الاثنين، 29 ديسمبر 2008

.. ولا أحد يلوم «حماس»

أين الجديد؟.. مجزرة إسرائيلية بشعة فى قطاع غزة، أسقطت مئات الشهداء والمصابين؟ ليست المجزرة الأولى، والأرجح أنها لن تكون الأخيرة.. منذ خمسين عاماً وهذا الكيان العنصرى المتوحش يرتكب المجازر ويقتل المدنيين؟
تنديد وشجب واستنكار رسمى.. ومظاهرات فى الشارع العربى تتضامن مع غزة وتدين إسرائيل وتندد بالتخاذل العربى وتحمل الحكام العرب مسؤولية حمامات الدم.. لا جديد، والمشهد ذاته يتكرر كلما أرادت إسرائيل.
الجديد أن الشارع المأزوم والمجروح من مشاهد جثث الشهداء والضحايا المدنيين والأطفال المذعورين، والمتظاهرين الذين تغلى صدورهم من الغضب، والمراهقين الذين تجيش مشاعرهم بالرغبة فى الثأر والانتقام، يدينون الجميع، ويوجهون اتهاماتهم للجميع، بدءاً من إسرائيل المعتدية وانتهاء بالحكام العرب المتخاذلين، لكن أحداً منهم لا يلوم حماس ولا يقترب نحوها بالنقد ولا يتخيل أن أداء حكومة «هنية»، التى تسيطر على قطاع غزة يمكن أن يكون أحد أسباب المجزرة.
دعنى أقل لك إن هذا هو ما نجحت فيه حماس، وهذا هو المكسب السياسى الوحيد الذى حققته «حكومة هنية» على حساب جثث الشهداء ودموع اليتامى والأرامل. خسر هنيه والذين معه المعركة على الأرض وربحوا الشارع «العاطفى إلى درجة السذاجة»، وبدا أن المكسب العاطفى أهم ألف مرة من حياة الرعية وأمنهم، والبقاء فى السلطة أهم ألف مرة من مئات الشهداء.
دعك من الحديث عن المقاومة ومشروعية المقاومة ودور حماس فى قيادتها، فلابد أن تدرك أن تلك الحركة منذ قبلت خوض الانتخابات، وجربت طعم الحكم وشهوته، لم يعد مشروعها تحرير فلسطين أو استعادة الأرض من البحر إلى النهر وغيرها من الأهداف والمشروعات العاطفية التى تدغدغ مشاعر الجماهير، وصار مشروعها الأسمى هو البقاء فى السلطة وعدم التنازل عن الحكم، حتى لو كانت فاتورة ذلك تكريس انقسام وتفتيت لم يشهده الفلسطينيون من قبل، وتكريس انفصال تجد سعادة فى بقائه على ما هو عليه ضامناً لها حكم غزة.
أنهت تجربة «إمارة غزة» كل الأحاديث الرومانسية عن المقاومة..وصارت تلك المقاومة إحدى وسائل التسويق التى تهدف إلى الحفاظ على المغنم السياسى، ومنذ صار المغنم السياسى هدفاً وغاية تبررها الوسيلة، كانت الوسيلة هى إجهاض كل الجهود لمنع نشوب الحرب، وإفشال كل المحاولات لإعادة الوحدة الفلسطينية.
الذين أحرقوا غزة ليسوا فقط الإسرائيليين بطائراتهم ومدرعاتهم، وليسوا فقط الحكام العرب بتخاذلهم، وليست فقط مصر بقبولها تراجع دورها الإقليمى إلى الحدود الدنيا.. الذين أحرقوا غزة هم أولئك الذين اختطفوها وانفردوا بها ونصبوا أنفسهم أمراء على «إمارة محاصرة على أرض محتلة فى وطن مفترض»، وتولوا مسؤولية شعبها، وكان من المفترض أن يراعوا أمان هذا الشعب وأمنه.
الذين أحرقوا غزة هم أولئك المراهقون سياسياً، والمدججون بكل ما يملكه العرب من خطب حنجورية، الذين أفشلوا الحوار وتطاولوا على الكبار، الذين رفضوا النصيحة وقامروا بشعبهم، وأهدروا مصالحه فى صراع سياسى رخيص، لا يهتم بقضية ولا بأرض، السلطة فيه أولاً وقبل كل شىء، حتى قبل تحرير الأرض التى سيقام عليها الوطن..سلطة فى وطن محتل.. سلطة على بعض أرض، وشعب سقط فريسة فساد فى رام الله، وانتهازية فى غزة، ووحشية وجبروت عنصرى فى تل أبيب.
الذين أحرقوا غزة هم أولئك المتعنترون الذين أنهوا التهدئة ورفضوا تجديدها، وأحبطوا جهود تمديدها، وقرعوا طبول الحرب دون أن تكون لديهم القدرة على مواجهة أعبائها، الذين اتخذوا قراراً سياسياً فى لحظة مراهقة سلطوية، دون تقدير لموقف أو اكتراث بعواقب، أو تخطيط لردود فعل، وعلى طريقة «ما تقدرش» فردوا صدورهم، وقدموا مئات الشهداء فى معركة كان يمكن تجنبها بسهولة.
أنت مصدوم مما تقرأ، العاطفة تأخذك فى اتجاه معاكس، لكننى فقط أذكرك أن العاطفة كانت تجرفنا فى الفترة من ١٨ مايو ١٩٦٧، عندما طلبت مصر سحب القوات الدولية من الحدود مروراً بيوم ٢٢ مايو حين أغلقت خليج العقبة فى اختيار واضح لخيار الحرب، حتى كانت الحرب وكانت نكسة ٥ يونيو، عند اتخاذ القرارات الممهدة للحرب كنا عاطفياً نهتف ونهلل أننا سنرمى إسرائيل فى البحر..
وبعد سنوات وسنوات تعلمنا أن الحرب يجب ألا تكون فريضة غائبة، لكنها فى الوقت نفسه ليست لعبة أو نزهة أو مغامرة، ومن يتخذ قرار خوض معركة لابد أن يملك القدرة على ضمان الحد الأدنى من الحماية لشعبه أولاً.
حاول ألا تستسلم لضغط الشارع، ولا تسايره، وفتش عن الحقيقة واسأل نفسك. هل مازالت حماس حركة مقاومة؟ شخصياً لا أعتقد ذلك منذ قبلت بإحدى آليات «أوسلو» وخاضت الانتخابات وشكلت حكومة تلو أخرى فصارت جزءاً من السلطة وطرفاً فى الصراع عليها، وصار البقاء فى السلطة هدفها الأسمى.
المسألة بسيطة «المقاومة هدفها تحرير الأرض، والسياسة هدفها السلطة»، وحماس أجهضت الأولى ونجحت فى الثانية بامتياز، وسبقتها «سلطة أبومازن» على الدرب نفسه وأجادت.
اسأل نفسك سؤالاً آخر: هل مازالت إسرائيل هى الخطر الأكبر على الفلسطينيين رغم مذابحها وبربريتها؟ شخصياً لا أرى خطراً على الشعب الفلسطينى أفدح وأخطر من هذا التفتت والانقسام والصراع على الحديث باسمه.
لا أرى خطراً أفدح من غياب الهدف. كلنا نعرف ما تريده إسرائيل، لكن لا أحد يعرف ما يريده حكام رام الله وحكام غزة غير البقاء فى السلطة، وهى أخطار يهون أمامها خطر إسرائيل وقسوتها.
الذين أحرقوا غزة هم أولئك الذين فعلوا كل هذا، هؤلاء من يستحق اللوم، وهم إما أحرقوها أو شاركوا فى تلك الجريمة بنصيب وافر، وإعفاؤهم من المسؤولية استخفاف بالعقول.
واليوم لم يعد هناك حل سوى وقف العدوان فوراً وبأى وسيلة..وبعدها محاسبة حماس وعباس والتخلص من كليهما.. والبحث عن شرعية جديدة بوجوه أنظف ومشروع وطنى أوضح، وأياد ناصعة لم تتورط فى فساد ولا إفساد، وألسنة صادقة لم تتورط فى خداع أو انتهازية.. ووقتها فقط سيهون أمر إسرائيل.

الاثنين، 22 ديسمبر 2008

معارك «التبول اللاإرادى»

ربما لا تعرف أن مكتب المجلس الثقافى البريطانى، الذى بدأ نشاطه فى القاهرة قبل عشرات السنين، كان أول فرع لهذه المؤسسة العريقة خارج أوروبا، وينشط طوال هذه السنوات فى تنمية العلاقات الثقافية وتقديم البرامج التدريبية والتعليمية، خاصة فى مجال اللغات.
والأرجح أنك تعرف أن السينما المصرية التى تخطت مئويتها بعدة سنوات، ساهمت على مدار هذا القرن وحتى الآن فى تشكيل الثقافة والوعى لأجيال متعاقبة من المصريين والعرب، وقدمت آلاف الأسماء من المبدعين، تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً وتصويراً، وحفظت ذاكرة مصر الثقافية والاجتماعية وصور شوارعها ومشاهد مدنها على اختلاف مراحلها العمرية، وسلوكيات أهلها وعاداتهم ونسائج قيمهم.
طوال هذه السنوات الطويلة، كانت مصر وطن السينما، وكان مكتب المجلس الثقافى البريطانى فى القاهرة أيضاً أهم مكاتب هذا المجلس الخارجية وأكثرها نشاطاً.. طوال هذه السنوات أيضاً كانت مصر تملك برلمانها، ويتعاقب عليه النواب منذ أن أعلنه الخديو إسماعيل «مجلس شورى النواب».. وحتى حوَّله الرئيس السادات من مجلس «الأمة» إلى مجلس «الشعب»..
وطوال هذه السنوات أيضاً لم تتوقف السينما عن إنتاج الأفلام، ولم يتوقف المجلس البريطانى عن تقديم المنح وتعليم شباب المصريين اللغة الإنجليزية، كما لم يتوقف البرلمان عن نشاطه ومناقشاته وتشريعاته وآليات رقابته.
ولم يجد فؤاد المهندس، مثلاً، وهو يلعب شخصية المدرس على خشبة المسرح فى أكثر من عمل ــ بدأه بـ«الأرض كروية تلف حول نفسها»، وأنهاه بشخصية صابر الذى يرث عن شقيقه كباريه فى «علشان خاطر عيونك» ــ نائباً فى مجلس النواب أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب، يتهمه بإهانة ملايين المدرسين والحط من شأن المعلم ببدلته ذات «الرقع» أو بتنازله عن مهنة التدريس ليدير كباريه.. ولم يقل إن مسرحية مثل «علشان خاطر عيونك» أظهرت ناظر المدرسة وهو يحتسى الخمر ويطارد الراقصات.
لم يكن فؤاد المهندس وحده الذى تقمص شخصية المدرس وقدمها بشكل ساخر، ولم تكن شخصية المدرس وحدها من نالت قسطاً وافراً من السخرية فى الفنون المصرية، لكن الأرشيف يثبت أن السينما والمسرح سخرا من الجميع بما فيها مهنة الممثل نفسها.
وطوال هذه السنوات أيضاً لم يقف نائب فى مجلس النواب أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب ليتهم المجلس الثقافى البريطانى بمعاداة القيم الإسلامية والترويج لتقاليد وسلوكيات هدامة.
لكن كل ذلك يحدث الآن.. السينما هى السينما بنفس أدواتها و«تيماتها»، والمجلس الثقافى البريطانى هو نفسه بنفس مناهجه وآلياته.. لكن البرلمان لم يعد كما كان.. ونائب الشعب لم يعد نائباً للشعب يعرف أن أصوات ناخبيه دفعت به إلى مقعده ليمارس دوراً تشريعياً ورقابياً يليق بمكانته كنائب للشعب وممثل لناخبيه فى مراقبة أعمال الحكومة وأوجه إنفاقها
لو كان نائبك اليوم نائباً للشعب كما ينبغى أن يكون.. هل كنت تعتقد أنه سيهدر أدواته الرقابية ويهدر وقت برلمان مصر ليتقدم ببيان أو طلب إحاطة يتهم فيه المجلس البريطانى بالترويج للفجور، لأنه سمع أو قرأ فى إحدى الصحف، أن كتاب اللغة الإنجليزية الذى يشرف المجلس على تدريسه لطلاب جامعة الأزهر فيه صور لشاب وفتاة يشربان «مشروباً ما»، قال النائب إنه خمر وفسر الصورة بأنها ترويج لثقافة «البوى فريند» الغربية فى معقل جامعة الأزهر؟!
لو كان نائبك اليوم نائباً للشعب كما ينبغى أن يكون.. هل كنت تعتقد أنه سيهدر أدواته الرقابية، ويهدر وقت برلمان مصر ليتقدم ببيان أو طلب إحاطة يطالب فيه بمنع فيلم محمد هنيدى الأخير من العرض فى دور السينما لأنه يهين المعلم، مستنداً فى ذلك لمشهد يبدو فيه هنيدى ــ الذى يؤدى دور مدرس ــ يبول على نفسه لا إرادياً تحت ضغط الخوف، بعد أن حاصره الطلاب داخل الفصل؟!
يعتقد النائب المشغول بقضية «البوى فريند» أن المجلس البريطانى يسىء للإسلام، ويعتقد النائب المشغول بقضية «التبول اللاإرادى» أن محمد هنيدى يسىء إلى المعلمين، فيما لا يعتقد الاثنان ومن على نهجهما، أن انشغالهم عن هموم الناس الحقيقية بمثل هذه القضايا، هو الإساءة الحقيقية بعينها للبرلمان ونوابه قيمةً ومعنىً وأشخاصاً.
بالأمس كان البرلمانى يؤدى دوره كما ينبغى، فيجرى خلفه الإعلام..واليوم يجرى النائب خلف الإعلام ويغازله بطلبات إحاطة وبيانات تحوى قضايا لا تستحق الوقوف عندها.. قل إن شئت «تافهة».
مازالت السينما كما هى.. ومازال المجلس الثقافى البريطانى كما هو.. لكن الأرجح أن البرلمان لم يعد كما هو منذ أن انشغل نوابه بمعارك «التبول اللاارادى» وما على شاكلتها من قضايا!

الاثنين، 15 ديسمبر 2008

مصر وحدها

على مصر وحدها واجب لابد أن تنجزه ولا واجبات على غيرها.. لمصر دور لابد أن تؤديه ولا أدوار لغيرها.. على مصر أن تفتح المعابر وتسقط الحدود وتكسر الحصار عن غزة، ولا شىء على هنية وحكومته، وأبومازن وسلطته.
مصر هى التى تقتل الفلسطينيين فى قطاع غزة بالحصار وهى التى تتعاون مع إسرائيل فى تجويع الشعب الفلسطينى، وتمتثل لإرادة إسرائيل وتنفذ أجندتها فى المنطقة حين تُبقى حدودها مغلقةً.
 بينما لا يتعاون هنية والذين معه مع إسرائيل حين يكرسون الانقسام والتفتيت.. لا ينفذون أجندة إسرائيلية حين يحولون كتائب المقاومة إلى ميليشيات توقد نار حرب أهلية، ويرفعون السلاح فى وجه الفلسطينيين ويفتحون السجون، التى طالما ذاقوا مرارتها، لغيرهم من المخالفين والرافضين.
مصر وحدها من يتحمل كل الوزر، لا تلوموا أبومازن وسلطته على تشبثهم بالسلطة والميزات والسيارات والطائرات والمخصصات، ولا تلوموا حماس على جوعها وتعطشها للسلطة بأى ثمن، لا تلوموا اقتتالاً فلسطينياً داخلياً، لا تلوموا إخواناً لا يرحمون أنفسهم وأشقاءهم، وينتظرون الرحمة من الآخرين، مصر وحدها من يتحمل اللوم والوزر وتستحق التأنيب، فقط مصر ولا أحد غيرها.
الجميع يفعل كل ما عليه إلا مصر، لا مقصر إلا هى، ولا مفرط إلا نظامها، ولا مستكين إلا شعبها، ولا متفرج فى الصراع إلا حماة أمنها.
كلهم يخوضون معارك مقدسة لتحرير الأرض واستعادة القدس، ومصر وحدها تقود طابوراً خامساً، كلهم يطلقون الرصاص ومصر وحدها لم تطلق رصاصة، كلهم يقدمون الشهداء قرابين على مذبح القضية، ومصر وحدها لم تقدم شهيداً واحداً، كلهم ينقشون سجلاتهم النضالية بالتضحيات، ومصر وحدها بلا سجل ولا تضحيات.
جميعهم يروج لنصر وتروج مصر لهزيمة، جميعهم يقبض على القضية دون اكتراث بحرارة جمرها، ومصر وحدها باعتها كما تبيع شركاتها الخاسرة، جميعهم كان قاب قوسين أو أدنى من القدس، لكن مصر وحدها أحبطت الزحف المقدس والفتح المبين.
اجلسوا فوق جثث بعضكم البعض والعنوا مصر، اسبحوا فى دماء بعضكم البعض واحرقوا علم مصر، أشهروا فوهات بنادقكم فى وجوه بعضكم البعض، واخلعوا رؤوسكم على مصر.
هاجموها على المنابر.. وارفعوا أيديكم بالدعاء عليها وعلى ولاتها وقولوا بحرقة والدموع تتساقط من أعينكم: «آمين»، حركوا الجوعى والمحاصرين والمتعاطفين والمتضامنين والمؤمنين فى الشوارع، يسألون فى استنكار عن مصر وعروبة مصر وإسلام مصر وجيش مصر وشعب مصر وإرادة مصر، انتهكوا شرف حدودها واستبيحوا أرضها، أشهروا بنادقكم جنوباً وغرباً، ازحفوا يساراً وافتحوا «رفح».. مصر هى العدو، وأرضها «أرض الإسلام».. حق فقط للمؤمنين.
افعلوا أى شىء، واصنعوا كل شىء.. ولا تهتموا بمن يموت ومن يجوع، ولا تكترثوا بقطع رحم.. لا تقرأوا الفاتحة على شهداء مصر حين تتبدى أمامكم أموال طهران.. ولا تتذكروا رصاص مصر ومعارك مصر، وأنتم تشاهدون «صمود دمشق الساكن بلا رصاص».
ازهوا برفضكم.. وباركوا نضالكم.. حررتم أنتم غزة وأضاعت مصر القدس.. حكمتم أنتم الضفة وأجهضت مصر الدولة .. بنيتم أنتم الوحدة وزرعت مصر الفتنة.
العنوا مصر، فهذا جزاؤها، والوزر كله وزرها، والتقصير تقصيرها، دقوا الدفوف الشرعية لانتصاركم فى غزة، وارقصوا رقصةً متبرجةً ماجنةً فى الضفة.
تسقط مصر ويحيا أبومازن سلطاناً على «بعض سلطة» فى الضفة..تسقط مصر ويعيش هنية أميراً على «حطام إمارة» فى غزة.. تسقط مصر وتسقط القدس ويسقط الدم وتسقط الذاكرة.. وتحيا رام الله، وغزة، وتل أبيب، وطهران، ودمشق.

