السبت، 31 ديسمبر 2011

المواطنة مريم


فى مثل هذا اليوم قبل عام مضى غادرت «مريم فكرى» الحياة، لم ترحل هى وكل من راحوا معها فى تفجير كنيسة القديسين، فى حادث طريق، لم تمت بين خيط الصواب وخيط الخطأ، لم يقصدها قاتلها لأنها ظلمته يوما أو اعتدت على حقه مرة، لم يكن فى رقبتها قصاص لأحد، لم تحمل الجميلة الشابة وزرا فى حق قاتلها، هو قتلها لأنها مسيحية وفقط.

لم يخرج القاتل ليقتل مريم التى لا يعرفها سوى لأنها مسيحية، هكذا تعلم وهكذا نشأ حاكما على الآخرين بالموت ليس لشىء سوى أن الأقدار اختارت له هوية دينية، واختارت للآخرين هوية أخرى، دون فضل أو سعى أو اختيار من أيهما؟

ماتت مريم ليلة عيد، لأن هناك من ترك ثقافة تنمو تنظر للآخر باعتباره مستحقا للموت بالضرورة لمجرد اختلافه الدينى، سلطات رسمية استخدمت هذا الفزع لتستبد بالمسلم والمسيحى معا، وتشوه الإسلام وعقوله الراجحة قبل العقول الغشيمة، وسلطات دينية تربحت منه سياسيا لتحتكر المسيحى احتكارا كاملا وتحصره داخل أسوار كنيسته، ومجتمع غرق فى التفسيرات الطائفية للموت، فلم يعد يقوى على الانحياز الأخلاقى لحق الحياة، وفتاوى دينية فتحت الباب أمام تصاعد النظرة المعادية للآخر، وضعت سلمة التمييز والرفض، فصعد المتشددون على هذه السلمة، ليبنوا فقه قتل الأبرياء وتفجير الكنائس.

لا تتذكر «مريم فكرى» لتنكأ جراحا تخص المجتمع كله قبل ذويها، لكن لتعالجها حتى تكمل التئامها، كانت الثورة إحدى وسائل العلاج الناجز، ما قامت إلا بحثاُ عن العدل لكل الناس، لكن جرحا أليما جديدا واجهها حين غادر «مينا دانيال» مدهوسا تحت عجلات المدرعات هو ومن كان معه أمام «ماسبيرو»، السلطة بقيت هى السلطة، وحين احتاجت لتبرير القتل طائفيا لم تتورع عن ذلك، وجاءت أعياد الميلاد لتشهد جدلا لا يليق بمجتمع «مسلم» قبل مجتمع حضارى: نهنئهم بالعيد أم لا؟ نواب الشعب الذين تفرض عليهم أماناتهم الإنابة عن كل الشعب «المسلم والمسيحى».. «المنتقية والمحجبة والسافرة»، يرفضون أن يهنئوا بعضا من شعبهم بأعيادهم، وكأنهم نواب من يشبههم فقط، ها هى أيضا الفتاوى الصغيرة التى تخرج منها بعد ذلك استنباطات الرفض والقتل تتردد برواج هائل.

هل يعود المسيحى إذن خلف أسوار كنيسته، يلجأ إليها فى كل شىء ويتظاهر عندها من أجل أى شىء، تتفاوض باسمه مع السلطة أو تقايضها؟ كان حلم «مينا دانيال» أن يراه فى المجتمع كما كان فى الميدان «مصرى وكفى»، هل تمنح الثورة للجميع خطوة للأمام بينما تدفع بالمسيحيين خطوتين للخلف؟

تنقلك هذه الأسئلة إلى مريم أخرى.. طفلة فى الصف السادس الابتدائى، انتزعت حقها فى العيد، بنضال مدنى قد لا تستوعبه.. شعرت مريم أرمانيوس أنه مطلوب منها ألا تستمتع بالعيد لأنها مسيحية، ومطلوب منها أن تخوض امتحانا مهما فى اليوم التالى للعيد مباشرة، لكنها لم تستسلم لعقدة الاضطهاد ولم تشك لكاهن كنيستها، لكنها واجهت الدولة كمواطنة حتى غيرت وزارة التعليم مواعيد الامتحانات.

كيف ينام جرح مريم فكرى ويتحقق حلم مينا؟.. حين نبنى لـ«مريم أرمانيوس» وطنا عادلا يليق بالإنسان كونه إنسانا.

الخميس، 29 ديسمبر 2011

كلهم إسلاميون.. كلهم ليبراليون


تواجه لغط حقيقى، ربما يكون مقصودا، حتى تنصرف عن قضاياك الأساسية، أو تهرب القوى السياسية بمختلف توجهاتها من مسئولياته، أو لا تتورط فى التزامات محددة ذات علاقة بحياتك ومستقبلك وشئونك المعيشية.

من ذلك الاستقطابات التى حدثت على الهوية الدينية، وتلك التى قسمت حتى أصحاب الهوية الدينية الواحدة إلى متطرفين ومعتدلين، والاستقطاب الأكثر بروزا الذى قسم الكتل التصويتية المصرية بين إسلاميين وليبراليين.

بداية لابد أن تفهم أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، هكذا جاءت فى الدستور السابق، وفى الإعلان الدستورى الحاكم اليوم بوصفه دستورا مؤقتا، وبالتالى فكل حزب أو تكتل خاض الانتخابات يفعل ذلك وفق القواعد الدستورية بمعنى قبوله بمادة الشريعة، ويعنى ذلك أن كل الأحزاب والكتل التى تخوض الانتخابات لديها مرجعية إسلامية، وتتفق فى الأصول وربما تختلف فى فهم هذه المبادئ، وهو فهم متباين حتى داخل التيار الإسلامى الواسع نفسه بمكوناته المختلفة، أى أنك أمام مرشحين كلهم إسلاميون بحكم المرجعية الدستورية، بما فيهم أولئك الذين يهاجمون تيارات الإسلام الأيديولوجى السياسية، حتى لو تزيد البعض فى التركيز على الهوية الإسلامية سواء لاحتكارها، أو حتى للتميز بها عن الآخرين.

كذلك كل الكتل والأحزاب السياسية تخوض الانتخابات بالمعايير الديمقراطية الليبرالية، التى تعنى حرية تأسيس الأحزاب، واعتماد الانتخابات وصناديق الاقتراع آلية وحيدة للتنافس على حكم وتداول السلطة، وحق الأغلبية النيابية فى قيادة المجتمع بحكم التفويض الشعبى التى حصلت عليه من الصناديق النزيهة، وحق الأقلية فى حماية حقوقها وكل ما يتعلق بالديمقراطية إجمالا كممارسات وقيم ونمط فرز لبلوغ الحكم الرشيد، وهو مسار سياسى ليبرالى بامتياز، ومعنى قبول كل الكتل والأحزاب المتنافسة بهذا المسار وإعلانها احترامها له أن أيضا كلهم ليبراليون بحكم الممارسة الفعلية، بما فيهم أولئك الذين يهيلون التراب على الليبرالية فيما هم يمارسونها، سياسيا، وتعبر أطروحاتهم الاقتصادية كذلك عن انحياز للحرية الاقتصادية التى هى أيضا إحدى الملامح الليبرالية.

لديك إذن تنافس فى غير محله هدفه إحداث التمييز والاستقطاب فحسب، وصرفك عن النتيجة الأساسية وهى أن قضاياك الحقيقية غابت عن هذا التنافس، فأنت لا تعرف بوضوح ما هى سياسات كل حزب أو تكتل فى قضية التأمين الصحى، كيف ستدار هذه المنظومة وتمول، هناك حديث يملأ الآفاق حول جسد المرأة، لكن لا أحد يتحدث بذات الاستفاضة حول تعليمها وعلاجها وتوظيفها.

هى سياسة إذن مازالت فى قلب دوامة الشعارات ولم تخرج منها، والأدهى أنك بمراجعة السياسات الاقتصادية الواردة فى برامج الكتل الأربعة الرئيسية «الإخوان والنور والكتلة والوفد» ستكتشف أنك قدمت بلادك إلى نمط اقتصادى واحد فى مجمله لا تباينات كبيرة بين أطرافه، هو برلمان يمينى بامتياز فيما يتعلق بالسياسات، الاقتصادية والاجتماعية، ويمينى أيضا من حيث علو صوت التطرف القادم من كل اتجاه تحت هذه القبة.. وإذا كنت تعتقد أنه برلمان غير محتكر سياسيا لأن فيه إخوان ونور وكتلة ووفد، فهو برلمان محتكر على المستوى الاقتصادى لأن الأربعة نظريا يمثلون تيارا اقتصاديا واحدا، منحاز من البدء إلى رأس المال ومن يمثلونه..!  

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

الديمقراطية كلمة السر


بعض مما يثير الدهشة فيما يطرح هو القياس الخاطئ على نماذج غير مكتملة، البعض يقول لك لا نريد نظاما رئاسيا لأننا جربناه وثبت فشله، يقولون لك إن مشروعات الإسلام الأيديولوجى فشلت فى المنطقة، وأننا جربنا الاشتراكية لعقود وثبت فشلها، وجربنا الليبرالية لعقود وثبت فشلها، وسرنا فى طريق الاقتصاد الحر والنظام الرأسمالى وثبت فشله، والحقيقة أن كل ما يقال أمامك يبدو صحيحا فى جانب، لكن كل من يطرح أمامك هذه الأطروحات ليدعم وجهة نظر أو ينال من وجهة نظر أخرى يغفل أن شعوبنا وإن كانت جربت كل ذلك لكنها لم تجرب الديمقراطية.

عندما تغيب الديمقراطية عن أى طرح مهما كانت روعته ينتهى ذات النهاية التى انتهت إليها الاشتراكية أو التجارب الإسلامية فى المنطقة، أو حتى الأنظمة الرئاسية فى كل العالم الثالث التى احتفظت بميراث الحزب الواحد حتى لو فى إطار ديكورى جديد.

والديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع نزيه، لكنها فى المقام الأول مجموعة قيم أساسية تفرض على المجتمع أن يحترم اختيار الصندوق ويحمى حق الأغلبية فى الحكم، كما تفرض على الأغلبية حماية حقوق الأقلية فى الاختلاف، وتضمن آليات تداول السلطة، وحماية الحريات العامة بكل ما تندرج تحته من حماية للحريات الدينية والثقافية والاجتماعية وكفالة المساواة الكاملة بين المواطنين دون تمييز على أى معيار دينى أو جنسى أو عرقى وكل مكونات حقوق الإنسان، إلى جانب قوة آليات المحاسبة ونفاذها والسيادة الحقيقية للقانون.

لذلك ستجد كيانات اشتراكية فشلت فى المنطقة لكنها ناجحة فى العالم، والأحزاب الاشتراكية ذات نفوذ وتأثير وتجربة ملهمة فى الحكم حتى داخل دول الاتحاد الأوروبى خلال العقدين الأخيرين، وستجد أنظمة رئاسية فشلت فى المنطقة ونجحت فى العالم، وحتى نماذج إسلامية فاشلة بكل المقاييس فى عدة مناطق من الجغرافيا الإسلامية، لكنها ناجحة بكل المقاييس وملهمة كما فى تركيا.

الديمقراطية إذن كقيم وممارسة هى كلمة السر فى النجاح وليست الأيديولوجيا بالضرورة، فأمامك ألف مثل على أن وجود الأيديولوجيا وحدها لا يكفى للنجاح فى مجتمعات غير ديمقراطية، ولا تمثل الديمقراطية بمعناها الشامل جزءا من ثقافتها وتكوينها.

لا يكفى إذن أن تصدق كل من يقول لك جربنا كذا وفشلنا.. لأنه غالبا يريد إعادة إنتاج ذات الأدوات القديمة بأسماء ووجوه جديدة على غرار استبدال «أمن الدولة بالأمن الوطنى»، لأننا فى الحقيقة جربنا كل شىء بالفعل لكننا لم نجرب الديمقراطية، لذلك ندفع أثمانا باهظة فى التغيير كل مرة، ومطلوب منك بدلا من الانشغال بتبديل الوجوه والاستقطابات السياسية والأيديولوجية، الانشغال ببناء الديمقراطية وحمايتها، وقتها ستكون التجارب أقل كلفة وسيكون الوطن للجميع.

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

فتاوى الحياة


سؤال: هل من الجائز للمسلم مودة غير المسلمين وتهنئتهم فى أعيادهم؟

والجواب إن كان واضحا جليا عندى بفطرتى وفهمى للإسلام دون استغراق فى التفاصيل والأسانيد، إلا أن الأمر يستحق التوثيق عبر مرجع ثقة، وهذا السؤال تحديدا أجاب عليه الدكتور يوسف القرضاوى فى فتوى رسمية صادرة عنه ومنشورة على موقعه الإلكترونى قال فيها نصا: «يعد تَغير الأوضاع الاجتماعية والسياسية أمرا واقعا تقتضيه سنَّة التطور، وكثير من الأشياء والأمور لا تبقى جامدة على حال واحدة، بل تتغير وتتغير نظرة الناس إليها. ومن ذلك، قضية غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى، ولا يسعنا أن نبقى على فقهنا القديم كما كان فى هذه القضايا.

ومراعاة تغيّر الأوضاع العالمية، هى التى جعلتنى أخالف الإمام ابن تيمية فى تحريمه تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، وأجيز ذلك إذا كانوا مسالمين للمسلمين، وخصوصا من كان بينه وبين المسلم صلة خاصة، كالأقارب والجيران فى المسكن، والزملاء فى الدراسة، والرفقاء فى العمل ونحوها، وهو من البر الذى لم ينهنا الله عنه. بل يحبه كما يحب الإقساط إليهم {إِنَّ اللَّهَ يُحِّب الْمُقْسِطِينَ} «الممتحنة:٨». ولا سيّما إذا كانوا هم يهنئون المسلمين بأعيادهم، والله تعالى يقول: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدوهَا} «النساء:٨٦».

ويجب أن نراعى هنا مقاصد الشارع الحكيم، وننظر إلى النصوص الجزئية فى ضوء المقاصد الكلية، ونربط النصوص بعضها ببعض، وها هو القرآن يقول:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَروهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ} «الممتحنة:٨». فهذا هو الأصل، وهو الدستور.

وإذا وجدنا أهل الذمة، اليوم، يتأذون من هذه الكلمة (أهل الذمة)، ويقولون: لا نريد أن نُسمّى أهل الذمة، بل نريد أن نُسمّى (مواطنين)، فبماذا نجيبهم؟

وجوابنا: أن الفقهاء المسلمين جميعا قالوا: إن أهل الذمة من أهل دار الإسلام، ومعنى ذلك بالتعبير الحديث أنهم: (مواطنون)، فلماذا لا نتنازل عن هذه الكلمة (أهل الذمة) التى تسوءهم، ونقول: هم (مواطنون)، فى حين أن سيدنا عمر ــ رضى الله عنه ــ تنازل عما هو أهم من كلمة الذمة؟! تنازل عن كلمة (الجزية) المذكورة فى القرآن، حينما جاءه عرب (بنى تغلب)، وقالوا له: نحن قوم عرب نأنف من كلمة الجزية، فخذ منا ما تأخذ باسم الصدقة ولو مضاعفة، فقبل منهم.

فالأحكام تدور على المسميات والمضامين لا على الأسماء والعناوين، ولابد أن ننظر فى قضايا غير المسلمين نظرات جديدة، وأن نرجح فقه التيسير، وفقه التدرج فى الأمور، مراعاة لتَغير الأوضاع.

إن كثيرا من المشايخ أو العلماء، يعيشون فى الكتب، ولا يعيشون فى الواقع، بل هم غائبون عن فقه الواقع، أو قل: فقه الواقع غائب عنهم، لأنهم لم يقرؤوا كتاب الحياة، كما قرؤوا كتب الأقدمين.. ولهذا تأتى فتاواهم، وكأنها خارجة من المقابر».

إلى هنا انتهت فتوى الشيخ.. وإلى هنا تجد الفارق الشاسع بين «فتاوى القبور» و«فتاوى الحياة»، فالأولى تعود بالتاريخ إلى الخلف والثانية تذهب به إلى الأمام.

هنأ إخوانك إذن بعيد الميلاد، ولا تكترث بمن يؤثمك، فمعك الفطرة والدين والإنسانية، ومن يؤثمونك ليس معهم أى شىء، لأنهم كالأخسرين أعمالا الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا.. والله أعلم.

الاثنين، 26 ديسمبر 2011

إخوان واشتراكيون


كان الصحفى الإيرانى «هوشانج أسدى» يبلغ من العمر 26 عاما، بينما كان «على خامنئى» يبلغ من العمر 37 عاما حين التقى الاثنان فى زنزانة من زنازين الشاه، قبل قيام الثورة الشعبية التى شاركت فيها كل القوى السياسية فى إيران بعدة أعوام والتى تحولت بعد سيطرة التيار الدينى على زمامها إلى «ثورة إسلامية».

 لم يكن هوشانج يعرف أن زميله فى الزنزانة سيكون يوما ما المرشد الأعلى فى إيران، وصاحب الأمر والنهى والولاية، لكنهما، حسبما جاء فى مذكراته التى عنونها بـ«رسائل إلى معذبى»، ونشرت تفاصيلها قبل عام فى صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، كانا يحلمان بالعدل وسط سياسات التعذيب والتنكيل التى تعرضا لها فى عهد الشاه.

كان الأول «شيوعى» والثانى «إسلامى»، لكن كليهما جمعت بينهما المعارضة للقمع والاستبداد، والتطلع إلى حرية تحمى كرامة الإنسان، تشاركا الزنزانة والسيجارة والحياة، تصادقا وتبادلا الحكايات، وعندما حان موعد الفراق وصدر قرار بترحيل «هوشانج» من سجنه، تعانقا فى لحظات الوداع وبكيا، وقال له «خامنئى»: «فى ظل حكومة إسلامية لن يذرف برىء دمعة».

كان «خامنئى» فى وقتها يعى ما يقوله تماما ويؤمن به، فنظرة واحدة لسطور «هوشانج» عن رفيقه فى السجن وعن تقواه وورعه ورقته وقبوله للآخر باعتباره إنسانا يصبو للعدل تكفى لتخرج بهذا الاستنتاج، لكن الصديقين افترقا، وغادرا السجن، وقامت الثورة الإسلامية فى إيران، وتشكلت الحكومة التى كان يحلم بها ويروج لها «خامنئى»، ويقول إن بريئا لن يذرف دمعة فى ظلها، لكن سنوات قليلة مضت كان «خامنئى» يصعد فى سلم السلطة الجديدة، وكان «هوشانج» يعود إلى الزنزانة ذاتها، لم يتغير منها سوى أنها صارت انفرادية دون صحبة الشيخ التقى، وتغير السجان من حكم الشاه إلى حكم «الملالى»، وتبدل الجلاد من «السافاك» إلى الحرس الثورى.

كان «هوشانج» شابا يتوق للحرية، يشعر بوطنية عميقة، مغرما بالأدب، كان يظن أن العالم يمكن أن يتغير، لذلك وقف إلى جوار الثورة الإيرانية وهو يؤمن بشدة بأن الديكتاتورية ستنتهى إلى الأبد، لكنه فجأة وجد نفسه فى جحيم الزنازين والتعذيب.. معذبه ظن أنه يمثل الله على الأرض، ورآه جاسوسا وخائنا وتجسيدا للفساد والشر، حتى يجعل تعذيبه «حلالا».

تخطئ لو أخذت هذه القصة على أنها شأن إيرانى، فالمسألة أكثر عمقا من ذلك، ومتكررة، خاصة فى شعوب ثقافة الحريات فيها ليست أكثر من شعارات، فلا تصدق داعيا لـ«الحرية والعدالة» إلا بعد أن تشاهد تجربته فى السلطة، لأن هذه اللعينة «السلطة» كما قال «هوشانج» غيرت الشيخ التقى الورع الذى كان يبكى أثناء الصلاة، وجعلته قائدا فى نظام لم يتورع عن استخدام كل أساليب القمع التى سبق وتعرض لها وقاومها، فى التنكيل بمعارضيه.

أذكرك بهذه السطور بعد أن تقدمت قيادات «منسوبة» للإخوان ببلاغ ضد «الاشتراكيين الثوريين» تذكرك ببلاغات «سمير الششتاوى» محامى الحزب الوطنى، وبقليل من البحث على موقع «إخوان أون لاين» ستكتشف أن الاشتراكيين الثوريين أكثر من تضامن مع الإخوان فى محنهم ودافع عن حرياتهم وحقوقهم عندما كان الحظر واقعهم، وكان بينهم «نضال مشترك» مثل ذلك الذى كان بين «خامنئى وهوشانج» وكانت اتهامات قلب النظام وإسقاط الدولة تواجه الاثنين مع نظام مبارك ويسخران منها معا، هذا قبل السلطة فما بالك بما بعدها!

