلى مكتبه، وبعد ساعة بالضبط فوجئ بأحد السعاة يسلمه مظروفا يتضمن قرار رئيس الوزراء بحل المجلس الاستشارى، وبالتالى إلغاء قرار تعيين الغتيت رئيسا له. 

أربط هذه الطريقة فى الإدارة والسلوك، مع ما حدث مع وزير الآثار الذى تم عزله أو دفعه للاعتذار قبل حلف اليمين لتدرك ما أقوله لك بأن هناك شيئا ما خطأ عند رئيس الحكومة تحديدا، وأنه قد تكون المسألة كلها أكبر من قدرات هذا الرجل المحترم، فى زمن أنت متأكد أن الاحترام وحده لا يكفى، وليس كل محترم يصلح رئيسا للوزراء، لأن الأمر يتطلب مهارات وقدرات آخرى، ومستوى من الكفاءة الإدارية والرؤية السياسية والقوة والحزم كذلك. 

أعود بك إلى البنا الذى خرج ليقول إن شرف قال له: «عفا الله عما سلف»، فيما يخص السرقات التى حدثت للآثار، وهى مصيبة كبرى أن يطلب رئيس وزراء يقال إنه قادم من ميدان التحرير التستر على جرائم حدثت وكانت جزءا من الفساد العام الذى ميز النظام الذى قامت الثورة لإسقاطه والإطاحة به، وحتى وإن كان البنا أساء فهم الحديث، كما قال المتحدث باسم مجلس الوزراء، وأن اعتراضات الأثريين كانت سببا فى استبعاد البنا، فهى مصيبة كذلك، أولا فى كفاءة الاختيار التى تدفع رئيس حكومة أن يختار وزيرا دون جهد فى البحث والاستطلاع لضمان أن الاختيار سيرضى القطاع المستهدف، والثانى عدم توافر الإرادة فى الدفاع عن الاختيار والتراجع بعد 24 ساعة فقط تحت ضغط مظاهرات يعرف القاصى والدانى أن «فلول زاهى حواس» هم وقودها الأساسى. 

قطعا رواية مجلس الوزراء ضعيفة ومهلهلة على الأقل فى رأيى الشخصى، فكم من وزير فى هذه الحكومة والتى قبلها واجه اعتراضات ومظاهرات ولم يجر تغييره، أو على الأقل تم منحه فرصة لمواجهة هذه الاحتجاجات وتقييمه على بضعة أشهر من العمل. 

ربما يكون شرف بلا صلاحيات حقيقية رغم كل ما يتردد ويجرى تأكيده بعكس ذلك، وتلك أيضا مصيبة أن يقبل بذلك للمرة الثانية، وتؤكد من جديد أنه جزء من المشكلة وليس الحل، حتى وإن قلت لى تعقيبا على كل سطر الجملة التى باتت بلا مضمون بأنه اختيار ميدان التحرير، لأننى سأرد عليك بهدوء وأقول: إن الميدان أيضا قد يسىء الاختيار..!

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

غسل الأخبار

 هل تعرف أن الأخبار، خاصة «المشبوهة» تخضع لعمليات غسل مثلها مثل الأموال التى لا تعرف مصدرها؟ 

الأخبار أيضا تحتاج دائما إلى شرعية، حتى تحوز مصداقية محددة، وشرعية الخبر فى مصدره المعلن، سواء كان هذا المصدر تصريحا من شخص، أو حدثا معلوما، أو وثيقة، أو ناقلا صحفيا من «الثقات» ينقل لك معلومات توصل لها، ويطرحها «مجهولة» لكنه فى النهاية لا يستطيع إغفال معايير الخبر الأساسية «من ــ ماذا ــ أين ــ كيف ــ متى». 

فى عالم السياسة والمخابرات تحديدا هناك أخبار يجرى غسيلها بعيدا عن المنطقة، كأن تقرأ خبرا عن قدرات الردع النووى الإسرائيلية، فى صحيفة إسبانية، تنقله وكالة أنباء يابانية، ثم تنشره مجلة تركية، وأخيرا تذيعه محطة فضائية عربية، لينتهى بترسيخ ما فيه من معلومات فى ذهن المتلقى العربى، أو يصل برسالة ما لصانع القرار العربى، بعيدا عن أى ظهور إسرائيلى فى مسار الخبر المنشور منذ خروجه فى أقصى الغرب إلى استقراره فى المنطقة العربية. 
لعبت إسرائيل هذه اللعبة أكثر من مرة بالشكل الذى يسمح لها بتسريب معلومات، أو توجيه الرأى العام، دون أن تظهر أو تقع فى صدام مع حلفائها داخل الأنظمة الحاكمة فى المنطقة وبالشكل الذى يسمح للأخبار أن تؤدى مهمتها ويسمح لإسرائيل أن تتنصل منه عند الحاجة، أو تكتفى بحالة اللانفى واللاتأكيد. 

