السبت، 17 يونيو 2006

سيناريو التوريث القديم


مكنت الجماعات الإسلامية المتطرفة «الخوارج» لمعاوية بن أبي سفيان حكم الدولة الإسلامية بعد نجاحها في اغتيال الخليفة السابق علي بن أبي طالب وهو في طريقه للمسجد لأداء صلاة الفجر.
وفي الوقت الذي تعلم فيه معاوية من طريقة اغتيال سلفه، وابتدع «مقصورة» في المسجد يحميها الحراس عند صلاته، كرس أيضا جهوده لتحقيق الاستقرار وتخفيف نار الفتنة، والسيطرة علي الاضطرابات، وبدأ بـ«التصالح مع رموز المعارضة» في ذلك الوقت، وعلي رأسهم الإمام الحسن الذي قبل ببيعته.


وركز معاوية علي تعزيز قدراته الأمنية علي الصعيد الداخلي، وظهر البصاصون علي عهده، وفرض حالة أشبه بـ«الطوارئ» طوال مدة حكمه التي قاربت ٢٠ عاما، وضيق علي التحركات والتجمعات، خصوصا للنشطاء السياسيين في ذلك الوقت، وكانت الحجة في تبرير «الطوارئ» أن البلاد في صراع مع الدولة البيزنطية، ولابد من ضمان أمن الجبهة الداخلية، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
وما إن استقر الأمر لمعاوية وبدأ حكمه يزدهر في عاصمته الجديدة دمشق، حتي بدأت التساؤلات تدور حول مصير الحكم من بعده، خصوصا مع تقدمه في السن، وعندها بدأت فكرة التوريث تلوح في الأفق.


وترجح بعض كتب التاريخ أن فكرة التوريث لم تكن تدور في ذهن معاوية، حتي اقترحها عليه «مستشاره السياسي» القصير المكير، المغيرة بن شعبة، الذي قاد سيناريو التوريث دعاية وتنفيذا.
وانضم آخرون من بطانة معاوية لدعم هذا السيناريو، ومنهم «وزير إعلامه» الضحاك بن قيس الفهري، الذي قال لمعاوية في اجتماع عام: يزيد بن أمير المؤمنين من أفضلنا علما وحلما وأبعدنا رأيا فوله عهدك، واجعله لنا علما بعدك.


ونجحت جهود المغيرة بن شعبة والضحاك بن قيس في إثارة جدل حول الفكرة وبدأ «أمناؤهم» في الأمصار والأقطار يطرحون الفكرة باعتبارها ضمانا للاستقرار، وبدأت أجهزة إعلام الخلافة الرسمية الممثلة في الشعراء الرسميين في الحديث عن شباب يزيد، وحيويته، وأفكاره، وتقواه، وورعه.


وبينما كان يزيد يصرح لشعرائه المقربين ومداحيه وطباليه وزماريه، أنه «ليس لديه النية أو الرغبة في خلافة والده»، كان أعوانه وبطانة والده يسيرون في سيناريو التوريث حتي المدي الأخير، وواجهتهم مشكلتان رئيسيتان: الأولي كيف يحكم يزيد وحوله مئات من القادة العسكريين، الذين قادوا الغزوات والفتوحات، وكان الحل هو وضعه بروتوكوليا علي رأس عدد من الغزوات والسرايا، ومنحه «رتبة استثنائية» وتكليف عدد من «الطبالين» للحديث عن نجاحاته وحكمته وفروسيته.


وكانت المشكلة الثانية هي الصورة النمطية التي كونها الرأي العام عن يزيد، بأنه مجرد شاب ابن الحاكم يعبث ويلهو، ويحب الصيد، وكان الحل في حملة «علاقات عامة» مكثفة تبنتها القصائد والخطب المنبرية الموجهة، والتي زادت في الحديث عن تقواه وورعه وزهده، ومحاولاته مشاركة والده في «إدارة البلاد وتطوير الدواوين ومكافحة الفساد».
وحرص معاوية بمعاونة من بطانته علي أن يظل الحديث عن التوريث جدلا لا ينقطع، ولا يتم تأكيده أو نفيه بشكل قاطع، لضمان عدم ثورة رموز المعارضة القوية، وباتت تلك الجهود أقرب للنجاح بعد وفاة الحسن بن علي، أقرب المرشحين لخلافة معاوية، والذي يتردد أنه مات مسموما بتدبير من الخليفة.


وحتي لا يتهم أحد يزيد بالكذب بعد إعلانه عدم وجود نية أو رغبة لديه في الحكم، فقد دبر المغيرة بن شعبة والضحاك بن قيس خطة لتوافد أعداد كبيرة من المواطنين من جميع الأقطار، أغلبهم من موظفي الدواوين -ربما جاءوا مقابل «وجبة و٢٠ دينارا» ليقفوا أمام دار الخلافة ويطالبوا الخليفة بأخذ البيعة لابنه كولي للعهد، وعندها يبدو يزيد ذلك الشاب الزاهد الذي اضطر لقبول المسؤولية «نزولا علي رغبة الجماهير».


كان معاوية يدرك أن حالة الجدل حول التوريث نجحت في جعل العامة موقنين من حدوثه ومستسلمين له، وكانت المشكلة في رموز المعارضة، خصوصا الحسين بن علي، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمر.
ولعبت بطانة السوء دورا مهما في أن يتخذ معاوية قراره، ويحسم أمره تماما، ويطلق «الأجهزة الأمنية في الشارع لقمع المعارضين»، ويضع رؤوس الحسين، وابن الزبير، وابن عمر تحت حد السيف لأخذ البيعة ليزيد، حتي أصبحت ولايته للعهد مقطوعة ومنهية ونافذة.


وكانت النخبة في هذا الوقت منقسمة إلي ٣ فرق، الأول هو المعارضون للفكرة تماما وهؤلاء تكفل بهم السيف، والثاني هو المؤيدون بحسن نية، والذين باتوا مقتنعين بأن يزيد قادر علي ضمان الاستقرار، وراهنوا علي شبابه وحيويته، وقدرته علي تطوير الدولة وكونه حاكما شابا يتيح فرصة أكبر لنقده وتقويمه، ويجعل الحوار معه أيسر، والفريق الثالث هو بطانة معاوية الذين كانوا يطمحون من نقل الحكم إلي أحد أبناء البيت الأموي، إلي استمرار نفوذهم وبقائهم في مراكز التأثير وصنع القرار.
لكن ظن الجميع خاب، فبمجرد تولي يزيد الحكم أفرط في قمع معارضيه، وأطلق قواته الأمنية لارتكاب المجازر والتنكيل بالمعارضين،

 فاقتحم مكة، واستباح المدينة، وأباد آل بيت النبي في مذبحة كربلاء، وقتل الحسين وقطع رأسه، وبذلك خاب ظن المؤيدين بحسن نية، كما خاب أيضا ظن بطانة السوء، الذين حرص يزيد علي الإطاحة بهم ليثبت للجميع أنه هو الذي يحكم، وليؤسس لنفسه بطانة خاصة يأسرها بفضله، بدلا من تلك التي تأسره بفضلها باعتبارها التي ساعدته في الوصول للحكم.
وبينما خسر مروجو السيناريو وداعموه، وخسر حسنو النية كانت الخسارة الأكبر في ترسيخ وتكريس مبدأ التوريث الذي عانت منه الأمة طوال قرون!!