الأحد، 25 ديسمبر 2011

إلى اللواء عمارة: بعلم الوصول


لا أعرف إذا كان اللواء عادل عمارة عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عرف ما يثور من جدل حول الأطفال الذين استند لـ«شهاداتهم» فى مؤتمره الصحفى، لكن الأرجح أنه إذا كان لا يعرف، فلابد أن يسعى لهذه المعرفة فورا لأنه واقع فى قلب هذا الجدل، وربما فى قلب الاتهامات التى تحيط بالمسألة برمتها.

اللواء عمارة فى خضم رده الذى يعتقد أنه كان «مفحما» على التساؤلات التى طغت بعد مجزرة مجلس الوزراء، وبعد أن علم الصحفيون أدب الحوار وهددهم بالطرد، ولم يرد على أسئلتهم، استعان بفيديوهات مصورة من خلال التليفزيون المصرى لأطفال يدلون بشهادات حول تحريضهم من قبل الثوار على الحرق والعنف، وأهمية الشهادات وطرحها تأتى من أهمية الذى استعان بها، لكن عندما تتهاوى هذه الشهادات تماما، ويثبت أن هؤلاء الأطفال متهمون فى قضايا أخرى، ومقبوض عليهم قبل أحداث مجلس الوزراء، ويثبت بأرقام المحاضر والأقسام أنهم كانوا فى قبضة أجهزة الأمن قبل اندلاع أحداث مجلس الوزراء، وتؤكد النيابة العامة ذلك، ويصدر عن مصادر فى وزارة الداخلية ما يؤكد ذلك لكنها تنفى مسئولية استخدامهم فى المؤتمر الصحفى وتلقى بها فى ملعب التليفزيون الرسمى.

ليس من حق اللواء عمارة إذن أن يصمت، وأن يذهب ولا يعود لاستكمال فصل جديد من فصول مؤتمره الذى لم يقدم فيه أى إجابات لكنه طرح مزيدا من الأسئلة، وبعد نهاية المؤتمر وتفجر ما سبق، طرح مزيدا من الشكوك ومزيدا من الاتهامات التى تزيد النيل من مصداقية عمارة وبالتالى وحسب الارتباط المباشر من مصداقية المجلس العسكرى.

أضف ذلك إلى قصة الطفل الذى تم إجباره على الشهادة ضد الناشر محمد هاشم، وثبت بشهادة الطفل نفسه هذا الإجبار، لتعرف أن هناك مسئولية باتت واجبة على اللواء عمارة، وبات عليه أن يجيب عن أسئلة جديدة بنظام المؤتمرات الصحفية الحقيقية التى يسأل فيها صحفيون مهنيون ما يريدون دون إعداد مسبق أو تصفيق على طريقة مؤتمرات الحزب الوطنى، وأن يواجه المعلومات والشهادات والحقائق فى مؤتمر لا يديره ولا يهدد فيه الصحفيين بالطرد.

لا يكفى أن يكون الموضوع فى يد النيابة العامة، فذلك مسار قانونى سيتولاه محققوها، لكن هناك مسارا سياسيا فى القضية لابد أن يستوفى، لأن هناك سلطة سياسية متمثلة فى المجلس العسكرى وناب عنها اللواء عادل عمارة استندت إلى هذه الشهادات فى الدفاع عن مواقفها، وبات تهاوى هذه الشهادات لا يحرم المجلس العسكرى من أدلة دفاعية فقط، لكنه يورطه كذلك فى تلفيق واضح واستغلال مسىء للأطفال والقصر لتقديم شهادات مزورة.

من الذى يصر على تحويل صورة المجلس العسكرى إلى فرع قليل الكفاءة من فروع المباحث العامة، مسئولون فاشلون حتى فى التلفيق، يكابرون فى الباطل، وتأخذهم العزة بالإثم، ويسقطون إما فى شر أعمالهم، أو فى شر أعمال غيرهم، فيستندون إما إلى جهاز أمنى ضعيف الكفاءة، أو إلى تليفزيون رسمى متردٍ إلى درجة فشله فى كتم صوت التأوهات والتعذيب التى كانت صادرة من خارج المشهد فيما الأطفال الذين يبدو التعذيب واضحا على وجوههم يدلون بشهاداتهم كما أراد الملقن. والآن إذا لم يرد عمارة من أجل الحقيقة فليرد على الأقل من أجل سمعته وسمعة المؤسسة التى يمثلها.

الجمعة، 23 ديسمبر 2011

إلا القلوب الجبانة


ستكون فى ميدان التحرير اليوم، تشارك فى احتجاج حضارى ضد كل القادمين من أنفاق الحضارة وظلماتها، لكنك قبل أن تنزل من فضلك احسم مع نفسك الهدف، هل تملك رؤية سياسية تريد التعبير عنها وهذا حقك، أم أنك غاضب وثائر على ما جرى من انتهاك للحرمات وحق الحياة؟ هل تنزل من أجل موقف سياسى تعلنه، أم من أجل خيار أخلاقى تتبناه ولا ترضى للسياسة وتفسيراتها وانحيازاتها الرخيصة أن تطغى على مشهد أخلاقى فى الأساس فتدفعك أن ترفض الظلم لأنك مختلف سياسيا مع المظلومين، وألا تشعر بالقهر لأنه بعيد عنك وعن من تعرف، وأن تنظر للنساء وقد جردن من ثيابهن ومشايخ الأزهر وقد غدر بهم وكأن أمرا عاديا حدث، لا ترى الشباب النقى الذين ذهبت أرواحهم إلى بارئها تشكو امتهان شرعه، وتحويله إلى أداة سياسية «ترقص» بين الحق والباطل دون تمييز.. تغضب من أجل «أختهم كاميليا» وترفع آيات النصرة والإغاثة، فيم يخفت صوت ذات الآيات حين تنتهك الأعراض جهارا نهارا.

أنت الآن فى الميدان منحاز لأخلاقك، التى وجدتها فى القرآن والإنجيل والتوراة، وكل قيمة قادمة من السماء، دون أن تتاجر بها، أو تحاول أن تشترى بها مقعدا فى البرلمان، أنت لا تعرف النساء اللائى سحلن، والشهداء الذين راحوا، هل هم ليبراليون مثلك، أم إسلاميون، هل هم أقباط أم مسلمون، هل هم رجال أم نساء، هل هذا يهم، هل كان المعتصم بالله يعرف من هى المرأة التى خرج الجيوش لنصرتها، أو سأل نفسه هل هى من المؤيدين لحكمى أم المعارضين؟

لا تسقط مرة أخرى فى اختبار الأخلاق، سأقولها لك صريحة، لقد سقطت فى امتحان «ماسبيرو» تركت لهم عقلك فملؤه بالطائفية المقيتة، قالوا لك إن «مينا دانيال» مجرد قبطى، والحقيقة أن صمتك على قتل مينا كان سببا فى قتل الشيخ عماد، بالأمس طلبوا منك أن تفسر الموت طائفيا حتى لا تتعاطف مع مسيحيين ماتوا مدهوسين على الإسفلت، واليوم يريدونك أن تفسر الموت سياسيا لتبرير الاستباحة والعار، لكن الحقيقة أنه لم يعد مطلوبا أن تكون مسلما أو مسيحيا، سياسيا من اليمين أم اليسار، ناشط بمرجعية إسلامية أم مدنية، المطلوب منك الآن أن تكون إنسان وكفى.

لا تعتقد أن الأخلاق بعد أن يعاد تفسيرها طائفيا أو سياسيا تصلح بعد ذلك أن تسمى أخلاق، الطائفية مرض والسياسة وجهات نظر نسبية، لكن الأخلاق مطلق لا يقبل التجزئة، وأنت فى الميدان اليوم لأنك إنسان، أخلاقك هى الثابت ومواقفك السياسية هى المتحرك، ووجودك اليوم دفاع عن الثابت فى تكوينك كإنسان ليس إلا.

لا تنظر حولك لتحسب الأعداد، لا تستوحش طريق الحق لقلة سالكيه، لا تهتم بمن لم يحضر، أو من يحرض عليك، أو من لم يمنعه دينه عن نفاق السلطة، ومن لم يحرضه «إيمانه» على قول كلمة حق فى وجه السلطان الجائر، اعلم أن قضيتك عادلة لها مرجعية دينية وقانونية وأخلاقية، لا تكترث بالقلوب الجبانة والتى فى صدورها مرض أو غرض، أنت الفاروق الجديد الذى ميزت بين الحق والباطل، واخترت «فطرتك» التى خلقها الله لتنصر العدل.

< «أدى الشهيد.. مصرى بنى آدم.. فى الأرض كل الناس بتحبه.. إلا القلوب الجبانة» أو كما قال أحمد حداد.. فلا تكترث بكل قلب جبان لم يحضر، ولا بكل قلب جبان يخون دماء الشهداء..

الخميس، 22 ديسمبر 2011

الانحطاط الأخلاقى


«إنما الأمم الأخلاق».. أنت تعلم ذلك جيدا وتدركه.. لكن هل السياسة ضد الأخلاق، ربما تجد تراثا كبيرا من الممارسات والأفكار وحتى الكلمات المأثورة التى تزعم أنه لا ارتباط حقيقيا بين السياسة والأخلاق إلا الارتباط المتنافر، لكن ما قيمة المرء إذا ربح السياسة وخسر الأخلاق بكل ما تعنيه من احترامه لنفسه أولا قبل أن يحوز احترام الآخرين.

تلك مقدمة منطقية أسوقها لتفسير مسألتين أراهما فى غاية الخطورة، أولها أن غضبك على ما جرى أمام مجلس الوزراء من مجازر وقتل وانتهاك لحرمات النساء لابد أن يكون غضبا أخلاقيا قبل أن يكون سياسيا، قد تكون لديك مواقف نقدية للمجلس العسكرى، أو اختلاف سياسى مع شباب الاعتصام ورؤاهم وأهداف اعتصامهم وجدواه، لكنك لا يجب أن تختلف أخلاقيا مع المجنى عليهم، لا يجب أن تزن الموت والانتهاك والعار بموازين السياسة.

وإذا كنت وجدت قوى سياسية «ترفع لواء الدين» غير مكترثة بما جرى وتعتقد أن حماية الصناديق أولى من حماية أجساد النساء، وأن الغضب من أجل مقاعد البرلمان أهم من الغضب من أجل أعراض الناس، وأن تغطية التماثيل العارية فى الإسكندرية أولى من تغطية البنات المتعريات سحلا فى الشوارع، فلابد أن تدرك أن هؤلاء إذا كانوا قد نجحوا سياسيا فقد رسبوا بكل تأكيد أخلاقيا، لكن المسألة التى تهمك تظل فى وجود هذا الانحطاط الأخلاقى لدى طرف المفترض أنه جزء من النخبة الجديدة وتيار رئيسى داخل مؤسسة الحكم الديمقراطية التى نحاول أن نمتلكها لتحمى كرامتنا فإذا بها تسقط أخلاقيا أمام أول اختبار حقيقى جملة كما سقط بعض المنتسبين لها فى اختبارات «العدل» المتعلقة بحقوق الأقباط والحريات والحقوق المدنية عموما.