هى لعبة الأرجح أن الكثير فى مصر يعرفها ويمارسها أيضا، خاصة مع تصاعد الاهتمام بالشبكات الاجتماعية وأشكال النشر الإعلامى الجديدة على شبكة الإنترنت، التى أصبحت مجالا مفتوحا بلا رقيب لتسريب الأخبار أو الشائعات، وهى درجة محدودة من «الغسل» لكن الدرجة الأعلى كما قلت لك هى استخدام وسائل إعلام عابرة للأقطار وربما القارات لنقل الخبر حتى يصل إلى المكان المستهدف منه.

بعض الساسة والنخب المصرية «المشتاقة» أو الحريصة على التلميع المستمر تحترف ذلك، فتفاجأ بتقارير إخبارية فى صحف إسرائيلية تعتبر أن المرشح «الفلانى» فى مصر كان معاديا للدولة العبرية، أو تعبر عن انزعاج المجتمع الإسرائيلى من فرص «علان»، وهى تقارير دون مصدر رسمى، بما يعنى أنها يمكن أن تستهدف بالعكس الترويج للشخص ذاته ومساعدته على رفع شعبيته، أيضا قد تحتفى وسائل إعلام مصرية بموضوعات تسجيلية ومساحات إعلانية اشتراها رجل أعمال فى صحيفة عالمية لتمدح فيه، فيتم التعامل معها داخليا باعتبارها تقديرا عالميا للرجل.

لديك مثال واضح على ذلك، فقد راجت فى مصر قصة رسالة الزعيم الأفريقى نيلسون مانديلا لثوار مصر وتونس التى دعا فيها للتسامح والتصالح مع الماضى، احتفت غالبية الصحف والمواقع المصرية بالرسالة بحسن نية، لكن مكتب مانديلا نفاها فى اليوم التالى.

عندما تدقق فى المعلومات ستجد أن «الرسالة المنسوبة لمانديلا» نشرتها جريدة «موريتانية» ثم التقطتها مواقع عربية ومصرية، وظلت تتنقل حتى وصلت إلى صحف مطبوعة ومحطات فضائية ذات اعتبار وسمعة ومصداقية، وهذا هو لب نظرية «غسل الأخبار» أن يتحرك الخبر تدريجيا فى وسائل غير معروفة حتى يحط فى وسائل إعلام معتبرة تمنحه المصداقية والولوج إلى الرأى العام المستهدف. 
لماذا إذن تستبعد أن يكون مصدر هذا الخبر من داخل مصر، وأن شخصا ذكيا استخدم أسلوب مانديلا واطلع على سوابق تصريحاته، وصاغ رسالة قريبة من شخصيته ومفاهيمه، وصدرها إلى موريتانيا، ثم أعاد استيرادها لتؤدى مهمتها فى مصر، وتقنع الناس بالتصالح مع اللصوص والقتلة.. انتبهوا يرحمكم الله!

غسل الأخبار

هل تعرف أن الأخبار، خاصة «المشبوهة» تخضع لعمليات غسل مثلها مثل الأموال التى لا تعرف مصدرها؟ 

الأخبار أيضا تحتاج دائما إلى شرعية، حتى تحوز مصداقية محددة، وشرعية الخبر فى مصدره المعلن، سواء كان هذا المصدر تصريحا من شخص، أو حدثا معلوما، أو وثيقة، أو ناقلا صحفيا من «الثقات» ينقل لك معلومات توصل لها، ويطرحها «مجهولة» لكنه فى النهاية لا يستطيع إغفال معايير الخبر الأساسية «من ــ ماذا ــ أين ــ كيف ــ متى». 

فى عالم السياسة والمخابرات تحديدا هناك أخبار يجرى غسيلها بعيدا عن المنطقة، كأن تقرأ خبرا عن قدرات الردع النووى الإسرائيلية، فى صحيفة إسبانية، تنقله وكالة أنباء يابانية، ثم تنشره مجلة تركية، وأخيرا تذيعه محطة فضائية عربية، لينتهى بترسيخ ما فيه من معلومات فى ذهن المتلقى العربى، أو يصل برسالة ما لصانع القرار العربى، بعيدا عن أى ظهور إسرائيلى فى مسار الخبر المنشور منذ خروجه فى أقصى الغرب إلى استقراره فى المنطقة العربية. 
لعبت إسرائيل هذه اللعبة أكثر من مرة بالشكل الذى يسمح لها بتسريب معلومات، أو توجيه الرأى العام، دون أن تظهر أو تقع فى صدام مع حلفائها داخل الأنظمة الحاكمة فى المنطقة وبالشكل الذى يسمح للأخبار أن تؤدى مهمتها ويسمح لإسرائيل أن تتنصل منه عند الحاجة، أو تكتفى بحالة اللانفى واللاتأكيد. 

هى لعبة الأرجح أن الكثير فى مصر يعرفها ويمارسها أيضا، خاصة مع تصاعد الاهتمام بالشبكات الاجتماعية وأشكال النشر الإعلامى الجديدة على شبكة الإنترنت، التى أصبحت مجالا مفتوحا بلا رقيب لتسريب الأخبار أو الشائعات، وهى درجة محدودة من «الغسل» لكن الدرجة الأعلى كما قلت لك هى استخدام وسائل إعلام عابرة للأقطار وربما القارات لنقل الخبر حتى يصل إلى المكان المستهدف منه.