السبت، 6 ديسمبر 2008

إبراهيم عيسى.. من حرية الصحافة وإليها

«فى البدء كانت حرية الصحافة».. وصفها فولتير فيلسوف فرنسا الأشهر بأنها «آلة يستحيل كسرها» وقبله فى القرن الثانى عشر عقب نجاح الثورة الفرنسية ـ التى تعد البداية المتفق عليها لتقويم الحريات ــ وإعلانها مبادئها الثلاثة الشهيرة «الإخاء والمساواة والحرية»،
وضع الثوار حرية الصحافة جنباً إلى جنب مع مبادئها الرئيسية وقف «ميرابو» أمام ممثلى الشعب الفرنسى ليقول: «فليعلن الآن أول قانون من قوانينكم: حرية الصحافة إلى الأبد،
وهى حرية لا يجب أن تمس، ولا يصح وضع حدود لها، لأنها الحرية التى لا يمكن التمتع بالحريات الأخرى بدونها». سنوات طويلة احتاجها العالم لترسيخ هذه الحرية.. ونضال مكثف خاضه الصحفيون لتأكيد حريتهم والربط بينها وبين حرية المجتمع وحقه فى المعرفة،
ولم تكن مصر بعيدة عن هذا النضال ولم يكن صحفيوها بعيدون عن مواجهة بطش السلطة وضيق صدرها بحرية الأقلام فكانت الزنازين نصيب أحمد حلمى والعقاد وتوفيق دياب وإحسان عبدالقدوس وطابور طويل من الصحفيين قدموا حريتهم ثمناً لحرية الصحافة وحرية المجتمع..
واجهوا أنظمة متعاقبة وأيديولوجيات حكم متتالية اختلفت فى كل شىء واتفقت على العداء لحرية الصحافة.
كان السيد عيسى «مدرس اللغة العربية» يعرف هذا التاريخ وكان يردد منه أمام أبنائه «منى وإبراهيم وتغاريد وعبير وشادى» بينما يراجع لهم دروسهم فى منزله بقويسنا، ويعنفهم أشد تعنيف حين يخطئ أحدهم فى بناء جملة ويكسر إحدى قواعد اللغة العربية،
لكنه لم يكن يعرف أن أحد أبنائه سينضم لطابور حمل على عاتقه أمانه «حرية الصحافة».. لم يكن يعرف أن إبراهيم سيصبح أحد العلامات الفارقة فى تاريخ الصحافة المصرية وسينطلق من قويسنا مروراً برحلة طويلة من المعارك والملاحقات القضائية وحالة متتالية من المد والجذر بينه وبين السجون،
إلى أن يستقرعند جائزة جبران توينى التى منحه إياها الاتحاد العالمى للصحف «شهادة بالتزامه بحرية الصحافة وشجاعته وقيادته وطموحه وتمتعه بالمعايير الإدارية والاحترافية العالية».
قد تختلف مع إبراهيم عيسى وتدخل معه فى سجال مهنى تسجل فيه ملاحظات ويسجل عليك، لكنك لا يمكن أن تتمكن من إغفال دوره فى رفع سقف حرية الصحف وتوسيع دائرة النقد والمساءلة فى الصحف المصرية.
عندما جاء عيسى من قويسنا قاصداً كلية الإعلام التى تخرج فيها عام ٨٧ كان قد حدد طريقه وكشف عن غرامه بالصحافة فانضم إلى مؤسسة «روزاليوسف» العريقة وقت أن كانت تلتقط المواهب وتصنع نجوم المهنة،
 وقبل أن يتجاوز الثلاثين من عمره كان يصنع حدثاً فارقاً فى تاريخ الصحافة ويترأس تحرير جريدة الدستور فى إصدارها الأول عام ١٩٩٥ الذى أسس لتجربة الصحافة المستقلة، بشكل جديد ولغة جديدة وخطاب جديد وسقف سياسى أعلى حمله عيسى ومن جاءوا بعده حتى ارتفع إلى أعلى عليين.
كان منتصف تسعينيات القرن الماضى عند صدور الدستور الأولى علامة فارقة بالفعل فى تاريخ الصحافة المصرية أطلقت الصحف المستقلة التى وصلت إلى قمة توهجها فى السنوات الثلاث الأخيرة،
وتوالت عبرها أجيال صحفية شابة ومتحررة من التأثير الحكومى، وغير مكترثة بعصا النظام ولا بجزرته، وعملت بجد على تحرير مناطق جديدة كانت خاضعة للتعتيم والصمت وإعادة صياغة الدور الحقيقى للإعلام فى ظل انفتاح وحراك سيطر على السياسة والإعلام معاً.
قد تنتقد فيه تحولاته الفكريه ــ وهذا حقه ــ وقد تختلف مع أسلوبه فى إدارة العمل ومع صوته العالى ومع خلطه بين مهمة الصحفى ومهمة السياسى فى مجتمع ذابت فيه الفوارق بين الاثنين ودخلت فيه الصحافة لتعوض غياب الأحزاب، لكنك لا يجب أن تنكر أن كل ممارساته أضافت لحرية الصحافة وسقفها.
فى فرنسا يقولون ما قاله «شاتوبريان»: «ليس الدستور هو الذى أعطانا الحرية، إنما هى حرية الرأى التى أعطتنا الدستور».. وفى مصر لابد أن ندرك أن حرية الصحافة ليست منحة من أحد وإنما هى نتيجة نضال أجيال متعاقبة ورجال حقيقيين مازلت أنا وأنتم والمجتمع كله يجنى ثمار جهدهم.

الاثنين، 1 ديسمبر 2008

بين حظر النشر و«حصره»

تخيل أنك متظاهر عتيد، تم اعتقالك فى مظاهرة شارك فيها آلاف غيرك، ثم وقفت أمام القاضى لتدافع عن نفسك، وبدأت حديثك بالكلمة الشهيرة مصرياً «اشمعنى»، وقلت للقاضى إنك لم تكن وحدك المتظاهر، وإن الضباط الذين ألقوا القبض عليك استثنوا من الإجراء نفسه بعضاً من ذوى الحظوة والنفوذ.
خرجت أنت إذن من صلب القضية، التى لابد أن تتمحور حول حقك فى التظاهر، الذى من المفترض أن تدافع عنه وأن تدفع ثمنه دون أن تغضب من أن غيرك يمارس الحق نفسه دون أن يدفع الثمن، بسبب تمييز إدارى أو سياسى يفرض عليه قدراً من الحصانة.
قضيتك إذن هى حقك فى التظاهر، الذى لابد من التمسك به وتعزيزه، والترحيب بمن يقدم على نيله حتى لو كان لا يقصد.
وفى قضية «خرق حظر النشر» فى قضية «مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم»، المتهم فيها عدد من زملائنا الأعزاء فى صحيفتى «المصرى اليوم» و«الوفد» يبدو الموقف نفسه حاضراً، فالأصل فى المسألة هو حق النشر، الذى لا يجب التفريط فيه تحت أى زعم أو مبرر، فهو حق أصيل ومكفول من كل دساتير الدنيا، واتخاذ أى إجراء استثنائى لتقييده أو منعه هو حرمان للمجتمع كله من حقه فى المعرفة.
ويقيناً لا يجب أن تكون مسألة إحالة زملائنا فى صحيفتى «المصرى اليوم» و«الوفد» إلى المحاكمة بتهمة خرق قرار حظر النشر، وفى المقابل استثناء بعض الصحف القومية من هذه الإجراءات.. هى المسألة الحاكمة فى مناقشة هذه القضية، رغم وضوح اشتراكهما فى الفعل «المؤثم» نفسه من قبل هيئة المحكمة نفسها.
هذا الاستثناء لا يجب أن يبعدنا عن موضوعنا الأساسى وقضيتنا الرئيسية ويجرنا إلى معركة جانبية وهامشية، حتى لو كانت مقصودة، فلا يجب أن نبنى دفاعنا على منطق «اشمعنى»، حتى لو كان الطرف الآخر يقصد دون مواربة إحداث هذا التمييز وتطبيق قرارات المحكمة على أنها «حظر للنشر» على الصحف المستقلة والحزبية، و«حصر للنشر» للصحف القومية يعطيها دون غيرها حق النشر فى هذه القضية، ويمنحها أيضاً دون غيرها حصانة ضد المساءلة القانونية والقضائية.
إذا كان ذلك قد حدث فقد حصلت الصحف القومية على «حق» أصيل فى النشر، وليس معنى أن الصحف المستقلة والحزبية حاولت الحصول على الحق ذاته وجرت ملاحقتها قضائياً ـ أن أصل المشكلة فى مساءلة أحد على ممارسة حقه وإعفاء الآخر.
ربما تقول إن الصحف القومية لم تحصل على ما أصفه بـ «حقها فى النشر» نضالاً ودفاعاً عن حرية الصحافة، وإنما حصلت عليه بما لديها من ضمانات وحصانات وارتباط مباشر بالدولة، وليكن ذلك صحيحاً... لا مبرر أيضاً لمحاولات جرجرة الصحف القومية إلى القفص ذاته، ربما يكون ذلك مقبولاً سياسياً كمحاولة للضغط على نظام يدعم مثل هذه الإجراءات التعتيمية ويحبها ويروج لها، لكنه ـ حسبما أرجح ـ غير مقبول مهنياً، فربما كان خرق حظر النشر «تهمة»، كما تعتقد هيئة المحكمة، صاحبة قرار الحظر، وكما تفسر النيابة العامة مواد القوانين، وكما يروج محامو المتهم الثانى فى القضية.. لكن هذا ليس تهمة على الإطلاق كما نعتقد وتعتقد كل الجماعة الصحفية من يمينها إلى يسارها.
قضيتنا مع حظر النشر هى قضية مهنية فى الأساس، لأنها تصطدم بحق أساسى وأصيل من حقوق الصحافة، خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت توسعاً غير مبرر فى قرارات حظر النشر، بما يعيق الصحف عن ممارسة مهامها الأساسية،
كما أنها قضية ملتبسة قانونياً، حيث استقر فى القانون أن الأصل فى المحاكمات أنها علنية وأن التحقيقات الابتدائية هى السرية، على أن المحكمة قد تجد فى بعض الأحيان، لدواعٍ تقدرها، أن تأمر بجعل الجلسة سرية، وفى هذه الحالة فقط لا يجوز نشر ما يجرى فى الجلسة السرية،
وبما أن جلسات المحاكمة علنية، إلى جانب أن المادة ١٩٠ التى لجأت إليها المحكمة فى قرارها ترتبط بحظر النشر فى قضايا ترتبط بالآداب العامة والنظام العام ـ فقد أصبح واضحاً أن قرار حظر النشر لا يستند إلى مبرر قانونى واضح، أو على الأقل يجعل من السهل الطعن عليه لإلغائه، ومن بعد ذلك وضع ضوابط مستقبلية لتناول الصحافة مثل هذه القضايا، إلى جانب ضمانات لعدم تحول حظر النشر إلى قيد جديد من مئات القيود المفروضة على الصحافة.
يبقى أن نحاول إقناع المحكمة بأن فكرة حظر النشر لم تعد مفيدة أو مجدية فى عالم اليوم، ولك أن تتخيل أن زميلنا فاروق الدسوقى، المتهم فى القضية، بعد أن يحضر جلسة المحاكمة يخرج ليرسل تفاصيلها إلى زملائه عبر الموبايل «sms» أو بالبريد الإلكترونى، ثم ينقل وقائع مصورة من الجلسة بـ«البلوتوث» وقد يضع مشاهد فيديو من المحاكمة على «يوتيوب» ووقتها ستنقل عنه كل المواقع الإلكترونية والصحف العربية والفضائيات دون أن تمسه عقوبات الحظر من قريب أو بعيد.. فأى حظر إذن يريدون؟

الاثنين، 17 نوفمبر 2008

٢٠١١

لماذا تعتقد دائماً أن العام ٢٠١١ سيكون نقطة محورية فى تاريخ مصر؟ لماذا تصر أنه سيكون علامة فارقة ستأتى بالتغيير، وستتبدل فيه وجوه الحكم ومواقع النفوذ؟ لماذا تبدو متيقناً من كل ذلك، وتثبت يقينك بأن أسوأ فروض التغيير ستأتى عبر التوريث المدعوم بغطاء ديمقراطى، والمغلف بانتخابات رئاسية تنافسية قد ترى أنها محسومة سلفاً؟ لماذا تعيش محصوراً بين سيناريوهين لا ثالث لهما..
نجاح مشروع مايسمى بـ «التوريث» ومن ثم خلق امتداد طبيعى للنظام القائم، وعملية انتقال هادئ للسلطة فى كل المواقع تبدو أقرب لتبديل الجلد عنها إلى التغيير، وبين سيناريو فشل مشروع «التوريث» وما يمكن أن ينبثق عن هذا الفشل من توقعات اتجه بعضها نحو العسكر، ويعول بعضها على تحرك شعبى لا يتكرر كثيراً فى تاريخ مصر.
 كل السيناريوهات أعدت إذن على أن هناك فراغاً حتمياً سيحدث فى ٢٠١١ ولابد من التفكير المبكر فى الاستعداد لملئه، ولم يطرح أحد على سبيل الافتراض سيناريو لبقاء الوضع على ماهو عليه وكأن ذلك من المستحيلات.
هل لديك تأكيدات أن الرئيس مبارك لا يرغب فى تمديد ولايته لمدة رئاسية جديدة، وهل لديك مبرر يعتبر أن هذه الرغبة حال وجودها غير منطقية وغير متوقعة ومستحيلة.
 دعك من مسألة السن، فأنت تعرف أنها لا يمكن أن تكون مسألة حاكمة خاصة فى وجود نظام يمتلك كل شىء من أغلبية البرلمان إلى حزب حاكم يتحرك وحيداً ممتلكاً كل شىء، إلى نصوص دستورية لا تسمح لآخر أن يتنفس أو يفكر أو يحلم بأكثر من دور السنيد.
ودعك أيضاً من كل اعتبارات اللياقة فأنت مجرب وتعرف عن النظام أكثر منى ولمست أنه لا يكترث كثيراً بالمناسب والموائم والمعقول ولا يضيره أن تجتمع الأمة كلها على أن يذكروه بسوء، وهو يعلم أنهم لن يضروه بشىء يمكن أن يهدد استقراره وبقاءه «مادام القلب ينبض».
فى ٢٠١١ وفى موعد الانتخابات الرئاسية سيكون الرئيس مبارك قد تجاوز الـ٨٣ ببضعة اشهر قليلة، أراك تبدى اندهاشاً ولسانك يردد :«مش معقول»، وهو اندهاش يمكن الرد عليه بالقول: «وهو إيه فى البلد دى معقول؟»
لكن لو افترضت أن الرجل متعه الله بالصحه سيكون «منتصب القامة يمشى» ويتجول بالمحافظات فى سياق الانتخابات الرئاسية ويطرح برنامجاً انتخابياً جديداً أو جديداً قديماً أو حتى يعد بأن ما لم يتحقق فى برنامجه الأول سيتحقق فى البرنامج الثانى، وكما جرى انتخابه فى المرة الأولى سيحدث فى الثانية، وهذه المرة دون منافسة تذكر، فما هى الموانع التى يمكن أن تحول دون ذلك؟
 لاحظ أن أصواتاً من قاعة مؤتمر الحزب الوطنى الأخير طالبت الرئيس مبارك بالاستمرار والترشح لفترة رئاسية جديدة..
ورد عليهم الرئيس بقوله: «إن شاء الله»، ولاحظ كذلك أنه هو صاحب الجملة الشهيرة:«سأبقى متحملاً للمسؤولية مادمت حياً» ولاحظ كذلك أن ما يمكن أن نسميه سيكولوجية الحكام فى مصر تدعم فكرة البقاء حتى الموت.
أراك لا تصدقنى ولا تبدى استجابة مع ماقلت لك فى البدء أنه «افتراض» وترى أن ما أبنى عليه افتراضى أضعف على مستوى المنطق رغم أنك بالقطع لا تنكر أنه مستحيل،
 فلماذا تصدق غيره من الافتراضات والسيناريوهات وتسمح لآخرين بحسن نية وبسوء أن يجهزوك لمرحلة تبدو فيها مقتنعاً ومستسلماً ومسلماً بسيناريوهات بعينها.. فتبدو مهمة من يعدون تلك السيناريوهات أسهل بكثير فى تمريرها. صدقنى.. لا توجد سيناريوهات حتمية فى مصر.. ولا يوجد فى السياسة منطق أو معقول.. وكل شىء وارد.

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2008

سناء البيسى.. آثمٌ من لا يحبك.. ومجذوبٌ من يفعل!

أنت قارئ.. ربما أنفقت العمر تقرأ دون أن ترتزق من قراءاتك رزقاً يسد الرمق ويروى الظمأ ويشبع الروح.
بعض القراءة قدر جميل ورزق حلال، بعض القراءة لحن رقيق وضوء شموع يثير الخيال.
بعض القراءة رقص بطىء الخطى وقلب يدق بنبض الآمال، بعض القراءة حلم بعيد المدى وصبر جميل يطارد هذا الجمال.
يكفى أن تعتمد نفسك قارئاً عندها.. لتملك مفتتح الشعر، وناصية الأدب، وباب الصحافة، وأبعاد الصورة، وحكمة الحكاية، ومتعة الرواية، وحلاوة البداية، وجمال النهاية.
يكفى أن تقرأها مرة لتكتشف أنك لم تكن تقرأ بالمرة، ولتجد نفسك تردد مع «الست»: «اللى شفته قبل ما تشوفك عينيه.. عمر ضايع يحسبوه إزاى عليا».
جرب أن تقرأها مرة وستسعى لقراءتها ألف مرة، وفى كل مرة ستغمض عينيك بعد السطر الأخير، تغيب فى سحر الكلمة وحلاوة الجملة وعمق المعنى، وتهيم روحك بإحساس مبهج، وحين تفتح عينيك من جديد ينتفض لسانك دون إرادة منك ويهتف منتشياً: «اللاااااه يا ست».
اقرأها كما تستمع إلى موسيقاك المفضلة، مرر أصابعك على السطور والكلمات لتعزف ألحانك المحببة، داعب أوتار الحروف لتطلق «دندنتك» الخاصة.
تنزه معها على شاطئ نهر ساحر، أو فى لحظة غروب بديع، اسهر معها على ضوء شموع خافت فى ليلة ممطرة، وعندما يباغتك النوم لا تكترث بإعادة الكتاب إلى رفه، اترك دفتيه مشرعتين ودعهما تستقران على صدرك لتتلمس دفء الكلمات.. هى نسجتها بمهارة أم تغزل لأطفالها أردية الشتاء.
«مصر يا ولاد» فيها سناء البيسى.. السيدة الجميلة الأنيقة الرائقة الرقيقة الأديبة المبدعة المشرقة المعلمة الأستاذة «الريسة» صاحبة مقام الكتابة وولية أولياء القلم، تلك التى لا تترك لك خياراً بين أن تحبها فتنصب خيمتك إلى جوار المقام وترضى الحياة وسط المجاذيب والدراويش، وبين أن تبقى تصد الهوى وتقبل أن تعيش آثماً فى حق فعل القراءة المقدس.
«المصرى اليوم» تدعوك لقراءة كتابها الأخير «مصر يا ولاد» الصادر عن دار نهضة مصر، وتنشر لك اليوم مفتتح الكتاب، لأنك تستحق كاتبة مثل سناء البيسى، كما تستحق كل ما هو جميل وقيم ومرموق.

    أحمد الصاوى   



سناء البيسى تكتب: الكتابة نسب!

وأما بعد.. لقد وجدت فيها مبتغاى وبلغت مقصدى لتحقيق مطلبي، وهو أن الكتابة نسب، أى أن أصحاب الأقلام عيلة واحدة تجمعهم صلات الدم ومن ثم لابد وأن يكون نهجهم ألا يعضُّوا بعضهم، وألا يأكل صاحب قلم لحم أخيه حيًا أو ميتًا فى جلده فنكرههما معًا.. إن ما نراه الآن للأسف من تحرشات فى عشيرة الكتاب يعكس أن الدم بقى مية والذبائح للركب والنهش مسلسلات مع سبق الإصرار والترصد، ولحم الأشقاء وقع فريسة بين الإخوة الأعداء، وما جاء يومًا من وصايا لأصحاب الأقلام للقلقشندى فى كتابه «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا» قد غدا من ضروب السخرية التاريخية عندما خاطب الفقيه الكبير الجليل الخبير أصحاب القلم فى عام ٧٥٦هـ بقوله: حفظكم اللّه يا أهل صناعة الكتابة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم،
فإن اللّه عز وجل جعل بعد الأنبياء والمرسلين وبعد الملوك المكرمين أصنافًا فجعلكم معشر الكتاب فى أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التى بها يسمعون، وأبصارهم التى بها يبصرون، وألسنتهم التى بها ينطقون، وأيديهم التى بها يبطشون، فليس أحد أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب... فتناقشوا معشر الكتاب فى صنوف الآداب، وتفقهوا فى الدين، وابدأوا بعلم كتاب اللّه عز وجل فإن فى ذلك معينًا لكم على ما تصبو إليه هممكم.. وتحابوا فى اللّه عز وجل فى صناعتكم، وتوارثوا أهل الفضل والعدل من سلفكم... ويكفى أن يقال: إن الكتابة نسب: ولله در أبى تمام الذى قال:
إلا يكن نسب يؤلف بيننا
أدب أقمناه مقام الوالد
أو كما قال لنا أستاذ الصحافة الدكتور عبداللطيف حمزة فى محاضراته بالجامعة: إذا كنا نحفظ من متَّ إلينا بالأنساب الجسمانية التى لا تعارف بينها، فأولى أن نحفظ من متّ إلينا بالأنساب النفسانية التى يصح فيها التعارف، ولذا قال الحسن بن وهب: الكتابة نفس واحدة تجزأت فى أبدان متفرقة..
 وعلى الكاتب أن يكون قوى النفس حاضر البديهة جيد الحدس، حلو اللسان، جرىء الجنان، ظاهر الأمانة، عظيم النزاهة، كريم الخلق، ملمًا بكل الفنون، حتى ما تقوله الندابة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس وما يقوله المنادى على السلع فى الأسواق، وأن يكون جامعًا للثقافة العربية وعناصرها المختلفة كالشعر والقرآن والحديث والحكم والأمثال وكلام الخطباء ورسائل البلغاء، عارفًا الأزمنة واقفًا على عادات العرب فى الجاهلية وما بقى من هذه العادات فى الإسلام، عالمًا بتواريخ الأمم، جهبذًا فى علم المسالك والممالك، دارسًا اللغات، فصيحًا فى أوصاف الرجال والنساء والحيوان والدواب والضوارى والوحوش والطيور،
 متبحرًا فى أوصاف الآلات على اختلافها والموازين وأنواعها وأوصافها والأحجار النفيسة وأسعارها، مبحرًا فى اللغة وأسرارها مما يجعل له رصيدًا ضخمًا من الألفاظ والمعانى يأخذ منه متى شاء يعبر به عن المعنى الواحد بطرق كثيرة من طرق البيان، وهذا المنهج هو أحد أنواع الإعجاز فى القرآن، فالقصة الواحدة تتكرر فيه مرارًا فى سور متعددة، ترد فى كل سورة بلفظ وتركيب غير الذى وردت به فى سورة أخرى مع استبقاء حد البلاغة والفصاحة... إلخ..
 وربما من هنا أتت المنزلة الرفيعة للكاتب، حيث كان الكاتب الفضل بن سهل - على سبيل المثال - فى خلافة بنى العباس يجلس على كرسى مجنح يحمل فيه إذا أراد الدخول على الخليفة، فلايزال يحمل حتى تقع عين المأمون عليه، وإذا وقعت عليه وضع الكرسى ونزل عنه ومشى وحمل الكرسى حتى يوضع بين يدى المأمون، فيحادثه ويعود ليقعد عليه.
فى زماننا لم يعد فارق بين وظيفة الكاتب والوظائف الأخرى بل أصبحنا نجد الفارق جليًا واضحًا فى المهنة ذاتها.. بين الكتاب والكتبة.. قلم الكتاب متصل بوريد القلب وقلم الكتبة متصل بوريد المصلحة.. الكتاب يكتبون ما تمليه عليهم ضمائرهم، والكتبة يكتبون ما يُملى عليهم.. الكتابة انفصلت عن القراءة وتراجعت الموهبة وغدت الثقافة علاقات عامة وموبايلات مسجلاً عليها تليفونات أهم الشخصيات،
 وبالتالى لابد وأن نعيد النظر فى متى يغدو الكاتب كاتبًا على ضوء أن سوق الكتابة فى انقراض، وعلى رأى توفيق الحكيم: فى هذا الزمان أصبحت الأقدام أهم من الأقلام، وبالأمس دخل صاحبنا صالة التحرير رابطًا (صباع) رجله فسألوه: سلامتك إيه اللى جرى؟ فأجاب: صابعى انكسر.. فأتاه الرد المفحم: بطل الكتابة لأجل تريحه... الكتابة الآن قد غدت مهنة من لا مهنة له.. لكل مهنة شروط وشيوخ إلا الكتابة الآن التى أصبحت ما لها شيوخ ولا مرجع.
سوق الكتابة جبر ودخلت الصورة تهزم الكلمة وتكدس الجرنال بربطة المطبعة على الرصيف ليباع بالوزن لمهمة القرطاس، والغريب والطريف أن الصحافة الآن قد غدت باسبورًا لإثبات الذات والشرعية فى المجتمع بعدما غزتها جميع الطوائف، فالدكتور والأستاذ والعالم والنائب والباشمهندس والمحلل النفسانى والسكرتير العلانى والمذيع الترتانى والخبير الغذائى والدوائى ومحلل الفتاوى والحكاوى والشكاوى كلهم، كلهم يعيش الواحد منهم ويموت ونفسه رايحة لحاجة واحدة لا غير، للوصول للناس يقول لهم من خلالها أنا هنا.. مقالة فى جريدة أو جرنال.. عامود يذيله باسمه بحروف الطباعة يفتح الجرنال عليه ويصفق هيه..
ومن هنا أسفت ودهشت للعالم الطبيب الكبير صاحب الأربعين عامًا فى مجال الطب عندما لاحظت مكوثه قابعًا فى حجرة السكرتيرة أكثر من مرة فى انتظار السماح له بكتابة عدة سطور على صفحات الجريدة تجعله محط الأنظار خارج دائرة المرضى.. كاتب عامود أصبحت رتبة زى الباشوية والبكوية.. العامود الصحفى غدا بمثابة ميلاد جديد فى دوائر المجتمع، من خلاله تكتسب الشهرة الحقيقية التى قال عنها الشاعر حافظ إبراهيم يومًا:
لكل زمان مضى آية وآية هذا الزمان الصحُف
ومن هنا عذرت يومًا الكاتب الكبير زكى نجيب محمود الذى لقيته بعد أن كان قد أمضى أكثر من أربعين عامًا يطل علينا فيها بمقالاته ونظرياته وفلسفاته.. وجدت له عذرًا عندما اصطدت على وجهه مظاهر الانتعاش والحبور لحظة نقلت إليه إعجاب سعاد حسنى بمقالته فى الأهرام.. ابتسم الفيلسوف كأننى منحته قالبًا من الشيكولاته معلقًا بسعادة بادية: سعاد بتقريلي؟!!
 وأبدًا لم يكن ورم الأبناط فى كتابة الأسماء أو شهرة الجورنال دافعًا على إقبال القراء، وعلى سبيل المثال الكاتب يحيى حقى بوزنه الثقافى وقامته المعرفية الفارعة عندما عرضت عليه الصحف الكبيرة أن يكتب لها رفض بإباء وفضل الكتابة فى صحف دار التعاون قليلة التوزيع بمنطق أن القراء يذهبون للكاتب وليس للجورنال، ومن هنا استمتع قراء التعاون بأندر السطور التى جمعها الناقد فؤاد دوارة مشكورًا فى أهم كتب أدب المقالة العربية على طول تاريخها..
 ويظل يحيى حقى - الكاتب الشامخ الذى لا يذكر اسمه إلا ومعه قنديل أم هاشم - الأديب الصادق مع نفسه ومع القارئ، عندما وضع القلم جانبًا قبل وفاته بكثير؛ لشعوره بأن مداد العقل قد جف وأنه لن يستطيع أن يضيف جديدًا.. توقف يحيى حقى بينما ظل آخرون يتحفوننا بكتابات فسيولوجية، أى بإفرازات آدمية فى سلك القرف والعرق وأشياء أخرى..
وكُتاب ياما فى صحف سيارة وطيارة ودوارة يومية وأسبوعية وموسمية وتبعًا للتساهيل الأمنية والحزبية والمصالحية والمنظرية.. أصحاب أقلام نامت وأقلام قامت وأقلام تدعم مقولات وأخرى تردم على سياسات.. أقلام فى سلك الخدم والفوطة الصفراء ومسح الجوخ، وأقلام متعالية دمها سم مولودة وفى فمها ملعقة من ذهب.. أقلام تقرأ كلامها تفز على حيلك تقوم تقف تضرب تعظيم سلام، وأخرى تضغط على عصب الغدد تملأ الصدغين بسائل لعاب مراده يطق يخرج قذيفة موجهة من اللسان والحلق..
 أقلام ما إن تبدأ بمستهل العبارة حتى تقول اللّه يا جوهرة الكلام يا خلاصة الخلاصة، وأقلام تكلفت روحها بلفائف المومياء مرتعبة لحد الموت فى أن تفصح برأيها فى حقيقة الوضع حتى لا تخسر وضعها بالوضع.. أقلام وشها مكشوف وأخرى تمسك بالعصا من المنتصف، تقرأ لها نصف كلامها تلقاها تحرم الصلاة تخوفًا من أن يكون بعض السكارى على نصف العصا الآخر من رجالات السلطة.. أقلام فلوسها ياما من جوه، وغيرها تمويلها الكبير من بره، وعلى الجبهتين الريحة مش حلوة..
 أقلام مدفوع بها وأخرى مدفوع لها، وتالتة حار ونار فيها حبرها وورقها.. أقلام تؤذن فى مالطة وأخرى طق حنك لكنها واصلة.. أقلام تقول للأعمى فى وشه يا أعمى وسلامة الشوف، وأخرى تقول لنفس الأعمى يا قرة العين عينى عليك باردة.. أقلام تروح معاك لآخر المشوار وأخرى تكتب عن الفضيحة طشاش والتالتة تديها الطناش.. أقلام تتحسر على رحيلها وتقول فين زمانها من زمن غيرها، وأخرى ترفع يديك للسما تدعى عليها يقصف عمرها وترحل وينهد على رأسها عمودها..
أقلام قعدات وسهرات وبلاجات وشاليهات والمصلحة واحدة، واحد يبدأ فاصل العزف، يشاركه صاحبه بدق الصاجات، يتجاوب التالت على الفور بشخللة على جانب الرق، ترد طبلة يقظة فى الركن على واحدة ونص لاجل يتحزم على وقعها قلم يرقص الرعشة ويهز البطن، تصفق له جوقة تستحث عن بعد جهود قلم من أفراد الشلة والمطيباتية واقف على الناصية يخطف معازيم شلة على الجانب الآخر.
أقلام ارتدت هدوم غيرها، وهدوم غيرها واسعة عليها، وأخرى تتدارى فى مسوح رهبان، والبعض يحبك العمة لكن من غير وضوء، ومن شاف الباب وتزاويقه ماشفوش من جوه نشف ريقه.
أقلام لصوص أفكار بدعوى الاقتباس تنقش عن الغير بالمسطرة كبد الكتاب وجرس القصيدة وروح البحث وجسد المقال، وتخوفاً من تهمة السرقة من أن تذاع فى برنامج أو على قهوة أو فى رواق جمعية أدبية أو فى باب نقد، يؤتى بذكر صاحب الخلق الحقيقى فى معرض السطور على الماشى أو فى زاوية هوامش ضمن كشف مراجع جهود البحث والتنقيب.
أقلام يكتب اسمها بحروف طباعة فى غلظة لافتات الانتخاب تظل راكزة باركة ع النظر والقلب حتى زوال الكرسى من تحتها، وهنا أتحداك أن تظل فى تلابيب الذاكرة قشرة لذكرى سطر أو كلمة أو حرف منها ترك أثراً، أو فكرة أفادت أحداً، أو رأياً ذكر على جانب من أهمية، أو أن أصحابها يوماً قد أزاحوا بلفائف أطنان كتاباتهم الساكتة حبة رمل فى ملليمتر أرض، أو ردموا ثقباً أحدثته قدم نملة، أو سدوا شقاً انزلق داخله برص، أو زرعوا فسيلة على ضفاف غيط برسيم.
أقلام جريئة وأقلام بريئة، أقلام مدنسة وأخرى طاهرة سامية، البعض شامخ والبعض شايخ، أقلام صادقة تزرع الأرض زهراً زكى الرائحة، وأخرى مدعية، تموه سطح الرمال المتحركة بورود بلاستيك، وتالتة زرعها أشواك وميتها جاية فى مصرف من بحور الدم.. وأقلام ترمى الشباك بنعومة الكوبرا توقع بفريستها وتسحبها مسلوبة الإرادة فوق ريش النعام وتخنقها بمنديل ناعم حرير وتدفنها ملفوفة داخل راية التبجيل ووراها جنازة حارة بمزيكة المارشال..
وأقلام تقول رأيها فى النور، تكتب بحروف من نور، وأخرى عاشقة للضلمة تنخر فى الجذور وتمتص رحيق الساق وتلبد فى الذرة، وأقلام لها أسنان تنهش الأعراض وتنخور فى جروح النفس وتمزق أشلاء الروح بأظافر الكلمات وتصلب ضحاياها وتقطع الأوصال بشبكات الاتصال، وأقلام لسانها مقطوع ونفسها مقطوع وهى ذات نفسها مقطوعة من شجرة مالهاش حد.
أقلام فى الفارغة تلت صفحات وفى الهايفة تعجن ملازم ورق، تلقفها منها مطابع السادة تحضنها بغلاف مقوى وبصمة ذهبية لتخرجها بعد الطبع الكوشيه فشر موسوعة البريتانيك ديكوراً لمكتبة فلان بك وفلان باشا وصاحب المعالى فلان، وأقلام تسهر عمرها منكبة تستقطر عصارة عمرها أفكاراً على ورق لحمة.. و.. أقلام تمشى فى الزفة وأخرى تمسك الدفة وتالتة تملى بها قفة تاخدها هناك لبعيد ترميها فى الترعة.
أقلام بها حول، تكتب العربى من الشمال لليمين كأنها تكتب سطورها الباردة لقارئ إفرنجى.
أقلام من البداية تدير لك ظهرها وتقول الختام مختصرة للغاية فيما لا يفيد طيه ولا فرده، وأخرى تسهب فيما لا يفيد أيضاً، وأقلام تفتش على الغلط بملقاط وتفضل تعيد وتزيد وتفرد كشفها بمكواة رجل واللى تقوله النهارده ترجع تذلنا به فى الغد، وأقلام شرع جملتها الجميلة الواضحة المختصر والمفيد.
أقلام يخشى سطوتها ظالم، تشعل الثورة، تحرر العقول، توقظ النائم، تحضن اللامنتمى تأتى بالشارد، تمسك بطرف الخيط، تمشى خطوة أول المشوار، تحرك أمماً، تتصدر طابور الزحف.
أقلام تزغزغ وأخرى تبصبص، وغيرها تلعب حواجبها، وأقلام طابعها الإثارة ترجعك وحش غاب تخاطب نصفك التحتى، وأقلام مالها شغلانة سوى قضايا الدين، ليس بالوعظ والتقوى والإرشاد والدعوة والتمثل بالأسوة الحسنة، وإنما بالغمز واللمز وتشويه المقدسات والتجرؤ على سيرة الأنبياء والفجاجة والتطاول لحد الكفر.
أقلام تبيعك وأخرى تشتريك، وأقلام تخاطب الروح تاخدك لفوق لآفاق الرحابة والسماحة والشفافية، وأخرى تضع راسك فى الطين فى أسفل سافلين والحجة الاجتهاد والرأى الحر ودرب الديمقراطية وقمع الإرهاب الفكرى والاستعانة بالمنظمات الإنسانية.
أقلام شريفة نظيفة عفيفة، وأخرى وشها مكشوف، كل ليلة فى حجرة نوم حزب شكل وولى أمرها أبوإيد طايلة.
أقلام تناطح السحاب فى اتساع الأفق، وأخرى أرضيتها واطية، قرصتها والقبر.
أقلام مزاجاتية قاعدة فى برج عاجى، تكتب ما تكتبشى، المهم الوحى مايزعلشى.
أقلام رومانسية تطرز درراً على أنغام التانجو، وأخرى همجية ترقص على طبول الغاب وتسطر فواحش مدمنة بانجو.
وقلم تزرعه يقلعك، وقلم كلب ينبح ومايعضش، وقلم طول عمرك يا رضا وانت كده، وقلم زى القطط يسبح ويسرق، وقلم يرقص للقرد فى مملكته، وقلم لا يخاف لومة لائم، وقلم نصب عينه: اللى تكره وشه يحوجك الزمان لقفاه، وقلم يكتب بمنطق جوع كلبك يتبعك، وقلم إن كنت ناسى أفكرك، وقلم ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، وقلم هئ ومئ وطبلة ورق، وأقلام تخاطب العبيد والعصا معها، وأقلام الله لا يوريك، وأقلام تجيب التايهة، وأقلام متقلة العيار، وأقلام تماحيك وعجب، وأقلام معقولة حلاوتها!!،
 وأقلام عينها باكسة، وأقلام كانت فى جرة وطلعت لبرة، وأقلام خلتها ميغة، وأقلام فى الخباثة تلهط فى البالوظة، وأقلام فى مولد وصاحبه غايب، وأقلام تديله ماترحموش لحد مايبان له صاحب، وأقلام بكلمة باطل تجبر الخاطر، وأقلام تبين الحلال بين والحرام بين، وأقلام للى مايستحى يكتب مايشتهى، وأقلام إن كان فيها الكاتب مجنوناً يكون القارئ عاقلاً، وأقلام دخانها من غير نار، وأقلام تقرأ كلامها تحس أنه نشر من قبل،
 وأقلام تشعرك أنها وصولات صرف، وأقلام تقول لك الحوجة مرة المحتاجة غناجة، وأقلام تشمها قبل ما تقرأ لها، وأقلام تبوسها وتحطها جنب الحيطة، وأقلام تدوسها وتحطها جنبها، وأقلام زرقاء وأقلام صفراء وأقلام حمراء وأقلام مقلمة، وأقلام مغبشة، وأقلام كتابتها تصلح لحوائط دورة مياه فى ميدان عام، وأقلام زى وشها، وأقلام تجيب اللى وراء قدام، وأقلام تصحى الآلام، وقلم تميل عليه وتقوله: ليه؟
وفى صحبة الأقلام قلم جوعان وقلم غلبان وقلم صوت القطط السمان وقلم كرباج وقلم ضمادة جرح وقلم هلفوت وقلم حوت وقلم ملطوط وقلم شفطوه من غير حس ولا خبر.
قلم باهت، وقلم عندما يشرع فى القول تشحذ شبكات الإنترنت شاشاتها والوكالات فاكساتها والجرائد صفحاتها وتفتح الصالونات أبوابها والأفواه أقوالها وأقلامها.
قلم يكتب على سطر ويسيب سطر، يمكن يغلط فى كلمة بسيطة يقدر فى سطر فاضى يبلع ما قاله ويقلب المعنى، وتظل عمرك تقرأ له ولا تعرف ما إذا كان على هذا الجانب أو من دعاة الجانب الآخر.
قلم حر يفتح الشبابيك ويهوى فرش البيت ويستضيف ضوء الشمس، وآخر يقلب السلطة على صاحب فكر حر بغرض كسر الجناح وقصف القلم وتقليصه لأبكم أصم محكوم عليه بصمت العدم.
قلم شرك، وقلم شر، وقلم شبق، وقلم شره، وقلم شيلنى وأشيلك، وقلم لا يكتب وإنما يكتب له، وقلم شاك، وقلم باك، وقلم على راسه بطحة والتانى على راسه ريشة، وقلم شوكة فى جنب الظالم، وقلم فى مهب الهواء.
قلم محروق وقلم مزنوق، وقلم نزاهة وقلم شحات، وقلم فحل وقلم ضحل، وقلم يؤرجحك وقلم يضعك فى المستقر، وقلم يصفعك، وقلم يمسك بتلابيبك، وقلم يكرهك فى لغة الضاد، وقلم تعشق تبوس الإيد اللى مسكت به.
قلم نسخ وقلم استنساخ، وقلم معوق يكتب كلمة إليك مشوهة بإليكى بالياء وكلمة «كرم» بـ«كرمن» فى آخرها نون لأنه يسمعها كده بودنه الطرشة.
قلم لما يغيب يفتقد، وقلم تاه منه الهدف، وقلم سيد، وقلم خدام، وقلم يصلح وابور الجاز، وقلم فاقد النطق وضايعة أدواته فى التعبير، وقلم قال يعنى ذو أهمية يفضل ينخع عليك لما سيادته كان مع الوزير الفلانى تجمعهما جلسة خاصة، ومع السفير الترتانى فى سهرة خاصة، ومع السيد الوزير المحافظ الفلانى على مائدة خاصة، ومع السيد العميد فى اجتماع له صفة خاصة و.. وإلخ.. طيب يا سيدى خصوك بإيه يكون على درجة كبيرة من الخصوصية.. خلصنى؟!
قلم من ذهب وقلم ألماظ وترتر وخرج النجف، وقلم معلق يبحلق من جيب البدلة الموهير، وقلم مبتلى بالعذاب يقضى حياته كعب داير على دور الصفف والنشر يرموا له إبداعه كل حين ومين فى ذيل عمود أو فى فراغ سطور إعلان لم يدفعها الملعن، فإذا ما تجرأ بطلب عودة النشر يلقى صاحب الجهالة على سكرتيرته يمين عقاب بالتلاتة إذا ما عاودت سعيها لنصرة المعذبين فى أراضى القلم.
و.. وسط الألم والقلم أصبحت هناك حقيقة نستشعرها جميعاً بأن هناك مدرسة أقلام جديدة تولد الآن من رحم الصحافة المستقلة الجديدة تبدت مظاهرها وملامحا بوضوح فى فترة الانتخابات الرئاسية.. أقلام تلغرافية متأثرة بعصر الإنترنت ولغة الشفرة.. جيل جديد من الأقلام يدخلون على الصحافة لغة جديدة وبسيطة تداخلها عامية تنقب فى كنوز القول الشعبى الدفين، صحافة بكر متأججة الصورة، فيها من مفردات الكلمة والتعليق ما يقارب النكتة الصارخة..
كتابة تلبسها روح الحكى والحديث كأنك تسمع من خلالها صوت الكاتب، كأنك جالس بين السطور، صحافة تقرؤها بخاصية المشاركة، الكاتب يكتب سطراً وأنت بعينك تكتب السطر الذى يليه، الكلمات تسحبك إليها كأنك تمليها على ورق تقرؤه، جديد فى عالم الأقلام، أصحابها متمردون على كل حاجة فى المهنة والسياسة و.. إلخ.. أبناء جيل جديد صناع قوالب لها أبعاد حداثة غير قوالبنا المتعارف عليها.. مدرستا أخبار اليوم والأهرام دخلت عليهما مدرسة ثالثة، وإن تجاوزت الحدود فيها بعض السطور..
 فى المدرستين المخضرمتين لم نقف فى وجه التجديد بل حرصنا عليه داخل نفس الأطر المتعارف عليها بيننا، لكن المدرسة الجديدة بأقلامها الوثابة قفزت خارج الأطر، حطمتها لتخرج بصحافتها للهواء الطلق.. كتاب نوعية جديدة غالبيتها لم تمارس الصحافة داخل المؤسسات التقليدية. أقلام لم تتعامل مع رؤساء الصحف القومية ولم تتلق تعليماتها من الجماعة الفوقية.. شباب الفورة والدهشة والحماس والقلم الذى يسابق معدلات التروى والتأنى والأخذ بالحيطة..
أقلام لم تعرف السير فى قنوات القطيع الذى لا يضيف شيئاً.. أصحاب كتابة مغموسة بالسخرية وخفة الظل وإن تجاوزت الخفة أحياناً خطوط اللياقة.. صحافة الكاجوال بدون الكرافتة وحفلات الكوكتيل والمتحدث الرسمى.. صحافة ترفض صحافتنا لغة وأسلوباً ومداخل وعناوين.. سقف الجرأة عندهم مرتفع عدى السقف، وألغتهم جريئة وإن جاءت سطورهم مدججة بأشواك، وألفاظهم تحمل غلظة المادة الخام الغفل بعبلها، المعفرة بتراب الفرن والمنجم، التى لم تصقل جواهرها النفيسة بعد ليكتمل زحف الجديد ويسود..
وعذرنا أننا فى مواقعنا لم نقف على الشاطئ الآخر مكتوفى الأيدى فى معظم الأحايين، فقد كانت هناك انتفاضات. حاولنا أكثر من مرة.. بدأنا أكثر من مشوار بالسهر والعرق والمرض والدم.. كانت لنا إطلالات وإرهاصات، لكنها أجهضت ووئدت بفعل فاعل عندما رفع الستار، استشعر الملقن أننا سنخرج عن النص فألقى بالدفتر وترك الكمبوشة وصعد إلينا ياخذنا على حنطور عيننا لنعاود الالتزام.. لهذا لم نترك البصمة ومضينا، كل فى طريق بعد مازال الرحيق!

الاثنين، 10 نوفمبر 2008

هوامش على دفتر «الأزمة المالية»

لم تنتظر دول الخليج أن يأتيها رئيس الوزراء البريطانى جوردن براون طالباً المساندة والدعم، وطامعاً فى فوائض النفط، حتى جاءته المكافأة قبل أن يطأ بقدميه منطقة الخليج العربى، فقبل يومين من بدء هذه الزيارة «الاستجدائية»، أعلن بنك «باركليز» البريطانى، أنه نجح فى الحصول على سيولة تقدر بـ١٢.١ مليار دولار من مستثمرين خليجيين، وكشف البنك، الذى يعد ثانى أكبر بنوك بريطانيا، أنه باع حصة تبلغ ١٦.٣٪ من أسهمه إلى شركة دبى العالمية للاستثمار، المملوكة لحكومة دبى، مقابل ٣.٥ مليار جنيه إسترلينى، كما حصل على مليارى جنيه إسترلينى من شركة قطر القابضة، و٣٠٠ مليون جنيه إسترلينى من شركة «تشالنجر» التابعة لقطر القابضة والمملوكة للعائلة الحاكمة فى الدوحة.
بنك «باركليز» أعلن ذلك قبل بدء زيارة براون، مضيفاً أنه فى طريقه لجمع مليار ونصف مليار جنيه إسترلينى من بيع وثائق قابلة للتحويل لمستثمرين خليجيين أيضاً، وقال ـ بفخر ـ إنه جمع سيولة خليجية تقدر بـ٧.٣ جنيه إسترلينى، حتى يتمكن من تجنب تلقى دعم من الحكومة ـ «ضع أكثر من خط تحت هذه الجملة»، ولاحظ أن المال العربى الذى تم ضخه فى بنك باركليز يفوق إجمالى حجم الاستثمارات العربية فى مصر.
جاء ذلك فى الوقت الذى مهد فيه براون لزيارته الأخيرة للخليج، بدعوة الدول النفطية إلى إقراض المؤسسات المالية التى تواجه خطر انهيار مالى.. وتحت شعار «دعم صندوق النقد الدولى»، دعا براون هذه الدول «التى حصلت على أكثر من تريليون دولار من ارتفاع أسعار النفط فى السنوات الأخيرة» إلى دعم الاقتصاديات «المأزومة»، فى وقت لم ينكر فيه أن دولاً متقدمة كثيرة تحتاج إلى السيولة، من بينها بريطانيا، وقال إن بلاده ترحب بالصناديق السيادية الخليجية طالما تخضع للقوانين البريطانية فى الاستثمار، مضيفاً أن الدول الخليجية باتت مصدراً تتزايد أهميته للاستثمار داخل بريطانيا.
ورغم التحفظات التى أطلقتها مؤسسات بحثية عربية من خطورة الاعتماد على المال الخليجى لتمويل الدول الغربية وإخراجها من عثرتها، والتحذيرات من خروج الصناديق السيادية العربية للاستثمار فى الخارج تحت دعاوى المساهمة فى حل الأزمة المالية، وتوقعات بأن هذه الصناديق «إذا خرجت لن تعود».. فإن براون وفريقه نجحوا فى تعزيز فريق مقابل فى مجتمع الأعمال الخليجى، يدعم سياسة «استغلال الفرص».. وبحسب بيان دبى العالمية، فإن «الفرص لا تأتى إلا مرة واحدة فى العمر.. وأتاحتها الآن الأزمة المالية العالمية».
لاحظ أن «فرصة» بنك باركليز، الذى انتشلته من الغرق خطة إنقاذ عربية، أدت إلى استحواذ المال العربى على ٣٢٪ من البنك، إلا أن الجانب العربى لا يملك حق «المشاركة فى الإدارة» وفق القانون البريطانى، ولاحظ كذلك لهجة براون وهو يتحدث عن مسؤولية الدول التى استفادت من ارتفاع أسعار النفط وكونت فوائض، وجاء دورها لحماية النظام المالى العالمى وكأنه يطالبها برد «أموال الغرب» لحماية رخائه..
 وهى مطالبة أقرب إلى «المن» منها إلى «الاستجداء»، ولاحظ أيضاً فخر بنك باركليز بعدم قبوله الدعم الحكومى، وهو الذى رفض من قبل خطة إنقاذ حكومية قيمتها ٤٠٠ مليار دولار، كان من المفترض أن يتحملها دافع الضرائب البريطانى، ونجح فى جذب رؤوس أموال خليجية بأضعاف هذا الرقم، وزاد رأسماله مقابل التنازل عن حصة من البنك، لا تعطى للطرف العربى حق المشاركة فى الإدارة، مما رفع أسهم البنك بعد هذه الصفقة بمعدل ٩.٥٪.
نجح براون فى توفير أموال البريطانيين، وإنقاذ نظامه المالى بأموال العرب، ودون التفريط فى استقلال مؤسساته المالية، وحتى لا يعتقد العرب أن المسألة سهلة، أو يشعروا يوماً «بزهو الفارس المنقذ»، تتصاعد لهجة «الميديا» البريطانية التى تتهم العرب بالصيد فى الماء العكر، واستغلال الفرص، وتحذر من غزو عربى لأسواق المال فى الغرب واستعمار مؤسساته المالية، رغم أن «استغلال الفرص» هو السياسة نفسها التى يدعمها براون ووزير خزانته، ويروجان لها ويحضان العرب عليها بقوة،
ويوجهان الدعوات بإلحاح لاستثمار فوائضهم المالية فى سوق تتعطش لها، وهى ليست سوقاً فقيرة، أو تفتقر للسيولة الكافية بقدر ما هى سوق تطمح إلى توفير ما لديها، تفادياً لغضب الناخبين، دافعى الضرائب، من تحميلهم عبء أزمة لم يصنعوها، ما دام هناك آخرون جاهزون دائماً للدفاع عن رخاء الغرب ورفاهيته وهيمنته وتقديم كل ما لديهم دون انتظار، ثمناً اقتصادياً معقولاً، أو ثمناً سياسياً لا يجيد العرب الحصول عليه.
نجح براون فى زيارته من قبل أن يشرع فيها، وحصل على ما يزيد على إجمالى الاستثمارات العربية فى مصر قبل أن يصل للخليج، فما بالك بحصيلة ما بعد الزيارة! وقبل ذلك بيومين كان وفد مصرى رفيع المستوى يزور المنطقة نفسها، يتبادل القبلات والصور الودية ويعود بمزيد من «الوعود».
أين يكمن الخلل إذن.. فى مصر أم الخليج.. أم فى بريطانيا «العظمى»؟!

الاثنين، 20 أكتوبر 2008

الوطن «الأهلى»

«قوم يا أهلى.. شوف ولادك والجنود.. شوف كتايبك.. شوف جنودك والحشود.. شوف آيات النصر فى كل العهود.. شوف وسجل فيها أمجاد الخلود.. إنت دايماً فى الأمام».
ما تقرأه الآن هو نص ما يسمى «النشيد الوطنى الرسمى للنادى الأهلي«، لكن الأفضل ألا تكتفى بقراءته، وأن تحاول الاستماع إليه على كثير من المواقع «الأهلاوية» على الشبكة العنكبوتية، لتستمع إلى اللحن الحماسى المصحوب بدقات الطبول والمارشات العسكرية.
تأكد أن ما تسمعه هو نشيد لفريق كرة قدم، حتى بعد أن تستمع للمجموعة التى تؤدى هذا النشيد وهى تقول: «كل نعمة فى رحابك عندنا.. دى مشيئة وإرادة ربنا.. من سيوفك اكتسبنا مجدنا.. وبشبابك احتفظنا باسمنا.. إنت دايماً فى الأمام».
لماذا أعتقد أن تصاعد ظاهرة الأهلى شعبياً، المدعومة بالقطع بإنجازات وأرقام، باتت تمثل مشروعاً وطنياً لدى جماهيره يستحق نشيداً موازياً وعلماً موازياً، وربما انتماء موازياً، ويأتى هذا الالتفاف حول فريق الكرة الذهبى بالنادى الأهلى تعويضاً عن كثير من جماهيره، خاصة الشباب منهم، عن ترد سياسى واجتماعى واقتصادى وغياب صارخ للرؤية وللمشروع الوطنى الخالص الذى يسمح بالتفاف الجماهير حوله، وافتقاد مفرط لإحساس النصر وحلاوة الإنجاز؟!.
والتفرد الذى يميز المشروع الأهلاوى عن غيره من المشروعات فى مصر، يأتى من كونه مشروعاً تدعمه إنجازات غير قابلة للتزييف ولا التذويق.. إنجازات لا تستطيع صحف موجهة أن تصنعها من لا شيء، وأرقام لا تستطيع حكومات «فاشلة» أن تتلاعب فيها لتبدو متضخمة ومعبرة عن إنجازات أسطورية ليس لها انعكاس على الأرض،
لكن الإنجاز الأهلاوي، وآخره الصعود إلى نهائى رابطة الأندية الأفريقية للمرة الرابعة على التوالي، نجاح مصنوع أمام أعيننا، شاهدناه، عرقاً وجهداً فى ملعب كرة قدم مفتوح، ليس فيه تذويق أو تلفيق أو ادعاء، كل شيء فيه «على عينك يا تاجر»، نجاح صنعته أقدام لاعبين يجرون فى الملعب أمامنا، ولا يحكى عنهم المؤرخون الرسميون.
ربما كان من الخطر ـ اجتماعياً ـ أن يتحول الأهلى إلى «وطن موازٍ» لدى جماهيره، يلبى طموحاتهم المعنوية، ويغذى مشاعرهم ـ التى تيبست من الحزن والقهر والهزائم ـ بروح البطولة والانتصار والإنجاز، بعد أن عجزت إنجازات «العبور للمستقبل» إلا عن إعادتهم للوراء،
لكن الأخطر ألا يدرك أصحاب الإنجازات الوهمية هذا التحول، حتى وهم يشاهدون علم الأهلى يرفرف كل ليلة.. وعلم مصر لا يظهر فى الشوارع إلا مع انتصار كروي، لذلك سيبقى نشيد «قوم يا أهلي» ويعيش، وستتوارى أمامه «اخترناه.. وأخواتها» إلى نسيان.

الخميس، 24 يوليو 2008

حتي لا ننسي

* كانت «لقاء» في ذلك الوقت لا تملك من رصيد الأيام إلا سنة وشهرين، حين غادرت بها أمها «سحر» من ميناء ضبا في المملكة السعودية باتجاه سفاجا المصرية قبل عامين ونصف العام..
 سقطت سحر وابنتها في البحر، تشبثت الأم بقطعة خشبية بذراعها اليمني، بينما سيطرت باليسري علي رضيعتها وظلتا طافيتين بين الأمواج، تهادنهما حيناً وتصارعهما أحياناً أخري، لكن الصغيرة لفظت أنفاسها بعد أن جمدت مياه البحر الأحمر القاسية جسدها الصغير. وقتها رضيت الأم المكلومة بالقدر، وتمنت أقل الأحلام الممكنة أن تخرج بجثة رضيعتها لتدفنها، ربطتها بحبل ولفت الطرف الآخر من الحبل علي وسطها، وبعد ١٢ ساعة خرجت الأم من البحر، سحبت الحبل فإذا به يخرج فارغاً دون الجسد البريء!
* محمد حسن.. ذلك الطفل الذي لم يتجاوز السادسة، كان هناك قبل عامين، حين خرج الدخان الأسود وأعقبه تكسير للزجاج.. ثم سقوط الناس في البحر.. وكان من بينهم والداه، شاهد الطفل أباه وأمه يسقطان في البحر.. نظر إليهما وهما يغطسان بلا عودة، أوصاه أبوه بشقيقته «رحمة»، بعد أن ألقي بهما في البحر داخل طوق للنجاة.. قال له: «إنت راجل يا محمد خلي بالك من أختك»، لكن أخته ماتت هي الأخري قبل أن يظهر بر الأمان، وصار وحيداً بلا أسرة.
* علي شاطئ الأحزان افترشت «أم فراج» الرمال المبللة بدموعها تنتظر قادما من بين الموج يرد الحياة إلي قلبها الموجوع، سألت العساكر عن ابنها المفقود: «أريده حيا»، قالوا: «صعب».. اكتوت بنار الجرح ثم استكانت وقالت: «أريده إذن ميتا»، قالوا: «صعب أيضاً».. رفضت العجوز الثكلي الاستسلام، وجلست أمام الشاطئ تنتظر فراج.
* فتاة عشرينية تستقبل الحياة، وتنتظر ليلة العرس، وتعلم أن الأب في عرس الفتاة ظهر وسند، لهذا تمسكت «نوارة» يومها بالأمل، وظلت تنتظر أن يعيد إليها الموج أباها العائد بعد غياب يحمل معه جهاز عرسها، ويستعد لوضع يده في يد عريسها لإتمام الزواج. كانت «نوارة» تحتاج أباها ليعلمها كيف تبني بيتها، ولتعود إليه إذا الزوج أغضبها، لكن أباها لم يعد ولم تعرف أين استقرت رفاته، لم تري شاهد قبره لتضع عليه الزهور وتقرأ الفاتحة.
* مازال الدكتور محمد عبدالحليم يتذكر نجليه آلاء وعبدالرحمن وهما يلعبان «البلاي استيشن»، بينما أمهما تعد لهما طعام العشاء.. عبدالحليم، الطبيب الذي تغرب من أجل أبنائه الأربعة عقوداً، يعيش الآن وحيداً وحزيناً ومفجوعاً، تطارده ذكريات أبنائه الأربعة وزوجته، الذين فقدهم جميعاً منذ عامين بعد أن ابتلعهم البحر.
* فجرالأحد المقبل، وأمام مقبرة الشهداء بمدينة الغردقة، التي تضم رفات ٧٥ ضحية مجهولة الهوية، يقف الطفل محمد والطبيب محمد عبدالحليم والمكلومة سحر، والثكلي أم فراج، والموجوعة نوارة، ومعهم مئات آخرون يقرأون فاتحة واحدة أمام شواهد قبور بلا بيانات، لا أحد منهم يعرف قبر مَنْ يقرأ له الفاتحة، وهل هو في قاع البحر أم في مقبرة المجهولين الجماعية، وما بين مقبرة الشهداء وشاطئ البحر يوزعون الزهور والآيات البينات، وكل منهم يؤمن أن الله «العادل القوي المنتقم» يعلم موقع كل ضحية ومكان كل رفات ويوزع الآيات و«الفاتحات» علي أصحابها بالعدل، قبل أن يحتشدوا في نفس الصباح في مقر محكمة جنح الغردقة ينتظرون عدلاً، مهما تطرّف في قسوته، لن يجعل أياً منهم ينسي أو يغفر.
* تذكروا فراج والرضيعة لقاء وآلاء وأشقاءها وأبونوارة.. تذكروا اليتيم محمد حسن وأباه وأمه وشقيقته رحمة.. تذكروا ألفاً و٣٤مصرياً، كفَّنهم الموج، واقتات عليهم سمك البحر.. تذكروهم اليوم وغداً وكل يوم.. ولا تنسوهم أبدا هم ومن قتلوهم بدعائكم.

الاثنين، 21 يوليو 2008

الوطن ــ الباشا

ماذا تفعل لو كنت مكان المجند الذي أمره ضابطه بالخروج بسيارة «الشرطة» ليتولي تعليم نجل الضابط ذي الـ١٣ عاماً القيادة؟
ماذا تفعل لو نفذت التعليمات بدقة ــ كما تعودت أن تفعل طوال فترة تجنيدك التي شاء قدرك أن تقضيها بين ضباط الشرطة ــ ثم تسبب الصبي في حادث وأزهق بسيارة الشرطة الحكومية أرواح أبرياء ؟
أولاً ستلجمك المفاجأة .. ثم ستدفع بك الصدمة والتفاف الناس حولك في تحفز للفتك بك إلي أن تطيح بالتهديدات وتردد اسم «الباشا» الذي تعمل معه لعل أحداً يرتدع، وعندما تأتي الشرطة تعترف بأن «ابن الباشا» كان يتعلم القيادة، وحين تصل إلي قسم الشرطة تستمع إلي «صوت العقل» ــ طوعاً أو كرهاً ــ ومع أول «قلم» يسطر كلمة في محضر التحقيقات الرسمي تعترف بأنك أنت المجرم المذنب الجاني، أنت من كنت تقود السيارة وتسببت، برعونتك، في قتل الأبرياء.
لا تتعجب من رد فعل المجند محمد أحمد فؤاد .. ولا تلمه علي موقفه، وظيفياً : أدي الرجل ما عليه باعتباره يعمل عند «الباشا» وابنه وأسرته هكذا تعلم بالتجربة، وأيقن أن مهمته الجليلة في الحياة هي حراسة الباشا ورعاية ابنه وخدمة «الهانم» زوجته.
منذ لحظة ميلاد محمد وأمه تتوسم فيه خيراً، تقول لشقيقاتها وجاراتها إن ابنها سيكون له شأن، وإن الأقدار تدخره لمهمة جليلة يخدم بها الوطن، وحول هذه البشارة دارت حياته منذ نعومتها واستمرت معه كلما شب قليلاً ينتظر البشارة فلا تأتي، يمهلها مزيداً من الوقت تبقي بعيدة، ينتظرها بضع سنوات تظل حلماً مستعصياً.
حتي جاءت اللحظة التي ذهب فيها لمنطقة التجنيد ليجد نفسه محولاً إلي معسكرات الداخلية. هناك أدرك تماماً أن المهمة الجليلة التي تنتظره لن تخرج عن نضال في الشوارع لفض المظاهرات وكبح المتظاهرين، أو نضال مواز في خدمة أحد «الباشوات»، ولما كان نصيبه الثانية، تعلم أن الأرض كروية تلف حول «الباشا» وتدور، وأيقن أن نجاحه في «مهمته الوطنية الجليلة» مرهون بمدي إخلاصه وولائه لـ «الباشا» ورضا الأخير عنه، باختصار آمن أن «الوطن هو الباشا .. والباشا هو الوطن».
علم محمد حين وقعت الحادثة الأليمة أن الوقت قد حان للفداء، وأن المعركة التي ينتظرها قد آن أوانها، وأن بشارة أمه قاب قوسين أو أدني من الحقيقة، لذلك تشبث بالفرصة حين أدرك أن «الوطن ـ الباشا» في انتظار تضحياته وبطولاته، وعليه أن يؤدي مهمته بإخلاص وطواعية لأنه قطعاً سيؤديها في جميع الأحوال.
لكنه أداها بتفانٍ نادر .. وضع نصب عينيه هدفاً جليلاً «إنقاذ مستقبل الوطن»، ولأن الوطن الذي يعرفه هو «الباشا» فقد بات مقتنعاً بأنه ليس هناك أجل وأعظم من إنقاذ مستقبل «الابن» حتي لو قدم نفسه أضحية فداء لـ«الوطن ــ الباشا».
لا تلُم إذن محمد أحمد فؤاد علي تضحيته «الوطنية»..وإلا فلتقدم له أي بديل !

الاثنين، 7 يوليو 2008

وزراء «الجنس الآري»

لا يكفي أن تكون بجذور وأصل ومكانة عبد الحكيم عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أو في نجومية الكروي والإعلامي اللامع طاهر أبوزيد، أو بثراء يحيي الكومي رجل الأعمال ورئيس نادي الإسماعيلي السابق، لتعترف بك الطبقة الحاكمة الجديدة في مصر، وتتعامل معك علي أنك «ابن ناس» تستحق أن تسير إلي جوارهم في الشارع نفسه، وتتنفس مثلهم الهواء نفسه.
لا يكفي أن تكون من سكان أرقي ضواحي القاهرة الجديدة، أو من أصحاب القصور في منطقة امتداد غرب الجولف المجاورة لسكن «الكبار» في غرب الجولف، ليعترف هؤلاء الكبار بجيرتك، وبحقك القانوني والشرعي والديني والأخلاقي والإنساني في جيرة هادئة وعادلة في الوقت نفسه.
علي مدار ٣٨ عاماً منذ رحل الزعيم جمال عبد الناصر، ونجله عبد الحكيم يعتقد أنه «ابن ناس»، حتي فاجأه رجال دولة محدثون بادعاء غير ذلك، لفظوه مع غيره من المحترمين، من إعلاميين ورجال أعمال ومهندسين وأساتذة جامعات وطيارين وأطباء، تعامل معهم وزراء ومسؤولون كبار أسبقون وسابقون وحاليون ــ بينهم الوزير السابق كمال الشاذلي رئيس المجالس المتخصصة حالياً، وفايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي، ومحمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان الأسبق، وهتلر طنطاوي رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق، إلي جانب الوزير أحمد شفيق وزير الطيران، ومأمور اتحاد الملاك... وآخرين ــ كما تتعامل الدولة مع محدودي الدخل والعوام من الناس.
رفض هؤلاء جوار نجل عبد الناصر، وأحاطوا قصورهم في غرب الجولف بسور عازل يحمي نقاءهم «الآري» من الاختلاط بـ٦٠٠ أسرة مجاورة في امتداد غرب الجولف، أشهرهم أسرة الرئيس جمال عبد الناصر.
قد يكون من حقك، إذا كنت من أولئك المرضي بكراهية الناس، أو المرضي بعشق الذات، أن تختار العزلة والانعزال، أن ترفض الزوار، وتمتنع عن المصافحات، لكن أن تأتي رغبتك «المريضة» في الخصوصية بترفع واحتقار للآخرين وإهدار لحقوقهم، فذلك ما يستحق وقفات ووقفات.
وتلك الرغبة المريضة هي التي دفعت «وزراء الجنس الآري» إلي أن يقرروا حماية أنفسهم من الاختلاط بالآخرين ببناء سور عازل وصلوا بارتفاعه إلي ٣ أمتار فوق الشارع الرئيسي، وحرموا به ٦٠٠ أسرة من استخدام النفق والمدخل الرئيسي للمنطقة، ويقطع هذا السور المنطقة بشكل ثعباني يعزل منطقة الامتداد تماماً عن باقي المنطقة ويحرمها من مرافقها بالمخالفة للقانون ـ حسب بيان للمتضررين .
«مستوطنة» الوزراء في غرب الجولف وجدارها «العنصري» ليست مجرد دليل علي وجود استغلال للنفوذ واستقواء وتواطؤ من الدولة ممثلة في وزارة الإسكان التي سمحت بانتهاك القانون وكسر المخطط العام للمنطقة، وإنشاء السور العازل، وإنما تأتي كدليل علي أن ثقافة «الكومباوند» صارت هي الشائعة والحاكمة في الوقت نفسه، وأن ما تراه في منطقة الجولف ليس مجرد صراع طبقي وإنما تجبر يمارسه فصيل في طبقة ضد الغالبية منها، مستقوياً بنفوذ استمده من مناصب لا أحد يعرف كيف حصلوا عليها ولماذا؟ ومستغلاً ذلك النفوذ في شراء قطع أراض بالتخصيص المباشر بسعر ٢٥٠جنيهاً للمتر، قبل أن تباع الأرض في المنطقة نفسها لـ «العامة والدهماء» من أمثال عبد الحكيم عبد الناصر وطاهر أبوزيد ويحيي الكومي بألف جنيه للمتر أي بأربعة أضعاف، قبل أن يقرر من اشتروا بـ«الرخيص» حرمان من اشتروا بـ «الغالي» من حقوقهم كشركاء في المنطقة، وعزل منطقة «الدرجة الثانية» عن امتدادها الطبيعي بسور عازل يحول قصورهم إلي ما يشبه قلاع المماليك المحصنة في القرون الوسطي.
تخيل أن الوزير «السابق» محمد إبراهيم سليمان، وهو من منح زملاءه هذا التخصيص «الرخيص» حين كان وزيراً، يسكن حالياً في هذه المنطقة ويرفض مجاورة أسرة عبد الناصر، ويبني بينه وبينها جداراً عازلاُ، تخيل أن وزراء جاءت بهم «مجانية التعليم» وملأت لحوم أكتافهم «بطاقات التموين» يحصنون أنفسهم في «بروج مشيدة» يفصلها عن الناس «الراقية» جدار عنصري يحتكر لهم كل شيء..
«المداخل والمخارج والخدمات والميادين والنفق»، ويحرم الآخرين في الوقت نفسه من كل الحقوق باعتبارهم كائنات هامشية أقل أهمية ونقاء في الدم، الصراع بين طبقات «الجولف» من المفترض أن يحسمه القانون، والقانون تسهر علي إعماله حكومة، والحكومة نصف أعضائها متورط في الصراع وصاحب مصلحة، لذلك كان طبيعياً أن يلجأ المتضررون إلي الرئيس ويستغيثون به، ومعظمهم يثق في تدخله لإعمال القانون بشكل أعمي، لا يفرق بين قصر مسؤول، وفيلا رجل أعمال.
صحيح أن المعركة بين أصحاب قصور فيما بينهم، وأن المتضررين من هذا هم في الأصل ذاهبون إلي هذا المكان تحت وطأة الشعور بالتميز، باعتبارهم «صفوة» بهدف عزل أنفسهم عن جموع الناس في «كومباوند» يخرجون منه ولا يدخل إليهم أحد، ففوجئوا بأنهم، وإن كانوا «صفوة»، فهناك من هم «أصفي» منهم، لكنهم في النهاية يعزلون أنفسهم بأموالهم، وليس باستغلال النفوذ وانتهاك القانون.
 وهذا ما يثبته جدار غرب الجولف العازل أن الكبار أيضاً ينقسمون فيما بينهم إلي فرز أول وثان وثالث، وأن احتقار «الطبقة الحاكمة» للمصريين ـ باعتبارها الفرز الأول النقي ــ لم يعد يستثني أحداً أو يقتصر فقط علي «الفقراء».

الاثنين، 12 مايو 2008

حكومة «مابتعرفش فرنساوي»

يحكي أن رئيس إحدي دول العالم الثالث كان مشهوراً بأسفاره وجولاته الأوروبية، غادر بلاده ذات مرة في رحلة مكوكية إلي أوروبا، ومر بعدد من العواصم قبل أن يستقر في العاصمة الفرنسية باريس في فترة حكم الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران،
 وفي الوقت الذي كانت صحف هذا الزعيم الحكومية تتباهي بهذا الإنجاز التاريخي وهذا الفتح الجديد، وهذه الغزوة المباركة، التي يقودها الزعيم المفدّي فاتحاً عاصمة النور والجمال، كانت الصحف الفرنسية تتساءل عن جدوي تلك الزيارات التي يقودها السيد الرئيس «بتاع العالم الثالث» ومردودها علي شعبه، ولا تصل لأي نتيجة سوي أن ما يقوم به ليس إلا إهداراً فادحاً للمال العام. كانت الصحف الحكومية في تلك الدولة لاتزال تتباهي بالصداقة الوطيدة والأخوة المتينة ،التي تجمع زعيمها المفّدي بالرئيس الفرنسي، وكان ميتيران في الوقت نفسه يرفض استقبال هذا الزعيم استقبالاً رسمياً، وفضل أن تكون زيارة غير رسمية.
وفي صباح اليوم التالي لوصول الزعيم إلي باريس أقام له ميتيران مأدبة إفطار في منزله الريفي، وهناك طلب منه الزعيم إعفاء بلاده من قسط الدين السنوي، متعللاً بوجود أزمة سيولة نتيجة تراجع الإنتاج وزيادة المصروفات وارتفاع معدلات الزيادة السكانية.
كان ميتيران ينصت بذهول، ولم تمنعه القيود البروتوكولية من الحديث بصراحة، وقال للزعيم المفدي: «سيدي الرئيس إذا كان هذا هو الموضوع الرئيسي الذي شرفتنا من أجله، فلابد أن أصارحك القول إنه كان من الأفضل أن ترسل لنا هذا الرجاء عبر الفاكس أو من خلال اتصال تليفوني مباشر بيننا، لك أن تتخيل سيدي الرئيس موقفي حين أطلب من نواب الشعب في البرلمان إعفاء بلادكم من قسط الدين بدعوي تعثركم وهم يرونكم تتجولون في أوروبا في رحلة تكلف خزينة بلادكم ملايين الدولارات بين طائرات ووقود وحراسة وإقامة لكم وللوفد المرافق لسيادتكم، وهي زيارة كل مردودها كان من الممكن أن يأتي عبر ورقة فاكس وتوفر كل هذا لصالح شعبكم الصديق».
لم يقتنع الزعيم الضيف لأول وهلة بما قاله ميتيران، مما جعل الأخير يواصل صراحته الصادمة ويقول: «سيدي الرئيس ربما كان النظام في دولتكم يتيح لكم سلطة مطلقة ويضعكم خارج دائرة الرقابة والحساب، وهو ما يجعلكم بعيداً عن المساءلة ولا تتوقعون أن يسألكم أحد عن تكاليف هذه الرحلة الأخيرة التي زرتم فيها عدة عواصم أوروبية وشرفتمونا خلالها، وعن مردودها المباشر علي مصالح شعبكم الصديق، لكنني ـ ولتعذرني في صراحتي ـ جزء من نظام عام لا أحد فيه فوق المساءلة والحساب،
وعليه لا أستطيع ان أتخذ قراراً بإعفاء بلادكم من بعض ديونها لدينا، دون الرجوع إلي نواب الشعب في الجمعية الوطنية ودون موافقتهم واقتناعهم، وإذا حاولت إقناعهم بأن هذه الخطوة في صالح العلاقات بين البلدين، سيكون لزاماً علي أن أجيب عن سؤال بديهي سيطرحه النواب، لماذا نضحي بأموال شعبنا لندعم نظاماً غير حريص علي أموال شعبه؟ لماذا نتعاطف مع شعب لا يجد درجة التعاطف نفسها عند حكامه؟ كيف أجعلهم يصدقون أن بلادكم تعاني ضائقة مالية، بينما يشاهدونكم تبعثرون الأموال في مدخنة محرك الطائرة؟».
تذكرت هذه الحكاية ــ التي يعرفها، علي الأرجح، الكثير من صناع القرار في العالم الثالث وبطاناتهم ــ وأنا أطالع المبررات الحكومية للزيادات الأخيرة في الأسعار، خصوصاً ما تدعيه من أنها تأخذ من الأغنياء لتعطي الفقراء.
لم تقترب الحكومة ـ التي تدعي حرصها علي توفير كل مليم وتدبير كل مورد ممكن لتمويل العلاوة الاجتماعية وفروق الأسعار ــ من مناطق كثيرة، كان من الممكن أن توفر لها ملايين الدولارات دون الاقتراب إلي أسعار السولار علي سبيل المثال، وما تبعه من زيادات مبالغة في أسعار النقل والمواصلات باعتبارها أبرز تأثير مباشر علي المواطنين.
ولك أن تتخيل ، علي سبيل المثال وليس الحصر، كم يتكلف موكب الدكتور أحمد نظيف في رحلته اليومية من منزله في القرية الذكية إلي مقر مجلس الوزراء؟ وهي تكلفة يومية تتحملها خزينة الدولة بين أسطول سيارات فارهة بوقودها، وجيش من الموظفين والحرس، إلي جانب تعطيل مصالح الناس علي الطريق الذي يتم إخلاؤه تماماً لموكب رئيس الوزراء، وما يمثله ذلك من خسائر عامة.
احسب معي تكلفة المواكب والزيارات الخاصة التي تتحملها خزينة الدولة لجميع المسؤولين، واحسب معي أيضاً ما تتحمله خزينة الدولة في ثمن السيارات الفارهة التي اعتاد المسؤولون عليها دون غيرها ويكاد ثمن الواحدة منها يتعدي المليون، بما يعني أن موكب وزير دولة يمكن أن تسير فيه بضعة ملايين علي الطريق من أجل نقل فرد واحد من منزله إلي مكتبه.
احسب كذلك تكلفة هذه الأساطيل من السيارات من وقود وقطع غيار ومردود هذا الأسطول والعائد من ورائه، واذهب إلي تأثيث المكاتب وبناء المجمعات والمباني الحكومية دون مبرر، وتكلفة الاتصالات والتليفونات المفتوحة أمام الموظفين بلا رقيب، وفواتير الكهرباء والطاقة، وتكلفة الزيارات الخارجية وما تتضمنه من مصاريف إقامة وانتقال وبدلات للمرافقين و«الصحفيين أيضاً».
اسأل نفسك عن الموارد التي يمكن تحقيقها لو نظر أولو الأمر إلي أنفسهم أولاً وبدأوا بالتقشف، واسألهم سؤال ميتيران: كيف يمكن الاقتناع بصحة القرارات الحكومية في تدبير موارد العلاوة من «لحم الحي»، وهي القرارات التي تصدر عن حكومة تهدر عشرات الآلاف من الجنيهات يومياً ثمناً لانتقال وزير من منزله إلي مكتبه؟!
غالباً لن تجد إجابة مقنعة، وستكتشف أن درس ميتيران لم يصل إليهم ولم تستوعبه عقولهم التي ألفت «المال السايب».. ربما لأنه كان يتحدث الفرنسية.. وحكومتنا «مابتعرفش فرنساوي».

الاثنين، 28 أبريل 2008

فساد «نظيف»

هل شاهدت يوماً لصاً يسرق؟، وعرفت أنه يفعل ذلك لإطعام أطفاله.. فلم تسارع إلي إبلاغ الشرطة عنه، وبدأت في مساعدته علي تسول عدد من الوجبات، من أحد المطاعم علي قدر جوع أطفاله.. ووعدته بمساعدته كل يوم في الحصول علي كمية الطعام نفسها؟
متسول إذن أفضل من لص في جميع الأحوال.. وأنت بموقفك الافتراضي هذا حققت عدة أهداف، أولها: ضمنت لأطفال هذا الرجل طعامهم، وثانيها: ضمنت للمطعم ألا تتم سرقته، وثالثها: ضمنت لصاحب المطعم الأجر والثواب، ورابعها: ضمنت للمجتمع ألا يزيد عدد اللصوص فيه لصاً جديداً.
افترض أيضاً أن موظفاً كادحاً ومطحوناً جاءك يسعي، يشكو حيرته الأزلية: الفقر من خلفه، والفساد من أمامه، والعوز يحني رأسه ويذل كرامته، والرشاوي تنهال عليه ليسهم بثمنها في فساد أعظم.. يسهل بها الاستيلاء علي أملاك الدولة.. أو هروب مجرم من العدالة.. أو إهدار حقوق علي أصحابها.
وكانت فتواك له بثقة أن يقبل الرشوة، ولا ينفذ رغبات الراشي.. أن يفك أسره من ضيق العوز ويحرر أطفاله من قسوة الفقر، وفي الوقت نفسه لا يضر بأحد غير أموال الراشي، التي هي علي الأرجح أموال حرام، تؤخذ من فاسد لحل أزمة كادح دون أن تضر بأحد غير الأول.
هل تعرف أنك بهذه الفتوي الافتراضية أيضاً حققت كثيرا من الأهداف، منها أنك ساهمت في فك ضائقة الموظف الكادح وحل أزمته النفسية، التي يواجهها كل يوم بين ضغوط الحياة من ناحية، وإغراءات الفساد من ناحية أخري، كما أنك عاقبت الراشي علي محاولته الإفساد، وقدمت أيضاً للمجتمع خدمة جليلة، حين تنتشر فكرتك فيرتدع كل الراشين بمجرد إحساسهم بأن المرتشين سيأخذون الرشوة دون ثمن.
تخيل كذلك أنك شاهدت مدمنين يمارسون التعاطي فلم تنهرهم، ولم تنهل عليهم بالتهديد والوعيد، فقط قدمت لكل منهم «سرنجة» جديدة ونظيفة ليستخدمها في التعاطي.. أنت لم تحاول إقناع أحدهم بالإقلاع عن الإدمان وربما ساعدتهم في ممارسة أفعالهم.. لكنك علي الأقل ضمنت أن يستخدم كل منهم سرنجته الخاصة، ومن ثم ضمنت علي الأقل السيطرة علي عدوي «الإيدز».. احتفظت بعدد المدمنين كما هو.. وضمنت ألا يزيد عدد المصابين منهم بمرض نقص المناعة.
والتجربة الأخيرة تحدث في إندونيسيا بالفعل.. حيث تقود إحدي الجمعيات الأهلية حملة شعارها «نحو تعاطي أنظف للمخدرات» وهي حملة تعمل علي توفير «إبرة» نظيفة وجديدة لكل مدمن، في محاولة لمحاصرة عدوي «الإيدز» بين المدمنين.
اكتشفت الجمعية، وتدعي «كريزما»، تزايد أعداد المصابين بالإيدز بين المدمنين، عن طريق الحقن الذين يزيد عددهم علي نصف مليون مدمن ٧٠% منهم مصابون بالمرض القاتل، فعملت علي تجميع عدد من المدمنين السابقين والحاليين، بعضهم مصاب بالإيدز وبعضهم نجا من الإصابة لإقناع كل مدمن «سرنجاتي» باستعمال «إبرة» نظيفة وجديدة خاصة به، تعمل الجمعية علي توفيرها له مع كل جرعة يتعاطاها وحسب الجدول الزمني الذي يحدده.
كل الدعوات التي أدعوك إليها، وكل المواقف التي أضعك فيها الأرجح أنها خطأ، والمؤكد أنك تراها لونا من الفساد أو علي الأقل تشجيعاً للخطأ.. ولكن إذا كان الفساد واقعا قائما.. فما الخطأ في أن تحاول تقليل ضرره وتخفيف كوارثه؟ ما المانع أن تدعو لـ«فساد نظيف».. أقل جُرماً وفيه قدر من المنفعة.. لك وللمجتمع أيضاً؟!

الاثنين، 31 مارس 2008

أبواب جهنم

«إن جرؤت وسألت: هل أصبحت الكنيسة دولة داخل الدولة؟ ستفتح أبواب جهنم، وتلاحقك لعنات أقلها تهمة إثارة الفتنة الطائفية»، استعرت هذه الجملة من زميلتنا القديرة «فكراً وجمالاً» سحر الجعارة ـ وهي جملة صدرت بها مقالها الأخير في «المصري اليوم» «الكنيسة: سلطة مقدسة» ـ وأنا أهم بالتعقيب علي جملة من الردود جاءتني عقب نشر مقالي الأخير «لمن تدق الأجراس»، والفكرة في الاستعارة أن جملة الجعارة كانت نبوءة تحققت بالفعل بعد نشر مقالي.
بعيداً عن الردود المؤيدة من قريب أو بعيد كان أخف اتهامات المختلفين مع ما كتبت أنه مقال «مليء بسوء النوايا»، أو انه دعوة فيها تحريض طائفي، لكن اللافت أن بعض الردود بنت منهجها من اسمي الدال علي إسلامي، حتي إن أحدهم وجه لي رسالة بصيغة الجمع يقول فيها: أنتم السبب في انفصال الأقباط عن الدولة فأنتم الذين أبعدتم المسيحيين عن المراكز الحساسة في الدولة " ولا أعرف حتي الآن ماذا تعني «أنتم»، وصاحب هذه الرسالة هو من يقول أيضاً: من الطبيعي أن تكون الكنيسة فوق القانون!!
وفي البدء ألفت أنظار هؤلاء إلي الآتي:
أولاً: لا يستطيع أحد أن يزايد علي مواقفي من المسألة القبطية ــ إن شئنا أن نسميها كذلك ــ أو يجرني إلي منطقة تنازع طائفي أنا بعيد عنها بحكم الممارسة المهنية والآراء والأفكار المعلنة والتي تأتي في مجملها انتصاراً لمطالب المساواة والمواطنة الحقيقية وعلي من يريد التأكد من ذلك العودة إلي أرشيف المصري اليوم وقراءة مقالات " فتنة بنك فيصل ١٨/١٢/٢٠٠٦ ــ الوطن الجمر ٢٥/١٢/٢٠٠٦ ــ الدستور وحده لا يكفي٨/١/٢٠٠٧ وذلك مثالاً وليس حصراً.
ثانياً: لست أنا من أقام دعوي قضائية اختصم فيها الكنيسة فهو مواطن من «الشعب القبطي» مسيحي أرثوذكسي لجأ إلي القضاء للحصول علي ما يعتقد أنه حقه وحصل علي حكم قضائي بهذا الحق، ولست أنا قطعاً من أصدر الحكم.
ثالثاً: القول «إن الحكم القضائي لم يصدر لتفسير نصوص دينية أو التدخل فيها، وإنما جاء تدخلاً في قرارات القائمين علي الشأن الديني»، يمكن أن تجده في بيان الأمانة العامة لقضاة مجلس الدولة الذي رد من خلاله القضاة علي حملة التعليقات التي أعقبت حكم الإدارية العليا وما صاحبها من استخفاف لا يليق بحكم قضائي.
رابعاً: قلت في مقالي إن الأزمة ليست في الحكم، ولا في الجدل اللاهوتي حول القضية، وليست محاولة نقدية لنصوص «مقدسة» في العقيدة الأرثوذكسية، الأزمة والخطر الحقيقي في رد فعل قطاع عريض من المسيحيين الأرثوذكس في مصر تقودهم الكنيسة الأم برأسها وقياداتها، والذي لم يكتف بالتحفظ، وانما امتد إلي التعليق علي الحكم وفي بعض الأحيان التقليل من أهميته باستهزاء.
إذن القضية بالنسبة لي لم تكن تدخلاً في عقيدة ولم تكن: هل يجوز للمطلق الزواج مرة أخري أم لا، وإنما كانت في الدولة التي تصدر أعلي محكمة إدارية فيها حكماً لا يعتد به أحد، ويقابله أحد مراكز القوي فيها باستخفاف واضح.
خامساً: لم يعقب أحد علي تقديم الكنيسة لمرشحين في انتخابات المحليات، ولم ينف الأنبا داوود مطران الدقهلية تصريحاته في هذا الشأن رغم مرور ٢١ يوماً تقريباً عليها، ولم يقل أحد هل من المناسب أن يكون للكنيسة مرشحون؟ وهل من دورها أساساً التدخل من قريب أو بعيد في العملية السياسية؟
سادساً: قلت في مقالي إنني مع دولة مدنية لا كهنوت فيها ولا ولاية فقيه، وأعتقد أن مجرد طرح ذلك انتصار لقضايا الأقباط وليس استعداء لهم باعتبار الدولة المدنية الحل المثالي لمسألة تهميشهم التي لم أنكرها يوماً.
سابعاً: هناك اعتراف ضمني في معظم الردود التي جاءتني بتحول ولاء الأقباط سياسياً الي الكنيسة دون الدولة واتفاق علي أن سبب ذلك هو الدولة نفسها وممارساتها طوال الثلاثة عقود الماضية وهو أمر لم أنكره وهاجمته ومازلت أهاجمه لأن ممارسات الدولة فيها تجاوز واضح في حق الوطن، وتحصن الأقباط بالكنيسة فيه انسحاب وتحسُب لمجهول مخيف.
ثامناً: أسهل شيء في الحياة تأويل الناس والتفتيش في نواياهم والمزايدة وتوجيه اتهامات لا هدف منها سوي مزيد من الضجيج و«اللغوشة» التي تختفي تحت تأثيرها أصوات العقل.

الجمعة، 28 مارس 2008

شرف الحدود

«الحدود القومية لأي وطن ليست علامات جغرافية يرسمها المهندسون، وإنما شرف الأمة، وسياج السيادة، الحدود الوطنية هي المرادف الموضوعي لكرامة الأمة.. والمساس بشرف الحدود هو جريمة غير قابلة للمغفرة من أي أمة حية، ولا فرق في ذلك بين أن يأتي المساس بالحدود عفوًا أو سهوًا، أو يأتي عمدًا وقصدًا، فهو في كلتا الحالتين جريمة».
ربما تتذكر هذه السطور التي تصدرت افتتاحية جريدة «المصري اليوم» في منتصف نوفمبر من عام ٢٠٠٤ في اليوم التالي لاستشهاد ٣ جنود مصريين برصاص إسرائيلي غادر قرب الحدود، وتتذكر الغضب الشعبي الذي استبد بالجماهير في تلك الفترة، تذكر ذلك وحاول أن تسأل: ما الفرق في أن ينتهك حدودك عدو جارح أو صديق جائع؟ وما الفرق بين إدارة الدولة لانتهاك حدودها عبر الرصاص الإسرائيلي، وإدارتها لانتهاك حدودها عبر القنابل البشرية الفلسطينية؟
الإجابة لاتزال هي الفشل الذريع، وافتقاد الرؤية، وغياب الوعي الاستيراتيجي، وافتقاد القدرة علي الفعل الاستباقي، وحصر حركة الدولة في دائرة رد الفعل الضيقة جدًا.
بالقطع إنك تدرك أن أمان الحدود أقدس ثوابت الأمن القومي وأهم وظائف الدولة، والتنازل عن هذا الدور لغريب أو قريب هو تنازل مباشر عن شرعية الحكم والنظام.
وقعت الدولة المصرية - للأسف - في عدة أخطاء استيراتيجية دفعت إلي هذا الزحف الفلسطيني العشوائي علي الأراضي المصرية حتي وصلوا إلي حدود الدلتا والصعيد، أبرزها صمتها علي الأوضاع في غزة، وسماحها - عبر الصمت - بتحويل القطاع إلي سجن كبير، ولأنها لم تتوقع أن يتحول هذا السجن إلي قنبلة موقوتة لن تنفجر إلا في وجهها، تناست الدولة أن معاناة الفلسطينيين في غزة ليست مجرد قضية تعاطف بين أشقاء في العروبة بقدر ما هي قضية أمن قومى فى الأساس.
وعندما أرادت الدولة، تحت وطأة ضغط شعبى، أن تتدخل لتخفيف هذه المعاناة الجارحة إنسانيا، وقعت فى خطأ أشد فداحة، ورفعت الغطاء عن الإناء الذى ىغلى فجأة ودون مقدمات، فكانت الفوضى، وكأنها - أى الدولة المصرية - لا تجيد وسطًا بين التضييق والكبت من جهة، وبين الفوضى والانفلات من جهة أخري، وفي هذا دليل علي غياب الوعي والرؤية الاستيراتيجية.
اقرأ بنفسك تصريحات رجل فاعل في مؤسسة الرئاسة والحزب الحاكم والبرلمان، في حجم د. زكريا عزمي عن ضبط فلسطينيين في بني سويف، وأحزمة ناسفة، لتعرف حجم التفريط الذي أقدمت عليه الدولة في سبيل كسب رضا شعبي مندفع بعاطفة ليس إلا، وكان من الممكن أن تقدم علي حل أكثر واقعية وعملية وأقل خطورة علي الأمن القومي، بالسماح بإدخال الشاحنات المصرية المزودة بالوقود والمواد الغذائية إلي القطاع - طالما قررت التدخل - دون السماح لفلسطيني واحد بالعبور إلي الجانب الآخر.
ليس هذا تحريضًا مني علي الفلسطينيين، ولكنه تأكيد علي واحدة من أهم ثوابت الأمن القومي التي لا يمكن التنازل فيها أو التفريط، أمن قومي يضمن سلامة الحدود وأمانها، ويضمن في الوقت نفسه تفاعلاً حقيقيا وأكثر جدية مع المشكلة الفلسطينية لضمان بقاء الوضع الإنساني - علي الأقل - عند الحد المشرف الذي يعد التنازل عنه - أيضًا - تفريطًا في إحدي ثوابت الأمن القومي!

الاثنين، 24 مارس 2008

لمن تدق الأجراس؟!

اخترع عدد من فقهاء القانون و«ترزيته» في هذا العصر، مصطلح المواد «فوق الدستورية»، وهي المواد التي لا يجوز الطعن عليها أو إثارة الشبهات الدستورية حولها، حتي لو بدت متناقضة ومتنافرة ومختلفة تمام الاختلاف مع روح الدستور وفلسفته.. وأحياناً نصوصه الواضحة. ورسخت ممارسات بعض المؤسسات الكبيرة في مصر مصطلح «فوق القانون»، وهو ترجمة لممارسات فعلية تقوم بها هذه المؤسسات، التي تبني مواقفها علي الضرب بالقانون عرض الحائط، وبالأحكام القضائية كذلك، تعتبرها حبراً علي ورق، لا يمكن تنفيذها، طالما جاءت غير متوافقة مع مواقفها.
تذكر كل ذلك وأنت تتابع موقف الكنيسة المصرية من أزمة الزواج الثاني للمطلق، حكم نهائي وملزم من المحكمة الإدارية العليا، بحق المسيحي المطلق في الحصول علي تصريح بالزواج الثاني. الأزمة ليست في الحكم، ولا في الجدل اللاهوتي حول القضية، وليست محاولة نقدية لنصوص «مقدسة» في العقيدة الأرثوذكسية، الأزمة والخطر الحقيقي في رد فعل قطاع عريض من المسيحيين الأرثوذكس في مصر، تقودهم الكنيسة الأم برأسها وقياداتها، والذي لم يكتف بالتحفظ، وإنما امتد إلي التعليق علي الحكم، وفي بعض الأحيان التقليل من أهميته باستهزاء، والتصريح بأنه مجرد حبر علي ورق.. وبالبلدي من يريد الاعتداد به «يبله ويشرب ميته».
يكفي أن تقرأ تصريحات لقيادات كنسية تقول جملاً صادمة مثل: «الكنيسة لن تعقد أي زواج بناء علي هذا الحكم.. واللي عاوز ينفذ الحكم يروح الشهر العقاري». ولابد أنك عرفت أن هذا الرد الكنسي العنيف، أخرج قضاة مجلس الدولة الموقرين عن صمتهم وهدوئهم ودخلوا في هذا الجدل «القانوني _ اللاهوتي»، حتي إنهم أصدروا بيانا أكدوا فيه أن الرئيس الديني في شريعة الأقباط الأرثوذكس، لا يجوز له مباشرة اختصاصاته بمنأي عن أي قواعد تنص عليها هذه الشريعة، وأن ممارسته هذه السلطة تخضع لرقابة القضاء، لبيان ما إذا كان هذا الرئيس الديني محقا في امتناعه عن إعطاء هذا الترخيص بالزواج، أم أنه تجاوز سلطاته المنوطة به، ولا يعد ذلك تدخلا من القضاء في الشأن الديني، وإنما هو إعلاء لهذا الشأن، لتحقيق مقاصد وأهداف الشريعة، وإيجاد الموازنة بين قرارات القائمين علي الشأن الديني وحقوق المواطنين، التي حماها الدستور دون تجاوز لها.
إذن فالحكم القضائي لم يصدر لتفسير نصوص دينية أو التدخل فيها، وإنما جاء تدخلاً في قرارات القائمين علي الشأن الديني.. والفارق كبير بين العقيدة في أصلها، والقيادة الدينية التي تقوم علي هذه العقيدة، لكننا نحاول في مصر دائماً أن نمنح القيادات الدينية قداسات مستمدة من قدسية العقيدة ذاتها، فيبدو وكأن هناك توحداً بين الرموز الدينية والعقائد، فيظهر انتقاد الرمز الديني كأنه كفر، والتعليق علي فتاواه وعظاته، وكأنه هرطقة، ولهذا جاء حكم الإدارية، ليؤكد من جديد أن القيادات الدينية بشكل عام، ليسوا شأناً مقدساً ــ مع كل التقدير ــ ويخضعون مثل غيرهم لرقابة القانون والقضاء.
لكن حكم الإدارية في شأن المطلق المسيحي وحقه في الزواج الثاني، لم يكن الناقوس الوحيد، الذي دق هذا الأسبوع، فيما يخص وضع الكنيسة المتفرد والمغرد وحيداً خارج الدولة وقوانينها ونظامها العام، فلابد أنك قرأت أيضاً الأسبوع الماضي خبراً، يقول: «إن كنائس المنصورة تحتج علي تجاهل الوطني ترشيحاتها في المحليات».. ببساطة قال الأنبا داوود، مطران الكنائس الأرثوذكسية في المنصورة لــ«المصري اليوم»، إنه مستاء من تجاهل الحزب الوطني في الدقهلية ترشيحات الكنيسة، التي رشحت ٥ من أبنائها لخوض انتخابات المحليات، بناء علي طلب أمين الحزب في المحافظة. وقال داوود إن مصطفي عقل، أمين الحزب، طلب من الكنيسة ذلك، وأضاف: «فوجئت عقب إعلان ترشيحات الحزب بأن (عقل) تجاهل ترشيحات الكنيسة، واكتفي بترشيح ٤ من الأقباط، بينهم ٣ فقط من كشف الكنيسة، دون الرجوع إلينا في أولوية الترشيح، ودون احترام ترشيحات الكنيسة».
لا يحتاج الخبر كما تري إلي تعليق، فالكنيسة تقدم مرشحين بطلب من الحزب الوطني الحاكم ذاته ــ والساهر المفترض علي مدنية الدولة ــ وتحتج الكنيسة علي تجاهل ترشيحاتها مثل أي قوة سياسية موجودة في المجتمع، حتي إن الحزب قدم مرشحين أقباطا بالفعل علي قوائمه في الدقهلية، لكن الكنيسة اعترضت، لأن من اختارهم الحزب الحاكم لم يكونوا من مرشحيها.
الخلاصة من كل ذلك ــ ولا أدعي أنني جئت بجديد ــ أن الكنيسة تمارس دوراً مستقلاً تماماً عن السياق العام للدولة، وما تطمح إليه غالبية مواطنيها ــ علي رأسهم الأقباط ــ في دولة مدنية حاكمها الأول والأخير، هو القانون ولا كهنوت فيها ولا ولاية فقيه.
ولك أن تسأل عندما تتحكم الكنيسة في زواج القبطي وطلاقه، وتتحكم في ممارسته حقوقه السياسية، وتتدخل في ترشيحاته، وتدعم صعوده، وتعاقبه، فتعمل علي هبوط أسهمه، يلجأ إليها حين «تُسرق محفظته» ويتظاهر أمامها حين يحرق زرعه، وتقود بالنيابة عنه المصالحات.. فلمن سيكون ولاؤه الأول والأخير للدولة أم للكنيسة؟!
إذا لم تكن الكنيسة قد أعلنت دولتها الدينية بالفعل، وتمارس ولاية هذه الدولة علي مواطنيها من الشعب القبطي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودستورياً.. فبماذا نسمي كل هذا؟ وإذا لم يكن كل ذلك تعبيرا عن انفصال حقيقي.. فبماذا تعرفون الانفصال؟!

الاثنين، 3 مارس 2008

«أبونيه» أسامة الباز

المكان: محطة مترو «سعد زغلول»
الزمان: السابعة من مساء الأحد الماضي
(١): الرصيف مزدحم بالناس علي غير المعتاد في مثل هذا التوقيت، وأنا متوكئ علي عصاي أشق طريقي بين الزحام حتي مقدمة الرصيف، باب عربة المترو ينفتح أمامي، دون أن تظهر فيه ثغرة تسمح بالمرور، العربة «كومبليه» لم ينزل منها أحد، ومع ذلك ركب جميع المنتظرين علي الرصيف.. كيف؟ «لا تتعجب.. إنها إرادة الله»!
(٢): أنا في داخل المترو بعد أن جرفتني موجة البشر إلي الداخل، في البدء خاب رهاني في العثور علي راكب يترك مقعده بشهامة لشاب يتوكأ علي عصا مثلي، وتغيرت خططي إلي النضال من أجل مستقر آمن في ركن بعيد عن الباب، خوفاً من أن تجرفني موجة أخري إلي الخارج في محطة «أنور السادات» التالية، والتي تشهد مع زميلتها محطة «حسني مبارك» أكبر عملية تلاحم بين الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه.. برجاله ونسائه.. بشيوخه وأطفاله، تلاحم بين موجات داخلة وموجات خارجة، نادراً ما ينتهي دون ضحايا.
(٣): أنا مازلت أخترق الصفوف في اتجاه الباب الخلفي، بينما هو يناضل بين غابات البشر ليحافظ علي ثبات وقفته، استقرت عدستا عيني عليه، إنه هو ولا يمكن أن يكون شبيهاً له، لكن لا مانع من التأكد: «إزيك يا دكتور أسامة؟» هكذا قلت فور أن أصبحت في مواجهته. ورد بلكنته الشهيرة: «الحمد لله.. الله يخليك».. إنه هو بعينه أسامة الباز إذا كنت مازلت تتذكره «المستشار السياسي لرئيس الجمهورية» يقف في عربة المترو مثله مثلي يتلقي «زغدة» من هنا وكتفاً من هناك، ويطغي أحدهم بحذائه الغليظ علي حذائه اللميع دون أن يعتذر.
(٤): الرؤية تزداد وضوحاً بعد «محطة السادات» كثافة الزحام تقل بالشكل الذي يسمح لي بتسليط عيني «زوم إن» علي قبضة يده اليمني أصابعه تلهو بتذكرة مترو بيضاء «اشتراك» ـ لوهلة مثلك لم أصدق ـ اقتربت بالعدسة «الرباني» أكثر من أصابعه.. تذكرة بيضاء بخط أسمر في المنتصف، «أبونيه» موظفين رسمي يتنقل به المستشار السياسي لرئيس الجمهورية بين محطات المترو، مترجلاً ووحيداً و ـ لا مؤاخذه ـ مواطناً.
(٥): حوار بسيط وسريع دار بيني وبينه : اسمي أحمد الصاوي صحفي في «المصري اليوم».. أهلاً بك، وأنا أسامة الباز «دبلوماسي» بالقطع أعرف من هو، لكن هؤلاء الذين يزاحمونه ويتركونه واقفا ربما لا يعرفون، والأرجح أنهم يعرفون، لكن أكثرهم غير مكترث، وبعضهم يقول: طالما قبل عيشتنا فليتحملها دون استثناءات.
اقتربت منه أكثر: «إنت لسه مقاطع الموبايل؟.. طبعاً لا أحبه ولا أستخدمه».. «أنا رايح حفل توقيع كتاب في المعادي.. وأنا في طريقي لزيارة صديق».
(٦): ألف سؤال دار في رأسي في دقائق معدودة استغرقتها الرحلة القصيرة ما بين السياسة والتاريخ، كنت أعرف أن وجوده في المترو ليس رد فعل لخروجه الفعلي من «المطبخ المركزي»، الذي يذيق الناس إنتاجه طوعاً أو كرهاً، أسمع أن تلك قناعته وثقافته واختياره، أن يعيش باسمه وليس بمركزه، قال لي أصدقاء كثيرون إنهم شاهدوه علي المقاهي ومترجلاً في وسط القاهرة، لكنني في هذه المرة: «شفت بعيني ما حدش قالي».
(٧):٣٠ عاما قضاها الرجل خلف الستار في أعلي وأقوي مواقع النفوذ كفيلة بتفجر الأسئلة، لكنني سألت نفسي: هل من اللائق أن أفسد علي الرجل هذه اللحظة التي ينسي فيها وظيفته، وربما يستمتع بوقوفه بين بشر لا يكترثون به لأقوم «بغتاتة» بلفت أنظار هؤلاء إلي وجود رجل من علية القوم بينهم؟! لا يليق ولا يجوز والأرجح أيضاً أنه لن يفيد.
(٨): وصل المترو إلي محطة «المعادي»، حيث من المفترض أن أنزل، استأذنته في الانصراف، أعرب عن سعادته بالفرصة «مجاملة دبلوماسية» بينما عيناه تكنان امتناناً لنهاية الصحبة دون تضييق أو مزيد من التطفل، صحبة انتهت بأقل الخسائر.. نزلت والرجل لايزال مسنداً ظهره علي الباب الخلفي، دون أن يكترث به أحد، وهو ما يريده بالفعل.
(٩): بعض الأصدقاء يحمِّلون الرجل مسؤولية تاريخية عن كل ما يحدث في هذا البلد، يصفه صديق بأنه أحد صناع «الاستبداد» في مصر، وأحد منظري حالة «اللا قمع.. واللا حرية»، لكنني ما إن خرجت من باب المترو حتي توصلت إلي ما أدعي أنه حقيقه.. ٣٠ عاما وهذا الرجل يعيش في القصر، يتنقل مترجلاً ويستقل المواصلات العامة ويرتاد المقاهي.. ومع ذلك لم يغير بسلوكه أي شيء طوال هذه المدة، مازال أصغر مسؤول في البلد قادراً علي إغلاق أهم إشارة مرور حتي يمر، وقادراً علي تفريغ المترو من ركابه، إذا ما جاءته الرغبة لارتياده، ٣٠ عاما لم يغير سلوك أسامة الباز شيئاً.. فهل كان من الممكن أن تساهم «مشورته» في أي تغيير.. الأرجح أنه كان مستشاراً لا يستشار، وإذا استشير لا يؤخذ بمشورته، إلا إذا لاقت هوي عند صاحبها.. الغريب أن كل هذا يطرح سؤالاً آخر: لماذا قبل واستمر.. ومازال؟! تلك قضية أخري!!

الخميس، 28 فبراير 2008

تلفيق الموت والحياة

ما قرأته في «المصري اليوم» أمس ليس قصة سينمائية، إذا كنت قرأت، فأنا أقصد ما نشرته زميلتنا فاطمة أبو شنب في الصفحتين الأولي والرابعة عشرة، وإذا كنت لم تقرأ فأنصحك بالعودة إلي عدد أمس من المصري اليوم، طالعه علي الانترنت أو قم بشرائه بأي ثمن، لكن لا تسمح بأن يفوتك هذا العدد بالتحديد.
أستطيع أن أحكي لك ما تضمنه تقرير فاطمة بالتفصيل، لكنني لا أريد أن أحرمك من لحظة الدهشة والعجب، لحظة ضرب الكف علي الكف، اللحظة التي تهون فيها كل الأساطير التي تكتظ بها الدراما التليفزيونية، وكل الخدع السينمائية التي يتفاخر بها صناع الفن السابع، لا واقعية أوضح من ذلك، ولا تراجيديا تفوق هذا، فاليوم سقط شكسبير من علي عرش إبداعه ليحتل مكانه بامتياز ضباط مباحث طنطا، أو علي الأقل ــ حتي لا نعمم ــ فريق المباحث الذي كان يعمل هناك قبل ٨سنوات مضت.
شقيقان اتهمهما رئيس المباحث بقتل آخر، وأصر في اتهامه وتسبب في الحكم عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة، وبعد قضائهما ٨ سنوات خلف القضبان فوجئا بالقتيل اللذين يقضيان عقوبة قتله يزاملهما في السجن حياً يرزق معهما من نفس «الأروانة».
المسألة ليست خطأ في الإجراءات أو التحريات ــ كما يمكن أن تتخيل ــ وليست أدلة مادية صارخة، هي كما قلت لك سابقاً إصرار من رئيس المباحث علي تلفيق الموت والحياة، وتقديم الشقيقين لمذبح الترقيات والمكافآت.
من واقع تقرير فاطمة أبو شنب «الخطير جداً» اتهم الرائد خالد إبراهيم رئيس مباحث قسم أول طنطا الشقيقين إبراهيم ومحمد أبو السعود بقتل حاتم رمضان عبد السميع وشهرته «شكمان» بعد أن أبلغ أحد الشقيقين ـ ويعمل زبالاً ـ عن عثوره علي جثة لمجهول في مقلب الزبالة. الرائد أصر علي أن الجثة لشكمان، رغم أن أحداً لم يتعرف عليها حتي أهل شكمان نفسه، ثم أحضر شاهدين أجبرهما علي الاعتراف علي الشقيقين مستخدماً التعذيب والإرهاب، والأدهي أن «شكمان» نفسه كان يعلم عن اتهام الشقيقين بقتله، وحاول الوصول للمحكمة لإثبات أنه علي قيد الحياة، لكن ضابط المباحث هدده وتوعده ونفاه إلي دمياط حتي حكمت المحكمة علي الشقيقين بالأشغال المؤبدة.
كل هذه الوقائع لم تسردها فاطمة من خيالها، إنها من واقع محضر رسمي لمأمور سجن طنطا أقر فيه المتهمان بما سبق، وأقر فيه «القتيل الحي» أنه لا يزال علي قيد الحياة، وأن المباحث هي التي لفقت موته، وأصرت عليه، حتي إن أهله لم يتعرفوا علي الجثة المجهولة وقرروا أنها ليست جثته، ورفضوا استلامها لدفنها.
كل ما حكيته لك يجب ألا يمنعك من العودة إلي عدد أمس وقراءة التقرير كاملاً.. فالسطور التي سبقت ليست إلا «الأفيش» لكن التفاصيل أكثر إثارة، وتتابع المشاهد أكثر دراماتيكية، خاصة السيناريو الذي وضعه الرائد خالد إبراهيم حول دوافع القتل، وطريقته.
قبل ٨ سنوات كان الرائد خالد إبراهيم رئيساً لمباحث قسم أول طنطا، والعقيد شكري حامد وكيلاً للمباحث الجنائية بالغربية، والنقباء أيمن صالح، ووليد الصواف، ومحمد خضير، إلي جانب الملازم أول محمد عاصم ضباطا ومعاوني مباحث في الغربية، وكانوا جميعاً أعضاء فريق البحث والتحري الذي قطع بيقين كامل أن الجثة التي تم العثور عليها في مقلب الزبالة هي جثة «شكمان» ــ رغم نفي أهله ــ وأن قاتليه هما الشقيقان محمد وإبراهيم أبوالسعود، وأن الجريمة تمت بدافع سرقة ١٥٠ جنيهاً. قالوا لشكمان: «مت» فمات، وتحمل وزر دمه شقيقان، متهمان بريئان في جريمة قتل رجل حي، هذا هو التجديد الذي قدمته مباحث طنطا لدراما التجاوزات في أقسام الشرطة.
اليوم كل من الأسماء السابقة من المفترض أن رتبته تضاعفت، ومسؤولياته تزايدت، ووضعه المهني ازداد «باشاوية» ونفوذاً خلال ٨ سنوات من العمل.. لن أسود الدنيا في وجهك وأقول لك إن التعذيب منهجي في أقسام الشرطة وأن كل ضباط الشرطة هؤلاء.. ولن أدعو ــ بثورية شاب منفعل ــ وزير الداخلية للاستقالة أو الاعتذار، لن أطلب منه تحمل وزر رجاله، وهو الأحق بالمسؤولية، أعرف أنه سيفتح تحقيقا كاملا في المسألة، وربما ينتهي بتسليم الضباط إلي قصاص القضاء كما حدث مع غيرهم.
 لكنني فقط أريد أن أعرف رتبة كل منهم الآن، وموقعه بالضبط، قولوا لنا: أين الضباط خالد إبراهيم، وشكري حامد، وأيمن صالح، ووليد الصواف، ومحمد خضير، ومحمد عاصم، الذين كانوا في مباحث الغربية قبل ٨ سنوات، الآن ؟ وما المواقع التي تشغلها ــ نماذج كتلك ــ حالياً، سمحوا لأنفسهم بتلفيق الموت والحياة من أجل ترقية أو علاوة، ومازالوا يؤتمنون علي مصائر الناس وقضاياهم وحقوقهم حتي الآن. 

الاثنين، 25 فبراير 2008

مصر التي ليست أمه

هذا الرجل غني، بأصدقائه، وأصدقاؤه أغنياء بالحكمة والفلسفة، إذا كنت تعرف "أباظة، والحاج عاشور، ومنصور شجرة، ورؤوف وزه، ومأمون عجمية، وشوماخر العنتبلي، والبشبوري، والكابتن كنعان، وهياتم الهبو، وممدوح مونتجمري، وعزت بلتكانة، وعسران، والمارشال بهلول" فلابد أنك تعرف أسامة غريب، ومن يعرف أسامة غريب فلا شك أنه حسن الحظ مثلي.
أصدقاء أسامة غريب السابق ذكرهم ليسوا "ناس هفأ"، كما يمكن أن تتصور أو تفترض من طبيعة أسمائهم، فكل منهم له فلسفته وموقفه ورؤيته ووجهة نظره، وتلك ــ للمصادفة ــ صفات المثقف الحقيقي.
بدأ أسامة غريب رحلته مع الكتابة الساخرة بـ"هزار" ربما أراد في البدء أن يسخر من نفسه أو من أصدقائه فإذا به يتحول ـ عن قصد أو رغبة ـ منه إلي حالة مستجدة ومحببة تعيشها صباح كل خميس مع "المصري اليوم" تستمتع بسخريته منك ومن نفسه ومن أصدقائه ومن "العيشة واللي عايشينها". سطور تبدأ بسخرية والمفترض أن تنتهي بتفكير لا تؤثر عليه القهقهة السينمائية التي تنتابك فور انتهائك من التهام سطوره، تلك القهقهة المتطابقة تماماً مع قهقهته الصافية حين تلقاه وتبادره بقصة طريفة أو يباغتك بموقف ساخر.
حين تقرأ في كتابه "مصر ليست أمي.. دي مرات أبويا" الصادر مؤخراً عن دار ميريت، تعليق مأمون عجمية علي دعاة الأنساب والأحساب والألقاب الذين يتباهون بالأصول التركية والدماء الفرنسية بقوله: "يعني ماحدش أمه غسالة غيري؟" تكتشف أن ما قلته لك عن شخصيات أسامة غريب وفلسفتها حقيقي، يكفي تساؤل عجمية العبقري في نهاية قصته: أيهما أشد فتكاً بالمصريين.. حكم الباشوات ذوي الأصول الأرستقراطية الذين لا يعرفون عن مصر سوي أنها منجم للعمالة والخدم بأجر بخس، أم حكم المصريين أبناء من كان "يسرح بقرد"، ومن كان يبيع "أم الخلول" فلما أوصلته تضحيات المصريين لأعلي السلم ركل السلم بقدمه ليمنع صعود غيره؟!
ربما تفقد كثيراً إذا لم تتعرف علي نظرية "عزت بلتكانة" في خربشة الكارت.. إنها ببساطة الطريقة الوحيدة التي تفسر لك آليات الصعود والهبوط ــ علي الأقل حتي الآن ــ لن تسأل نفسك بعدها لماذا يقدمون هذا ويؤخرون ذاك، ولماذا يصعد "النواقص" دائماً؟ عند عزت بلتكانة الخبر اليقين، هؤلاء هم من "خربشوا الكارت" فكسبوا الوزارة والإمارة دون موهبة أو أداء رفيع، وعلي من لايجيدون " الخربشة.. الامتناع"!
«كان مميزاً بين أقرانه، أكثرهم ذكاء ومهارة وقدرة علي التخطيط، مات والده ولم يكمل تعليمه، استصلح أرضاً حتي أوشكت علي العطاء، استولي عليها الموظفون بحجة أن أوراقه ناقصة دمغة! بدأ من جديد وادخر قرشين وضعهم في شركة توظيف أموال، تعاون الرجل الملتحي والحكومة الحليقة علي الاستيلاء عليها، منحوه ١٠% من مدخراته صابون ومكرونة، جلس علي الرصيف لبيعها، باغته أمناء الشرطة وصادرت البلدية البضاعة، بدأ من جديد واشتري "توك توك" ومازال يناضل ويحلم ببناء مستقبله الذي أوشك علي أن يصبح وراءه، ومازال لديه أمل في الزواج والحياة "، هو ممدوح مونتجمري.. مواطن مصري بامتياز!
الأرجح أن شخصيات أسامة غريب حقيقية، هم أصدقاء من لحم ودم، وربما كانت شخصيات حقيقية "بتصرف" لكنها نماذج إنسانية منوعة، وحواديت تترجم واقعنا، تدفعنا للضحك، ولكنه ضحك كالبكاء.
عزيزي أسامة: مصر ليست أمك.. وليست أمي، والأرجح أنها ــ بالمعني والمضمون ــ ليست أم أحد نعرفه ــ غير عفاف راضي طبعاً ــ تفتكر هي أُم مين بالضبط؟!

الأحد، 24 فبراير 2008

كلام من قلبي.. ولقلبي

وقع قدميه علي الأرض لايزال في أذني، أسمعه كل صباح بمجرد دخولي مقر الجريدة، خاصة في تلك المرات التي أحضر فيها مبكرأ قبل اكتمال صفوف الفريق، الذي يقدم لك كل صباح وجبة «المصري اليوم» الطازجة. خطوات لها دبيب منتظم، جدة وصرامة وانتظام وأداء في العمل، مازلت أحمله دستورا لا أجروء علي خرقه.
لم يكن عادل القاضي، الزميل والرئيس والصديق ومدير تحرير «المصري اليوم» السابق، وأحد الأضلاع الأساسية التي قامت عليها تجربة التأسيس، مجرد صحفي مهني، ولم يكن ذلك أبرز ما فيه فقط، كان إلي جانب ذلك «قطارا» في أخلاقه، مستقيماً كقضبانه، لا يحيد يميناً أو يساراً.
اليوم تمر ثلاث سنوات علي مغادرته الجريدة، ورغم ذلك مازلت أري سن قلمه وهو يصطاد الأخطاء في الموضوعات بتلقائية، بينما عيناه تنظران لموضوع آخر، أو تدققان في «بروفة» إحدي الصفحات.
- كثيرون مروا علي «المصري اليوم» وغادروها - الأسباب ليس من المهم سردها ــ لكن المهم أنهم تركوا ما يستوجب تذكرهم، ساهموا كل علي قدر طاقته ومسؤوليته في تأسيس هذه الجريدة المختلفة، ووضعها عند نقطة الانطلاق من الهادئ الخلوق هشام قاسم إلي أصغر محرر دفع إلي صفحاتها كلمة واحدة، ومن بينهم بقي هشام قاسم، العضو المنتدب السابق للجريدة، نموذجاً شديد الروعة لمسؤول تختلف معه، لكن لا تملك إلا أن تحبه وتحترمه، مسؤول في يديه الحل والعقد، ولكن في ذروة المواجهة معك لا ينسي أبداً حقوقك، إنه نعم الرجل حين يظهر ما يبطن، ويبطن ما يظهر، لا أحترم في حياتي أكثر من أصحاب المواقف والخيارات المعلنة .
- كنا صغاراً حين فتح لنا أنور الهواري، رئيس التحرير السابق، مدرسته. علمنا - في وقت كانت فيه المهنة عنواناً للتفريط - أننا يمكن أن نرتزق منها بحلال وكبرياء، نفخ فينا من حماسه ودأبه، وصعد بنا إلي «فوق السحاب»، ترك فينا أثراً من الصعب زواله. لا يمكن أن أنسي اجتماعه الصباحي المبكر في قسم الأخبار والتفافنا حوله نقتسم الإفطار، فيشيد بهذا ويعنف ذلك بإحساس معلم، لا مصلحة له سوي نجاح تلميذه.
- الليلة بينما أكتب هذه السطور أفتقده، لم يكن ياسر الزيات مجرد زميل زاملته شهوراً، ولم يكن رئيس عمل، كان قدرًا حلوًا، مر علي عمري كالبرق، لكن وميض نوره لايزال في الأعماق، رئيس لا يسمح لك أن تتذكر ولو لحظة أنه رئيسك، لا يقف أمامك، وإنما يفسح لك الطريق بقلب شاعر وعقل إنسان، وروح قائد، مهمته بناء الآخرين، لا هدمهم.
- الليلة أجد الذاكرة مكتظة بأسماء تضيق بها هذه المساحة، أعطوا من جهدهم لهذا المكان، ومن مشاعرهم أيضاً، جهد لا يمكن إنكاره، ومشاعر ألمسها حتي الآن.. أسماء عدة أذكر منها مثالاً وليس حصراً، محمد البرغوثي، وثابت عواد، وحسن القمحاوي، وماجد علي، ومحمد عزالدين، وأشرف عبدالغني، وجمال الجمل، وسعيد الشحات، وناجي حسين، وعاليا عبدالرؤوف، وشهاب الوراقي، ومني أبوالنصر. أتذكركم اليوم في عيد الحب، واثقاً من أنني سأجد من يتذكرني يوما ما.
كلام من قلبي وإلي قلبي: كل سنة وأنتم طيبون.

الاثنين، 4 فبراير 2008

دوللي شاهين و سايكس بيكو

* قبل ٦ سنوات كان علي المنبر يزهو ويتباهي بفوز المنتخب الإيراني لكرة القدم علي المنتخب الأمريكي بهدفين مقابل لا شيء، في إطار منافسات كأس العالم لكرة القدم التي جرت في ألمانيا.
يومها فوجئنا بأن خطبة الجمعة موضوعها رياضي بدأها بالإشادة بلاعبي إيران وبمستوي التكتيك الذي اعتمده مدربهم، وانتهي منها إلي اعتبار الفوز هزيمة منكرة لدولة الشر والتجبر والكفر، ودليلاً علي أن المنهج الإسلامي الذي اعتمدته إيران قادر علي الصمود في وجه أمريكا بجلالة قدرها و«مرمغة» اسمها في الوحل وإلحاق شر الهزائم بها!
وأنهي الرجل خطبته داعيا الناس إلي العودة إلي الإسلام ويومها سنهزم أمريكا في كل شيء، معتبراً أن النصر الإيراني ليس مجرد انتصار في مباراة كرة قدم بقدر ما هو نصر «تاريخي» يحمل تأكيداً علي أن هذا الكيان الشرير «أمريكا» ينتظره مصير عاد وثمود ودولة الفراعين «الكفرة عبده الشمس والأصنام»، وأن هزيمته والقضاء عليه ممكنة جداً، فقط علينا أن نحذو حذو إيران، ونصدق القول والفعل والإخلاص، ويومها ستنصرنا السماء كما نصرتنا بملائكة تحارب في بدر، وفي حرب أكتوبر، وأخيرا في مباراة إيران مع أمريكا في كرة القدم!
* بضع سنوات مضت وكان لي نصيب وأديت فريضة صلاة الجمعة في نفس المسجد، وكان الرجل ــ للمصادفة ــ مازال علي نفس المنبر وهذه المرة كان موضوع خطبته الآية الكريمة «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة»، وكانت المناسبة هي إعلان الرئيس مبارك ـ ومن قبله نجله جمال ـ دخول مصر عصر الطاقة النووية، وما لحق ذلك من إجراءات تنم عن «جدية الشروع في إنشاء أول محطة نووية سلمية لتوليد الطاقة»، لكن الرجل اعتبر أن الإعلان أيضاً قرار تاريخي وتأكيد علي دخول مصر العصر النووي لتلحق بكل من سبقها في «النادي النووي»، وتستعد للأعداء بقوة ردع جديدة كفيلة بحماية مصر والعرب والمقدسات الإسلامية!
واستطرد الرجل داعياً إلي تحالف نووي بين الدول الإسلامية «باكستان وإيران ومصر» وتبادل الخبرات للوصول إلي درع إسلامية كبري تفرض مظلتها علي كل العالم الإسلامي وتواجه الهيمنة والاستعمار والاستعلاء الغربي الصليبي!
* قبل أسابيع كان الرجل في المكان والمقام نفسه يعدد أسماء المشاهير في الغرب الذين أشهروا إسلامهم بعد أن اكتشفوه علي حقيقته، وتخلصوا من تأثير الإعلام «الصليبي» الذي يشوه صورة الإسلام والمسلمين، ومن محمد علي كلاي إلي مايك تايسون مروراً بسيرة الأميرة ديانا ــ التي أصر علي أنها ماتت مسلمة وشهيدة ــ و انتهاء بدوللي شاهين التي قال إنها أسلمت وأشهرت إسلامها في الأزهر الشريف بينما تناضل في ساحات القضاء للتطليق من زوجها الذي رفض إشهار إسلامه وفضل البقاء علي ديانته المسيحية المارونية.
دوللي شاهين اللبنانية الجنسية والمصرية الإقامة والمسلمة الديانة، تحولت عند صاحبنا إلي رمز جديد من رموز الإسلام وتأكيد علي انتشاره، حتي إنه دعا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلي التضامن معها ودعمها في معركتها للتخلص من زوجها الذي لا تجوز استمرار العشرة معه شرعاً، مضيفاً أنها صارت من نساء الإسلام شرفها من شرف المسلمين، وعرضها من عرضهم!
ولم ينس، وهو ينهي خطبته بالدعاء، أن يدعو لدوللي بالنصر والثبات وقوة الإيمان.. والناس في المسجد يرفعون أكفهم إلي السماء في تضرع ويرددون خلفه: «آآآميييين»!
* كانت الأولي مجرد مباراة في كرة القدم لن تهز أمريكا كدولة ولن تضيف لإيران كأمة، وكانت الثانية مجرد شروع في إنشاء محطة توليد كهرباء نووية وسلمية لم توضع فيها بعد طوبة واحدة، وكانت الثالثة امرأة أسلمت لن تضيف للإسلام شيئاً مهماً ولن تخسر المارونية بسببها شيئاً مهماً، حتي لو كانت مطربة مثل دوللي شاهين.
* لكن المفارقة أني رأيت نفس الرجل قبل أيام في نفس المسجد وعلي نفس المنبر يصف تفجير الفلسطينيين أجزاء من الجدار الحدودي بأنه فتح جديد وهزيمة نكراء لقوي الاستعمار التي وضعت هذه الحدود المصطنعة بين أبناء الأمة الواحدة، ونهاية تاريخية لاتفاقية «سايكس بيكو» التي وضعت هذه الحدود!
* أخيراً انتصرنا علي الاستعمار وهزمنا «سايكس بيكو» وأعدنا صنع التاريخ.. وتحيا الوحدة العربية..!