لكن المؤسف أن النخبة «المتأسلمة» ليست وحدها التى سقطت بامتياز فى الاختبار الأخلاقى، فلديك نخبة المفترض أنها تؤمن بالديمقراطية لديها تحفظات على نتائج الصناديق، وتتحرك وكأنها تريد الانقلاب على هذه النتائج، صحيح أن لدى شكوكا فى عدالة هذه الانتخابات وليس نزاهتها، لكن «أخلاقيا» أيضا لا يجوز أن تكفر بالديمقراطية فى لحظة لأن نتائجها جاءت عكس ما تريد.

ما علاقة ما تقدم بما لحقه؟: العلاقة أن هناك قوى «مدنية» تحاول أن تكبحك عن جرائم المجلس العسكرى، تحت دعوى أن الإسلاميين هم المستفيدون من تكسير العسكر، وحتى لا تخلو لهم الساحة، بما يسمح بالانقلاب على الديمقرطية، وهى سقطة أخلاقية كذلك مبنية على سقطة أشد لدى الإسلاميين إذا ما قيست باعتبار أنهم «أهل دين» المفترض أن يكونوا الأصدق والأحرص على الأعراض وعلى العدل والأقوى فى قول كلمة الحق فى وجه السلطان الجائر.

هل سقط الوطن إذن فى يد نخبة «إسلامية ومدنية» غير أخلاقية؟، تلك هى الحقيقة للأسف وعندما تضيف لهم المجلس العسكرى نفسه، ستكتشف أن بالفعل الثورة لابد أن تبقى مستمرة.. لأن مشروعها الأخلاقى لم يتحقق، والقوى التى تتنازع حكمها لا تمت لها بصلة..! 

الانحياز ضد العسكر فى جرائمهم خيار أخلاقى وليس سياسيا.. وحماية الديمقراطية واختيار الناس خيار أخلاقى وليس سياسيا.. والدفاع عن العدل والحريات والمساواة الكاملة بين شركاء الوطن خيار أخلاقى وليس سياسيا، لكن ليس من الأخلاق أن تختار واحدة وتهمل الأخرى.. الأخلاق لا تتجزأ، فإذا وجدت شخصا لا يؤمن بهذه الثوابت الثلاثة قولا وفعلا أو يؤمن بأحدها دون الآخر.. فاعلم أن لديه خللا فى أخلاقه..!

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

رسالة من الديكتاتور


أبنائى ورفاقى: لا أجد من الكلمات ما يمكن أن يصف امتنانى لكم، وعميق ثنائى على ما أظهرتموه من ولاء وقدرة على تحمل الأمانة وأداء المهام التى أوكلتها لكم بتطبيق حرفى لما رسمته لكم من خطوات.

أعترف بأننى كدت أخون عهدكم يوما حين حاولت أن أجعل هذا الأمر إرثا عائليا وأتركه لنجلى وأنحاز لأسرتى التى صنعتها وأخون عائلتى الكبيرة التى صنعتنى وسلمتنى أمانة حتى أردها كما تسلمتها إلى رفيق سلاح، لكن المقادير وحدها أعادت تصويب الأمور.

تعلمون أن هناك من حاول أن يقنعنى بأن أغادر وفق أحكام دستور أنتم تعلمون كيف صنعته، أن أغادر وفقط ويتولى الدستور تفصيل الأمور بما كان سيبعد الأمر تماما عنكم بأن يتصدر رأس البرلمان أو المحكمة الدستورية وتجرى انتخابات للرئاسة لا ينال أحد منكم فرصة الترشح فيها، لكننى كنت أدرك ما أفعل حين أوكلت لكم الأمر ضاربا بعرض الحائط كل ما ظللت أتحدث عنه طوال 30 عاما عن الشرعية الدستورية.

وأقدر تماما الآن حجم الضغوط التى دفعتكم لإدخالى القفص، أعرف أن اتفاقنا لحظة التسليم والتسلم كان مختلفا، لكن لا بأس طالما أنى مستمتع باحتجاز رئاسى، والقضية كما تعرفون فى طريقها لما يرد اعتبارى أمام بنى وطنى الذين مازال يحز فى نفسى تطاولهم رغم ما قدمته من جهد وطنى لـ60 عاما.

أبنائى ورفاقى: لعلكم تدركون الآن كما يدرك الجميع صدق حدسى وبصيرتى، حين خيرت الجميع فى الداخل والخارج بين بقائى وبين الفوضى، وحين قلت للجميع إن التطرف والتشدد هو بديل نظامى، وها هم الآن يتجرعون الخوف ويسقطون بين خيارات مرة، إما القبول بإعادة الأمر لكم أو القبول بالتطرف، أو مواصلة الغرق فى الفوضى.

ربما تذكرون ما قلته حين نصحتكم من البداية بتقريب المتشددين وفتح الأبواب أمامهم، وهى خطة بدأها مدير مخابراتى، كنت أعلم تماما ما سيعترى هؤلاء المتشددين من إحساس بالاستقواء والاستعلاء، وحجم المخاوف والانقسام الذى سيضرب الجميع من تطميعهم فى السلطة، وأدائهم وسط هذا الإحساس وكأنهم أصحاب الحكم.

قطعا أحيى اجتهاداتكم فى احتواء الجميع وإجهاض هذا الفوران، والتنكيل بالأشقياء الذين هتفوا ضدى فى الميدان، وترك المجال لـ«أبنائى» لتأديب الناس التى ظنت أنها نضجت بما يكفى لتقرر مصيرها وتحكم نفسها، واستخدام القسوة مع هؤلاء الأشقياء وغض الطرف عن «الطرف المجهول» الذى يشعل الأمور.. «بالمناسبة أعجبتنى جدا فكرة المجهول هذه وقدرتكم على إبقائه مجهولا كل مرة».

أبنائى ورفاقى: لا تتصورون سعادتى وفخرى بكم وأنا أرى نظرائى من حولى يقتلون ويهربون فيما أنا آمن فى وطنى، وواثق أنكم جعلتم الناس تندم وتترحم على زمنى، وتثق فى أننى كنت أحميهم من الفوضى والانفلات والتشدد.

أشد على أياديكم وأدعوكم لمواصلة المسيرة حتى استرداد الأمانة.. والله الموفق..!

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

مواطنون أم أعداء؟


مرة أخرى أقول لك: على المجلس العسكرى أن يعلن عن الصيغة التى يرى بها هذا الشباب الغاضب، هل يراهم مواطنين، إذن فليحتكم للقانون الطبيعى، وليضع كل المشهد بتشاحناته وحرائقه وقتلاه أمام هذا القانون الطبيعى دون تمييز بين عسكرى ومدنى، أما إذا كان يراهم أعداء فى حالة حرب، فليلتزم إذن بقانون الحرب، وليحاسب جنوده على إيذاء النساء والعزل والاعتداء على المستشفيات الميدانية والتنكيل بـ«الأسرى».

على أى معيار أخلاقى أو قانونى أو سياسى أو دينى أو حتى بمعايير الحرب فهناك جريمة حقيقية وقعت، استمع إلى العسكر كما تشاء، لكن بعد أن يعترفوا بأخطائهم، دون أن يعترفوا بما ارتكبوه من جرائم فى حق العزل والنساء، والذى جرى توثيقه بالصور فما قيمة الاستماع إليهم، ما قيمة التوازن الذى يدعونك إليه وهم لا يمتلكون هذا التوازن ولا يقدمون مثلا عليه، فينكرون القتل والرصاص ويستعمونك فى كل ما تراه أمامك من خطايا؟

لن أمل أقول لك: ليس فى الموت وجهات نظر.. الموت هو الموت، وإذا كنت تعتقد أنه يجب التعامل مع إزهاق الأرواح وكأن شيئا عاديا يحدث فهذه مصيبة.. ليس للقتل مبررات، وإذا كنت تعتقد أن هناك شخصا يستحق القتل لأنه مختلف معك سياسيا فتلك مصيبة أعظم، قلت لك من قبل: كل شىء فى هذا العالم يمكن أن يخضع للخلاف والنقاش، والاتفاق والرفض والأخذ والرد والتفاوض، إلا الدم، لا يليق أن يكون محل اختلاف، ولا يمكن فى لحظة من اللحظات أن ترى الدم يسيل دون أن تتخذ خيارا أخلاقيا وحيدا بأن تقف فى فسطاط الدم السائل، وما دون ذلك من تبريرات مهلهلة هى تفاصيل لا تهم أمام مشاهد الدم، والموت هو الشىء الوحيد الذى يجب ألا يخضع لتفسيرات سياسية، وعندما يكون الموت قتلا فأنت تقف أمام معادلة واضحة «قتل وقاتل وقتيل» وأى حديث سياسى خارج هذه المفاهيم الثلاثة هو حديث على الهامش.

سأفترض معك مرة أخرى أن الجنود جرى استفزازهم، وأن القادة لا يستطيعون أن يلزموهم بضبط النفس بعد جرح كرامتهم، لكنى أسألك، كيف يلتزم جندى على الحدود بضبط النفس امتثالا للأوامر، حتى بعد أن يشاهد رفيقه مقتولا برصاص غادر إلى جواره، ولا يمتثل فى الميدان وهو يواجه أخاه الأعزل غالبا، هل لأن الجندى يكره الشباب فى الميدان أكثر من العدو على الجبهة أم لأن الأوامر تأتيه على الحدود قاطعة صارمة، ولا تأتيه فى الميدان؟.. هذا مجرد تساؤل.. فهل لديك إجابة؟

هل تعرف من الذى تعرى فى الميدان؟ المرأة المنتقبة الذين استباح الجنود حرمتها، أم المؤسسة التى يمثلها هؤلاء الجنود، أم من يزعمون أنهم أهل «الدين» الذين لاموا الضحية لأنها لم تتحصن بملابسها جيدا، وكأن الأصل أن تكون مستباحة؟

هل يمنعك اختلافك السياسى مع شباب الميدان أن تقول كلمة حق، أو تدعو للعدل، أو تدين ظالما، هل أنت شامت ومتشف وتعتقد أن كل امرأة تعرت، وكل شاب أعزل سحل، وكل شهيد راح يستحق ما جرى له؟.. أنت إذن لست صاحب رأى أو وجهة نظر.. أنت صاحب مرض.. وتستحق الدعاء!

الاثنين، 19 ديسمبر 2011

قانون الحرب


ليس في الموت وجهات نظر.. الموت هو الموت، وإذا كنت تعتقد أنه يجب التعامل مع إزهاق الأرواح وكأن شيئاً عادياً يحدث فهذه مصيبة.. ليس للقتل مبررات، وإذا كنت تعتقد أن هناك شخصاً يستحق القتل لأنه مختلف معك سياسياً فتلك مصيبة أعظم، قلت لك من قبل: كل شيء في هذا العالم يمكن أن يخضع للخلاف والنقاش، والاتفاق والرفض والأخذ والرد والتفاوض، إلا الدم، لا يليق أن يكون محل اختلاف، ولا يمكن فى لحظة من اللحظات أن ترى الدم يسيل دون أن تتخذ خيارا أخلاقيا وحيدا بأن تقف فى فسطاط الدم السائل، وما دون ذلك من تبريرات مهلهلة هى تفاصيل لا تهم أمام مشاهد الدم، والموت هو الشىء الوحيد الذى لا يجب أن يخضع لتفسيرات سياسية، وعندما يكون الموت قتلاً فأنت تقف أمام معادلة واضحة "قتل وقاتل وقتيل" وأى حديث سياسى خارج هذه المفاهيم الثلاثة هو حديث على الهامش.
أريدك فقط أن تضع كل ما شاهدته خلال اليومين الماضيين من مشاهد تنكيل بالعزل وسحل للنساء وقتل للمتظاهرين، أى كان اختلافك معهم على أى معيار أخلاقى أو دينى أو سياسى أو عسكرى، ضع ما تراه على موازين قواعد الحرب حتى إن أردت، ثم أخبرنى بما توصلت إليه.
سأفترض معك أن الجنود جرى استفزازهم، وأن القادة لا يستطيعون أن يلزموهم بضبط النفس بعد جرح كرامتهم، لكنى أسألك، كيف يلتزم جندى على الحدود بضبط النفس إمتثالاً للأومر، حتى بعد أن يشاهد رفيقه مقتولاً برصاص غادر إلى جواره، ولا يمتثل فى الميدان وهو يواجه أخاه الأعزل غالباً، هل لأن الجندى يكره الشباب فى الميدان أكثر من العدو على الجبهة أم لأن الأوامر تأتيه على الحدود قاطعة صارمة، ولا تأتيه فى الميدان؟.. هذا مجرد تساؤل.
انظر فقط إلى مشهد لثمانية جنود يضربون "صحبة" متظاهراً أعزلاً، هل لو كان المتظاهر خطراً وفض الإعتصام وفقط سبباً، ألا يستطيع الجنود الثمانية تقييد المتظاهر أو التحفظ عليه دون إيذاء يدل على غل وكراهية لا يجب أن يتحلى بها جندى إلا فى مواجهة عدو.
انظر إلى المنتقبة المسحولة حتى التعرى، واربط بينها وبين من تعرضن لكشوف العذرية، والشتائم التى كانت توجه للقبطيات عند ماسبيرو على الهوية الدينية، وإسأل نفسك: هل هذا منهج؟ ما الذى يقوله القادة لجنودهم عن الثورة وعن الشباب الذين لديهم رؤية سياسية مغايرة لهم، هل يشيرون لهم باعتبارهم العدو، هل الجنود المنتشرون بيننا فى الشوارع يعتبرون أنهم فى حالة حرب، ويتجلى ذلك من بشاعة تعاملهم مع أى متظاهر يقع بين أيديهم، هل يتصرف الجنود كسلطة استبداد أم كجيش فى حرب؟
هى أشياء لا أملك الإجابة القاطعة عنها، لكن مالا تخطئه الصور أن هناك قتل بسبب اختلافات سياسية، وهناك معارك تشتعل وسلطة تعلق الشماعات على طرف ثالث دون أن تدرى أن عجزها أو تواطؤها مع هذا الطرف "لو كان له وجود" هو عار لها لا يقل عن عار مشاركتها فى القتل.
ربما لا يعرف العسكر كثيراً عن القانون المدنى، ولا حقوق الإنسان والحريات، ولا حقوق التظاهر والإعتصام والإحتجاج، لذلك لا يبدو أنهم قادرون على الإلتزام بشىء من ذلك ربما لأنه ليس جزءاً من ثقافتهم، لكن للغرابة أيضاً انهم غير ملتزمين بقانون الحرب ذاته، الذى يمنعهم من إيذاء الأسرى أو الجرحى أو مهاجمة المستشفيات والتنكيل بالعزل والنساء والشيوخ، ونحن لا نطلب منهم الكثير إما أن يعترفوا أننا مواطنون وهم سلطة مؤقته تتولى شأناً مدنياً فيكون بيننا وبينهم القانون الطبيعى الذى يحاسبهم إذا قتلوا ويحاسبنا إذا خربنا، أو يتعاملوا معنا باعتبارنا عدو فيكون بيننا وبينهم قانون الحرب الذى يضمن لنا على الأقل صيانة حرمات النساء والكرامة عند الأسر، وحق الحياة لكل أعزل..!

الأحد، 18 ديسمبر 2011

الانحياز ضد القتل


حتى لو كنت تختلف «سياسيا» مع المعتصمين أمام مجلس الوزراء، فلا يمكن أن أقبل منك أن تختلف على الدم، أو تضعه فى إطار مساومات السياسة أو مكابداتها وأخلاقها، لن أحترمك لحظة عندما أسمعك تقول «العيال دول يستاهلوا»، فالدم ليس محل استقطاب، لكنه مبرر انحياز حقيقى، ويجب ألا تكون مستعدا «أخلاقيا» أن تنحاز لقاتل على حساب مقتول، حتى لو كانت لديك تحفظات سياسية على الاعتصام وأسبابه وأهدافه وحتى المشاركين فيه.

هذا انحياز مبدئى إذا أعجبك فاقرأ، وإذا لم يعجبك فغادر هذه السطور، فلست آسفا عليك، فإذا كنت لا تعرف الحقيقة، واستسلمت لخطاب إعلامى تحريضى على كل شىء له علاقة بالثورة، ونجح البعض فى تكفيرك بشباب أنت تحصد ثمار زرعهم، وثمن دمائهم، فكيف أغمض هؤلاء عينيك عن رؤية مشاهد التنكيل بالنساء السافرات، وسحل المنتقبات، والتبول على المصريين، هل تقبل تحت أى مبرر أن يتبول عليك ضابط أو عسكرى مهما كان جرمك؟!

إذا كنت لا تقبل أكمل هذه السطور، أما إذا كنت تقبل فقلت لك إننى غير آسف عليك، لكنك لابد أن تدرك أن جنديا يتبول على مواطنين مصريين أو ضابطا يشير إليهم بالوسطى لا يهينان إلا رداءهما والمؤسسة التى ينتميان إليها، فإذا كنت لا تجد فى داخلك «دما أو إحساسا» يدفعك لتغضب من أجل إهانة مصرى أو مصرية، فلتغضب على الأقل من أجل إهانة سمعة واعتبار مؤسسة عسكرية شاهد العالم كله جنودها يتبولون على المواطنين.

ما جرى عند مجلس الوزراء فشل بامتياز لهذه السلطة التى تتصرف دون أدنى درجات الوعى السياسى، إذا ما افترضنا حسن نواياها، فإذا كانت تقصد ما جرى فتلك مصيبة، وإذا كانت لا تقصد وانفلتت منها الأمور إلى هذا الفوران فتلك مصيبة وأعظم وفشل أكثر فداحة، ففى النهاية هناك طرف فى معركة يمكنه التزام الهدوء بأمر واحد، لكن هذا الأمر لا يصدر، ومظاهر التشجيع على الإيذاء كثيرة وفادحة، لم تبدأ فقط عند مجلس الوزراء، لكنها بدأت من قبل ذلك بأشهر عند ماسبيرو، حدثنى عمن سمح للجنود والمواطنين «الشرفاء» بالصعود على أسطح البنايات، وإذا كنت تعتقد أن هؤلاء شباب «صنايع» فأخبرنى كيف مات طلاب الطب وأصيب طلاب الصيدلة، واستشهد الشيخ عماد وهو صاحب حيثية معتبرة فى دار الإفتاء، لا تخبرنى أنه مات مصادفة فقد كان يخلع جبته وعمامته ويمضى للاعتصام يوميا، لكن اترك كل هذه الأشياء جانبا باعتبارها افتراضات قد لا تكون ترى حقيقة فيها، لكن هناك حقيقة واحدة: أن طلقة نارية أودت بحياته مع غيره.. وعلى السلطة أن تخبرنا من أطلق الرصاص؟ وهذه المرة إذا صدقت أسطورة الطرف الثالث وأفلام «اللهو الخفى» سأكون فعلا غير آسف عليك!

إذا عجزت عن قول الحق وجعله ملء الأفواه فلا تنطق بالباطل.. وإذا جبنت أن تشهد أن الحجاج أمير الطغاة فلا تزعم أنه الإمام العادل.

السبت، 17 ديسمبر 2011

فوق الدولة


قبل أشهر قال المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، إن الجماعة تريد تعديل قانون الجمعيات الأهلية بما يتناسب مع وضع الجماعة الحالى، وذلك فى سؤال لـ«الشروق» حول تقنين وضع الجماعة الأم خاصة بعد إشهار حزب الحرية والعدالة الخارج من رحمها، وقبل أسابيع قال د.أحمد أبوبركة المستشار القانونى لحزب الإخوان ذات الكلام، وقال إن قانون الجمعيات الحالى لا يناسبنا وسنسعى لتعديله، وهو كذلك ذات الموقف الذى اتخذه د.رشاد البيومى نائب المرشد الثانى فى حوار مع «الشروق» منذ يومين.

أربط هذه التصريحات بما قاله د.سليم العوا وهو شخص غير محسوب على الإخوان كتنظيم قطعا بأنه لا يجب إخضاع أموال الإخوان لرقابة الدولة، وما قاله المرشد العام للجماعة بأن موقع المرشد أعلى فى المسئوليات والأمانة من موقع رئيس الجمهورية، لتجد على الأقل وبقراءة المواقف الظاهرة، أنك أمام محاولة أولا لتفصيل قانون للجمعيات «على مقاس الجماعة» وأن هناك دعوات حتى ولو كانت تصدر من غير ذى صفة إخوانية مباشرة لإبعاد الدولة عن مراقبة ميزانيات الإخوان، وعندما تقرأ ذلك مع تصريحات المرشد حول علو مكانته ومسئولياته على مكانة رئيس الجمهورية، ستجد أنك أمام محاولة واضحة إما لإقرار وضع قانونى خاص للجماعة يجعلها فوق الدولة والقانون، أو التطبيق العملى لنموذج «ولاية الفقيه» ولو بشكل غير مكتوب ومقنن، عندما تكون لديك حكومة من الإخوان تتبع مرشدا أعلى يقود جماعة تضع قانونها بنفسها، ويدعو مرشح رئاسى محتمل لإعفاء أموالها من رقابة الدولة.

هذه أسئلة مشروعة قطعا وتحتاج إجابات من قيادات حزب الحرية والعدالة، لا أريد أن أعلق على مواقف د.العوا الملتبسة والتى تبدل الرهانات والمواقف بشكل يصعب متابعته أو رصده، لكنى فقط أشير إلى أن هناك معركة قامت على محاولات «منسوبة» للقوات المسلحة، للحصول على وضع خاص فى الدستور، وإبقاء ميزانياتها خارج رقابة الدولة ممثلة فى البرلمان، ويخوض الإخوان ومعهم العوا فى إحدى طبعاته وقوى أخرى مواجهة ضد ذلك.

أنت إذن إما معادلات للقوة وليس انحيازات أخلاقية وقيمية تؤمن بالديمقراطية والتحول الديمقراطى وحق الشعب أن يعرف، فالمجلس العسكرى يريد أن يكتب الدستور، أو يكتبه من يختارهم ليضمن وضعا خاصا ورقابة أقل، والإخوان تريد أن تكتب القانون لتضمن أيضا وضعا خاصا ورقابة أقل، وقبلهما كان القضاة يعدون بأنفسهم قانونهم، وتحولت المسألة إلى ثقافة اسمها «فوق الدولة» غير مرتكزة لأى قيمة ديمقراطية بقدر استنادها إلى زهو القوة والتأثير، لكن يبقى السؤال: إذا كنا نرفض مثل الإخوان أى وضع خاص للجيش فكيف يقبل الأصدقاء فى حزب الحرية والعدالة وضعا خاصا للجماعة، وكيف يردون على من يقول سنعدل القانون ليتناسب مع وضع الجماعة، بدلا من أن يقولوا سنعيد هيكلة الجماعة لتتناسب مع القانون، وعندما يجرى تعديل القانون وهو بالقطع فى حاجة لتعديل لا يكون تعديلا مفصلا على مقاس طرف محدد يعيد لنا إنتاج «ترزية القوانين» لكن فى عباءة إخوانية..!

السبت، 10 ديسمبر 2011

كوافير وقهوجى ونخبة


سأل صديق مقرب «كوافير» يعمل بالقرب من سكنه بمصر الجديدة عن الانتخابات، فقال له: اخترت السلفيين، قال له بهدوء: لكن عملك ككوافير حريمى ربما يكون فى خطر حقيقى؟ لكن الرجل رد بحسم: «ساعتها هانزل الميدان».. المشهد ذاته تكرر فى وسط القاهرة حين سألت عامل المقهى الذى قال إنه انتخب السلفيين أيضا، وحين سألته عن مخاوف غلق المقهى أو تجريم الشيشة، رد الرجل بهدوء مشيرا فى اتجاه ميدان التحرير القريب جدا من المقهى: «والميدان راح فين؟».

يملك البسطاء فى هذا الوطن رؤية حقيقية يدهشك التدبر فيها لكنها تعكس لديك واقعا ربما غير مكتمل المعانى فى أذهان النخب، أو تسيطر عليه المخاوف الطاغية فتبعد بالعقل عن التفكير السليم، لكنها فى النهاية لابد أن تمنحك الثقة فى الجمهور وليس الهجوم عليه.

فمن ناحية لابد أن تتدبر لماذا اختار الكوافير والقهوجى المرشح الدينى رغم أنه يعلم تماما أن مهنته ستكون فى خطر، أولا لأنه مثل كل المصريين متدين حتى لو بفهمه وطريقته، ويمثل الدين بالنسبة له إطارا أخلاقيا واجتماعيا عاما، وليس بالضرورة أيديولوجية سياسية بكل ما يصاحبها من تكفير للخصوم.

كذلك ذهب الاثنان إلى الصناديق وفى ذهنيهما رؤية مبررة، أن البلاد لا تعانى من أزمة كفاءة بقدر ما تعانى من أزمة أخلاق، وأن الفساد الذى كان يتلمسه بنفسه، ثم سمع وقرأ وشاهد فجره وتوحشه بعد الثورة، كان حاكما فى اختياره لناس «بتوع ربنا» وفق مفهومه المترسخ عن أهل الدين وصلاحهم على إطلاقهم.

كذلك اختار الاثنان السلفيين ولم يختارا الإخوان، فالجماعة بالنسبة لهما أهل سياسة، وفى الذهنية العامة هم قوم يستخدمون الدين للوصول إلى السياسة، ومثلهم مثل كل السياسيين فى الثقافة المصرية العامة دون استثناء يضطرون لممارسات انتهازية وصفقات وتراجعات وأشياء غير أخلاقية بمفهوم القطار المستقيم فى مساره الذى لا يقدر المواءمات، فكان السلفيون بالنسبة له هم «المصلحون البكر» الذين لم تلوثهم السياسة أو تنحرف بهم أخلاقيا.

لكن فى مقابل كل ذلك يستوعب كليهما أن مزاج الشعب المصرى وتركيبته وما ارتضاه لنفسه من فهم للدين سيبقى، هو لا يحدثك عن الشعب الذى قاوم تشيع الفاطميين، وقاوم العنف الدينى، وما غير ذلك من تنظيرات، لكنه بفطرة كاملة يعرف أنه يختار وفق ترتيب أولوياته فى الاختيار، ويؤمن كذلك أن أى سلطة لن تستطيع أن تهدد عمله لأنه صار جزءا من التركيبة الثقافية للشعب أو على الأقل قطاع كبير فيه، وإذا حدث ذلك فمازال يملك آلياته ووسائل وطاقته فى المقاومة وعرف الطريق إلى الميدان.

هل لدينا نخبة بهذا النضج؟ تفهم الأسباب الحقيقية لصعود التيار الدينى وتعمل بعيدا عن «الولولة» على إصلاح الصور المشوهة فى الأذهان، وتؤمن بالشعب وبقدرته على حماية مكتسباته الثقافية والحياتية وحرياته العامة، فتحفز فيه التفكير المختلف الذى لا يحصر الأخلاق فى التيار الدينى، ولا يحصر الكفاءة فى التيار المدنى، ولا يستبعد الدين كإطار عام، لكنه يحذر من أدلجته وتسييسه بالشكل الذى يجعل المعركة وكأنها على الإسلام، ويعيدنا للحظة تاريخية رفعت فيها طائفة شعار : «إن الحكم إلا لله» فى مقابل أخرى ترفع ذات الشعار، واشتعلت الحروب فى زمن بكارة الإسلام لسنوات وكل أطرافها لديه مرجعيته الدينية وآياته وأحاديثه وتأويلاته التى تحلل الحرب والقتل باسم الله حتى لو كان المقتول أيضا يظن أنه يقاتل باسم الله كذلك..!

الخميس، 8 ديسمبر 2011

الشعب الحارس


أتؤمنون ببعض «الشعب» وتكفرون ببعض؟

ربما هذا هو السؤال الجوهرى الذى يتبادر إلى الأذهان، عقب انتهاء الجولة الأولى من الانتخابات تماما، فإلى جانب الكثير من الملاحظات على المشهد الانتخابى المصرى، يتجلى استقبال النخبة للنتائج المصحوب بمزيد من الإحباط والدهشة مبررا فى سياق توازن يحمى التنوع السياسى والعقائدى فى مصر كانت، وما زالت ترغب فيه النخبة باتساع مساحتها من المنطقة الإسلامية الوسطية وحتى الجناح المدنى «الليبرالى واليسارى».

لكن غير المبرر على الإطلاق فى ردود الأفعال، هو تجهيل الجماهير أو اتهامها بعدم النضج كما كان يفعل النظام السابق، قلنا من قبل إنه لا توجد ديمقراطية تفصيل، وأن نتائج الصناديق لابد أن تقبل باحترام، وأن تقاوم فيما بعد بذات الآليات السياسية المحتكمة كذلك لصندوق الاقتراع، ويكفى أنك بت تملك أغلبية منتخبة فى اقتراع «غير مزور» وإن كانت تحوطه تجاوزات كثيرة، وتملك أيضا معارضة فاعلة، وتملك كفاءة تتوازى مع المتوسم فى رموزها.

صحيح أن استغلال التعاطف الدينى كان عاملا حاسما، لكنك أيضا لابد أن ترجعه لإرادة الجماهير التى رتبتت أولويات تصويتها، فوضعت من تعتقد أنه الأكثر تدينا فى مرتبة متقدمة فى هذه الخيارات، لا يليق إذن أن تتهم دائرة انتخبت سلفى بالجهل، ثم تزهو بدائرة اختارت ليبرالى باعتبارها الراقية والمفكرة، فكل ناخب لديه ترتيب أولويات يختار على أساسه، ومعركتك لابد أن تكون على الكفاءة وليس الانتماء الدينى، وهذه الكفاءة ليست حكرا على الليبراليين واليساريين، كما أن التدين وفهم الإسلام ليس حكرا على الإسلاميين.

يكفى أن تنظر لنتائج الإعادة لتكتشف أن الجماهير التى جرى اتهامها بدعم أكثر أصوات التشدد داخل التيار الإسلامى، أحدهما فى الإسكندرية قال إن الديمقراطية كفر وحرض على الأقباط وحط من حقوقهم فى المواطنة المتساوية، والآخر فى مدينة نصر استخدم أنصاره دعاية دينية صارخة ضد خصمه اعتبرت أن التصويت له خذلان للإسلام، أطاحت الجماهير بالاثنين، فى تأكيد حتى على المزاج الدينى المعتدل لدى غالبية الشعب المصرى، وطالما أن الشعب بهذا الوعى فلنحترم اختياراته كلها، لا أن ننتقى من اختياراته ما نحترمه ونهاجم باقى الخيارات.
هذه بداية حقيقية لجبر ما حدث من استقطاب وانقسام بمعايير غير سياسية وانتخابية، يتوازى معها مقاومة الفرز الطائفى والاستقطاب الدينى، ومقاومة الخطابات التى تحول الخصومات السياسية إلى خصومات فى الدين، وتقسم المجتمع إلى أهل الدين وأعداء الدين، وتذكروا أنه عندما فاز د.عبدالمنعم الشحات فى الجولة الأولى بالإسكندرية قال البعض هذا انتصار للإسلام، فهل انهزم الإسلام فى جولة الإعادة أم انهزم شخص اسمه عبدالمنعم الشحات وانهزم فهمه للإسلام ليس إلا؟

استمروا فى منح الشعب ثقتكم واحترامكم فهو أولى بها من غيره، امتلك إرادته ودورك أن تدعم أن يبقى ممتلكا لها إلى الأبد، وقتها سيحرس ثورته ويحمى نسيج مجتمعه وتنوعه واعتداله، وسيصحح اختياراته إن جارت إلى الشطط!

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

من ينصر شرع الله؟


كنت بالأمس أمام مشهد أكثر وضوحا لفكرة الاستخدام السياسى للدين، 23 مقعدا يتنافس عليها فقط مرشحو حزب الحرية والعدالة الخارج من رحم الإخوان المسلمين من جهة وحزب النور السلفى من جهة أخرى، صحيح أنهما يتواجهان فى أغلب الدوائر مع غيرهما لكن شكل التنافس المباشر ربما يكون أقل وضوحا وسط زحام القوائم والمرشحين من الأحزاب والتيارات الأخرى.

لكنك بالأمس كنت أمام اختيار مباشر بين حزبين كل منهما يقدم خطابا دينيا، وبنى جزءا معتبر من دعايته وأصواته على مخاطبة الإحساس الدينى لدى الناخب، صحيح أن خطاب الحرية والعدالة كان أكثر احترافية سياسيا، لكن هذا لا ينفى الفكرة بأن المتعاطف مع الأفكار الدينية، وتدفعه مشاعره الإيمانية لتأييد من ينصرون شرع الله، بات أمام اختيار بين اثنين كلاهما يدفعه للتصويت له، بقوله الإسلام هو الحل، أو انصر شرع الله، أو لا تخذل الإسلام.

هذا المشهد هو أصل الخلاف على إقحام الدين فى الدعاية الانتخابية، وتحويل التنافس الانتخابى من تنافس على برامج وأفكار وكفاءات أشخاص، إلى تصويت طائفى وانحيازات مبنية على الفرز العقائدى، وخطابات تحتكر الدين وتنصب نفسها متحدثة باسم الإسلام فى إطلاقه ومعبرة عن أحكامه دون جدال، دون أن تقدم للناس إجابة واضحة: شرع الله يعنى أن أنتخب الإخوان أم أنتخب السلفيين، وعندما يكون الاثنان متنافسين كيف أنصر شرع الله باختيار أحدهما، دون أن أكون قد خذلت الإسلام بعدم اختيار الآخر حسب ما هو مطروح من خطاب ودعايات لدى الجانبين.

قطعا سترد على بأن لا الإخوان ولا السلفيين يقولون باحتكار الدين، وأن ما يطرحونه هو فهمهم للشريعة الإسلامية، مثلهم مثل المذاهب الفقهية المتعددة التى تتنوع رحمة بالمسلمين، لكن هذا المنطق غير ظاهر تماما عندما يواجه التيار الإسلامى مرشحا مغايرا، فتجد المسألة تتحول من أن أدعوك للانحياز لفهمى للشريعة، إلى أن أدعوك للانحياز للإسلام باعتبار الآخر خصما للدين، عندما أواجه إسلاميا مثلى أقول هذا فهمى، وعندما أواجه ليبراليا أقول هذا هو الإسلام، رغم أن الليبراليين مثل غيرهم أيضا لديهم فهمهم للشريعة الذى لا يحرم حلالا ولا يحل حراما، ومبادئ الحقوق والحريات بإجمالها جزء من مقاصد الشريعة الإسلامية بما فيها فكرة الدولة المدنية القائمة على المساواة وعدم التمييز، كذلك اليسار لديه فهمه الخاص للشريعة الإسلامية وقيم العدالة الاجتماعية والتكافل وحقوق الفقراء، أيضا جزء من مقاصد الإسلام، فلماذا ينفرد البعض إذن بإدعاء الإسلام واتهام غيرهم فى دينهم وأخلاقهم لمجرد أن لديهم فهما مغايرا للدين لا يقترب من الفرائض المحسومة، ويختلف فى التأويلات والتفسيرات.

عندما تتدبر وقوفك أمام الصندوق تختار بين مرشحين كلاهما يقول لك انصر شرع الله، ستفهم معنى وقيمة هذا الحديث، والأرجح أنك ستعرف أننا نختار برلمانا للدولة، وليس مقاعد فى الجنة، فلن تؤجر باختيار أحد وتؤثم بعدم اختياره، لكنك ستخسر لا شك إذا قدمت الإنتماء الدينى على الكفاءة لظنك أن فى ذلك الأجر والثواب..!

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

مسلمون لله.. ونصارى للوطن


هل تعتقد أنك ستقف أمام الصناديق اليوم، وفى المراحل التالية من الانتخابات، لتختار بين معسكر الإسلام، ومعسكر الكنيسة كما يروج لك؟، كيف تقبل أن تختلف «سياسيا» مع قامة وطنية نضالها ضد الاستبداد واضح ومشهود مثل د. محمد أبوالغار أبرز مؤسسى تحالف «الكتلة المصرية»، فتتهمه فى دينه هو ومن معه داخل هذا التحالف من مصريين مسلمين، لهم فهمهم للإسلام وشريعته، الذى لا يمكن أن يكون كفرا على الإطلاق.

وكما أن د. أبوالغار، ود. محمد غنيم وغيرهما من رموز الكتلة المصرية، نماذج وطنية، كذلك لا يجب أن تنفى عن التيار الرئيسى داخل الحركة الإسلامية وطنيته، وانتماءه لنسيج هذا الشعب وتعاطيه طوال الثلاثين عاما الأخيرة تحديدا، مع قضايا النضال الوطنى، وفى النهاية امتلاكه لمشروع قائم على فهم للإسلام وشريعته يمكن أن تصفه بالإسلام المدنى أو القريب من هذا المصطلح، خاصة إذا ما قصدت قلب هذه الحركة الأكثر احترافا سياسيا وفى مقدمتها «الحرية والعدالة» والوسط والأحزاب الخارجة من رحم التجربة السياسية للإخوان المسلمين وليس المشروع الفقهى الستينى لبعض مفكرى هذه الجماعة.

لديك نقطة تلاق إذن تقدر من خلالها أن تكبح هذا الانفلات فى الاستقطاب القائم على الدين، بدايتها أن تعرف أن المرء يمكن أن يكون مسلما وعلمانيا فى ذات الوقت، ولا تنتقص علمانيته من عقيدته كمسلم، كذلك يمكن أن يكون مسلما وليبراليا أو اشتراكيا، الإسلام عقيدة دينية شاملة، لكن الليبرالية والاشتراكية اتجاهات سياسية وانحيازات تستطيع أيضا أن تجدها فى مقاصد الإسلام.

أيضا لابد أن تتوقف عن استدعاء المظاهر الشاذة فى وصف الأشياء أو التحريض عليها، فليس معنى أن تتصدى لخلاف سياسى مع تيار إسلامى أن تستدعى مشاهد جلد النساء وفظاظة المعاملات، وليس معنى أن تتصدى لخلاف سياسى مع ليبراليين أن تستدعى مشاهد انحلال أو انفلات أخلاقى، فمصر ليست أفغانستان ولا الصومال ولن تكون، وكذلك ليست شاطئا ماجنا ولن تكون.

لكن خطورة هذا الاستقطاب الدينى الحاد الحقيقية متعلق بآمال مشاركة الأقباط فى الحياة العامة واندماجهم فى المجتمع، تعرف أن نظام مبارك استخدم أجهزة أمنه وفزاعاته الإعلامية لتخويف الأقباط وإدخالهم خلف أسوار الكنيسة ربما بترحيب من القيادة الكنسية ذاتها، واستخدامهم بين الحين والآخر فى دعم البقاء أو مخاطبة الخارج، لكن من أهم مكاسب ثورة يناير هى خروج الأقباط من أسوار الكنيسة إلى الميدان بكثافة وثقل ومشاركة حقيقية، وليس من مصلحة المستقبل أن يعودوا لأسوار الكنيسة مرة أخرى باعتبارها الملجأ الآمن لهم وليس الدولة الحديثة التى يتوحد حولها هدف التيار الرئيسى المصرى كله بمكوناته الأساسية من ليبراليين وإسلاميين ويسار.

لنكن مسلمين لله ونصارى للوطن.. أو نصارى لله ومسلمين بالوطن، لكن قدرة هذه المشروعات السياسية على بناء نموذج تعايش حديث وكفء دون إقصاء لأحد، قائم على العدالة والمساواة ومحاربة التمييز بأشكاله، فيه نصر للوطن وحماية لوحدته وتنوعه، وأيضا تحقيق لمقاصد الأديان..!

السبت، 3 ديسمبر 2011

تفاءل وشارك


هذا الانزعاج غير مبرر على الإطلاق، من فضلك لا تجعل أحدا يدفعك إلى ترديد أقوال تفسد عليك فرحتك بوطنك وإرادتك، من فضلك اقرأ النتائج النهائية التى تم
حسمها فى المرحلة الأولى من الانتخابات، والمقاعد التى باتت نهائية لترى بنفسك أن برلمانك المقبل، سيكون فيه أبوالعز الحريرى وأكرم الشاعر وعمرو حمزاوى وزياد العليمى ود. وحيد عبدالمجيد، هؤلاء من ضمنوا مقاعدهم حتى هذه اللحظة بشكل حاسم، هل تعتقد أن هذه الأسماء ليست مشجعة على التفاؤل بتنوعها، هل تعرف أن المخضرم أبوالعز الحريرى لا يظهر تحت قبة البرلمان إلا فى انتخابات نزيهة، هل لديك شك فى مواقفه المعارضة والمناهضة للاستبداد والداعمة للديمقراطية من قلب اليسار المصرى، هل تعتقد أن اختيار الجماهير لأبوالعز كان اختيارا جاهلا، لماذا تجهل من اختاروا أكرم الشاعر، ولا تجهل من اختاروا الحريرى؟ الشاعر ذاته صاحب خبرة برلمانية، وكما تعرف قدم للثورة من عائلته أشهر مصابيها، صحيح أن التنافس بينه وبين جورج إسحق حرم الوطن من وجودهما معا لأن برلمان بعد الثورة كان يستحق جورج، كذلك هل كنت تعتقد أن كاتبين وأكاديميين مثل د. وحيد عبدالمجيد ود. عمرو حمزاوى كان من الممكن أن يدخلا البرلمان فى السابق قبل الثورة فى تنافس نزية لا يهم الآن الحديث عن الكتل والنسب، فأنا مؤمن تماما أن هذا البرلمان سيأتى متنوعا، على الأقل لن يكون فيه أغلبية مطلقة قادرة على تجاهل الأقلية والمعارضة وتهميشها مثلما كان يفعل الحزب الوطنى المنحل ونظامه، انتهى هذا الزمن، على الأقل ربحت أغلبية أنت موقن أنها قادمة بإرادة ديمقراطية، ومعارضة قوية ومليئة بالوجوه الجادة، وبرلمان متنوع بقواه.


حتى قوائم الحرية والعدالة، هى قوائم متنوعة فى داخله فهى تضم 11 حزبا وليس حزب الحرية والعدالة فقط، صحيح أن الجناح السياسى للإخوان مستحوذ على المراكز الأولى فى القوائم وهذا حقه بالتناسب مع ثقله السياسى والانتخابى، لكن لا تنسى أن قوائم الحرية والعدالة التى تخوض الانتخابات لا تعنى بالضرورة المطلقة الإخوان، لكنها تعنى 11 حزبا وتيارا من بينهم الإخوان.

لا تسمح لأحد أن يفزعك أو يثير فى نفسك المخاوف ويجعلك تتمنى لو لم يسقط مبارك، فالحقيقة أنه رغم كل التباينات فى تفسير ما جرى، والتحفظات التى لدى شخصيا على المرحلة الانتقالية برمتها، إلا أننا تقدمنا خطوة مهمة جدا ومازال أمامنا الفرصة لننهى هذه الخطوة بامتلاك برلمان متنوع، مصدر السعادة فيه أن الجميع سيكون ممثلا فيه بغض النظر عن حجمه، كنت أتمنى أن تكون هناك قواعد قانونية أو حتى توافقية بين القوى تضمن للأقباط وللمرأة تمثيلا مضمونا، لكن من قال لك إن هذا المجلس سيحقق كل أحلامك، أنت مازلت تجنى آخر ثمار استبداد نظام مبارك، فما ظهر من سوءات حتى هذه اللحظة هى بقايا زمنه وثقافته الانتهازية التى زرعها فى النخب والقوى السياسية ومحترفى الانتخابات، لكنك قادر على تصحيح هذه المسارات، ليكون البرلمان التالى هو برلمان الثورة بحق، والمعبر عن أخلاقها وقيمها فى العدالة، لم نستبدل قمعا بقمع ولا استبداد باستبداد، لا تجعل أحد يقنعك بذلك ويفسد عليك فرحتك، لا تحكم على المستقبل بمعايير الماضى، الزمن اختلف والجميع تطور أو يتطور، وأنت أيضا تطورت وصرت تملك الصندوق وتملك الميدان وتملك كلمتك وإرادتك وقرارك، وتملك الحق فى اختيار حياتك كما تريد.. انس كل هذا الفزع وشارك فى المرحلتين القادمتين لأن مشاركتك وحدها هى التى ستحمى البرلمان المتنوع الذى ننتظره، وستجعل الأمل أكبر فى ما يليه من استحقاقات..!  

الجمعة، 2 ديسمبر 2011

الدرس الأول


قتل نظام مبارك السياسة فى مصر طوال 30 عاما، لكنه لم يقتل إرادة المصريين، جاء كل تأثيره السلبى فى النخبة والأحزاب السياسية التى صنعها على عينه طوال العقود الثلاثة التى قضاها جاثما على الصدور، لم تثبت النتائج الأولية للمرحلة الأولى من الانتخابات أكثر من ذلك، الأحزاب العتيقة الكبيرة التى كانت تسمى فى خطاب صفوت الشريف القوى السياسية الكبرى سقطت سقوطا ذريعا أمام أحزاب لا تتجاوز أعمارها المائة يوم، فيما تلك الأحزاب تتباهى بعراقة تأسيسها، وتتشبث بتاريخ منسوب لأسمائها.

أدرك الجمهور المصرى أن تلك الأحزاب إن كان لها وجود فى السنوات الثلاثين السابقة، ربما كانت توفر على المجتمع كثيرا من الكوارث والأزمات والمحن، لكنها رضيت أن تكون جزءا من النظام كما كان صفوت الشريف نفسه يتباهى بذلك، أى أنها كانت تلعب أدوارا محددة ومرسومة وكل هذا التصور انعكس واضحا فى الصناديق.

وعندما سقط النظام كنت أدعو لإسقاط معارضته «الرسمية وشبه الرسمية» ليس نكاية فى أحد ولكن لأننى كنت أعرف أننا فى مرحلة لابد أن نؤسس فيها لبدائل مختلفة كلها صالح وجاهز، دعوت إلى تجديد شرعية هذه الأحزاب بإصلاحات كبرى وتغييرات هيكلية، تستبعد أولئك الذين تربوا فى أحضان «أمن الدولة» وألفوا ألاعيبها، وارتضوا بخدمتها، وكان هذا الجهاز الأخطبوطى الحاكم والمؤثر صاحب القرار فى صعود القيادات داخل هذه الأحزاب أو إسقاطها.

كانت هذه الدعوة من أجل هذا الوطن، لكن البعض أخذته العزة بالإثم وتخيل أن الجماهير تتهافت على اسمه، وأن بضعة بيانات بلاغية ساخنة تكفى ليقنع الآخرين أنه كان معارضا شرسا لمبارك فيما جميعهم كانوا وكأنهم موظفون فى دولة مبارك على درجة رؤساء أحزاب، ويمارس الدور نفسه بعد فشله الآن بالبحث عن شماعات واهية.

إذا كان من مصلحة مصر أن تكون فيها ثلاث كتل رئيسية كلها تستمد شرعيتها ووجودها من الشارع ومن التاريخ السابق على ثورة يوليو، وهى التيار الإسلامى والتيار الليبرالى واليسار المصرى، فقد وجد التيار الإسلامى من يحمى مشروعه طوال أكثر من 80 عاما رغم الضغط والحظر والاعتقالات والمحاكمات، فيما أضاعت الأحزاب الأساسية على الجانبين الآخرين مشروعيهما بالارتماء الكامل فى حضن السلطة والرضا بخدمتها وفقط، والتعامل مع الوقائع بعد الثورة بأسلوب تجارى بحت عنوانه المكسب والخسارة دون اعتبار لمبادئ أساسية أو قناعات أو حتى حركة حقيقية فى الشارع.

لذلك لم يكن مستبعدأ أن تخرج تيارات سياسية حديثة العهد لتملأ هذا الفراغ قدر الاستطاعة، وتحقق فى 100 يوم ما لم تحققه هذه الأحزاب «الكبرى» فى 30 عاما، التى لم تتعلم دروس الثورة، التى أسقطت النظام وكان لابد أن تسقط معه واجهات هذه الأحزاب، التى باعت وهم الديمقراطية للعالم بمساندتها نظام مبارك قبل الثورة، وباعت وهم الشعبية لأعضائها وللمراهنين عليها بعد الثورة، حتى خرجت الصناديق بالحقيقة الصادقة.

الخميس، 1 ديسمبر 2011

نبوءة مجدى مهنا


منذ عشرين عاما ونحن نصرخ ونقول: لا تتركوا ملف التيار الإسلامى السياسى تتعامل معه أجهزة الأمن.. وقلنا امنحوا هذا التيار الشرعية التى تمكنه من الظهور فوق الأرض، والمشاركة فى الحياة السياسية.. لأن أحدا لا يمكنه تجاهله أو إنكار وجوده.

قلنا ذلك عشرات ومئات المرات، وقاله غيرى أيضا.. وكان رد فعل الدولة وأجهزتها وإعلامها الرسمى.. وساندها فى ذلك بعض القوى السياسية، هو أن جماعة الإخوان المسلمين إرهابية وجماعة محظورة.. وخارجة عن الشرعية ولا يجب الاعتراف بها..فماذا كانت النتيجة؟

النتيجة ظهرت فى الانتخابات الحالية بوضوح.. وهى فشل سياسة الذين طالبوا بحجب الشرعية عنها، ونجاح غالبية مرشحى التيار الإسلامى، والسبب واضح.. وهو أن مزاج الناخب والشارع المصرى لم يعد يهوى «النظام الحاكم».. ولا سياساته ولا يقبل أفكاره.. وهو نفس موقفه من قوى المعارضة.

لم يمنح الشارع المصرى صوته لرموز المعارضة ومنحها للتيار الإسلامى.. لعله يجد فى هذا التيار ما يبحث عنه أو ما يفتقده فى القوى السياسية الأخرى.

وإذا لم يعالج «النظام الحاكم» الأمر بالسرعة الواجبة، وإذا لم يحصل هذا التيار على شرعيته القانونية والدستورية، فإننى أتوقع أن يحصل تيار الإسلام السياسى على أكثر من نصف مقاعد البرلمان فى أى انتخابات برلمانية قادمة.. إذا ما اتسمت بالنزاهة والشفافية.

وأعرف أن هذه النسبة لا تعكس قوة الإخوان المسلمين ومرشحى التيار الإسلامى فى الشارع المصرى.. بقدر ما تعكس عجز القوى السياسية الأخرى.. وعجز «النظام الحاكم» وفقدانه بوصلة القيادة وغياب الرؤية.

إن الدولة التى تعطى أهمية قصوى لأمنها وكيفية الحفاظ عليه، لابد أن تدرك أن هذه النظرية نجحت خلال أكثر من عشرين عاما فى هذه السياسة.. لكنها لا تستطيع أن تستمر فى النجاح لأكثر من ذلك.. لأن الأمن مهما بلغت قوته وقدراته وكفاءته، فهو فى النهاية له حدود لا يمكن تجاوزها.

وعلى الدولة التى تريد استمرار الحفاظ على استقرارها السياسى وعلى مقاعدها.. ألا تترك لأجهزة الأمن هذا الملف تتعامل معه.. بل عليها أن تضع الحلول والتصورات السياسية له.. وألا تدفن رأسها فى الرمال.

كما على الدولة أن تعترف بشرعية هذا التيار.. وأن تسمح بإقامة حياة ديمقراطية وحزبية سليمة وتسمح بقيام أحزاب جديدة.. ولا تحاصرها كما فعلت مع الأحزاب الحالية.. فكانت النتيجة هى حالة الضعف والتهميش والهزال الذى عانت وتعانى منه فى الشارع المصرى.

بدون الاعتراف بتيار الإسلام السياسى.. وبدون ظهور أحزاب سياسية ليبرالية قوية.. فالنتيجة هى سقوط النظام الحاكم فى أقرب انتخابات قادمة ووصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم.

● فى شتاء 2005 كتب الراحل النبيل مجدى مهنا هذا المقال بعد انتخابات ذاك العام.. وكأنه مازال يكتب..