بعض الساسة والنخب المصرية «المشتاقة» أو الحريصة على التلميع المستمر تحترف ذلك، فتفاجأ بتقارير إخبارية فى صحف إسرائيلية تعتبر أن المرشح «الفلانى» فى مصر كان معاديا للدولة العبرية، أو تعبر عن انزعاج المجتمع الإسرائيلى من فرص «علان»، وهى تقارير دون مصدر رسمى، بما يعنى أنها يمكن أن تستهدف بالعكس الترويج للشخص ذاته ومساعدته على رفع شعبيته، أيضا قد تحتفى وسائل إعلام مصرية بموضوعات تسجيلية ومساحات إعلانية اشتراها رجل أعمال فى صحيفة عالمية لتمدح فيه، فيتم التعامل معها داخليا باعتبارها تقديرا عالميا للرجل.

لديك مثال واضح على ذلك، فقد راجت فى مصر قصة رسالة الزعيم الأفريقى نيلسون مانديلا لثوار مصر وتونس التى دعا فيها للتسامح والتصالح مع الماضى، احتفت غالبية الصحف والمواقع المصرية بالرسالة بحسن نية، لكن مكتب مانديلا نفاها فى اليوم التالى.

عندما تدقق فى المعلومات ستجد أن «الرسالة المنسوبة لمانديلا» نشرتها جريدة «موريتانية» ثم التقطتها مواقع عربية ومصرية، وظلت تتنقل حتى وصلت إلى صحف مطبوعة ومحطات فضائية ذات اعتبار وسمعة ومصداقية، وهذا هو لب نظرية «غسل الأخبار» أن يتحرك الخبر تدريجيا فى وسائل غير معروفة حتى يحط فى وسائل إعلام معتبرة تمنحه المصداقية والولوج إلى الرأى العام المستهدف. 
لماذا إذن تستبعد أن يكون مصدر هذا الخبر من داخل مصر، وأن شخصا ذكيا استخدم أسلوب مانديلا واطلع على سوابق تصريحاته، وصاغ رسالة قريبة من شخصيته ومفاهيمه، وصدرها إلى موريتانيا، ثم أعاد استيرادها لتؤدى مهمتها فى مصر، وتقنع الناس بالتصالح مع اللصوص والقتلة.. انتبهوا يرحمكم الله!

الأحد، 17 يوليو 2011

محاكمة فعقاب فتسامح بلا نسيان

جزء أصيل من نجاح أى ثورة هى قدرتها على التطهر من كل خطايا الماضى التى ثارت عليه وتكونت لتغييره والإطاحة به.. تسمع كثيرا هذه الأيام أحاديث عن التسامح والنسيان آخرها رسالة الزعيم الأفريقى صاحب التجربة الخالدة والنادرة نيلسون مانديلا التى دعا فيها لاستلهام تجربة بلاده فى المصالحة، وقبل مانديلا كان البعض يحدثك عن النظر للأمام، والالتفات للبناء، دون الاستغراق فى فتح ملفات الماضى، وهو حديث يحمل من الوجاهة الكثير لا شك، لكنه ربما يصدر عن من يحاول إغلاق الماضى على جروحه ربما ليفلت من المحاسبة، أو ليفلت من يحبه، وهذا ممن يقولون لك كلمة الحق التى يراد بها باطل، وهناك من يطلب منك ذلك بحسن نية وهو متطلع بالفعل للبناء ويرى أن الأهم هو التفكير فى صياغة المستقبل، بدلا من الاستغراق فى مستنقعات الماضى، وهى نوايا طيبة قطعا وأهداف نبيلة لا يمكن أن تستهجنها.

لكن الفارق كبير كما تعرف بين تجربة جنوب أفريقيا والتجربة المصرية، قطعا الأولى كانت أقسى وأعمق نفسيا، لكنها حسب وصف مانديلا تطلبت لإنجازها مصالحة قائمة على اعتراف الجانى أمام المجنى عليه واعتذاره، وحتى هذه اللحظة ومع كل التسريبات التى تخرج من التحقيقات مع رموز النظام السابق ورأسه، لا أحد يتحدث عن خطأ أو يعترف بذنب، ناهيك عن أن التعامل مع ثقافة تعبر عن قناعات معلنة حتى لو كانت عنصرية بغيضة، مغاير تماما للتعامل مع عصابة بكل معنى للكلمة.

الحديث جميل عن التسامح والنسيان، وإن كنت أميل إلى اعتبار التسامح فضيلة، أما النسيان فجريمة، خاصة إذا ما تعلقت بإضرار عمدى بك وبمستقبلك ومقدراتك.. يمكن أن تتسامح، لكن إياك أن تنسى، لأنك إذا فقدت ذاكرتك، وخرج من وعيك ما تسامحت عنه، فإن هذا التسامح سيتحول إلى لا شىء بمجرد نسيان أسبابه، التى سيتناساها الجانى نفسه. المجتمعات تحيا بالذاكرة، وتأخذ العبر والدروس من السوابق، وما تأخرنا وتراجعنا ودخلنا فى عقود انحطاط إنسانى وحضارى، إلا لأننا نسينا، ولأن ذاكرتنا طوال الوقت كانت ضعيفة، و«النفس الجمعى» كان قصيرا جدا فيما يخص القضايا الحيوية، وعندما تتحدث عن التسامح، لابد أن تفهم أنه قبل حدوثه يلزم حدوث شىء من اثنين هما الاعتذار أو العقاب، وقطعا أنت تعرف أن هناك أمورا يكفى فيها الاعتذار، وأمورا لا يجوز فيها إلا العقاب، وبدون إحدى هاتين القيمتين الكبيرتين لا يجب أن تتحدث عن التسامح أو تحاول الترويج له. 

لكن وأنت تنشد العقاب لابد أن تعرف أن ترك هذه الرغبة فى العقاب رهن مشاعر الناس، وعدم ضبط فوران الاتهامات التى تذهب مرسلة، قد تؤدى إلى أن تفقد الثورة كل زخمها القيمى، بمجرد أن يتحول قطاع كبير من المتهمين إلى مظلومين حقيقيين يضحى بهم من أجل تهدئة رأى عام ثائر ومنفعل. حتى تنجز الثورة مهمتها، لابد أن تضمن أولا محاكمات عادلة للجميع بمن فيهم خصومها المباشرون، وأن تصر على العقاب، قبل أن تتحدث عن التسامح، وتدعو للتسامح بعد العقاب ولا تدعو أبدا للنسيان..! 

السبت، 16 يوليو 2011

إسقاط وليس إصلاحًا

قد تستشعر من الأزمة التى نعيشها اليوم، أن هناك أطرافا فى المجتمع لم تحسم أمرها فى تسمية ما حدث فى 25 يناير بأنه ثورة، قد تسمع وزراء فى حكومة شرف الحالية يحدثونك عن الأحداث أو الانتفاضة أو الهبة الشعبية، وقطعا هناك أطراف خسرت مما حدث يهمها تقزيم ما حدث إلى درجة أدنى من الثورة، وهى درجة تساعدهم على إعادة انتاج النظام القديم، وتمنحهم الأمل فى البقاء فى دائرة الحفاظ على مكتسباتهم التى تحققت مع النظام الساقط.

هناك أطراف أخرى ومهمة مازالت تراوح نفسها، أحيانا تجدها معترفة بالثورة، وأحيانا تجدها متراجعة فى هذا الاعتراف، تستشعر كذلك أن بعض الأطراف داخل المجلس العسكرى ذاته يتعاملون معك باعتبار أن ما جرى كان انقلابا أبيض أو ثورة قصر، وأن ما حدث فى ميدان التحرير لم يكن إلا «حركة إصلاحية» التقط خيطها الجيش وتحرك لإجبار رأس النظام على التنحى. 

الخطورة فى هذا الطرح ليس مجرد خطف الثورة أو خصخصتها لصالح طرف بعينه، بعد أن كان التباهى الرئيسى أنها ثورة كل الشعب بكل شرائحه وطوائفه، ولكن فى أن القبول بهذا الطرح يعنى اعتبار ما جرى وكأنه تصحيح ذاتى داخل النظام القائم منذ يوليو 1952، وبالتالى يكون الحل الأنسب هو إعادة إنتاج نظام جديد من رحم القديم، يخطو خطوة متطورة عن السابق، لكنه يبقى محتفظا بالسمات الأساسية لأنظمة يوليو. 

تسمع من يخبرك بأن ما جرى 
كان موجة متأخرة لثورة يوليو، جاءت لتحقيق الهدف السادس لثورة الضباط الأحرار المجيدة، بإقامة حياة ديمقراطية سليمة، واستعادة ما أهدرته السنوات الأربعون الأخيرة من إخلال بالعدالة الاجتماعية التى قام عليها نظام عبدالناصر، وحصل بسببها على تفويض جعل الديمقراطية والمشاركة فى صنع القرار تأتى فى مرتبة متأخرة من هرم أولوياته. 

بعض «اليوليويين» نسب إلى ثورة يوليو، يعتقد أن الثورة قامت فى ميدان التحرير ليس لمجرد تحقيق أهداف كالديمقراطية والدستور الحديث، ولكنها قامت لاستعادة البرنامج الاجتماعى لعبدالناصر، الذى تجلى فى الشعار المبدئى للثورة «عيش حرية كرامة إنسانية» ويرى هذا الفريق أن تآكل المكتسبات الناصرية على المستوى الاجتماعى كان المحفز الرئيسى على الحركة الشعبية، لاحظ أن وقود الاحتجاجات كان عمال المعاش المبكر وضحايا الخصخصة، لكن هذا الطرح وإن كان جزءا من الحقيقة، إلا أنه ليس كل الواقع وليس كل اليقين، وطرحه بهذه الطريقة حتى لو من شخصيات لا أشك فى وطنيتهم وديمقراطيتهم، واعترافهم بالأخطاء الناصرية فيما يخص الحقوق والحريات، يعطى الفرصة لمن يحاولون خطف الثورة من داخل النظام القديم، للارتكاز على تخريجات فكرية تصب فى اتجاه أن الثورة قامت من أجل إصلاح نظام يوليو وليس إسقاطه. 

ليس عيبا أن نقول إن نظام يوليو سقط، والواقع أنه سقط شعبيا منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضى، وأطلقت عليه الجماهير فى 2011 الطلقة الأخيرة، والأفضل للجميع أن نترك الثورة الجديدة تبنى نموذجها السياسى والاجتماعى، لأن مقاومة ذلك أو محاولة توجيهه بماضاوية، يعنى خطف الثورة وإعادة تأميم أحلام المصريين..!

الجمعة، 15 يوليو 2011

تطهير أم طبيعى؟

هناك من يقنعك أن الداخلية تطهرت، بعد أن أجرت أكبر حركة تنقلات فى تاريخها، وأقصت مئات اللواءات وعشرات العمداء والعقداء، إلى جانب تنقلات وترقيات لعدد هائل جديد.

من جانب يُقدم لك كل ذلك باعتباره إصلاحا واستجابة لمطالب المتظاهرين، ومن جانب آخر يعطيك إحساسا بأن رجال العادلى أطيح بهم، والمتهمين بقتل الثوار أيضا، ومن جانب ثالث تجد الداخلية التى حاولت أن تفرض سياجا من الحماية على المتهمين بقتلة الثوار، وتنفى وجود القناصة، وترفض تسليم وثائق أمن الدولة المنحل لدار الوثائق القومية، تقدم المئات من ضباطها ولواءاتها غير المتورطين فى جرائم داخل «حركة» أقل وصف حصلت عليه أنها حركة «تطهير»، بما يعنى أنها ألحقت عارا برجالها. 

ما ذنب ضابط كان يعمل بالجوازات أو التدريب أو الحراسات، أو حتى مباحث الكهرباء، ولا يوجد فى سجله ما يشين، ولم يكن هناك طوال تاريخه الوظيفى احتكاك مباشر مع المواطنين يمكن الزعم من خلاله أنه مارس التعذيب أو التجاوز، ولم يكن فى معركة المواجهة مع الثوار، أن يخرج إلى التقاعد فى حركة كتلك، لتبقى كلمة التطهير تطارده، وربما تلاحق أولاده من بعده.

المؤكد أنك تعرف أن غالبية هذه الحركة للواءات وصلوا بالفعل لسن التقاعد الرسمى، وخروجهم من المفترض أنه طبيعى حتى لو لم تقم فى مصر ثورة، لكن تقديم هؤلاء للشارع وكأنهم عار تتخلص منه الداخلية، فيه تجنى منها على حقوق أبنائها، الذين تدافع عنهم وتحميهم وهم متهمون بالقتل، وتضع غيرهم على مذبح الرأى العام رغم عدم اتهامهم بشىء. 

كنت أتمنى أن يقسم وزير الداخلية حركته إلى جزءين الفارق بينهما واضح تماما، الأول ضباط تم إخراجهم للتقاعد، أو نقلهم، أو وقف ترقياتهم، بسبب تورطهم فى ممارسات جائرة خلال الثورة وقبلها، واتهامهم بارتكاب جرائم ضد المواطنين والثوار، والثانى ضباط وصلوا لسن التقاعد بشكل طبيعى، أو تم نقلهم بمعايير وظيفية بحتة لا اعتبارات سياسية فيها، وأن يكون هناك فارق زمنى فى الإعلان عن كل منهما، ضمانا لعدم اختلاط الحابل بالنابل، وحماية لضباط غير متجاوزين من عار كلمة «تطهير» التى ستلاحق أى متقاعد سيجد صعوبة فى اقناع الناس أنه لم يكن متهما فى شىء وأن تقاعده مسألة وظيفية وطبيعية، وستؤثر على معنويات أى منقول سيواجه عند أول احتكاك بينه وبين الشارع من يقول له: «يعنى هما يعملوا تطهير فيجيبوك عندنا».. أو من يسأله ساخرا: «الباشا تطهير ولا طبيعى»؟!

لكن الخطورة أيضا أن يعتقد وزير الداخلية أنه أنجز ما هو مطلوب منه لإصلاح الوزارة بعد هذه الحركة، وأن يعتقد أننا لا نعرف أن العشرات من لواءات الشارع الذين كانوا يحتكون بالمتظاهرين ويقودون الاعتداءات عليهم مازالوا فى مواقعهم أو تمت ترقيتهم، كذلك ضباط قضية «قتل الثوار» الذين اكتفى بنقلهم دون الوقف الاحترازى عن العمل، والأهم من كل ذلك تغيير معايير اختيار الضابط الجديد، والثقافة التى توهمه من اللحظة الأولى أنه «باشا» وفوق القانون وليس حاميا له..!

الخميس، 14 يوليو 2011

أسقط مبارك الذى بداخلك

 من الذى جلب المحاكمات العلنية وجعلها متاحة بشاشات خارج قاعات المحاكم؟ 
من الذى تسبب فى التغيير الوزارى المرتقب فى حكومة شرف والذى من المفترض أن يقصى كل وزراء أمانة السياسات من المشهد؟ من الذى حقق تغييرا داخل وزارة الداخلية حتى لو كان غير مرض بعد؟ قطعا الشارع ولا أحد غيره.

لا أعرف لماذا يتجاهل أولئك الذين يلومون المعتصمين ويحملون اعتصاماتهم كل مصيبة هذه الحقائق. إنه لولا شارع يضغط، حتى لو بقدر من التصعيد المرفوض، لما تحقق شىء.

كنت أتمنى أن يضع اللواء الفنجرى فى بيانه الذى «أداه»، تحملا واضحا للمسئولية عن الأخطاء السياسية التى وقعت خلال الأشهر الماضية، وعن بطء الحركة، وبطء الإنجاز. 
هل تعرف أننا بالأمس عدنا عند نقطة الإطاحة بحكومة أحمد شفيق، فما سمعته أمس الأول سواء من رئيس الوزراء، أو من المجلس العسكرى، من تعهدات ووعود هى فى الأصل المهمة الأساسية لحكومة شرف، ومعنى أن يعاد التعهد بما سبق التعهد به دون تفسير أسباب عدم الوفاء به خلال الشهور الماضية، هو من ناحية تقصير فادح، ومن ناحية أخرى، إهدار غير مبرر لأشهر الفترة الانتقالية دون إنجاز مباشر.

لا أعرف معنى أن تكون كل الخيارات مفتوحة أمام المجلس العسكرى، وما دلالة ذلك تحديدا، لكن ما أفهمه أن هناك خيارا وحيدا سينجو بهذا البلد، ويوفر له الاستقرار الذى يأمله، ويسمح له بالتقاط الأنفاس للنظر إلى المستقبل، وهذا الخيار يتلخص فى غلق ملف الماضى، وهذا الغلق لن يتأتى إلا بانجاز المحاكمات كاملة دون نقصان ودون تمييز لمتهم دون آخر، وأمام قضاة طبيعيين، وتفويض حكومة وطنية خالية من وجوه الماضى أيضا، أو الوجوه التى تربت فى أحضانه، لتسيير الأعمال بصلاحيات كاملة، وأن يتفرغ المجلس العسكرى لإدارة الحوار على شكل الدولة وطبيعة دستورها ونظامها القانونى.

أتعجب من دعوة المجلس العسكرى الناس كل يوم للهدوء والاستقرار، بينما كل الخيوط فى يديه، وأمامه خريطة طريق واضحة المعالم لجلب هذا الاستقرار إذا ما أنجزها بتوقيتات محددة ودون تصدير إحساس للناس أنه لا يرغب فى قطع الطريق على الماضى للتأثير على المستقبل. 

يحتاج كل عضو فى المجلس العسكرى أولا أن يسقط مبارك من داخله، ما تعلمه منه وما قد يكون باق فى داخله من ولاء أو تقدير له، كما شارك مع الجماهير فى إسقاطه من المشهد وإزاحته من الحكم، فإذا كان هناك من قبل للرجل أن يدمر ما مضى ويعرقل وطنا ويسرق أعمار أجيال، فلا يجب السماح له من مقره فى شرم الشيخ أن يلغم لنا المستقبل، حتى لو كان لا يفعل شيئا حقيقيا، لكن يكفى وجوده بلا حساب، ولا عدالة، وبمزيد من الرفق والتمييز الإيجابى.

الطريق إلى جلب الاستقرار وفض الاعتصامات واضح ومعروف، لكن البعض يكابر عن السير فيه، ثم يضطر لذلك، وتذكر أن مطلب الحكومة الوطنية كان رئيسيا قبل أشهر، لكن هناك من قاوم و«قاوح» ثم رضخ فى النهاية إلى صوت العقل، فلماذا تهدرون الوقت.. وإلى متى سنبقى أسرى هذا العناد؟!

الأربعاء، 13 يوليو 2011

(الصندوق) عنوان الحقيقة

هل أنت ديمقراطى؟ قطعا ستقول نعم، لكن ما معنى ذلك ببساطة، معناه أن تكون مقتنعا وملتزما بأن صندوق الاقتراع «النزيه طبعا» لابد أن يكون الوسيلة الوحيدة للتغيير والتداول، ولم تقم الثورة فى مصر إلا بعد أن فقدت الأمل تماما فى هذا الصندوق النزيه، خصوصا بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة التى ضربت المسمار الأخير فى نعش النظام السابق وشرعيته. 

الديمقراطية أيضا تلزمك أن تقبل بنتائجها حتى لو جاءت عكس إرادتك وقناعاتك، تعرف أن فى «أوروبا والدول المتقدمة» تقضى البروتوكولات السياسية أن يعترف أى خصم انتخابى بهزيمته بمجرد إعلان النتائج، وأن يهنئ الفائز، ويقر بوضعه المستجد والمترتب على نتيجة الانتخابات. 

لكن ماذا تفعل كديمقراطى مؤمن بهذه الآلية وهذا المنهج فى الاختيار والفرز والتنافس، إذا جاءت نتائج انتخابات عكس إرادتك، دون أن يكون فيها شبهات تزوير وتجاوز، بمعنى أنها جاءت معبرة عن مزاج الناخبين فى تلك الفترة؟ لا شىء قطعا أمامك سوى أن تسعى لخوض اختبار انتخابى جديد وفق الآليات القانونية المتبعة فى هذا الأمر سواء كان يتعلق بتنافس سياسى أو نقابى، أو حتى صراع على رئاسة نادٍ. 

لكن المقلق فعلا أنك تجد فى مجتمعنا إيمانا متزايدا بالديمقراطية، لكنه إيمان مرهون باستجابة هذه الآلية لإرادة ما، الكل يريد الديمقراطية ليمارسها وحده دون غيره، أو ليستأثر بنتائجها وحده دون غيره، ينطبق ذلك على أولئك الخائفين من الانتخابات «حتى لا يربحها الإخوان»، وكأنك من المفترض أن تنزل تنافسا مسبوقا بضمانات النتائج، قطعا أتفهم رغبة الأحزاب الجديدة فى الاستعداد، لكن الأحزاب القديمة التى تمتلك عمرا مساويا للإخوان ويزيد ما هو مبررها؟. 

أضعك أمام مثال تطبيقى مباشر، حدث قبل يومين فى انتخابات نقابة السينمائيين التى فاز بها النقيب السابق مسعد فودة، وانتهت إلى تهديد عدد من السينمائيين بالاعتصام احتجاجا على النتيجة التى عادت بأحد «رجال النظام السابق وعملاء أمن الدولة والفلول» كما يقولون، كذلك هدد عدد من أعضاء المجلس بالاستقالة احتجاجا على نتائج لم يطعن عليها حسب معلوماتى. 

كل ما تقرأه عن هذا الملف لا يقترب لنزاهة الانتخابات ولا يقدم ما يشير إلى تجاوز، وأنا شخصيا كنت أتمنى للسينمائيين نقيبا بوزن على بدرخان أو غيره من قامات السينما، ومتضامن مع موقف كل السينمائيين المعارضين لفودة، لكن فى النهاية هذه نتيجة انتخابات، فإما أن نثبت عدم نزاهتها، أو نقبلها، ونسعى لتغيير المزاج العام فى الجمعية العمومية، والفوز فى اختبار انتخابى جديد.. هذه هى الديمقراطية، والاعتراض على نتائج انتخابات «لم يثبت أى شك فيها» هو ضرب لفكرة الديمقراطية من أساسها. 

نريد ديمقراطية للجميع، وصندوق اقتراع نزيها نحترم نتائجه حتى لو جاءت بـ«الفلول».. صندوق ما بعد الثورة المفترض أن يعكس إرادة الناس وليس الحاكم، والقبول بإرادة الناس حتى لو رأيت أنها أقل رشدا ونضجا، خير وأصلح.. أو فالثمن سيكون باهظا على الجميع..!

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

العيب عند الموردين

لا تتوقف كثيرا أمام الرسائل المتضاربة التى تأتيك عبر الصحف ووسائل الإعلام، لا تتعجب إن وجدت صحيفة تؤكد خبرا وأخرى تنفيه، وكلاهما تستندان لنفس المصدر تقريبا، لا تظن أن الأزمة فى الإعلام وحسب.

فى التجارة يقولون «العيب عند الموردين» والأخبار مثل السلع لها «منشأ» ومورد، وإذا كان مطلوبا من الصحفى أن يدقق معلوماته أو يوثقها من مصادر ثقات، فليس مطلوبا منه أن ينفذ إلى نوايا مصدره، ليعرف إذا كان يقول الحقيقة أم يكذب، أو إذا كان سيتراجع بعد ساعات قليلة عما قال، أو ستسأله وسيلة إعلام أخرى ذات السؤال فيجيب برد مغاير، خاصة إذا كان هذا المصدر مسئولا معلوم الصفة والحيثية.

تتدفق عليك المعلومات بسيولة عجيبة، لكن ذلك لا يرجع لانفتاح واحترام لحق تداول المعلومات، بقدر ما هو يعكس ارتباكا سياسيا يسيطر على دوائر الحكم من جانب، واستخداما سياسيا أيضا لوسائل الإعلام فى ترويج الشائعات، أو تمرير الرسائل التى تستهدف جس نبض الرأى العام أو تهيئته، أو قياس مدى قبوله أو رفضه لقرار وشيك الصدور من جانب آخر.

ورغم هذه السيولة وهذا التدفق، تبدو المعلومة اليقينية المؤكدة، عزيزة ونادرة كذلك، وتحتاج لجهد خرافى للتثبت منها، خصوصا وأنت تتعامل مع سلطة عمودها الفقرى كيان عسكرى راسخ فى تراثه الذهنى التعامل مع إتاحة المعلومات للرأى العام، باعتبارها إفشاء للأسرار، دون تمييز بين الطبيعة المدنية المستجدة باعتباره القائم بأعمال رئيس الجمهورية والسلطة التشريعية، وبين وضعه العسكرى المغلف فى أغلبه بالتحفظ والسرية.

كذلك لديك حكومة مرتبكة بطبيعتها، وكثير من القرار ليس فى يديها، وتبدو لك وكأن أجنحة تتصارع فى داخلها، فيؤكد أحد أعضائها الشىء ويسارع آخر إلى نفيه والقول بنقيضه.

الأمثلة أمامك كثيرة، فلا تقنعنى أن التسريبات التى قالت إن شرف حاول تغيير 7 وزراء لكن المجلس رفض، ليست خارجة من مكتب شرف نفسه، رغم أنه حتى هذه اللحظة لم يؤكده ولم ينفه، كذلك التضارب المذهل حول الموازنة العامة، والتصريحات المتناقضة التى ينفى بعضها بعضا، وحديث القروض الخارجية الذى ظل ينتقل من «لا مفر منه» إلى «أنهينا الاتفاق دون شروط» إلى «الشروط عرقلت الاتفاق» حتى وصلنا إلى أن «مصر لا تحتاج اقتراضا من الخارج أصلا.. ولم تقدم أى طلبات لصندوق النقد والبنك الدوليين».

لديك أيضا ما تم طرحه أمس الأول وأمس حول تولى القيادة العسكرية البارزة اللواء محسن الفنجرى موقع وزير الداخلية، أنت لا تعرف من أين خرج هذا الحديث، لكن من المؤكد أنه ليس من تأليف معتصم فى الميدان، لكنه خرج إما من داخل وزارة الداخلية ليقول للضباط الرافضين للعيسوى، اقبلوا بدلا من أن يأتيكم من سيعاملكم بالشدة والحزم ولن يقبل بمعارضته، أو أنه اختبار للرأى العام، فإذا وجد ترحيبا نفذ باعتباره استجابة لطموحات الناس.

تعيش فى زمن أنصاف الحقائق.. فلا تلم الإعلام أنه يعكس لك ارتباكا يسيطر على المجتمع وحكامه، ويمنحك نصف حقيقة، وتأكيدا ونفيا فى آن، هذا تحديدا «عيب من الموردين»، دون إنكار أن ثوب الإعلام ملىء بالثقوب والعيوب..!

الاثنين، 11 يوليو 2011

فارق توقيت

لا يمكن أن تستمع إلى خطاب عصام شرف رئيس الوزراء أمس، دون أن تندهش من إصرار الحكام فى هذا البلد على عدم التعلم من دروس الماضى، حتى القريب منه والقريب جدا. 

فى التحرير أجواء مثل تلك التى صاحبت انطلاقة الثورة حتى خروج مبارك من الحكم، وفى السلطة أيضا أجواء مماثلة وسلوك أيضا يكاد يتطابق فى «الطناش على طريقة خليهم يتسلوا»، ثم الحركة المتأخرة بعد أن يكون قطار الجماهير قد تجاوز المحطة. 

لا فرق إذن بين نظام سلطوى جاء واستمر بالقهر والتزوير، ونظام يقال إنه جاء من ميدان التحرير، وبشرعيته، وكأن كراسى الحكم فى بلادنا فيها «عدوى» تصيب كل من يجلس عليها بالتبلد واللامبالاة وسوء التقدير وبطء الفهم. 

تعرف أن جزءا كبيرا من فشل مبارك ونظامه فى تجاوز غضب الثورة والاستمرار فى الحكم، رغم كل التنازلات التى قدمها، وكل الطموح الذى قزمه وخفضه وقصقصه لينحصر فقط فى الخروج الكريم فى سبتمبر، يرجع إلى فارق التوقيت الذى ظهر بين ساعة ميادين التحرير، وساعة رئاسة الجمهورية، الأمر الذى كان يجعل مبارك يخرج فى كل مرة ليستجيب لمطالب الأسبوع السابق، دون أن يدرك أن العجلة دارت وعقارب الساعة لا تعود للخلف. 

والمؤسف أن أداء النظام الحاكم الجديد «مجلس عسكرى وحكومة» فيه الكثير من ذلك، ويبدو أنه لم يضبط ساعته بعد على توقيت ميدان التحرير، ولا دليل أبلغ من خطاب عصام شرف أمس، الذى تعهد فيه بما كان واجبا عليه منذ تولى مسئوليته بزخم الميدان وتأييده. 

خرج رئيس وزراء مصر الثورة بعد 130 يوما على توليه منصبه يتعهد بتشكيل لجان تحقيق، ولجان لتحويل مطالب الثورة فى العدالة والكرامة إلى واقع منفذ، ووقف المتهمين بقتل الثوار عن أعمالهم، وتشكيل دوائر قضائية متفرغة لمحاكمات الفساد والجرائم التى ارتكبت فى حق الثوار. 

واضح جدا فارق التوقيت فى الخطاب، وظنى أن شرف أخطأ وألقى علينا خطابا كان قد أعده على ما يبدو قبل 4 أشهر ليلقيه فى اليوم الأول لتوليه مهام منصبه، فهذا خطاب يناسب رئيس وزراء يبدأ عمله للتو، وليس رئيس وزراء أوشك على أن ينهى عمله، بافتراض أن المرحلة الانتقالية ستنتهى فى سبتمبر المقبل حسب خريطة الطريق التى أعلنها المجلس العسكرى منذ اليوم الأول له فى السلطة. 

عزيزى شرف: لم نكن ننتظر منك تعهدات بما هو واجب ومفروض ومتوقع، لم نكن نريدك أن تقول سأفعل، بقدر ما كنا ننتظر منك أن تخبرنا لماذا لم تفعل كل ذلك فى الأشهر الماضية؟، بدلا من أن تظهر علينا وكأنك كنت «بايت بره» منذ دخلت مجلس الوزراء.. يرجى مراعاة فروق التوقيت يا «دولة الرئيس»..!