«إنما الأمم الأخلاق».. أنت تعلم ذلك جيدا وتدركه.. لكن هل السياسة ضد الأخلاق، ربما تجد تراثا كبيرا من الممارسات والأفكار وحتى الكلمات المأثورة التى تزعم أنه لا ارتباط حقيقيا بين السياسة والأخلاق إلا الارتباط المتنافر، لكن ما قيمة المرء إذا ربح السياسة وخسر الأخلاق بكل ما تعنيه من احترامه لنفسه أولا قبل أن يحوز احترام الآخرين.
تلك مقدمة منطقية أسوقها لتفسير مسألتين أراهما فى غاية الخطورة، أولها أن غضبك على ما جرى أمام مجلس الوزراء من مجازر وقتل وانتهاك لحرمات النساء لابد أن يكون غضبا أخلاقيا قبل أن يكون سياسيا، قد تكون لديك مواقف نقدية للمجلس العسكرى، أو اختلاف سياسى مع شباب الاعتصام ورؤاهم وأهداف اعتصامهم وجدواه، لكنك لا يجب أن تختلف أخلاقيا مع المجنى عليهم، لا يجب أن تزن الموت والانتهاك والعار بموازين السياسة.
وإذا كنت وجدت قوى سياسية «ترفع لواء الدين» غير مكترثة بما جرى وتعتقد أن حماية الصناديق أولى من حماية أجساد النساء، وأن الغضب من أجل مقاعد البرلمان أهم من الغضب من أجل أعراض الناس، وأن تغطية التماثيل العارية فى الإسكندرية أولى من تغطية البنات المتعريات سحلا فى الشوارع، فلابد أن تدرك أن هؤلاء إذا كانوا قد نجحوا سياسيا فقد رسبوا بكل تأكيد أخلاقيا، لكن المسألة التى تهمك تظل فى وجود هذا الانحطاط الأخلاقى لدى طرف المفترض أنه جزء من النخبة الجديدة وتيار رئيسى داخل مؤسسة الحكم الديمقراطية التى نحاول أن نمتلكها لتحمى كرامتنا فإذا بها تسقط أخلاقيا أمام أول اختبار حقيقى جملة كما سقط بعض المنتسبين لها فى اختبارات «العدل» المتعلقة بحقوق الأقباط والحريات والحقوق المدنية عموما.
لكن المؤسف أن النخبة «المتأسلمة» ليست وحدها التى سقطت بامتياز فى الاختبار الأخلاقى، فلديك نخبة المفترض أنها تؤمن بالديمقراطية لديها تحفظات على نتائج الصناديق، وتتحرك وكأنها تريد الانقلاب على هذه النتائج، صحيح أن لدى شكوكا فى عدالة هذه الانتخابات وليس نزاهتها، لكن «أخلاقيا» أيضا لا يجوز أن تكفر بالديمقراطية فى لحظة لأن نتائجها جاءت عكس ما تريد.
ما علاقة ما تقدم بما لحقه؟: العلاقة أن هناك قوى «مدنية» تحاول أن تكبحك عن جرائم المجلس العسكرى، تحت دعوى أن الإسلاميين هم المستفيدون من تكسير العسكر، وحتى لا تخلو لهم الساحة، بما يسمح بالانقلاب على الديمقرطية، وهى سقطة أخلاقية كذلك مبنية على سقطة أشد لدى الإسلاميين إذا ما قيست باعتبار أنهم «أهل دين» المفترض أن يكونوا الأصدق والأحرص على الأعراض وعلى العدل والأقوى فى قول كلمة الحق فى وجه السلطان الجائر.
هل سقط الوطن إذن فى يد نخبة «إسلامية ومدنية» غير أخلاقية؟، تلك هى الحقيقة للأسف وعندما تضيف لهم المجلس العسكرى نفسه، ستكتشف أن بالفعل الثورة لابد أن تبقى مستمرة.. لأن مشروعها الأخلاقى لم يتحقق، والقوى التى تتنازع حكمها لا تمت لها بصلة..!
الانحياز ضد العسكر فى جرائمهم خيار أخلاقى وليس سياسيا.. وحماية الديمقراطية واختيار الناس خيار أخلاقى وليس سياسيا.. والدفاع عن العدل والحريات والمساواة الكاملة بين شركاء الوطن خيار أخلاقى وليس سياسيا، لكن ليس من الأخلاق أن تختار واحدة وتهمل الأخرى.. الأخلاق لا تتجزأ، فإذا وجدت شخصا لا يؤمن بهذه الثوابت الثلاثة قولا وفعلا أو يؤمن بأحدها دون الآخر.. فاعلم أن لديه خللا فى أخلاقه..!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق