السبت، 9 يوليو 2011

عفوًا أيها الجنرال

كنت ومازلت مؤمنا بالمؤسسة العسكرية المصرية، وبقدرتها أن تبقى باستمرار ظهرا وطنيا لهذه الأمة، كتبت ذلك كثيرا، وكنت فى فريق من الكتاب يعتقد، حين كان الأمل فى الحركة الشعبية متراجعا، أن هذا الظهر الوطنى الصلب لن يصمت على عار التوريث. 

وعندما قامت الثورة الشعبية بإبهار أدهش حتى الداعين إليها والمتقدمين صفوفها، كنت أدرك أنها تحتاج حسما حقيقيا، مثلها مثل فريق الكرة الذى فعل فى الملعب كل شىء وبقى له إحراز هدف الحسم، وفى وقت مبكر من الـ18 يوما وتحديدا فى اليوم السادس، كتبت «تقدم أيها الجنرال»، وكان هذا العمود رسالة تحريضية مباشرة لمؤسسة عسكرية التزمت بحياد «عجيب» بين شعبها وحاكمها، وكان الهدف أن تحسم هذه المؤسسة خيارها بما يتسق مع تاريخها الوطنى، وأن تتحرك لإحراز هدف الحسم.

وفى الخميس التالى لأربعاء الجمل، أكملت رسالتى التحريضية بأخرى عنوانها «نداء أخير» قلت فيها بوضوح إن الحياد بعد اليوم خيانة لشعب ادخر جيشه للمحن والأوقات الصعبة.

واليوم لم يعد صادقا من لم يخاطب المجلس العسكرى بصدق الناصح وليس الخصم، فقد جرت فى النهر مياه كثيرة، وصار المجلس «رئيسا للجمهورية» وبالتالى باتت له طبيعة مدنية تسمح بنقده، وأحيانا بالقسوة عليه.

أيها الجنرال: لا أحد ينكر أنك تتصدر اليوم لحظة تاريخية، لكن من قال إن كل اللحظات التاريخية بيضاء ناصع لونها؟ الهزائم أيضا لحظات تاريخية، وأنت وحدك من تملك خيار أن تجعل هذه اللحظة التاريخية إيجابية بكل معنى.

أيها الجنرال: أرى الكثير من النوايا الطيبة، وأصدقها كذلك، لكن صدقنى إن كثيرا من الفعل يوحى أنك عدت لمنطقة «الحياد» بعد أن كنت تجاوزتها بانحياز مشروع وواجب، أراك تعود إلى يوم الأربعاء الأسود، حين عبر الآثمون إلى الميدان وقتلوا الثوار فيما أنت متمسك بحياد مقيت وغير مبرر. 

أيها الجنرال: لن تستطيع أن ترضى الماضى والمستقبل معا، ولن تنال بركة الرحمن والشيطان فى ذات الوقت، أنت فى قلب التاريخ وفى داخل أزهى فصوله، لكنك وحدك من ستحدد لون صفحتك.

أيها الجنرال: اعلم أن المهمة ثقيلة وثقيلة جدا لكن أولئك القادمين من الماضى هم الذين يزيدون ثقلها، هؤلاء يعوقون تقدمك، ويحاولون إدخالك فى خطة «لف وارجع تانى» وأنا مثل غيرى نثق فى رشدك ووطنيتك وإيمانك أنك ملك الشعب، والشعب أحق أن يتبع.

عفوا أيها الجنرال: أومن بك ولا أغامر فى النيل منك، لأنه سيكون نيلا من نفسى ووطنى، لكننى عرفتك ظهرا وسندا وأمانا، ولم أعرفك حاكما، تمنيتك حاكما يصيب فأشير إلى صوابه، ويخطئ فيسارع إلى الاعتراف والتصحيح قبل أن أنطق أنا أو غيرى، تمنيتك حاكما بلا محاكم عسكرية ولا تجريمات استثنائية، ولا «قسوة مع من ثار وغضب، ورفقا بمن قتل ونهب».

عفوا أيها الجنرال: لقد نفد رصيدك، لا مجال كافيا لتعديد الأسباب، أومن شخصيا بأن ميزان يمينك راجح، لكن الكفة اليسرى مؤثرة وتخصم منك وتأكل من رصيدك، ولا حل سوى إعادة الشحن، والشحن فى الميدان وليس فى شرم الشيخ..! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق